أكرم القصاص

ونحن نبنى

ونحن نبنى بسرعة نظام تعليمى جديد وتأمين صحى شامل، وهى مشروعات تستهلك الكثير من الجهد والمال، يدفعه المصريون على أمل أن تكون خطوات للدخول فى سياق الدول الحديثة، وتقديم خدمة للمواطن تليق بكرامته وطموحاته. 
 
ويقاس نجاح أى مشروع بمدى ما يوفره للمواطنين، والأهم بمدى الاستمرارية والجودة فى الخدمة، وهذا هو الشغل الشاغل للجميع انتظارا لتلقى نتائج هذه الجهود التى تبذلها الدولة فى كل اتجاه، وهذا هو مثار حديث الرئيس فى افتتاح المشروعات التعليمية والطبية أمس وفى كل مرة، حيث يتم التركيز على أهمية الإدارة وتوفير الميزانية والتركيز على استمرار الخدمة وتجويدها. 
 
وبقدر ما تبدو الخطوات التى تتحقق فى مجالات الصحة والتعليم مبشرة، مشروع التعليم الجديد الذى يعلن عنه وزير التعليم طارق شوقى، ويبدأ من الحضانة هذا العام، وتعلن وزير الصحة هالة زايد عن تطوير المنشآت الطبية استعدادا لتطبيق التأمين الصحى الشامل.
 
ويمثل  مشروع الفحص والعلاج لفيروس الكبد سى، واحدا من أكثر المشروعات القومية نجاحا، ويستحق القائمون عليه كل الدعم، فقد كان فيروس سى سببا فى وفاة ملايين المصريين خلال العقود الأخيرة ولا توجد أسرة فى مصر لم تفقد واحدا أو أكثر من أفرادها بالفيروس الكبدى اللعين، ولهذا فإن هذا المشروع واستمراره أحد أهم الإنجازات التى تؤكد أن توفر الإدارة أساس أى تحرك.
ويفترض أن نستفيد من تجربة مواجهة الفيروس الكبدى فى أى مشروع تطوير للطب والعلاج.
 
  كان نجاح حملة فحص وعلاج فيروس سى الذى فتك بالمصريين خلال 40 عاما مشروعا ناجحا، وهناك حاجة لدراسة هذه التجربة وأسباب نجاحها والاستفادة منها فى مجالات الصحة وفى أمراض مثل الأمراض المزمنة والضغط والسكر والقلب والسرطان التى تمثل تهديدا حقيقيا لصحة المصريين، وهى التى ترفع من أعداد المرضى فى قوائم الانتظار، ولو تم توفير علاج مناسب فى وقت مناسب للأمراض المزمنة يمكن تقليل الأعداد فى قوائم الانتظار من 40 ألفا إلى 17 ألف حالة يمكن توفير العلاج لها بشكل مناسب.
 
 وزير الصحة الدكتورة هالة زايد، أعلنت عن إنهاء تطوير 31 مستشفى تأمين صحى بـ6 مليارات جنيه حتى يونيو المقبل، ومستشفى نموذجى بكل محافظة لتطبيق نظام التأمين الصحى الجديد، وفى الوقت نفسه اعترفت بوجود أخطاء فى واقعة وفاة مرضى الغسيل الكلوى بديرب نجم بمحافظة الشرقية، وقررت اتخاذ الإجراءات.
 
 الرئيس السيسى قال إنه لن يترك مخطئا، وإن حساب المقصرين سيكون بالقانون، وأشار إلى أهمية أن يسيطر كل مسؤول فى منشأة صحية على مفاصل المنشأة ونقاط الضعف، وهذه الإشارة تشير إلى أخطر نقاط الضعف فى المنشآت الطبية والتعليمية، الإدارة هى النقطة الأساسية التى يفترض التعامل معها والتعلم من التجارب الناجحة، حتى لا تقع أخطاء.
 
والواقع أن الاستمرارية والجودة والصيانة تمثل أهم نقطة فى الإدارة والمتابعة، سواء بالوزارات أو المحافظات أو المنشآت. 
 
وإذا كان إنشاء المبانى والمستشفيات والمدارس، خطوة مهمة، تظل هناك أهمية لوجود نظام إدارى يضمن استمرار العمل فى هذه المنشآت بشكل ناجح، وأيضا توفير الصيانة المستمرة للمبانى والأجهزة،  وتوفير التدريب للأطباء والمعلمين بالشكل الذى يضمن الاستمرار فى تقديم الخدمات وتطويرها.

القسم: 

فى الوقت

فى الوقت الذى نتابع فيه تصريحات الدكتور طارق شوقى وزير التعليم عن تطوير التعليم ومشروع جديد يمثل ثورة فى العملية التعليمية، تظل هناك بعض المظاهر تمثل نوعا من التناقض مع ما يطرحه الدكتور شوقى، الدكتور طارق طرح خلال الأيام الماضية الكثير من الأفكار يشخص فيها مشكلات التعليم، واعتماده على الدرجات والامتحانات بوصفها غاية وليست وسيلة، كما يعلن عن خطوات جديدة فى شكل الكتاب المدرسى وإدخال التكنولوجيا والتاب والإنترنت، ويهاجم تجارة الكتب الخارجية التى تطبع فى بير السلم ويعد بكتاب مدرسى حديث شكلا ومضمونا. كما يتحدث عن تدريبات للمعلمين حتى يمكنهم التفاعل مع أهداف التطوير.
 
وطبيعى أن يكون حلم المواطنين نجاح تطوير التعليم، والخروج من الحالة التى لم تعد مناسبة للعصر، مع تساؤلات عما إذا كانت أزمة التعليم فى نقص التكنولوجيا أم فى انتشار الكتب الخارجية والملخصات والكتب الخارجية، ومتى يمكن للمواطنين الشعور بأن التعليم يسير على الطريق الصحيح بعد عقود كان التلاميذ حقل تجارب لكل أنواع المغامرات، وزير التعليم يعترف بمشكلات وأمراض التعليم، ويعد بنظام جديد للتدريس والمناهج والامتحانات، وهى تعديلات لن تظهر نتائجها قبل سنوات.
 
يقول الوزير: «اللى عندنا ده مش اسمه تعليم.. هناك دول سبقتنا.. البعض يرى التعليم مجرد وجاهة وشهادة على الحائط والمفروض أننا نساعد الذى يريد أن يطور مش نقذفه بالطوب»، ويقول أيضا: «أنا متربى فى المدارس الحكومية 9 سنين.. تعلمت فى جامعة القاهرة كلية الهندسة، وماجستير فى أمريكا، والتعليم فى مصر كان ممتازا فى الستينيات، وكانوا بيدوروا علينا بره ويخدونا وأنا سافرت بمنحة».
 
كلام الوزير يعنى أن التعليم لم يكن طوال الوقت سيئا، وأنه وغيره تعلموا فى مدارس الحكومة، وأن هذا التعليم تخرج منه الباحثون والعلماء، وقال الدكتور أحمد زويل كلاما مشابها عن مستوى التعليم فى مصر وأنه وغيره تعلموا بشكل جيد، وهذا الكلام يعنى أن التعليم لا يقوم فقط على مظاهر شكلية أو تقنيات فقط، لكن على أسس ربما تكون اختفت خلال عقود، ولو عدنا إلى هذه السنوات ربما اكتشفنا أنها تزامنت مع الدروس الخصوصية والتوسع فى الكتب الخارجية.
 
يقول الدكتور طارق شوقى أيضا: تعاقدنا على 700 ألف تابلت سيتم توزيعها على الغنى والفقير، وامتحانات الثانوية العامة لن يتدخل فيها العنصر البشرى، ستكون على التابلت والتصحيح سيتم إلكترونيا، والكتب الخارجية هتكون على التابلت مجانا داخل المدرسة، وقال إن تكلفة توصيل الإنترنت لكل المدارس 2.5 مليار جنيه، وأنجزنا 2400 مدرسة حتى الآن، الوزير دائما ما يشير لأصحاب المصالح من مافيا الكتب الخارجية والدروس الخصوصية، ممن يعارضون التطوير، وفى نفس الوقت وأمام تصريحات الوزير المهمة، تبدو المظاهر القائمة فى المدارس الخاصة وأيضا فى المجال العام للتعليم بعيدة عما يطرحه الوزير، الدكتور طارق شوقى يركز على المناهج والتكنولوجيا، والمدارس الخاص تبحث عن مزيد من الأموال وطلبات خرافية لا علاقة لها بالتعليم، وتستمر عمليات إنتاج وتوزيع الكتب الخارجية، وتزدحم «مراكز» الدروس الخصوصية على آخرها بالتلاميذ الباحثين عن «الدرجات والشهادات». وهو ما يبدو فى واد مختلف عما يطرحه الوزير.
 
الدكتور طارق شوقى يرد على من يشككون فى مشروع التطوير بالتأكيد انه ليس خواجة: «أنا قعدت فى أمريكا 17 سنة واشتغلت أستاذ فى الجامعة هناك وعملت أيضا فى الأمم المتحدة 13 سنة وده أتاح لى إنى أرى كل أنظمة التعليم وأهميته فى تقدم الأمم.. ويقول: «وقف النزيف سيبدأ من الثانوية، والنظام الجديد سيبدأ من رياض الأطفال، وعايزين الأهالى يساعدونا».
 
والطبيعى أن المواطنين يريدون نظاما تعليميا محترما، يرفع عن كاهلهم الأعباء والتكاليف الضخمة التى تبدو كأنها تضيع فى الهواء، سواء فى الكتب الخارجية أو الدروس الخصوصية، ويعرف الناس أن التعليم تحول إلى تجارة أغلبها غير مشروع، لايختلف الأمر فى المدارس العامة عن الخاصة، الكل فيها سواء والدروس الخصوصية توحد الجميع، بينما تخلو المدارس من التلاميذ، وربما تكون أهم خطوة كاشفة عن نجاح التطوير فى التعليم هى عودة التلاميذ للمدارس، وعودة الهيبة والاحترام للمعلم.   
 
الحديث عن التابلت والإنترنت، وإتاحة المناهج على الأجهزة تثير هى الأخرى مخاوف وتساؤلات، لأن التلاميذ يجيدون استعمال التكنولوجيا، لكنهم يذهبون إلى عالم آخر من التسلية وتفرض عليهم عمليات التسويق والدعاية الانشغال بما هو خارج التعليم، وبالتالى قد لا يكفى توفير المناهج على التابلت، لكن إتاحتها فى شكل مشوق وجذاب، وقد اكتشفنا مثلا أن هناك آلاف الفيديوهات على بنك المعرفة للأطفال لكن البنك نفسه غير معروف بين التلاميذ، وبالتالى فإن الأمر ربما ل ايكون فقط بالتكنولوجيا، لكن بنشره وتسويقه وجعلها جزءا من عملية التعليم.

القسم: 

عندما يكون

عندما يكون هناك 16 ألف فيديو للأطفال على بنك المعرفة ولا أحد يعرف عنها شيئا، نحن بحاجة إلى مراجعة طريقة تسويق ودعاية لبنك المعرفة، تضعه على خريطة المعارف والمواد المتاحة على شبكة الإنترنت.
 
بنك المعرفة يفترض أنه يحوى مواد علمية وثقافية تكلفت كثيرا، ولها لينكات مع مواقع ثقافية وعلمية دولية، ومع هذا يبدو وجوده على سطح عالم الثقافة والمعرفة أقل كثيرا من قيمته، وربما يكون بحاجة إلى جهد دعائى وترويجى يضعه على خرائط المعارف العلمية والثقافية على مواقع التواصل الاجتماعى، خاصة ونحن فى بداية عام دراسى جديد، وفى حالة تسويق بنك المعرفة بين التلاميذ، يمكن أن يملأ فراغا معرفيا موجودا بين التلاميذ.
 
مناسبة هذا الكلام تصريح الدكتور طارق شوقى، وزير التربية والتعليم، فى مؤتمر صحفى ناقش فيه مشكلة الكتب الخارجية والتعليم والمدارس الدولية الرخيصة، وقال: إنه تم توفير 16 ألفا و700 فيديو للأطفال على بنك المعرفة يتم تجديدها يوميا، وأن هذه الفيديوهات تمت مراجعتها من قبل متخصصين، ودعا شوقى أولياء الأمور إلى أن يأخذوا بيد الطفل للاستفادة من تلك الثروات الحقيقية، وقال إن هناك مسلسلات للأطفال فى المناهج وخلافه.
 
وزير التعليم كان يتناول موضوعات مختلفة، منها تحذيره من كتب خارجية يتم إنتاجها وطرحها من دون ترخيص، وأن الكتب المدرسية تمت طباعتها بشكل متطور، وبشكل ومضمون مختلف وجديد، وقال إن الاعتبار عند ختم شهادة الطلاب سيكون هو التعلم وليس عدد الدرجات، وقال: «هناك ثقافة تحفيظ وثقافة تعلم وفهم، والوزارة تتبنى فكرة التعلم والفهم، واعترف بأن آلاف الطلاب فى التعليم الفنى «مش بيعرفوا يقرأوا ودى جريمة وكل ده هيقف».
 
وبقدر أهمية ما يطرحه وزير التعليم ويمثل تشخيصا لأزمة التعليم، هناك ترقب لما تسفر عنه نتائج هذه الخطوات، التى تصطدم بأصحاب مصالح داخل وخارج الوزارة، وليس سهلا مواجهة الكتب الخارجية، والدروس الخصوصية التى أصبحت ظاهرة من عقود، وكلاهما يمثل مصالح واسعة تقاوم التحديث والتغيير.
ويوما ما كانت الكتب الخارجية يضعها مؤلفو الكتاب المدرسى، ضمن عملية تداخل وتشابك عميقة، واليوم نحن أمام مصالح قطاعات واسعة من المجتمع، تقوم على الكتاب الخارجى والدرس الخصوصى.
 
ولا يمكن الانتقال من الحفظ إلى الفهم من دون العودة إلى النقطة الرئيسية، إعادة الاعتبار للقراءة والثقافة والمكتبة، خاصة مع اتساع الإمكانيات التقنية التى تتيح الكتاب الإلكترونى والفيديو والوثائقيات، وهناك حاجة لتسويق بنك المعرفة بشكل أوسع، خاصة أننا إذا أجرينا استطلاعات رأى بين التلاميذ عن مدى معرفتهم بوجود بنك المعرفة وهذه الفيديوهات، سنجد كثيرين لا يعرفون عنها شيئا، وإذا كنا قد أنفقنا ملايين على تجهيز وإطلاق بنك المعرفة، لا مانع من إطلاق برامج ترويجية تعرف المستخدمين به، وتقدم لهم المواد الثقافية بشكل شيق وسهل، مع وضع برامج للقراءة الحرة وإدخالها ضمن الأنشطة المدرسية، لأن بنك المعرفة بحاجة إلى تسويق يجعله على رأس الأولويات.

القسم: 

كل دول

كل دول العالم لديها أنظمة تعليم مستقرة تطورت عبر الزمن، أما نحن فمازلنا طوال عقود نبدل ونغير أنظمة التعليم أكثر مما نغير ملابسنا، مع الأخذ فى الاعتبار أن التعليم المحلى أنتج عشرات ومئات العلماء والمفكرين فى الداخل والخارج، ويصاب المراقب بالدهشة وهو يرى محاولات ربط تطور التعليم بألوان الجلاد ومسميات زمزمية الماء أو صندوق الغداء، وتخترع تفاصيل مثيرة للدهشة ليس من بينها التعليم. لدينا مشكلات فى التعليم تتوزع على المناهج وطرق التدريس وحجم ما يدرسه التلميذ وحجم ما لا يدرسه، وكيف يمكن اختبار درجة الاستيعاب والفهم والحفظ، وهى مشكلات يعرفها كل من يعمل بالتعليم أو يسعى لتعليم أبنائه.
 
بالطبع تطورت الدنيا وتقدمت طرق التعليم وأنظمة التدريس فى العالم مع توالد نظريات جديدة، وكل دولة فى العالم لديها نظام للتعليم، اليابان وبريطانيا وأمريكا وكوريا والصين وروسيا وألمانيا وسويسرا، كل منها تستند إلى نظريات وخبرات وتجارب، بينما لم نتوقف طوال عقود عن استهلاك وترديد الكثير من النظريات عن أفضل طرق التعليم، وفى كليات التربية يتداول المتخصصون الكثير من النظريات حول التعليم وأفضل طرق التلقين، وهل الأفضل الحفظ أم الفهم، وتدريس الرياضيات والعلوم واللغات.
 
وعندما نختار، فإننا نأخذ من كل تجربة قطعة، والنتيجة لدينا تراكمات وطبقات من التجارب أقرب للطبقات الجيولوجية، والنتيجة الطبيعية أن لدينا فى مصر العشرات من أنظمة التعليم الحكومى العادى، والتجريبى، والمعاهد القومية، والمتفوقين، وحاليا اليابانى الذى يدخل الخدمة، أما التعليم الخاص، لدينا الخاص العادى وبمصروفات متوسطة، ثم الخاص الأعلى، والبريطانى والأمريكى والإنترناشيونال والفرنسى، والخاص المميز، وشديد التميز، وواسع الطيف وعميق المناهج والخلطة السرية، والمصروفات بين خمسة إلى 300 ألف وأكثر فى السنة، وكل منها تقدم نفسها على أنها الأفضل والأكثر التزاما بالتعليم.
 
كل هذه الأنواع من التعليم ولدينا دروس خصوصية متسعة ومتشعبة ومتجذرة، وتبدو مستعصية على المواجهة، وفى نفس الوقت تقريبا أكثر من أربعة أخماس طلاب الثانوية العامة مثلا لا يذهبون للمدارس، وإنما للدروس والأوراق والملخصات، وهو نظام يعترف به الجميع من أوائل إلى أواخر الثانوية، أى أنهم يعترفون بأن الامتحان هو الغاية، وهناك فروق نسبية، لكن يظل التفوق من نصيب من يمكنهم التعامل مع هذه التشابكات والتجارب المتقاطعة، وتلتقى المدارس ذات الكثافات الأعلى مع نظيرتها ذات الكثافة المرتفعة من دون أن توجد نظرية ناجحة تتحدث عن ربط عدد التلاميذ بالفهم، والدليل أن من يشكون من وجود أربعين تلميذا فى الفصل يذهبون لمركز دروس خصوصية مع خمسين وربما 100 تلميذ، وهو أمر ينسف أى نظريات للتعليم والاستيعاب.
 
لا نريد أن نكون متشائمين، ونحن أمامنا تجارب كان التعليم فيها متقدما وخرج علماء وخبراء فى كل المجالات، وكان هذا فى زمن الكتاب والمريلة تيل نادية، والقلم الواحد، والكشكول الواحد، وما قبل اختراع «السبلايز» بعقود طويل، وربما يكون الحل فعلا فى إزالة تراكمات العصور السابقة من التجارب والاستمرار فى نظام مستقر لعدة سنوات، والعودة للمدارس وليس خارجها، ويفترض أن يكون التعليم أسهل فى ظل أدوات التكنولوجيا والاتصال، لكن بعد إزالة أثار التجارب المتراكمة، فالتعليم فى النهاية يعتمد على العقل والفهم والرأس والكراس وليس فقط «السبلايز واللانش باج».

القسم: 

هل يكفى

هل يكفى تحويل أسماء الحاجات من العربى إلى الإنجليزى ليصبح التعليم متطورا وعصريا؟ وبعد أن دخل التعليم من مرحلة «اللانش بوكس واللانش باج»، و«سبلايز ليست supplies list» تتحقق المنظومة المأمولة للانتقال بالتعليم من المانيوال إلى الديجيتال. القصة وما فيها أن المصريين على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية والاقتصادية يهتمون بالتعليم، وعلى استعداد للاستدانة والحرمان من الطعام والملابس ليوفروا لأبنائهم التعليم. فى مدارس حكومية أو تجريبية، أو معاهد قومية، خاصة عادية، أو بريطانية فرنسية أو أمريكية، أو «إنترناشيونالية». وكل حسب إمكانياته.
 
لكن لأن السادة تجار التعليم يعرفون ذلك، يحاولون انتزاع أى أموال من جيوب وقلوب أولياء الأمور، ولا يمكن لوم أسرة تدفع نصف دخلها من أجل أن يحظى أبناؤها بتعليم يؤهلهم ويطور مهاراتهم ويفجر طاقاتهم، حتى يصلوا إلى سوق عمل محترم.. واللوم هنا على غياب الرقابة وترك التعليم ليتحول إلى نوع من المضاربة والتجارة، وأصحاب المدارس الخاصة أو أغلبهم يمارسون الاتجار بشكل علنى، ولا يكتفون بمصروفات تتضاعف بلا منطق، لكنهم يخترعون مطالب لا منطقية وطلبات خرافية، بدءا من «سبلايز ليست» وصولا إلى أتوبيس المدرسة، مرورا بباقى التفاصيل التى يحولونها من الاختيار للإجبار.
 
ولا توجد أى مؤشرات على أن الأموال التى تجمعها المدارس ولا نصفها ولا حتى ربعها تذهب إلى التعليم، ثم إن مصير «السبلايز» مجهول ولا أحد يعلم إن كانت تذهب إلى المخازن أو إلى مسارات أخرى خارج نطاق التربية والتعليم وداخل نطاق «الاستنفاع اللامنطقى». وقد توسعت المدارس فى طلباتها لأنها لم تجد جهة تسأل أو تمثل أولياء الأمور بوصفهم مواطنين لهم طاقة وحقوق، ولا توجد قواعد للمدارس وحدود للمطالب الخرافية التى تطلبها، وهو ما يضطر بعض أولياء الأمور للشكوى لكنهم لا يجدون آذانا صاغية وربما بعضهم لا يملك أن ينقل أولاده إلى مكان أرخص هربا من المطالب الخرافية. ومن حق أصحاب المدارس أن يحققوا توازنا ماليا، لكن بعضهم يكدس ثروات ولا يدفع ضرائب رهانا على أن القانون غير موجود، وإذا كانت الدروس الخصوصية مستمرة لا يمكن الحديث عن تعليم حديث أو قديم.
 
وقد يرد أصحاب المدارس «وانتوا مالكم» والأسر تدفع باختيارها ولا أحد يجبرهم، ومن حق الأغنى أن يدفع أكثر ليضمن لأبنائه تعليما جيدا، وهو أمر منطقى شكلا وفى المضمون هناك مبالغة فى أسعار المدارس تمثل نوعا من المضاربة أشبه بالمضاربة فى سوق العقارات، تحول التعليم إلى تجارة وليس خدمة، ثم إن ترتيب التعليم فى مصر يعنى أن التعليم الخاص والعام معا بعيد عن الجودة والمعايير المتبعة دوليا، بما يشير إلى تحويل المدارس إلى سوبر ماركت يسوق بضاعة خالية من الضمانات.
 
وإذا كان هناك حديث عن تطوير للتعليم يفترض أن يتضمن كل المؤسسات التعليمية ولا يفترض أن تبقى المدارس الخاصة خارج ما يجرى وكأنها جزر ذات امتيازات، تحصل على إعفاءات وحوافز، وفى النهاية تتاجر فى التعليم. ثم إنها تمثل نوعا من التفرقة بين المواطنين، ومن الصعب الثقة فى تعليم كل ما يقدمه أن يحول «الأبلة» إلى «ميس»، والأستاذ إلى «مستر» والأدوات المدرسية إلى «سبلايز ليست».

القسم: 

مايزال مسؤولو

مايزال مسؤولو «فيس بوك» يخضعون للمساءلة أمام الكونجرس الأمريكى، منذ أبريل الماضى، على خلفية اتهامات بتسريب بيانات المستخدمين، واستمرار المواد المزيفة والحسابات الوهمية، وقد اعترف مارك زوكربيرج، أمام لجنة التحقيق بالكونجرس، فى أبريل الماضى، بعمليات اختراق الخصوصية وبيع الحسابات، والتأثير فى آراء المواطنين أثناء الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وقبلها استفتاء الخروج البريطانى من الاتحاد الأوروبى «بريكست»،
 
آخر ما أعلنته إدارة «فيس بوك»، أنها اضطرت لحذف 1.27 مليار حساب وهمى خلال 6 أشهر من أكتوبر إلى مارس الماضيين، حسب ما أعلنته شيريل ساندبرج، المدير الحالى لـ«فيس بوك»، فى جلسة الاستماع أمام لجنة الاستخبارات فى مجلس الشيوخ الأمريكى. وكشفت عن مساعى فريق أمنى للموقع الاجتماعى الأكبر لفهم كيفية قيام الجهات الفاعلة السيئة بمهاجمة الأفراد والشبكات، وكيفية حماية المستخدمين، وأنهم أزالوا 836 مليون محتوى مضللًا من «شبكات التضليل.
 
الرقم المعلن للحسابات الوهمية التى أزالها «فيس بوك» يساوى ما يقرب من نصف عدد المستخدمين النشطين والذى تجاوز 2.5 مليار فى العالم. ويشير إلى حجم الشبكات المضللة والوهمية والمزيفة التى يمثلها الأفراد، وفى نفس الوقت من الصعب على «فيس بوك» أن يزيل كل الحسابات الوهمية لأنه يفقد الكثير من المشتركين.
 
وفى يوليو الماضى، أجرى موقع تويتر، عملية جرد كشفت عن تفاصيل العالم الوهمى لحسابات بعض المشاهير، والشعبية البلاستيكية الافتراضية، عندما أجرى عملية تنظيم للحسابات، وتخلص من الحسابات المقفلة والوهمية والمريبة، وفقد العديد من المشاهير والسياسيين المؤثرين عشرات الآلاف من المتابعين، فقد الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» 300 ألف متابع، بينما فقد الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما أكثر من 400 ألف متابع، وفى مصر والعالم العربى اختفت مئات الآلاف من الحسابات الوهمية، لتكشف عن عمليات شراء للفلورز بمئات الآلاف لصناعة تأثير وهمى. وهو ما تكشفه تنقية مئات الملايين من الحسابات الوهمية على «فيس بوك».
 
وتتواصل جلسات الاستماع أمام الكونجرس الأمريكى بغرفتيه، بحثًا عن طريقة عمل مواقع التواصل الأكثر تأثيرًا، لكن من الصعب توقع حدوث تغييرات كبيرة فى طريقة عمل هذه المواقع، خاصة أنها تتسع بشكل كبير وتسبق أى  محاولات لتنظيمها. فقط الأمر يتعلق بإعادة اكتشاف تفاصيل وموضوعات ظلت فى إطار الشكوك، تفجرت لأنها اقتربت من الناخب الأمريكى، لكن «فيس بوك» فى الواقع ومعه مواقع التواصل المختلفة هى مواقع تجارية، تبيع مساحات لأغراض تجارية وإعلانية أو سياسية غير مباشرة.
 
وحتى إن نجحت محاولات التخلص من بعض الحسابات الوهمية، أو منصات مزيفة، فمن الصعب أن تتجاوز الصفات الإنسانية لدى مستخدمين لدى بعضهم ميول إجرامية أو عقد نفسية وازدواجية أو غياب للعقل ونشر للكراهية العرقية والدينية والمذهبية. والاستقطابات السياسية التى تترجم إلى مدفوعة، تمثلها اللجان الإلكترونية.
 
وبقدر ما تتيح «فيس بوك وتويتر ويوتيوب» ومواقع التواصل لمن يريد الكثير من الفوائد والتسلية والمعرفة، فإن الشائعات والأخبار الكاذبة تمثل أعراضًا جانبية تفقد تأثيرها مع الوقت، لكن تبقى قابلة لتلقى حملات ابتزاز وأكاذيب، تزيد وتنقص لكنها لا تنتهى، من دون توفر درجات من الوعى قد لا تتوفر للعابرين ومحترفى الشائعات.

القسم: 

منذ سنوات

منذ سنوات أصبح تنظيم القاعدة مجرد كومبارس فى ساحات الإرهاب بعد أن غطت على صورته تنظيمات أكثر إرهابا، أبرزها داعش، التنظيم الأكثر دموية وأعلى فى توظيف الدعايات. 
 
 داعش خطف النجومية من القاعدة لفترة، قبل أن يفقد بريقه بعد هزائم متعددة، وهى هزائم جاءت بعد أن أدى التنظيم دوره فى توفير مساحات من الفوضى فى الشرق الأوسط التعيس، القاعدة كان التنظيم الذى منح الولايات المتحدة الأمريكية مسوغات غزو أفغانستان والعراق، بعد إعلان القاعدة أنها نفذت هجمات 11 سبتمبر، وداعش أكمل مهمة القاعدة، ونشر مساحات من الفوضى تتطلب عقودا كثيرة لتنتهى تأثيراتها وحقق لرعاته بعض أهدافهم وحول الربيع العربى إلى ربيع دموى يأكل الشعوب بدلا من أن يقدم لها مستقبلا. 
 
ساهم القاعدة ومن بعده داعش والنصرة وطوابير التنظيمات الاستخبارية، فى تعميق الصراعات العرقية والدينية والمذهبية، وأطاحوا بآمال الشعوب العربية فى مستقبل حقيقى، وأكملوا مهام الطغاة فى تفتيت العراق وسوريا وليبيا واليمن.
 
 توارى تنظيم القاعدة، خاصة بعد مقتل أسامة بن لادن، وبقى مجرد فلكلور إرهاب، بينما احتل داعش الصورة، واعتاد الزعيم الحالى للقاعدة أيمن الظواهرى الظهور كل فترة وإعلان بيان مسجل يهدد فيه ويتوعد ثم يدخل فى كمون، انتظارا لمناسبة أخرى.
 
ظهر أيمن الظواهرى مؤخرا فى فيديو موسمى، بمناسبة فى الذكرى الـ17 لهجمات 11 سبتمبر، وبالرغم من أن تنظيم القاعدة والظواهرى أصبحا فى وضع ضعيف وخارج حسابات الزمن، ويبدو أن الولايات المتحدة تبقى عليه لاستعماله كحجة دائمة لوجود تهديد، والدليل أن الظواهرى خرج ليدعو أتباعه إلى شن هجمات جديدة فى الولايات المتحدة، وليذكر بأن التنظيم هو من نفذ الهجمات.
 
بعد شهور من الانقطاع أطلق الظواهرى خطابه الفلكلورى، ليدعو المسلمين لشن حرب ضد الولايات المتحدة و«تدميرها اقتصاديا وعسكريا حتى تخرج من البلاد التى تحتلها مهزومة»، وكعادته حشر الظواهرى القدس وسط خطابه وأعلن أنه اكتشف أن قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الاعتراف بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل «برهان على التحيز الأمريكى لليهود والمسيحيين».
 
بالطبع الظواهرى يحشر فلسطين فى خطاباته بينما لم يحدث فى الماضى أو الحاضر لا من القاعدة ولا ابنه داعش أن قدموا شيئا لفلسطين، ولا تفسير لظهور الظواهرى من مكمنه سوى الظهور الدعائى ومنح أمريكا والغرب المزيد من الأدلة، على أن هناك تنظيم يمثل تهديدا حتى ولو من خلال الفيديو والإنترنت.
 
اعتاد الظواهرى زعيم بقايا تنظيم القاعدة، إطلاق بيانات مسجلة يمثل فيها دور الإرهابى، بينما هو منسى فى جبال باكستان طوال 7 سنوات، ويستغل الفرصة ليعود إلى الأضواء، وقد حاول أن يقنع رعاة داعش أنه أكثر إرهابا منهم، وللكوميديا أن الظواهرى كفر داعش واعتبرهم خوارج وأصحاب دين مزيف، بينما القاعدة حارس الدين الأصلى، وهو نوع من الكوميديا الإرهابية السوداء تعكس حجم المنافسة بين التنظيمات الإرهابية التى تعانى البطالة أو تنحسر عنها الأضواء، ويبدو أن عودة الظواهرى محاولة للحصول على تمويل من رعاة حولوا العطاء إلى داعش.
 
الظواهرى يعرف أنه يقود بقايا تنظيم كوميدى يعمل بالوكالة ويقدم خدماته لمن يدفع، ويعرف أن القاعدة كانت أحد العوامل التى منحت أمريكا وجورج دبليو بوش حجة غزو أفغانستان والعراق لحماية أمن الولايات المتحدة، بينما لم يقدم «القاعدة» وزعيمه الظواهرى غير إطلاق المزيد من الفيديوهات التمثيلية التى تحوى تهديدات فارغة، كل دورها أن تقدم لأمريكا المزيد من الأدلة على أن أمنها معرض للخطر من تنظيم الفيديوهات الظواهرى. 

القسم: 

أصبحت المصطلحات

أصبحت المصطلحات فى التعليم أهم من المناهج، والمسميات تتقدم على التربية، والنكتة السائدة فى المدارس الخاصة الآن هى «السبلايز»، أو قائمة مطالب من أولياء أمور تلاميذ الحضانة «كى جى»، هذه القائمة تطورت حسب تطور الدعاية والتسويق وليس تطور مستويات التعليم.
 
هناك أجيال كانت المطالب التعليمية تتركز فى الكراريس والكشاكيل والكتب والبراية والأستيكة، وحديثا زمزمية للمياه، وكيس للسندوتشات تطور إلى أن يصبح علبة بلاستيك مغلقة، قبل أن ينتهى إلى ما يعرف بصندوق الغذاء أو «اللانش بوكس»، أصبح أنواعا وأشكالا متعددة وأسعارا شديدة التفاوت، وفيه حركات تتناسب مع العصر المعلوماتى التقنى الإلكترونى، بصمات العين واليد واللسان، مثلما جرى مع حقيبة مدرسية بدأت بجنيهات، ووصلت إلى مئات، وهى أمور يمكن أن تصيب المواطن التقليدى بالكثير من الدهشة، وهو يرى تطور التعليم فى قوائم طلبات «شمهورش».
 
قائمة الطلبات انتقلت من زمن البراية والأستيكة وكيس السندوتشات إلى «سبلايز ليست supplies list»، التى تعنى «قائمة اللوازم» وتتجاوز مطالب تعليمية إلى ما يشبه قائمة تجهيز عروس تستعد للزواج، وكلما كانت المدرسة أغلى تضاعفت قائمة السبلايز التى تتضمن مقصات ولوحات وملابس وأدوات نظافة بكميات ضخمة.
 
ونظرة على قائمة مدرسة خاصة من تلاميذ «كى جى تو» تكتشف أنها مطالب لمشارك فى معسكر صحراوى أو رحلة للفضاء، القائمة تتضمن «سكيتش ملون وألوان شمع و10 أقلام رصاص، و10 أساتيك، وصمغ وبرايات، وأقلام ماركر للسبورة وصلصال، وقص ولصق ومقص، كشاكيل مربعات وأخرى للإنجليزى وأخرى للعربى، 120 صفحة جلاد، ولا يمكن نسيان الباج-الشنطة- واللانش بوكس واللانش باج لزوم اللانش بوكس «وأدوات نظافة مناديل ومنشفات وفوط ومنظفات وصابون ومطهرات ومعطرات وملابس للطفل».
 
والسؤال: ماذا يفعل التلميذ بكل هذه الأقلام والأساتيك والجلاد والمنظفات، وهل تجعله أذكى من نظيره ما قبل «السبلايز»، خاصة أن التلاميذ جميعا أو أغلبهم يذهبون إلى الدروس الخصوصية، اعترافا بفشل «السبلايز».
 
كل هذا يعنى تحويل التعليم إلى بيزنس وتجارة، من الحقيبة للزى المدرسى الذى يتم بالاتفاق مع شركات معينة، يتكلف عشرات الجنيهات ويباع بمئات، وكل بند من بنود المدارس الخاصة تجارة وبيزنس يتم علنا.الوزارة تحذر لكنها لا تتخذ إجراءات رقابية أو عقابية، لا توجد أى رقابة حقيقية.
 
طبعا مطالب قوائم المدارس تناسب طرديا مع حجم المصروفات، ولا توجد دلائل أو تجارب أو أبحاث أن هذه المطالب تجعل التلميذ أكثر ذكاء أو تحصيلا أو حتى أكثر صحة، لكنه يجعل أصحاب المدارس أكثر ثراء،  والمفارقة أن المدارس التى تهتم بمطالب خرافية لا تهتم بمنح المعلمين رواتب مناسبة، استنادا إلى عدم وجود وظائف، وهو أمر كاشف وواقع يحتاج إلى إعادة نظر ومواقف تتجاوز التحذير والبيانات.

القسم: 

بعض السادة

بعض السادة المحافظين الجدد لم يضيعوا وقتًا كثيرًا، وحرصوا على نشر صورهم وهم منغمسون فى جولات ميدانية، يتابعون مشاكل الجماهير على الطبيعة، وتتعدد صورهم وفيديوهاتهم وهم منخرطون فى البحث عن المشاكل وحلها، وبعض المحافظين ينشرون صورهم وهم يستمعون بكل إنصات لمواطن فى هيئة «غلبان»، أو وهم يتحركون «مندمجين فى تفقد الأحوال والشوارع ويعلنون مواجهة القضايا الجوهرية وعدم السماح بأى مخالفات»، وكل هذا فى صور وفيديوهات تجد طريقها إلى مواقع التواصل الاجتماعى أو المواقع من خلال أيادٍ محترفة للمستشارين الإعلاميين.   
 
والجولات سنّة جيدة وطيبة لو كانت حقيقية، لكن البعض تصيبه أنواع من الدهشة، وهم يعرفون كمواطنين أن المشكلات المزمنة فى مدنهم وأحيائهم مستمرة من دون أى تدخل، ويندهشون وهم يشاهدون السادة المحافظين فى الجولات، وكل منهم يبذل جهدًا فى أن تظهر صورته طبيعية وهو منشغل بالغوص فى مشاكل المواطنين. بينما نفس المواطنين يرون المشكلات والإشغالات والمخالفات والزحام والقمامة من حولهم.
 
ولم نجد للسادة «المتصورين» خطة لمساعدة الشباب فى مشروعات صغيرة أو متوسطة، أو توفير فرص عمل حقيقية، أو متابعة محطة مياه أو صرف معطلة، أو مراجعة الإسكان الشعبى، أو التصرف من دون انتظار تعليمات عليا، لكننا نراهم فى الصور ولا يراهم المواطن لا فى الصورة ولا فى الواقع.
 
هؤلاء السادة المحافظين غالبًا يعملون بنصائح مستشاريهم الإعلاميين أن يستفيدوا من مواقع التواصل الاجتماعى، خاصة «فيس بوك» وهم يتجولون بكل جدية ولا مانع من تسريب هذه الصور لبعض الصحف. ويظهر المحافظ وهو يستمع بكل إنصات لمواطن غلبان يحكى حكايته، ولايهم إن كانت المشكلة تم حلها أم لا. ويتصور السيد المحافظ أن المهم ليس مواجهة المشكلات أو متابعة رؤساء الأحياء والمدن الكسالى والمهملين، ولكن أن تجد صوره طريقها إلى مواقع التواصل، ليبدو كأنه «يعمل» وهو فى الواقع «يتصور». 
 
والأزمة ليست فى أن يظل السيد المحافظ فى الشارع، ولا أن يمتلك مستشارين ومساعدين إعلاميين يلمعون صورته على مواقع التواصل، بل الأهم أن يدرس المشكلات فعلًا، وتكون لديه قاعدة معلومات عما تتطلبه المحافظة وما يجرى فى المدن والأحياء، وأن يتأكد أن رؤساء الأحياء والمدن والقرى يعملون فعلًا، وأن الإدارات الهندسية تقوم بدورها فى منح التصاريح للملتزمين وإزالة المخالفات من المخالفين. وأن يسعى المحافظ لدراسة المشروعات والخدمات المعطلة ليزيل العطلة. 
 
نقول هذا ويمكننا أن نقدم لمحافظ القاهرة صورًا حية من أحياء عين شمس ودار السلام والمطرية والسيدة وحدائق المعادى والمعادى وهى تعانى من الإشغالات ومن الحفر والمبانى المخالفة، ورؤساء أحياء غائبين، ونفس الأمر فى المحافظات المدن والقرى، حيث لا أحد من رؤساء المدن والأحياء يقوم بدوره المطلوب منه، ومع هذا فإن المحافظين يظهرون فى جولات ميدانية يقومون فيها بدور المحافظين أمام الكاميرات وعلى «السوشيال ميديا» من دون نتائج.
 
وقد رأينا تعليمات تصدر من رئيس الوزراء المهندس مصطفى مدبولى، للمحافظين، بأن ينزلوا للمواطنين ويحتكون بمشكلاتهم ويحلونها، ويترجم البعض من المحافظين هذا بأن ينشروا صورهم وهم يتجولون أو على طريقة «صورنى وأنا مش واخد بالى»، بينما يتجاهلون تعليمات عليا بأن يواجهوا المخالفات على الطرق والاعتداءات على النيل والأراضى الزراعية، بمعنى أن المحافظ دوره استراتيجى عليه أن يعرف المحافظة ومطالبها ويدرس ويفكر، ويعرف المشكلات، وليس فقط هو الذى يظهر فى جولات وقد شاهدنا المحافظين السابقين ومنهم من كان يجيد التصوير والجولات «الافتراضية»، ولم يقتنع المواطنون بالجولات «الفيك». وعلى السادة المحافظين الجدد مراعاة فروق التصوير.

القسم: 

لا يمكن

لا يمكن الحكم على حجم وشكل ومعدلات الجريمة فى مصر من دون أن نمتلك قواعد معلومات دقيقة وموثقة، وفى نفس الوقت ينبغى ونحن نرى ارتفاعًا فى معدلات بعض الجرائم سواء القتل أو السرقة بالإكراه، الخطف أو الجرائم الحديثة المرتبطة بالتكنولوجيا مثل القرصنة أو سرقة حسابات البنوك أو مهاجمة الحسابات الشخصية واختراق أنظمة المعلومات، كل هذا يحتاج إلى معلومات يمكن الثقة بها والبناء عليها. 
 
وقد أشرت من قبل، وأشار غيرى، إلى أهمية تقرير الأمن العام الذى كان يصدر من وزارة الداخلية حتى منتصف التسعينيات ثم توقف فجأة، وأصبح مقصورا على الوزير والقيادات الأمنية أو توقف تماما. كان التقرير يتضمن إحصائيات بكل كبيرة وصغيرة فى الحوادث والجرائم الجنائية، ويقدم قاعدة معلومات مهمة حول الجريمة والأمن وكان التقرير يتاح للباحثين والمحللين والإعلام والجامعات. 
 
لا أحد يعرف السبب فى وقف التقرير لكن ما أعلنته وعلمناه من بعض القيادات الأمنية، أن البعض تخوف من التوسع فى التغطية الإعلامية للتقرير وقتها، بشكل تصور معه بعض القيادات أنه قد يظهر مصر فى صورة الدولة المليئة بالجريمة. 
 
وينقلنا هذا إلى نقطة مهمة تتعلق بعمليات النشر الموسعة عن الجريمة  فى الإعلام ، دائما ما يوجه بعض المسؤولين أو الرسميين اتهامات للإعلام بأن التوسع فى النشر عن الحوادث يسىء إلى صورة مصر فى الخارج، ويظهرها فى صورة غير آمنة. لكن مثل هذا الاتهام يفتقر إلى المنطق، لأن الولايات المتحدة الأمريكية والتى تعد أكبر دولة بالعالم فى نسبة الجريمة ينشر الإعلام فيها صحافة وفضائيات، عن الجرائم ويتوسع فى تغطية تفاصيلها، وتعالج السينما الأمريكية الكثير من القضايا التى تتعلق بالجريمة، ومع هذا فإن صورة الولايات المتحدة لم تتأثر.
 
وعلى العكس هناك دول عربية تفرض رقابة على نشر الحوادث بشكل يبين هذه الدول أكثر أمانا، ومع هذا فإن عدم النشر لا يمنع من وقوع جرائم متنوعة وأصبحت تجد طريقها إلى مواقع أو إلى صفحات التواصل الاجتماعى وتنشر بشكل مشوه وتنقصها المعلومات.
 
كل هذا يعيدنا إلى أن النشر عن الجريمة، لا يسهم فى زيادتها، ونفس الأمر فإن  السينما والدراما متهمة بالمساهمة فى نشر العنف بما تقدمه من مسلسلات وأفلام تتضمن الكثير من مشاهد القتل او المخدرات. 
 
كل هذا ينقلنا إلى القضية الأهم، وهى أننا لكى نعرف معدلات وأنواع الجرائم وما إذا كانت تزيد أو تنقص، يفترض أن نمتلك قاعدة معلومات دقيقة بما يسهل للباحثين والخبراء فرصة تحليل هذه المعلومات وتقديم المشورة إلى رجال الأمن.
 
ولا يفترض أن تتوقف المعلومات على تقرير الأمن العام أو إحصائيات الجهاز المركز للإحصاء. وأن تتاح الفرصة للباحثين والخبراء فى مجالات الجريمة والاجتماع ، حتى يمكنهم أن  يدرسوها، وقد كنا خلال التسعينيات نتردد كثيرا على المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية ونجد كنزا من الدراسات، وأيضا نلتقى أساتذة وخبراء، يقدمون لنا الرأى والمعلومات. وكثيرا ما كنا نطلع على أبحاث ودراسات حول نوعيات من الجريمة وربطها بالواقع الاجتماعى والأسرى والاقتصاد. ومن بين هؤلاء الخبراء كثيرا ما كنا نلجأ إلى الخبير الراحل الدكتور أحمد المجدوب، وكان مختصا فى دراسات الجريمة ولديه أبحاث كثيرة فى هذا المجال، وكان وغيره أصحاب رؤية مهمة فيما يتعلق بالجرائم المستحدثة وقتها وارتباطها بالاقتصاد والمجتمع. 
ونعود لنؤكد أهمية وجود قاعدة معلومات وخرائط للجرائم فى المجتمع مع الأخذ فى الاعتبار أن النشر هو الذى يفيد وليس الحجب.

القسم: