أكرم القصاص

عندما يسأل

عندما يسأل الواحد منا جوجل عن معلومة أو مكان، فهو يحصل على نتائج ليست جاهزة، وإنما هى تفاعلات لأخبار أو تقارير أو أرقام وضعها مستخدمون آخرون، بمعنى أن جوجل لا يخترع الإجابات وإنما ينظمها عبر برامج وتطبيقات خوارزمية، وفى النهاية فإن دقة النتائج تعتمد على كيفية ترتيب هذه المواد، وفى نفس الوقت فإن جوجل يفرض طريقة فى كتابة ونشر التقارير والكلمات المفتاحية حتى تتناسب مع ما يستخدمه من برامج وأدوات.
 
والنتيجة أن البعض منا يحصل على معلومات وضعها البعض الآخر، بصرف النظر عن مدى صحة أو خطأ هذه المعلومات، وهناك احتمالات لأن تكون هذه المعلومات صحيحة أو ناقصة أو خاطئة، وهذا يعتمد على ما ينتجه العالم ويضخه على جوجل أو غيره. وهذا ما يطرحه القائمون على جوجل وهم يشرحون لماذا تظهر هذه النتيجة بالذات قبل غيرها.
 
لكن هذا لا يمنع من وجود عناصر تتحكم فى ظهور هذه النتائج أو تلك، مثلما جرى فى الارتباط بين كلمة أحمق وصورة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وهى القصة التى كانت محل تساؤل فى الكونجرس، وقبلها الاتهامات المتبادلة بين الجمهوريين والديمقراطيين أثناء الحملات الانتخابية بين ترامب وهيلارى كلينتون، حيث تم توجيه اتهامات لجوجل بتعمد إظهار نتائج جيدة حول هيلارى، وتكرر هذا عندما اتهم ترامب جوجل بالانحياز وإظهار النتائج السلبية أولا، وكان الرد دائما أنه لا يوجد تدخل مباشر من قبل جوجل فى ترتيب النتائج، وأن هدفهم هو إيجاد أكثر الروابط صلة لما يسأل عنه المستخدم، بسرعة كلما أمكن ذلك، وقال متحدث باسم الشركة: «لا يستخدم البحث لعرض أجندة سياسية، ولا نميل بالنتائج تجاه أى أيديولوجية سياسية».
 
بعض خبراء المعلومات أشاروا إلى احتمالات لاستخدام خصوم ترامب لحيل تضاعف من احتمالات تفضيل برامج جوجل لنتائج معينة، وقالت مرسيدس بونز، المحاضرة فى التقنيات الرقمية بكلية كينجز كوليج فى لندن، لـ«بى بى سى» إنه ليس من المحتمل أن يعمد جوجل إلى ترتيب الأخبار طبقا للميول السياسية، مشيرة إلى أن «لوغاريتمات الأخبار فى جوجل تعمل لتكون أقرب ما يكون إلى الواقع لأى حدث، ولكنها ليست مهيأة لتعمل بناء على توجه سياسى، ولكن هناك اتجاه نحو وضع الصفحات التى يرتادها كثير من الناس فى الأعلى».
 
وربما لا تتيح تطورات عالم المعلومات الوقت لنتأمل ما يجرى أو نحاول فهمه بل ربما لا يكون لدى البعض الرغبة فى التعرف عن تفاصيل، فهم فقط يستهلكون ما يتوفر أمامهم من معلومات ويوظفونه حسب حاجاتهم وأحيانا حسب أهدافهم، وهنا يظهر ما يمكن تسميته الانحيازات السياسية أو الأيديولوجية. ومن هنا يظهر الخلاف حول أى قضية اقتصادية أو سياسية، تظهر الاختلافات فى الآراء من خلال الاختلافات فى قراءة ما هو متاح من بيانات وإعادة ترتيبها.
 
وفى بعض الأحداث السياسية كثيرا ما تظهر الاختلافات الواسعة بين اتجاهين فى الآراء، لأن كل طرف يستخدم ما يفيد وجهة نظره فقط، ويستبعد ما ينافى هذه الوجهة، وعلى سبيل المثل هناك اختلاف فى المقارنات بين الواقع الاقتصادى بين أوروبا ومصر أو بين ما جرى فى الربيع العربى وما يجرى فى أوروبا، والاختلاف فى طريقة الحياة ونظام العمل والقوانين وطريقة تطبيقها وأهداف وطموحات المواطنين فى أوروبا أو فى الشرق الأوسط.
 
وبالتالى فإن اعتماد البعض على معلومات ناقصة أو مبتورة هدفه البرهنة على وجهة نظرهم، وبالتالى فإن الانحيازات السياسية للمستخدمين هى التى تظهر الاختلافات فى وجهات النظر بشكل حاد. وهو ما يعيدنا إلى النقطة الأهم وهى أن تفاعلات عالم المعلومات لا تحكمه فقط أهواء الأفراد، وإنما هو انعكاس لملايين العمليات الخوارزمية التى تجعل بعض هذه المعلومات أكثر ظهورا من غيرها.
 

القسم: 

ما يجرى

ما يجرى اليوم على ساحات السياسة هو نتيجة لأحداث وتفاعلات لوقائع جرت ربما قبل عشر سنوات، وربما عشرين عامًا، ولا يمكن فصل الأحداث والتفاعلات والمصادمات التى تشهدها أوروبا عما جرى خلال العقدين الأخيرين من غزو وحروب وصراعات فى الشرق الأوسط.
 
وقد ظلت نتائج الحرب العالمية الثانية تتفاعل، وبدأت الحرب الباردة بين المعسكرين السوفيتى والأمريكى، وانتهت ليبدأ الحديث عن نهاية التاريخ عند التجربة الرأسمالية الأمريكية، قبل أن تظهر العولمة واتفاقيات التجارة التى أسفرت عن واقع جديد يبدأ فى التشكل وما يزال يتفاعل، وبعد أن كانت الولايات المتحدة تدفع نحو حرية التجارة الدولية، ظهرت مقاومة تجاه المنافسة الصينية ولجأت إدارة الرئيس ترامب إلى فرض رسوم حماية ضد السلع الصينية والأوروبية.
 
وبينما جرى دخل الاتحاد السوفيتى لأفغانستان نهاية السبعينيات من القرن العشرين، لتكون خطوة تنهى الاتحاد السوفيتى والحرب الباردة لصالح أمريكا فى بداية التسعينيات، وفى نفس الوقت دعمت الولايات المتحدة تنظيم القاعدة والمجاهدين ضد الاتحاد السوفيتى، لتدفع الثمن فى هجمات سبتمبر من تنظيم القاعدة الحليف السابق.. وتغزو أمريكا أفغانستان والعراق بعد سبتمبر 2001، ليظهر تنظيم داعش فى سوريا والعراق.
 
ولم يعد من السهل الفصل بين ماجرى فى الشرق الأوسط والربيع العربى والحروب الطائفية والعرقية، وانعكاساته على أوروبا فى انتفاضة السترات الصفراء بفرنسا ودول أوروبا، وهى تعكس أزمات الطبقات الوسطى اقتصاديًا واجتماعيًا، نتيجة لسياسات اقتصادية غير عادلة اجتاحت العالم، لصالح الشركات العابرة للجنسية. وكما أشرنا فقد توقع نقاد العولمة أن ينتهى النظام العالمى غير العادل إلى فراغات وفوضى تنتج اضطرابات فى العالم كله وليس فقط فى مناطق الصراعات الساخنة.
 
وقد أشار هرالد شومان وكريستيانة جريفة فى كتابهما «العد العكسى للعولمة عدالة أم تدمير الذات»، عام 2009، إلى السيناريوهات المتوقعة لتكرار الأزمة المالية العالمية لأن أسبابها لم تنته. فى أعقاب الأزمة المالية العالمية، بل أن هرالد شومان حذر مبكرًا فى عام 1996 مما أسماه «فخ العولمة» واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء دوليًا وداخليًا. ثم أكد فى «العد العكسى» أن السياسات الاقتصادية الكونية، والتى تقودها الدول الكبرى تدفع العالم إلى فوضى قد تكون مدمرة بشكل أكبر فى حال استمرار هذا السلوك الرأسمالى الأنانى الذى لا يراعى مصالح البشر بالقدر الذى يراعى فيه مصالح نخبة قليلة من الشركات الكبرى التى تحكم العالم.
 
وتسير هذه النظريات فى اتجاه آخر يظهر فيه سقوط الحواجز بين اليسار واليمين، لتظهر تحركات تحمل مواصفات تختلف عما كان فى السابق، وهو ما ظهر فى مظاهرات السترات الصفراء فى فرنسا وأوروبا، والتى حيرت بعضًا ممن يتجاهلون كونها انعكاسًا للعولمة، وفى نفس الوقت توظيفًا لمفردات العصر التى تجعل المقارنة والتشبيه بين مايجرى فى الغرب وما جرى فى الشرق واردًا.
 
وكل هذا يدعم نظريات الكم والكيف التى ترسم سيناريوهات اليوم فى فرنسا وبريطانيا وأوروبا، بناءً على تغيرات كمية تراكمت على مدى عقدين وربما أكثر مع توقعات بأزمات اقتصادية ربما تكون أقل أو أقوى مما كان قبل عشر سنوات. مثلما تبدو الروابط بين ما جرى فى أفغانستان والعراق وما يجرى فى اليمن، أو فرنسا وبريطانيا.

القسم: 

فاعل أم

فاعل أم مفعول به؟ سؤال مطروح دائما حول مستخدمى مواقع التواصل الاجتماعى وبوابات البحث، ومدى انخراط أدوات التواصل والقائمين عليها فى اتخاذ طرق تضاعف من حجم أرباحها، أو تساعدها فى تحقيق أهدافها.
خلال الفترة الأخيرة انتشرت ظاهرة بين أعداد من مستخدمى فيس بوك، وبدا الأمر أقرب لظاهرة جماعية أعداد كثيرة من المستخدمين يطلبون من «الفريندز» نكزات ولايكات وعمليات تنشيط والشكوى هى أن الصفحات الخاصة تفقد قدرتها على العمل وتصاب بالشلل، وغالبا كان السبب المعروف هو أن هناك خصوما لهذه الصفحات يقدمون ريبورتات وشكاوى إلى إدارة فيس بوك، لكن فى الحمى الأخيرة كانت الحالة جماعية وكانت الطلبات أن على «الفريندز» عدم الاكتفاء بالنكزات وإنما وضع تعليقات ومصلقات، وبدا الأمر عجيبا كيف يصاب كل هذا العدد مرة واحدة؟!
استجاب بعض المستخدمين لأصدقائهم، ونكزوا وعلقوا لكن بقى هناك إحساس بأن الأمر هو حيلة من القائمين على موقع «فيس بوك» لجذب أعداد من المستخدمين فى عمل جماعى لتنشيط الموقع، عندما يعانى من حالة كساد، وبالطبع فإن الموقع وإدارته لديهم عدادات تحسب حجم النقص أو الزيادة فى نشاط المستخدمين. ويتم اختراع هذه الحيل لإجبار المستخدمين على زيادة عمليات الدخول.
بالطبع هناك بعض الأعطال أو المشاكل فى تطبيقات قد تؤدى إلى مثل هذا الحال، لكن من واقع تجارب الشهور الأخيرة، فإن موقع فيس بوك بوصفه أكبر موقع للتواصل الاجتماعى يبدو أنه يفتقد إلى القدرة على استيعاب الأعداد المضاعفة من المستخدمين، وبالتالى وارد أن يواجه اختراقات أو أخطاء تسبب مشكلات للمستخدمين.
وفى كل الأحوال فإن المستخدم مسيّر على شبكات التواصل، يخضع لسياسات وأهداف يعرفها القائمون على هذه المواقع، وهى أهداف تجارية فى الأساس، حيث أصبح الربح هدفا دائما، وهو ما يظهر فى حجم الإعلانات التى تفرضها إدارة فيس بوك على المستخدمين نظير الاستعمال المجانى، وأصبحت الشكاوى من الإعلانات غير المرغوبة تتضاعف، فضلا عن تضاعف أعداد الحسابات التجارية والمدفوعة، التى تنشر مضامين سياسية أو دعائية.
وهو نفس ما يظهر فى محركات البحث أيضا، والتى تواجه تساؤلات عن مدى دقة نتائج البحث عن الأسماء والأشخاص والأخبار، وكثيرا ما تفرض الدعاية المدفوعة نفسها على نتائج البحث، لكن القائمين على جوجل ينفون وجود تدخلات ويشيرون إلى أن الأمر كله يتم بشكل آلى ويعتمد على لوغاريتمات تتفاعل وتظهر النتائج، كان مسؤولو جوجل خضعوا لتحقيق أمام الكونجرس عندما ارتبط ظهور صورة الرئيس الأمريكى ترامب بكتابة كلمة idiot أو أحمق فى جوجل، وسألت نائبة بالكونجرس رئيس الشركة ساندر بيتشاى أثناء إدلائه بشهادته أمام اللجنة القضائية، عن أسباب هذه النتيجة بالبحث، ورد بأن نتائج البحث تعتمد على مليارات من الكلمات الرئيسية التى يتم تصنيفها وفقا لأكثر من 200 عامل، وعلى رأسها الصلة والشعبية، وقد انتقد الرئيس الأمريكى جوجل بتويتة على حسابه واتهمها بالعمل مع خصومه.
والواقع أن جوجل أصبح مصدرا أساسيا لمليارات البشر ممن يبحثون عن كل شىء، بدءا من العناوين والأسماء وصولا إلى المفقودات فى منازلهم، ناهيك عن المعلومات الطبية والنصائح الاجتماعية والأسعار وحالة الطقس، والبعض يحصل على نتائج صحيحة، وفى النهاية فإن النتائج هى جهد بشرى لمستخدمين آخرين، وبالتالى فإن المواطن الافتراضى فاعل ومفعول به فى نفس الوقت.

القسم: 

كنت أستمع

كنت أستمع إلى كلمة العلامة الدكتور مجدى يعقوب فى حفل تخرج طلاب الجامعة البريطانية بالقاهرة، وكعادته ألقى العالم الكبير كلمة بسيطة بتواضعه المعروف، قال للطلاب إنكم وقد أنهيتم المرحلة الجامعية عليكم أن تفكروا فيما تقدمونه لوطنكم وللعالم والإنسانية، وإن الدراسة الجامعية ليست نهاية المطاف، وإنما هى بدايته، حيث تكون مرحلة التعلم والتعامل مع الواقع. كان العالم الكبير يواصل تقديم دروسه بكل تواضع، ونصح يعقوب الخريجين بضرورة الاهتمام بعلوم الإنسانيات، والموسيقى، وربطهما بنواحى الحياة.
 
العالم الكبير يتحدث عن ما فعله بنفسه ولا يقول كلاما نظريا، فالرجل قدم للإنسانية الكثير فى العلم والطب، ورفض التقاعد والراحة واختار الطريق الأصعب، لم يجلس ليلقى نظريات فى خدمة الإنسانية، وقرر أن يقدم نموذجا، وسعى لإقامة مؤسسة مجدى يعقوب لجراحات وأبحاث القلب فى أسوان، وهو درس عملى يقول لمن يريد أن يخدم بلده وإنسانيته أن يفعل هكذا. 
 
ودائما ما يقول الدكتور مجدى يعقوب، إن الدول الفقيرة تحتاج إلى العالم ربما أكثر من الدول الغنية، بما يعنى أن العالم هو الذى يحل المشكلات ويساعد على صناعة التقدم والرخاء. 
 
وقد أسعدنى الحظ أن أكون حاضرا فى اجتماع مجلس أمناء الجامعة البريطانية بالقاهرة، واستمعت إلى كلمات مهمة عن أهمية العلم. تحدث الدكتور فاروق الباز وأثنى على المستوى العلمى المتقدم للجامعة، والمراكز البحثية الراقية التى تضمها، مؤكدًا ضرورة أن تكون مصر قريبة من التطور العالمى فى التكنولوجيا، وذلك بمناسبة افتتاح مركز لأبحاث النانوتكنولوجى بالجامعة البريطانية بالاشتراك مع خبرات صينية كما تحدث الدكتور مصطفى الفقى ورئيس الجامعة الدكتور أحمد حمد الذى قدم تقريرا مهما عن حجم التقدم فى الجامعة. 
 
وفى كلمته دعا السيد عمرو موسى، الأمين العام الأسبق للجامعة العربية، إلى أهمية التبادل العلمى مع أفريقيا وفتح مجالات مختلفة بين الجامعات المصرية والأفريقية، وقد تحدث رجل الأعمال المهندس محمد فريد خميس عن أهمية العلم فى بناء المستقبل، وأعلن عن تقديم منح مجانية للدراسة بالجامعة لطلاب أفريقيا، وذلك لتدعيم خطوات مصر نحو أفريقيا، وهو خطوة مهمة لبناء علاقات علمية وإنسانية مع أفريقيا، يمكن أن تتوسع فيها الجامعات المصرية مساهمة فى مساعى الدولة لفتح آفاق التبادل العلمى مع القارة الأفريقية.
 
ولفت نظرى دعوة العالم الكبير الدكتور مجدى يعقوب إلى أن يكون هناك كليات للموسيقى والفنون بالجامعة البريطانية، وفتحت كلمة العالم الكبير فرصة للنقاش داخل مجلس الأمناء، لكنها كانت تشير إلى أن التقدم يصنعه العلم والفن والثقافة، وأن هذه كلها أجنحة للتقدم لأن العلم مع الفنون والموسيقى والسينما تمثل أجنحة مهمة للتقدم.
 
كانت فرصة حضور مجلس أمناء الجامعة البريطانية وتخرج الطلاب، أن أستمع لآراء علماء كبار، مثل الدكتور مجدى يعقوب الذى يقدم طوال الوقت أفكارا ودروسا فى معانى العلم والإنسانية والقيم التى نحتاجها لبناء الطريق نحو المستقبل.

القسم: 

تصدر القوانين

تصدر القوانين لكى تُطبق، وإذا تعطلت وتوقف تطبيقها تفقد قيمتها، نقول ذلك بمناسبة الإعلان عن قانون جديد للمرور، ونحن لدينا عدد كبير من قوانين المرور تتضمن مواد يمكن فى حال تطبيقها أن تنظم المرور وتردع المخالفين، لكن بالرغم من كل هذه القوانين لا توجد آليات للتطبيق، فضلا عن أنه لا تتوفر سبل ضبط المخالفات ومحاسبة المخالفين، كما هو متبع فى كل دول العالم، لا توجد كاميرات ولا أدوات للمراقبة، وبالتالى فإن الإمساك بالمخالفات يتم بالمصادفة أو المزاج.
 
وعليه ربما لا نكون بحاجة إلى تشريعات جديدة للمرور بقدر ما نحتاج إلى تطبيق التشريعات القائمة وتفعيلها، ومهما أنتجنا من قوانين فلا يمكن توقع مواجهة مشكلات المرور مادامت هذه القوانين مرفوعة من الخدمة.
 
ولعل من أكثر علامات الارتباك فى المرور، أننا حتى الآن لا نمتلك طريقة لتنظيم التوك توك، ومازلنا بعد أكثر من 20 عاما على دخول التوك توك والسماح باستيراده نفكر فى طريقة للتعامل معه وترخيصه، وهذا بعد أن استفحلت مشكلات التوك توك وأصبحت أكثر تعقيدا، وقد يقول قائل: أن تأتى متاخرا خير من ألا تأتى، ولكن التأخر فى معالجة كوارث التوك توك يضاعف من مشكلاته.
 
وقد يرد البعض باعتبار التوك توك مشكلة صغيرة، لكنها كاشفة عن طريقة التعامل وتوقعات شكل تطبيق قوانين المرور الحالية والقادمة، فقد كانت هناك حكومات تسمح باستيراد وتجميع التوك توك، ولكنها لم تفكر فى تقنينه أو ترخيصه، وبقى شاهدا على وضع عشوائى ربما يكون بحاجة إلى أكثر من التشريعات.
 
لقد رأينا مؤخرا تحركات مختلفة على جبهة التوك توك، الحكومة توصى بوقف ترخيصه مؤقتا، بينما أغلب التوك توك غير مرخص، ونواب يتحدثون عما يمكن أن يحققه ترخيص التوك توك من عائدات ورسوم، وهناك من يشير إلى جرائم أو أطفال يقودون التوك توك بسرعة على طرق سريعة ويعرّضون حياتهم وحياة الركاب والآخرين للخطر، ناهيك عن عدم وجود قاعدة للأجرة أو أماكن للوقوف.. كل هذا ومازلنا نفكر ونفكر. 
 
وإذا كان من الصعب التعامل مع ظاهرة من دون معلومات، فهناك شك فى أن الحكومة أو المحليات لديها إحصائيات بأعداد التكاتك التى تسير فى شوارع مصر، وتبدو أحيانا الحكومة وقد تركت مشكلات التوك توك، انتظارا لأن تحل من نفسها، والنتيجة أنها تزداد تعقيدًا وتشعبًا. 
 
ونظن أنه لا أحد يحتاج إلى تشريع ليمنع الأطفال من قيادة التوك توك، أو أن تسير كل هذه التكاتك من دون ترخيص طوال هذه السنوات، الأمر لا يتطلب قوانين وإنما تطبيق القانون، لكن بالطبع فإن عدم تطبيق القانون يفتح باب التواطؤ ويحرم الدولة من رسوم وضرائب التراخيص، لتذهب إلى أفراد يجدون فى عشوائية التوك توك مجالا لتحقيق مكاسب بالابتزاز، على حساب سلامة المواطنين. 
 
إننا بحاجة إلى تطبيق القانون وليس لقوانين جديدة توضع بجانب أخواتها من دون تطبيق.

القسم: 

احتجاجات السترات

احتجاجات السترات الصفراء فى فرنسا وبعض دول أوروبا، تمثل شكلًا جديدًا يصعب القياس فيه على سوابق الماضى البعيد أو القريب، ومن الصعب أيضًا فصل أحداث باريس عن عالم ما بعد الإنترنت، حيث تمثل أدوات التواصل جزءًا فاعلًا مما يجرى وفى ترتيب الاحتجاجات والتصعيد. ولعبت مواقع فيس بوك وتويتر ويوتيوب وباقى أدوات التواصل دورًا فى تنظيم مظاهرات باريس. وكان نشر مقاطع لاعتداءات الشرطة على متظاهرين واعتقالهم بشكل يساهم فى تأجيج الغضب واستمرار التظاهرات، والدعوة لانضمام آخرين. وهى احتجاجات بدت مفاجئة فى حجمها وشكلها. تكشف عن سياقات جديدة، تختلف عما سبق من أشكال كانت تبدأ وتنتهى بمجرد التراجع عن الأسباب.
 
وهى مشاهد أعادت المقاربة فى التعليقات مع أحداث الربيع العربى، حتى مع اختلاف البناء الديموقراطى فى الحالتين. ولهذا لم يخل الأمر من محاولات التعامل معها على أنها تشبه ماجرى عربيًا، من حيث المصادمات والعنف ورفض التفاوض. كانت التحليلات تستبعد وجود احتجاجات واسعة مصحوبة بالتخريب فى الدول الديمقراطية. لكن حجم الصدام كشف عن خطأ التوقعات، حيث تجاوزت الاحتجاجات أسبوعها الثانى، وأسفرت عن أكثر من 150 مصابًا، و450 معتقلًا بخلاف تعطل مرافق حيوية، وإتلاف وحرق مبانٍ وسيارات حكومية وخاصة. وإغلاق طرق، واتساع الكر والفر وحروب الشوارع بين الأمن والمحتجين. 
 
ومن علامات كون الاحتجاجات جديدة وترتبط بتداخلات بين تيارات مسيسة وأخرى تنضم لأول مرة، وجود تناقضات داخل الحركة وتعدد القيادات، حيث أعلن 8 من المحتجين أنفسهم زعماء، من دون الاتفاق على ناطق واحد أو قيادة محددة، و عندما دعا رئيس الوزراء إدوارد فيليب، ممثلى «السترات الصفراء» للقاء بقصر ماتينيون، حضر اثنان فقط من ثمانية، وأعلن بعض أصحاب السترات الصفراء عدم اعترافهم بهؤلاء كممثلين لهم أو متحدثين باسمهم. وهو ما دفع رئيس الوزراء لإعلان رفض لقاء السترات الصفراء. 
 
التناقض لم يكن فقط من نصيب السترات الصفراء، لكنه ظهر داخل الرئاسة والحكومة الفرنسية، ففى بداية الاحتجاجات أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون رفضه تقديم تنازلات لمن وصفهم بـ«مثيرى الفوضى». لكنه تراجع وأعلن تعليق القرارات ومع هذا بقيت احتمالات اتساع المظاهرات قائمة.
 
فرنسا مثل باقى دول أوروبا الديمقراطية عادة ما تواجه احتجاجات متكررة ضد قرارات اقتصادية أو فرض ضرائب، لكن العادة جرت أن الاحتجاج يتوقف بعد التراجع عن القرارات أو بالتفاوض مع النقابات والمعارضة. لكن المفاوضات لم تنته لنتيجة، و بدت قرارات الرئيس إيمانويل ماكرون، بضرائب ترفع أسعار الوقود، هى السبب، لكن تعليقها لم يساهم فى وقف الاحتجاجات، التى تبدو أنها فى سبيلها للاتساع. 
 
ويتوقع محللون أن الأوضاع فى العاصمة الفرنسية تتجه نحو الأسوأ مع ارتفاع حدة التظاهرات. وقالت الرئاسة الفرنسية فى بيان، إن الرئيس ماكرون طلب من وزير الداخلية تهيئة قوات الأمن لمواجهة الاحتجاجات فى المستقبل. وهناك توقعات بأن تمتد عدوى الاحتجاجات من فرنسا إلى أوروبا، فى ظل تصاعد الغضب لدى قطاع كبير من الأوروبيين على السياسات التى تتبناها حكوماتهم، واستغلال اليمين للأزمات من أجل الإعلان عن صحة مواقفه تجاه مشكلات اللاجئين ووقف الهجرة التى يعتبرها اليمين جزءًا من أسباب الأزمات الاقتصادية. وظهر منشور تم تم توزيعه على المحتجين، يلقى اللوم على المهاجرين فى العنف ونشرت صحيفة «التايمز» البريطانية فى تقرير لها، إن المتطرفين يقفون خلف أغلب أحداث العنف فى باريس، وقالت إنهم يسعون لتحويل الاحتجاجات على زيادة الضرائب إلى ثورة متفجرة كاملة، ونقلت « التايمز» عن جاين يفيس كامو الباحث فى المعهد الفرنسى للشؤون الدولية، أن متطرفى اليمين واليسار أدمجوا أنفسهم بحركة السترات الصفراء، وهدفهم ليس فقط استقالة ماكرون ولكن الإطاحة بالنظام بأكمله.
 
كل هذا يشير إلى تحولات فى خرائط السياسة بأوروبا، وهو ما حاولت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية رصده باعتبار احتجاجات فرنسا ضد السياسات الاقتصادية للرئيس ماكرون تعكس أزمة داخل الديمقراطية الغربية، وطموحات قادة مثل ماكرون. لكنه يتجاوز مستقبل الرئيس الفرنسى إلى مصير أوروبا وسياساتها المتوقعة.

القسم: 

منذ أن

منذ أن ظهر «التوك توك» على أرض مصر فى نهاية التسعينيات، تحول من حل إلى مشكلة، وسمحت الحكومات باستيراده قبل أن تعرف كيف يتم تشغليه وفى أى مناطق، حيث يمكن أن يكون وسيلة نقل للمناطق النائية والقرى التى بلا مواصلات منتظمة وكل هذا كان يستلزم التفكير فى كيفية التشغيل والتنظيم، لكن مع الوقت أصبح التوك توك يمثل ظاهرة ودليلا على عشوائية المحليات، فضلا عن عدم تطبيق القانون، وكل فترة يتم الإعلان عن تشريعات لتنظيم التوك توك ولا يحدث جديد.
 
قبل أيام أعلنت الحكومة أنها سوف توقف تراخيص التوك توك مؤقتا للحد من ظواهره السلبية، ومنها أنه يقضى على العمالة ويستقطب أطفالا للعمل ويرتكب مخالفات، ويبدو القرار مثيرا للكثير من أنواع الدهشة، ونحن نعرف أن التوك توك واحد من أكثر الأزمات المتواصلة منذ أن بدأ دخول مصر، سمحت الحكومات باستيراده وتجميعه وبيعه فى كل الأنحاء لكنها لم تنظم ترخيصه، وهو ما يضيع على الدولة رسوم التراخيص، فضلا عن أن ترخيصه سوف يمنع ظاهرة أطفال التوك توك. ثم إن أى سائق يرتكب جريمة سوف يهرب، لأنه بلا أرقام ولا بيانات، وقائده لايحمل رخصة.
 
وبالتالى فإن اعتقاد الحكومة أن وقف التراخيص يمنع المشكلة، هو نوع من أفكار تظن البعض أنها من خارج الصندوق، بينما نحن لم ننته مما هو داخل الصندوق، والحل فى تطبيق القانون، قانون المرور ومواجهة فوضى التوك توك، مع الأخذ فى الاعتبار أن قرار وقف التراخيص سبق إعلانه مرات من دون نتيجة فكيف نكرر التصرف ونتوقع نتيجة مختلفة؟ كيف يمكن تصور أن وقف التراخيص يمنع الأطفال من قيادة التوك توك، بينما الأطفال ليس معهم ولا يحق لهم الترخيص، ثم إن التوك توك لا يحدد أجرة ولا يخضع لأى نوع من الرقابة ولا أحد يحاسبه.
 
مع الأخذ فى الاعتبار أن النسبة الأغلب من التوك توك فى القاهرة بلا تراخيص، الأمر الذى يجعلها مجالا لارتكاب الجرائم أو الحوادث بلا ضابط، يضاف إلى ذلك أن التوتوك يسير فى أكثر المناطق خطرا وعلى الطرق السريعة والطريق الدائرى ويمشى عكس الاتجاه يقوده أطفال وشباب يصعب السيطرة عليهم، بل إن التكاتك تحتل الشوارع حول محطات المترو، وتفرض سطوتها وتمنع المرور، ولا أحد يواجهها لأنه لا يوجد لها قانون، وبالتالى فإن قرار وقف التراخيص لمركبات أصلا أغلبها غير مرخص يبدو نوعا من «الفنتازيا» وعلاجا غريبا لمرض يهدد المجتمع.
 
وينطبق على قرار الوقف المؤقت لتراخيص التوك توك المثل «وقفوا الترخيص لكن التوك توك معايا»، لأننا أمام نوع من الازدواجية العشوائية حيث نسمح باستيراد وتجميع التوك توك ونرفض ترخيصه، ونترك المواقف العشوائية والتكاتك التى تسد الطرق وتفرض بلطجتها على السائرين والراكبين، بينما الحل فى القانون الذى يحدد الأماكن والطرق التى يسير فيها والأجرة والترخيص للسائق والتوك توك، بدلا من وقف تراخيص مركبات غير مرخصة أصلا.

القسم: 

العالم يتغير

العالم يتغير حتى فى أوروبا التى ظلت تبدو بعيدة عن تحولات العصر، الديمقراطيات المستقرة بالطبع قادرة على حل مشكلاتها السياسية بشكل أكثر تفاعلية، لكنها ليست بعيدة عن تحولات العولمة، وثورات الاتصال التى تلمس كل ركن من العالم مثلما يلمس ذيل التنين مدنًا ودولًا فى عالم الأساطير. فى فرنسا تتواصل الاحتجاجات بالرغم من تراجع الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، عن زيادة ضرائب الوقود، وتنضم فئات أخرى من الطبقة الوسطى إلى الاحتجاجات لتعلن عن وجودها ومطالبها.
 
الاحتجاجات تكشف عن ثغرات فى المجتمع الأوروبى وأركان مظلمة وفئات تتعرض للتهميش، وتعانى من نقص الخدمات أو بمعنى أصح تعانى من ظلم اجتماعى فى توزيع العوائد، المجتمع ليس هو الذى يظهر دائمًا مجتمعًا للرفاهية، وبالطبع فإن الفرنسيين من أصول غير فرنسية يشكون بشكل مزدوج من الإهمال وأيضًا من العداء اليمينى الذى يعبر عن كراهية للأجانب. وكان استفتاء بريكست فى بريطانيا تعبيرًا عن هذه الكراهية أو الرفض، حيث يعلن اليمين أن المهاجرين يأخذون من حقوق المواطنين. وهو نفس ما يتبناه اليمين الفرنسى والألمانى. ممن يعلقون جزءًا من أزماتهم على شماعات الهجرة وترك الأبواب مفتوحة للاجئين.
 
وكل هذه القضايا مطروحة بشكل واسع فى الإعلام وحتى فى الدراما، ومن تابع مسلسل مارسيليا Marseille الذى عرض منه موسمين، وهو من إنتاج نيتفلكس ويقوم ببطولته الفنان العالمى جيرارد ديبارديو يمكن أن يجد ظلًا لجدل مطروح.
 
المسلسل يطرح الكثير من المناقشات وطريقة التفكير وحجم وشكل الصراع الاجتماعى الدائر فى أوروبا، خاصة فى فرنسا، المسلسل يدمر فى مارسيليا المدينة الفرنسية، ويتناول الصراع السياسى على السلطة، ويسلط الضوء على مايجرى فى الأحياء الفقيرة، وعداء اليمين للمهاجرين. وكيف يواجه المهاجرون فى أحيائهم الفقر وينضمون إلى عصابات الجريمة أو يستغلهم اليمين الفرنسى للتأكيد على أنهم مصدر تهديد.
 
يتناول مسلسل مارسيليا الواقع السياسى والاجتماعى فى مارسيليا، حيث ظل روبير تارو أو جيرارد ديبارديو موقع عمدة لمدة العشرين سنة، ويعلن أنه لن يترشح ويقدم نائبه لوكا باريس. وفى نفس الوقت يسعى إلى تمرير تصويت لإنشاء كازينو فى وسط أرض ميناء مارسيليا، ويراهن تارو على أن المشروع سوف يعود بفوائد اقتصادية على المدينة، لكن تارو يفاجأ بأن لوكا ربيبه يخونه مع مستثمرين غامضين ويصوت ضد المشروع. وينضم إلى فريق من أصحاب المصالح.
 
وتبدأ صراعات على السلطة المسلسل يكشف عن خيوط وتفاصيل الصراع الاقتصادى والسياسى، وفى الخلفية تبدو الأحياء الفقيرة مهمشة وبعيدة عن اهتمام السياسيين بكل فئاتهم، بينما يتركز الاهتمام على أصحاب المال وسكان الأحياء الراقية. وفى نفس الوقت يعكس مسلسل مارسيليا مايجرى تجاه المسلمين، سواء اتجاه بعضهم للتطرف، أو كونهم يمثلون قطاعات مهمة فى المجتمع، وهناك مالك مسلم من أصل لبنانى لفريق مارسيليا للكرة. ويتمسك بالنادى بالرغم من أنه يخسر، بينما يرغب الابن من الجيل الجديد فى بيع النادى حتى يوقف الخسائر. المسلسل يعكس الكثير من الصراعات والتفاصيل والمواقف، ويعالج القضايا المطروحة فى المجتمع الفرنسى والأوروبى من خلال مارسيليا.
 
وربما تكون هناك عناصر درامية فى العمل، لكن طبيعى أن تعكس الدراما جزءًا من الواقع، وهو ما يبدو من متابعة أحداث باريس، واحتجاجات السترات الصفراء، التى تجاوزت فرنسا إلى دول أوروبية أخرى. وتحتاج إلى مرونة لتفهمها، خاصة أنها تتجاوز الدراما إلى واقع أكثر درامية.

القسم: 

من الصعب

من الصعب قراءة الحاضر بقوانين الماضى أو العكس، وفى عالم السياسة تفرض الوقائع نفسها والظروف السياسية والاقتصادية، نقول هذا بمناسبة أحداث فرنسا والاحتجاجات التى نظمتها جماعات السترات الصفراء فى باريس، ودول أوروبية أخرى اعتراضا على رفع أسعار الوقود، فقد جاءت الاحتجاجات هذه المرة مختلفة عن السابق، مع الأخذ فى الاعتبار أن فرنسا دولة ديمقراطية واجهت من قبل إضرابات واحتجاجات، لأسباب فئوية ومطالب اجتماعية أو اقتصادية، وكثيرا ما تكون القرارات الاقتصادية سببا فى إثارة الاحتجاجات.
 
لكن الاحتجاجات هذه المرة تأتى فى ظل أزمات اقتصادية تعبر العالم، وصراعات سياسية حتى داخل حلف الناتو، وبين فرنسا وألمانيا من جهة، وأمريكا من جهة أخرى، يضاف إلى ذلك أن الصراعات والحروب التى شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة تلقى بظلالها، وتشير إلى أن عائدات صناعة وتجارة السلاح الأوروبى لم تعد تكفى لتعويض ما تلتهمه الحروب من مليارات تحترق لتخلف تضخما وفراغا وتضيع فرصا استثمارية.
 
وعليه فإن ما يجرى فى فرنسا، لا يمكن تشبيهه بأحداث 1968 التى عرفت بثورة الشباب، وكانت حركات تواجه أبوية شارل ديجول، وأساسها تشكلت من شباب اليسار الذى تبلور من السبعينيات فى اليسار الأوروبى الجديد، وكانت أبرز علاماته فرانسوا ميتران الذى شغل الرئاسة الفرنسية من 1981 حتى 1995، وهى أطول فترة يشغلها رئيس بعد ديجول، وبالرغم من أن مظاهرات 1968 استمرت لفترات أطول لم تشهد كم العنف والصدام الذى شهدته احتجاجات السترات الصفراء، كما أن حركة الشباب كانت تقدم قيادات مختلفة وتمت فى ظل وجود مفكرين كبار مثل جان بول سارتر، ومولد مفكرين مثل هربرت ماركوز الذى أنتج كتابات عن الإنسان ذى البعد الواحد وأنتجت فرنسا أفكارا تعالج مشكلات التسلط التى نتجت من تطبيق النظريات الاشتراكية خاصة فى الاتحاد السوفيتى. 
 
وعلى العكس تفتقد مظاهرات السترات الصفراء إلى زعامات أو وتشهد كثيرا من علامات الفوضى، والتدمير، ويصعب تحديد قيادات واضحة، فضلا عن خطأ التعميم فى التعامل مع الأحداث باعتبارها من تنظيم اليمين او اليسار، مع وجود تنويعات من الطبقة الوسطى، وفئات من المهمشين والفقراء الذين يعانون من تأثيرات العولمة، فضلا عن إشارات تكررت فى السنوات الأخيرة حول تجاهل المناطق والأحياء الفقيرة فيما يتعلق بالخدمات والبنية والبرامج الاجتماعية.
وبالتالى فإن ما يجرى يحمل أنواعا من التغييرات التى تمثل نتاجا لثورة الاتصالات ومواقع التواصل، خاصة أن فيس بوك وتويتر وباقى أدوات التواصل لعبت دورا فى تنظيم المظاهرات، تماما مثلما جرى فى الربيع العربى. 
 
وبالرغم من إعلان الرئيس الفرنسة إيمانويل ماكرون عن اتجاه للتراجع عن قرارات ضرائب الوقود، فقد تواصلت الاحتجاجات وما تزال تحمل ملامح مختلفة، تبدو فى جزء منها إعادة إنتاج لاحتجاجات عصر العولمة. 

القسم: 

برحيل جورج

برحيل جورج بوش الأب تنطوى واحدة من أكثر صفحات السياسة العالمية تعقيدا، لعب بوش دورا مهما فى الفصول الأخيرة للحرب الباردة، منذ تولى رئاسة المخابرات المركزية الأمريكية، ثم نائبا لرونالد ريجان، فى المرحلة التى أدارت فيها أمريكا أكثر الحروب بالوكالة عنفا وتعقيدا فى أفغانستان، حيث استغلت التدخل السوفيتى فى أفغانستان لتبدأ، بالتعاون مع حلفائها فى باكستان والخليج والشرق الأوسط، تمويل وتدريب أكثر الحروب الحديثة اتساعا وتعقيدا، وهى الحرب التى غيرت من خرائط القوة والنفوذ فى العالم. 
 
وبقدر ما ساهم بوش الأب فى الحرب الباردة ساهم أيضا فى مولد النظام العالمى الجديد باختلالاته وما تولد عنه من تطور للإرهاب والعنف فى العالم، وأدار بوش وريجان إنشاء تنظيم القاعدة، وهو نفسه الذى سعى بوش الابن لمواجهته بعد سنوات على جبهات متعددة، منها أفغانستان.
 
يمثل جورج بوش الأب الرئيس الأمريكى الأسبق إحدى العلامات القوية فى عالم السياسة ومع هذا فإن حياته السياسية لم تخل من مفارقات، فقد شغل رئاسة المخابرات المركزية فى عام 1976 فى تصاعد الحرب الباردة والتى شهدت قمتها مع تولى رونالد ريجان رئاسة الولايات المتحدة، وهى الفترة التى كانت قمة الحرب الباردة، حيث أدارت أمريكا حربا بالوكالة ضد السوفييت فى أفغانستان كانت بمثابة القشة التى أنهت الاتحاد السوفيتى، وبالتالى فقد لعب جورج بوش دورا فاعلا فى الحرب الباردة، وهو نائب ثم بعد أن ترشح، وفاز بالرئاسة عام 1988، وفى عام 1989 انهار جدار برلين معلنا بداية النهاية للحرب الباردة، ثم أدار جورج بوش حربا لتحرير الكويت بعد احتلالها من قبل العراق ليشهد عهد بوش الخطوة النهائية لانتهاء الحرب الباردة وولادة نظام عالمى جديد بقطب واحد.
 
 ومن المفارقات أن بوش الأب كان أحد أطراف تمويل ودعم المجاهدين الأفغان وتنظيم القاعدة ضد السوفيت الذى تولى قيادته أسامة بن لادن، وهو نفسه التنظيم الذى نفذ هجمات 11 سبتمبر ليبدأ جورج دبليو بوش الابن ما أسماه الحرب على الإرهاب ضد طالبان والقاعدة فى أفغانستان التى شهدت الفصل الأخير لانتهاء الاتحاد السوفيتى، نفذ بوش الابن غزو العراق بمزاعم امتلاك صدام لأسلحة الدمار الشامل مع وعد بدمقرطة العراق و غزا العراق وفكك مؤسساته السياسية والأمنية لتبدأ مرحلة داعش والنسخة الجديدة من التنظيمات الإرهابية.
 
جورج بوش الأب نائب رئيس الـ«سى آى إيه»، عجز عن الفوز بفترة رئاسية ثانية على الرغم من إنجازاته وخسر فى انتخابات أمام بيل كلينتون، بينما فاز بوش الابن بفترتين رئاسيتين، بالرغم من أن بوش الابن لم يكن بكفاءة الأب، بل إنه استسلم لليمين الأمريكى وساهم فى خلخلة النظام العالمى والإقليمى ما أدى إلى تفجير الصراعات العرقية والطائفية، حيث لم يصبح العالم أكثر أمنا.

القسم: