خالد منتصر

د. خاللد منتصر يكتب: الترامادول.. تطويل جنس وتقصير عمر

لم يكن مانشيت «الوطن» مفاجأة لى عندما كتب أن سائق «التريللا» الذى تسبب فى كارثة البحيرة كان متعاطياً للترامادول، فقد كنت قد تنبأت بعد الحادث بدقائق وراهنت على هذه النتيجة وطالبت بالتحليل، ليس لأننى شاطر أو مكشوف عنى الحجاب أو أعلم الغيب، ولكن لأن هذه هى القاعدة وغيرها، وهو عدم التعاطى، هو الاستثناء النادر. كتبت فى «الوطن» عدة مرات وصرّحت فى عدة برامج أن الترامادول أخطر من الهيروين، ومن الممكن أن يسبب الصرع وأن قدرته المزدوجة على اللعب والتحفيز لمناطق المزاج والنشاط يجعل زيادة جرعاته أسهل وأعراض انسحابه أخطر، ولن أملّ من تكرار هذا التحذير حتى ينصلح الحال وتصبح الشرطة ووزارة الصحة والدولة كلها قادرة على كبح جماح هذا الشيطان الذى حوّلناه من مسكّن سحرى إلى مخدر وطنى مطلوب لتحفيز نشاط السواق وتطويل زمن متعته وتقصير أعمارنا نحن الغلابة الذين نقابله على الطريق فنجده عكس الاتجاه أو بطىء رد الفعل، يدوس على الفرامل بعد ضعف الوقت المطلوب أو تأخذه تقييله وسِنَة نوم تحدث خلالها كوارث... إلى آخر نزيف الدم وجنازات الأسفلت اليومية التى يتصدرها قرص الترامادول. كتبنا من قبل محذرين من أن الترامادول اللعين صار كارثة وبائية أحاقت برجال مصر، وأطاحت بأدمغتهم، فقد أصبح الترامادول أكبر وأهم دواء يُستهلك فى مصر المحروسة، «يبلبعه» ثلاثة أرباع الرجال بحثاً عن وهم الفحولة وإطالة اللقاء الجنسى، وعندما يبحث عنه المحتاج المتألم فعلاً، والذى يبحث عن مسكّن قوى لآلامه، لن يجده، لأن الأستاذ طرزان الفحل قد سبقه واقتنص الترامادول من صيدلى، للأسف، معدوم الضمير.
 
الترامادول أو الترامال أو الأمادول أو الترامكس أو الألترادول... إلخ، مسكّن شبيه بالمورفين، ويُستخدم فى الأصل لتسكين الآلام الشديدة، وله جرعات محددة المفروض ألا يتعداها، خاصة مرضى الكلى والكبد وما أكثرهم فى مصر، وإذا وصل إلى درجة التعود يضطر الشخص إلى مضاعفة الجرعة للحصول على التأثير، ولا بد أن يُسحب تدريجياً بعد هذه النقطة، وأعراضه الجانبية تبدأ من الصداع والدوار والغثيان وتصل إلى التشنجات وصعوبة التنفس وخلل وظائف الكبد، وله تفاعلات خطيرة مع أدوية أخرى مثل الأمفيتامين والسيميتدين ومضادات الاكتئاب وحتى الكولا! باختصار هو دواء لا يُستعمل إلا بمنتهى الانضباط، وليس حبة نعناع أو باكو لبان نبلبعه متى شئنا! ولذلك أدخلته وزارة الصحة المصرية ضمن جدول المخدرات فى الصيدليات.
 
سائق المسافات الطويلة، على الطرق السريعة، هو بداية القصة، فهو يتناوله بهدف احتمال قيادة السيارة لهذه المسافة الطويلة ولكى يتحمل هذه الجلسة المملة المرهقة ويواصل ليله بنهاره وينقل حمولته رايح جاى دون نوم! نهاية القصة أو قمتها المتألقة النارية المتوهجة هى وهم علاج الترامادول لسرعة القذف. صار معظم رجال مصر، للأسف، يستخدمون الخلطة السحرية المكونة من الفياجرا والترامادول وكريم «أملا» المخدر لصناعة جنة جنسية خيالية، لا يهم المشاعر ولا تهم العواطف ولا يهم الحوار ولكن المهم صناعة ماكينة جنسية بأزرار باردة تحول الجنس إلى خرس وجليد واغتصاب مقنن ومهمة صيد بين صياد وفريسة!!
 
يعنى مصر باختصار عاملة دماغ. شهريار يبحث عن ليلة جنس ممتدة بقرص ترامادول لا بقرص حب أو حنان وود وتواصل، من الممكن بعد هذه السهرة الحمراء الطويلة أن يضرب الأستاذ الفحل زوجته المسكينة التى تعامل معها كمجرد مخزن نفايات جنسية، لا يهم عنده، فالمهم فقط هو إرضاء غروره الأسطورى الطاووسى، والذى يجعله يحكى لأصدقائه بفخر على القهوة وهو يلعب الدومينو عن غزواته العنترية على سرير الزوجية!
 
البعض يطحن المخدرات مع الترامادول، والبعض يسحقه ويسخنه ويحقنه، والبعض يبلبع ثلاثة أقراص دفعة واحدة، الترامادول صار خبزاً يومياً للمصريين. انتشر الترامادول بصورة سرطانية فى ربوع مصر من الإسكندرية إلى أسوان، بما ينذر بوباء سيأكل الأخضر واليابس، ويجعل المسطول هو النموذج، والدخان الأزرق هو الزاد، ومساء الخيييير هى النشيد القومى!
 
«البحث عن وهم مزعوم وجنة بديلة ومتعة مصنوعة ولذة سابقة التجهيز».. هذه هى مفاتيح شفرة الترامادول، لا أحد يبحث عن علاج مصدر الألم، لكنه يبحث عن الحل السهل «الترامادول»، لا أحد يحاول حل مشكلته الجنسية عن طريق الطب الصحيح القائم على الدليل، لكنه يضرب الخلطة والمزيج ويبحث تحت قدميه ولا يرى أبعد من أنفه فيتخلص مؤقتاً من المشكلة بشكل مزيف لكى يقع فى مشكلة جنسية أضخم وألعن بعد فترة، فيفقد قدرته الجنسية نهائياً بعد أن يقع فى هوة الإدمان.
 
غرقت برامجنا للأسف فى تسونامى السياسة ولم تهتم بتثقيف المواطن صحياً أو اجتماعياً أو جنسياً، الإعلام للأسف صار عبداً للإعلان وصار هو الترامادول المرئى.
القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: هذا هو العبقري داروين يا فضيلة شيخ الأزهر

صرّح شيخ الأزهر بأن نظرية البريطانى تشارلز داروين فى التطور «مضطربة»، ولا يوجد اكتشاف واحد علمى يقينى يثبت أن نظريته على حق، وأنه يجب نفى تلك النظرية حال الارتكان إلى الدين، ووصفها بأنها ضد المنطق وضد العقل والدين، وهاجم من سماهم المتمسحين بداروين واتهمهم بالإلحاد!! ومع احترامى الشديد لفضيلة شيخ الأزهر فإننى أعترض على هذا الكلام جملة وتفصيلاً لأنه للأسف يحتوى على الكثير من المغالطات العلمية التى كنت أربأ بفضيلته أن يقع فيها، وكنت أتمنى أن يتريث ويسأل، خاصة أن موقفه سيُستغل فى وزارة التربية والتعليم التى مازال يعشش فيها خفافيش الظلام، ويكفى أن أقول لشيخ الأزهر: ما دمت لا تؤمن بنظرية التطور فيجب ألا تتناول المضاد الحيوى ويجب أيضاً أن تمنع أى فرد من عائلتك من أن يتناول الأنسولين وذلك لسبب بسيط وهو أن هذين الدوائين السحريين نتاج لفهم نظرية التطور التى صارت حقيقة علمية تثبتها الدلائل يوماً بعد يوم، ولولاها ما تقدم الطب ولا علم البيولوجيا وما ظهر فرع فى الطب اسمه الطب التطورى يعتمد على ملاحظات داروين، واسمح لى فضيلتك أن أقدم لك داروين ونظرية التطور من خلال بعض الخواطر التى كتبتها منذ سنوات.
 
نداء إلى أى فرد يعتبر نفسه مثقفاً، إذا كنت قد قرأت جميع مسرحيات شيكسبير وروايات ديستوفيسكى ونجيب محفوظ وقصص تشيكوف ويوسف إدريس وحفظت كل أشعار المتنبى وطاغور وإليوت وجوته، فأنت ما زلت، للأسف، نصف مثقف بلغة هذا العصر، لأنك تجاهلت نظرية التطور، وإذا لم تضم مكتبتك كتاب «أصل الأنواع» لداروين، فمكتبتك ما زالت مكتبة فقيرة تعانى من الجفاف والأنيميا حتى ولو اكتظت رفوفها بمئات الآلاف من المجلدات!
 
إنه الكتاب الصدمة، ثورة ما بين غلافين، ثورة كان سلاحها الحبر والورق، والأهم سلاح الفكر المتحرر من البديهيات المسبقة، الإبداع الذى لا يعترف بصدق الفكرة إلا من خلال عدد الأدلة العقلية التى تؤيدها وتثبتها وليس من خلال عدد البشر الذين يعتنقونها، سلاح الجسارة والجرأة والاقتحام من عبقرى اسمه تشارلز داروين.
 
فى ٢٤ نوفمبر ١٨٥٩، صدر كتاب «أصل الأنواع»، عنوان الكتاب صعب ومعقد «أصل الأنواع، نشأة الأنواع الحية عن طريق الانتقاء الطبيعى أو الاحتفاظ بالأعراق المفضلة فى أثناء الكفاح من أجل الحياة»!! عنوان طويل اضطر داروين إلى كتابته بالتفصيل وكأنه يعتذر بتوضيح فكرته على الغلاف عما سيُحدثه من صدمة لعقول القراء. حجم الكتاب ضخم ٥١٦ صفحة، ورغم العنوان الطويل والحجم الضخم نفد الكتاب من أول يوم، ١٢٥٠ نسخة تخاطفتها الأيدى فاختفى من المكتبات. الوحيد الذى لم يفرح بهذا الانتشار كان داروين نفسه، فقد ظل أكثر من عشرين سنة يفكر ويتراجع ويتريث ويقدم رجلاً ويؤخر الأخرى ويسأل نفسه: هل أقدم على هذه المغامرة، هل أنشر فكرتى الصادمة وأخرج عن النص وأغرد خارج السرب وأشرد عن القطيع، وأجمع دلائلها وشواهدها فى كتاب؟ كان داروين طيلة هذه الأعوام يعانى من الأرق وآلام المعدة والصداع المزمن فى بيته الريفى المنعزل فى «كنت»، كان يسأل نفسه: «هل تستحق فكرتى كل هذا العناء وهذه المشقة؟».. تركت دراسة الطب، ثم تركت دراسة اللاهوت، ثم ذهبت فى مغامرة بحرية وعمرى ٢٢ سنة لمدة خمس سنوات على متن سفينة «البيجل»، يدفعنى الفضول وتستهوينى الأجنحة والمناقير والقواقع والأصداف.
 
لم يكن داروين يعلم أنه يصنع تاريخاً جديداً من خلال هذه المناقير والأجنحة والحفريات!! علمته دراسة الأحياء والحفريات أنه مهما كانت قوة العواصف والأعاصير فإن الكون لا بد أن يحتفظ بجزء من الحقيقة ولو على سبيل الذكرى ولو بعد ملايين السنين. كان واثقاً، رغم عاصفة الهجوم والسخرية، من أن التاريخ سينصفه، وأن الكنيسة ستعتذر له، وأن علم البيولوجيا الجديد سيقوم على أكتافه وسيولد من جديد من رحم أفكاره الثورية، وأن كل مريض زُرع له كبد أو قلب أو تم إنقاذه بدواء أو جراحة مدين لفكرة التطور العبقرية التى أهداها لكون يحارب الجديد، ويعاند التطور، وينتشى ويستلذ بالاستقرار، والمدهش أنه كتب بجانب شجرة الحياة التى اقترحها ورسمها فى كتابه «أنا أعتقد»، وكانت هذه العبارة هى كلمة السر وشفرة الخلود فى منهج التفكير العلمى، فهو لم يمارس الكهنوت ويقول أنا متأكد من خلال نصوصى المقدسة، ولكنه مارس الاعتقاد الذى يحتمل الصح والخطأ وليس الحرام والحلال، وكان يردد: «إننى لأرى على وجه اليقين أن كثيراً جداً من كتابى سيسقط، ولكنى آمل أن يظل العمل فى مجمله باقياً على مرِّ الزمن»، كان يعرف أن فكرته ما زالت تحتاج إلى كثير من التفاصيل لملء فجواتها.. والمدهش أن العلم ما زال فى كل لحظة يهدى داروين مزيداً من التفاصيل التى تؤيد نظريته وتجعل منها حقيقة علمية فى منزلة كروية الأرض ولها نفس المصداقية.
 
لكن ما الذى جعل نظريته، يا فضيلة الشيخ، ثورة وكتابه صدمة؟!
 
لماذا تغضبك نظرية داروين يا فضيلة شيخ الأزهر، ولماذا هذه الاتهامات بالإلحاد وغيرها من التهم الجاهزة لمن هو مقتنع بتلك النظرية التى تخطت حدود التخمينات وصارت حقيقة دامغة لا تحتاج شهادة من أحد؟!، الإجابة هى إذا كانت مقولة إن الأرض ليست مركز الكون، بل هى مجرد كوكب تابع لنجم من ملايين النجوم التى تضمها مجرة من ضمن ملايين المجرات التى تسبح فى الكون، قد أدت إلى اضطهاد كوبرنيكوس وحرق الراهب برونو وسجن جاليليو كسيحاً أعمى، فما هو المصير الذى سينتظر من قال إن الإنسان مجرد حلقة فى سلسلة التطور معارضاً نظرية الخلق المستقل المكتوبة فى التوراة، جملة اعتراضية لا أعرف لماذا تغضب فضيلتك ممن يختلف مع نظرة التوراة، وكان الأجدى أن تطالب بإعادة النظر فى التفاسير القرآنية التى اعتمدت على حكايات التوراة فى مسألة الخلق بالأساس!، المهم أنها إهانة من داروين للإنسان محور الكون والأهم من كل الكواكب والمجرات والنجوم التى خلقت من أجله هو فقط، فكيف سيكون الضفدع والفأر والسحلية والخفاش من شجرة العائلة؟ وكيف سيكون القرد من أبناء عمومتى؟!، هذا السؤال الاستنكارى هو الذى جعل داروين يؤجل نشر كتابه أكثر من عشرين عاماً، جر الإنسان من صفوف الملائكة لوضعه فى طابور الوحوش والقرود سيصدم الإنسان ويخدش غروره، ولكن ما شاهده داروين فى رحلة سفينة البيجل جعله على يقين بأن التطور حقيقة دامغة، والدلائل التى دونها فى كتاب «أصل الأنواع» هى شفرة الفهم الجديد لسر الحياة ونشوء الكون وتطور الكائنات.
 
كانت جزر الجالاباجوس التى وصلت إليها سفينة البيجل هى أجمل معمل تطور فى العالم، جزر معزولة فى المحيط الهادى على بعد ٦٥٠ ميلاً من السواحل الغربية للإكوادور، وجد فيها داروين علامات استفهام استفزت عقله الفضولى، أربعة عشر نوعاً من العصافير بمناقير مختلفة، منها المناسب للبذور الصغيرة ومنها المناسب للبذور الكبيرة ومنها ما يلتقط الحشرات.. إلخ، وجد حيوانات متفردة ومميزة فى هذه المنطقة المعزولة التى لم تصل إليها بالقطع سفينة نوح، بل المدهش أنه فى كل جزيرة حيوان مختلف عن الجزيرة الأخرى، فعلى سبيل المثال فى الجزر التى لا توجد بها إلا النباتات المرتفعة كانت السلحفاة تمتلك فتحة فوق الرقبة فى ظهرها الصلب تمكنها من قطف أوراق تلك النباتات.
 
وكان السؤال: كيف وصلت تلك الحيوانات إلى تلك الجزر المهجورة؟! وجد أصداف بحر فى الجبال مما أثار سؤالاً حول ماضى هذه الجبال التى كانت غارقة فى البحر! وجد هيكلاً ضخماً لآكل نمل قديم يكاد يكون متطابقاً مع آكل النمل الحديث صغير الحجم، رأى قرب القطب الجنوبى بشراً يسيرون عراة فى الصقيع بدون معاناة، وجد فى جالاباجوس سلوكيات غير مألوفة مثل ثعالب أليفة وإوز لا يطير وطيور لا تخشى الإنسان!!، حاول سكان تلك البلاد تقديم تفسيرات أسطورية ميسورة جاهزة لداروين، ولكنه كان مريضاً بداء الفضول العلمى وعدم قبول الأفكار الجاهزة وتصديقها لمجرد أنها أفكار قديمة مقدسة، فحين وجد عظاماً ضخمة فى سهول أمريكا الجنوبية وحاول إيجاد علاقة بينها وبين حيوانات الزمن الحالى صغيرة الحجم، قال له السكان هناك إن عظام الحفريات تكبر بعد موتها وإن الأنهار تحول العظام الصغيرة إلى ضخمة!!، سأل نفسه: لماذا لا أجد حفريات لثدييات، ومنها الإنسان فى الطبقة الأقدم التى وجدت فيها حفريات زواحف؟ لماذا هذا الفصل الحاد فى طبقات الحفريات إذا كانت كل تلك الحيوانات قد خلقت فى نفس الزمن؟ لماذا الشبه بين جناح الطيور وأصابع الثدييات؟ لماذا تغير الحصان من ذى الأصابع الخمسة إلى صاحب الحافر؟ لماذا يمتلك الثعبان أرجلاً ضامرة ولماذا يمتلك الإنسان زائدة دودية كل وظيفتها الحالية أن تنفجر وتودى بحياة صاحبها إذا لم يسعف فوراً!!
 
تجمعت الأدلة والشواهد على تأكيد أكبر ثورة فكرية فى التاريخ، ثورة التطور التى تحولت من نظرية إلى فلسفة، لكن هل اخترعها داروين من العدم؟

 

القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: نعم.. وبالتأكيد هناك اجتهاد مع وجود نص

«لا اجتهاد مع وجود النص».. تم اغتيال العقل الإسلامى بهذه الرصاصة التى استقرت فى تلافيف مخ وقلب المسلمين حتى جعلوا من كلام الفقهاء صنماً لا مساس بقدسيته، وأصبحنا لا نفرق بين النصوص وحكمتها، ولا بين الألفاظ التى نقدسها ودلالتها، فصارت عندنا كل النصوص قطعية الدلالة، رغم ما قاله أئمة الاجتهاد عن قلة عدد هذه النصوص القطعية، التى تقارب المائتين فقط وسط ستة آلاف آية، وهذا من رحمة الله بالبشر حتى يمنحهم فرصة الاجتهاد ويحضهم على استخدام العقل، هذا الكيان الذى حولناه، نحن المسلمين، إلى ديكور وحلية للزينة وأحياناً إلى جثة للدفن!
 
هل هذه الجملة بدهية، هل غلق باب الاجتهاد فريضة حقاً؟، لن أردد سوى ما قاله د. النمر، وأحمد أمين، والعقاد والشيخ محمد عبده، وشلتوت، والصعيدى، وسأقتبس منهم بعض الأمثلة التى تفند هذه المقولة التى من فرط استخدامها والاقتناع بها صارت نصاً مقدساً وصار المنومون مغناطيسياً يسيرون وراءها معصوبى الأعين.
 
ماذا نسمى ما فعله الفاروق عمر بن الخطاب فى سهم المؤلفة قلوبهم؟، أليس ما فعله اجتهاداً فى وجود نص صريح وواضح وقاطع؟!، القرآن يقول: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ»، والفئة الأخيرة هى التى كان يعطيها الرسول وهم كفار متأرجحون حتى يكفوا عن المسلمين شرهم ويكسب ودهم، أوقف عمر بن الخطاب هذا الحكم تماماً، وبهذا طبق الفاروق مبدأ: «الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً».
 
يواصل الفاروق عمر اجتهاده الشجاع والجرىء وقراراته التى لا ترتعش من فقيه وهابى أو داعية فضائى، ويجتهد فى وجود النص القرآنى الصريح، ونعطى مثالاً آخر لتأكيد ما نقوله وهو تقسيم الغنائم التى كانت تقسم، طبقاً للآية الكريمة: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ»،
 
أما الباقى، وهو الأربعة أخماس فكان يوزع على المحاربين الفاتحين، لم ينتظر الفاروق رأى هيئة العلماء ولم يستمع إلى كلام الدعاة الكاجوال وتهديداتهم «اوعى تقرب من النص» و«إياك والمساس بالنص»، والحمد لله لم تكن هذه المقولة قد اُخترعت بعد.. نظر عمر إلى مصلحة البلاد التى تحتاج إلى المال الذى يحتكره الفاتحون هم وورثتهم بالملايين، خاصة بعد الفتح وامتداد الخريطة الإسلامية وشمولها بلاداً فى منتهى الثراء، فقال باجتهاده وبصيرته النافذة: «لا والله لا يفتح بعدى بلد كبير فيكون فيه كبير نيل (نفع)، بل عسى أن يكون كلاً (عبئاً) على المسلمين، فإذا قسمت الأرض بعلوجها (أهلها) وأرض الشام بعلوجها فما يسد به ثغور؟، وما يكون للذرية بهذا البلد وبغيره من أرض الشام ومصر والعراق»، وصارت الأرض رغم معارضة كثير من الصحابة ملكاً للدولة، تساعدها على قضاء مصالح عامة المسلمين وليس المحاربين فقط.
 
لا تقولوا أين نحن الآن من عمر بن الخطاب؟، فالاجتهاد ليس وقفاً على شخص، فالمجتهد يموت ويبقى الاجتهاد، بل قولوا أين نحن الآن من العقل وجسارة العقل وحرية العقل.. سجنوه الفقهاء، فهل سنستطيع فك أسره؟!
القسم: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: هل الـ«كولجيت» به سرطان قاتل؟

منذ عدة أسابيع دار جدل طبى شديد حول معجون أسنان كولجيت، وهل يحتوى هذا المعجون على مادة مسرطنة أم لا، انتظرت صدور بيان من وزارة الصحة أو نقابة أطباء الأسنان أو جهاز حماية المستهلك لشرح وتوضيح هذه المسألة وتأثيرها على صحة المصريين، ولكى لا نتركهم فى هذا التخبط، خاصة أن المصريين، بلغة الشارع، بيتلككوا لعدم العناية بأسنانهم، فنحن بصراحة أسوأ شعب فى العالم من ناحية العناية بالأسنان، ونمتلك أسوأ أسنان ولثة فى مجرة درب التبانة، ولذلك ليس من الحكمة أن نترك المصريين نهباً للتخبط. الحكاية ببساطة أن هذا المعجون يحتوى على مادة اسمها TRICLOSAN، ما هى هذه المادة؟ إنها مادة كيميائية مضادة للبكتيريا بدأ استخدامها فى تصنيع الصابون المضاد للبكتيريا منذ عام 1970 ثم استُخدمت بعدها فى سوائل التنظيف والأنسجة ومزيلات العرق والمعقمات ومستحضرات التجميل وغيرها، وقد أجازت الـFDA استخدامها آنذاك. فى عام 2000 تم إجراء دراسات أخرى على مادة التراى كلوزان فوجدوا أنها تؤثر على فئران التجارب وبعض هورموناتها، مما قد يؤدى إلى تكون خلايا سرطانية وعقم وتلف خلايا عصبية وتكون أنواع مضادة للبكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية. تم عرض هذه التجارب على هيئة الغذاء والدواء الأمريكية فصرّحت بعد التحقيق فى الأمر بأن رد فعل البشر تجاه هذه المادة مختلف عن رد فعل فئران التجارب بشرط أن تكون الكمية التى تُستخدم نسبتها 0.3% فى أنبوبة المعجون الكبيرة، وهذا هو البيان الصادر من الـ«FDA» حول هذا الموضوع:
 
تعليقاً على ما أثير مؤخراً بأن معاجين الأسنان «كولجيت» تحتوى على مادة (Triclosan)، والتى يعتقد ارتباطها بعدد من حالات مرض السرطان، تود الهيئة العامة للغذاء والدواء أن توضح لعموم المستهلكين، بأنها قامت بمنع استخدام مادة (Triclosan) فى منتجات التجميل كإجراء احترازى، بناء على تقييم المنافع والمخاطر، وذلك على ضوء الدراسات المعملية والتجارب على الحيوانات والتى تشير إلى احتمال وجود ارتباط بين هذه المادة وبعض حالات مرض السرطان.
 
وحيث إن هذه المادة تُستخدم فى بعض معاجين الأسنان لعلاج التهابات اللثة، وبناء على ما تقدمت به الشركة المنتجة لمعجون أسنان «كولجيت» من إثباتات تؤكد مأمونية منتجها على الإنسان، ولعدم وجود دراسات سريرية كافية على الإنسان تثبت هذا الارتباط، أدرجت الهيئة العامة للغذاء والدواء معاجين «كولجيت» التى تحتوى على مادة (Triclosan) كمنتجات صحية، وليس كمنتجات تجميلية، على أن لا يزيد تركيز هذه المادة على 0.3%، مع ضرورة وضع إرشادات على العبوة -لتقليل المخاطر- تنص على أن: «الأطفال من 6 سنوات وأصغر، عليهم استعمال كمية قليلة من المعجون، بإشراف الكبار، ويراعى عدم البلع، مع البصق والشطف بالكامل بعد تنظيف الأسنان».
 
وتؤكد الهيئة العامة للغذاء والدواء بأنه لا يُسمح ببيع وتسويق منتجات معاجين الأسنان المحتوية على مادة (Triclosan)، ما لم يتم إدراجها لدى الهيئة كـ«منتجات صحية»، حتى يتم التحقق من مأمونيتها، ومتابعتها بعد التسويق.
القسم: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: دروس نجيـب محفـوظ

حياة نجيب محفوظ الممتدة والثرية لا بد أن ندرسها، ليس من الناحية الفنية والروائية فقط، لكن لا بد أن ندرسها من الناحية الإنسانية، ومن زاوية تحليل مجتمع من خلال تحليل حياة أهم روائيِّيه ونستخلص الدروس والعبر.

أول هذه الدروس أن الفضل الأول فى اكتشاف نجيب محفوظ المسلم وتشجيعه يرجع للمفكر الاشتراكى المسيحى الجرىء سلامة موسى. جمعهما حب الفلسفة وحب مصر، نشر أول مقالاته الفلسفية ومحاولاته الروائية الجنينية فى مجلة سلامة موسى التى لها أياد بيضاء على كثير من المفكرين المصريين.

أول من كتب مقالاً نقدياً عن نجيب محفوظ الروائى كان سيد قطب الذى كان ناقداً متفتحاً آنذاك، صاحب أسلوب ورؤية ولكن القدر اختار له أن يتحول بعد عودته من أمريكا لفيلسوف ومنظر الإرهاب الذى تسرب إلى عقول ونخاع الكثيرين ليصل إلى أتباعه ومريديه وتتحول كلماته إلى مطواة فى يد أحد الجهلاء الذى يذهب ليذبح بها نجيب محفوظ نفسه.

يمثل نجيب محفوظ روح الدولة المدنية وصراع هذه الروح للفكاك والإفلات من يد الدولة الدينية التى تخنقها. أحياناً كان ينتهى هذا الصراع بغلبة قيم الدولة المدنية، وغالباً ما كان ينتهى بانتصار كهنة الدولة الدينية. أشهر صور هذا الصراع معركة أولاد حارتنا التى انتصر فيها الغزالى على محفوظ.

السينما هى النافذة التى أطل منها نجيب محفوظ على الجمهور وتعرف عليه الجمهور من خلالها، طريقة تعامل نجيب محفوظ مع السينما قصة يجب أن تُدرس، لم يتعال محفوظ على هذا الوسيط الفنى، بل دخل تلميذاً فى مدرسة صلاح أبوسيف، وكتب سيناريوهات مباشرة للسينما، واعترف بحرية المخرج فى تناول قصته من زاويته الإبداعية السينمائية الخاصة.

الإبداع ليس فوضى وهلاوس سمعية وبصرية تفرض نفسها على المبدع ليتركها تمرح بعشوائية على الورق. علّمنا نجيب محفوظ أن تروض موهبتك وتُخضعها لنظام صارم لكى تستطيع أن تنتج فناً متألقاً ومستمراً طيلة هذا الوقت وعلى مدار هذا الزمن الذى اقترب من القرن. أطلق عليه صديقه محمد عفيفى لقب رجل الساعة، ولم يمنعه هذا اللقب من أن يكون روائى القرن.

القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: انتحار كوميديان

مات الممثل الفيلسوف صانع البهجة روبين ويليامز، ودعنا منتحراً ليقول كفى ويضع نقطة فى نهاية سطر حياته التى أسعد فيها الملايين حول العالم، ولكنه أخفق فى تصنيع سعادة سابقة التجهيز تجعله متحملاً لتناقضات هذه الحياة وعبثيتها أحياناً، كان اسمه علامة جودة على أى فيلم حتى ولو كان دوراً مساعداً، كان بالنسبة لى شخصياً قرص دواء سينمائى ومعزوفة بهجة إبداعية وغلاف كتاب فلسفة متألق بألوان ملابس المهرجين الحارقة المجنونة!، لم أندهش لخبر انتحاره مثلما اندهش الكثيرون، فالكوميديان هو المكتئب الأعظم والساخر هو الحزين المزمن! خاسر من يراهن على أن جلسته مع مبدع ساخر هى جلسة فرفشة، فلريح نفسه فسيخسر الرهان حتماً، الكوميديا تقوم على التناقض، والكوميدى الساخر تزداد سخونة إيقاعه عندما يلتقط رادار إبداعه هذه التناقضات ويختزنها ويعجنها فى روحه وأعصابه وكيانه لينتج لنا الكوميديا، من السهل جداً أن يتسلل الاكتئاب كاللص المحترف خفيف اليد إلى قلب وعقل الفنان الكوميدى الحقيقى الصادق الذى يعانى من أجل فنه، تفاصيل الحياة التى تجتمع كالبازل فى عقل ووجدان الساخر والتى يراها من زاويته الخاصة وكاميرته الحساسة تفاصيل مضحكة من فرط عبثيتها وتناقضها، يراها العاديون تفاصيل عادية يتآلفون معها ويعتادونها لكنه فقط هو الذى يظل على مسافة محايدة غير قادر على التآلف والانسجام، فالتناقض هو وقود إبداعه، البشر يقولون له هذا معقول ويظل هو الوحيد المبتسم فى صمت مؤمن بأنه اللامعقول المدهش الجنونى الخارج من إطار المفروض والواجب والتقليدى، لا يمكن أن أنسى شخصياً دور الطبيب الذى أداه «ويليامز» فى «باتش آدامز وويل هنتنج»، ما زال «آدامز» الذى مارس الطب كصديق للمرضى وليس كموظف متعالٍ عليهم، الطبيب الذى توصل إلى حقيقة أن المرض جوع إلى التواصل وعطش إلى السعادة، رضى بأن يقال عنه مهرجاً بهلواناً، تحمل نظرات السخرية من رؤسائه الذين خافوا على وقارهم وهيبتهم وبرستيجهم، كان غرضه هو التواصل مع الإنسان القابع فى وجدان مرضاه، أرى «آدامز» يعبر خير تعبير عن روبين ويليامز الإنسان.
 
كم أحببت هذا الفنان وكم أفتقد من هم على نفس موجة إبداعه وإنسانيته وجنونه.
القسم: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: أمريكا بين طائرة ماليزيا وأطفال غزة

الكيل بمكيالين صار من المادة الوراثية للجينات الأمريكية، والكذب من أجل المصلحة أصبح شعاراً وديناً وعقيدة للعم سام، وها هو الموقف مع ضحايا طائرة ماليزيا وعكسه تجاه ضحايا قصف غزة يوضح لنا تفاصيل الصورة القبيحة للبيت الأبيض، وصلنى هذا التعليق من د. يحيى طراف، أستاذ جراحة عظام الأطفال، هذه رسالته:

تستأثر حادثة إسقاط الطائرة الماليزية فوق شرق أوكرانيا باهتمام الإعلام الغربى بصفة عامة، والأمريكى بصفة خاصة، فتظفر خلالهما يومياً بتغطية وتحليل ومتابعة أضعاف ما تظفر به أخبار الحرب على غزة، رغم أنهما يشتركان معاً فى استهداف مئات الضحايا من المدنيين الأبرياء، ورغم أن تعداد ضحايا غزة قد تعدى ضحايا الطائرة المنكوبة، وما زال فى ازدياد. وقد يكون سبب ذلك هو أن حادثة إسقاط الطائرة الماليزية وقعت فى سماء أوروبا، وضحاياها من الأوروبيين إلا القليل؛ إلا أن السبب الحقيقى وراء هذا الاهتمام، فى رأيى، هو محاولة أمريكا وأوروبا، على غير بينة، إلصاق تهمة إسقاط الطائرة بالرئيس الروسى فلاديمير بوتين، واتخاذ ذلك ذريعة لفرض المزيد من العزلة والعقوبات عليه.

قال «أوباما» إن الصاروخ الذى أسقط الطائرة من شرق أوكرانيا أطلقه (غالباً) المسلحون الانفصاليون الموالون لروسيا الذين يسيطرون على الأرض هناك، وإن ذلك لا بد أنه قد تم بصاروخ روسى متطور وبمساعدة فنية روسية، ناهيك عن أمر روسى بذلك. ويزعم الأمريكان أن «بوتين» هو الحاكم بأمره فى المسلحين هناك، لأنه هو الذى يمدهم بالسلاح، وعليه فقد طالبوه بأن يستغل نفوذه لديهم لكى يسمحوا لرجال الإغاثة والمحققين الدوليين من منظمة الأمن والتعاون فى أوروبا (OSCE) بدخول منطقة الحادث ومباشرة عملهم دون التعرض لهم من قِبل المسلحين.

فلو أن «بوتين» يملك قوة التأثير السحرية على مسلحى شرق أوكرانيا الانفصاليين، بزعم أمريكا والغرب، لأنه مصدر تسليحهم وإمداداتهم، فكذلك «أوباما» يملك قوة التأثير على إسرائيل من نفس المنطلق، فلماذا لا يمارس تأثيره هذا ويجبر إسرائيل على وقف استهداف المدنيين فى غزة؟ كما أن مراسلى الـ«سى إن إن» ورجال منظمة الأمن والتعاون فى أوروبا أجمعوا على أن المسلحين فى شرق أوكرانيا ليسوا فريقاً واحداً، بل نحو مائة فصيل لا رابط بينهم ولا اتصال، فكيف يكون لـ«بوتين تأثير» عليهم جميعاً؟ كان يمكن قبول ذلك الزعم لو أنهم كانوا جبهة واحدة بقيادة واحدة.

كما أن روسيا وانفصاليى أوكرانيا لا مصلحة لهم فى استعداء العالم الغربى قاطبة عليهم بإسقاط طائرة مدنية. لقد قال الرئيس الأوكرانى لمراسل «سى إن إن»: إن قضية أوكرانيا الآن قد أصبحت قضية «دولية»، وعلى أمريكا وأوروبا أن تبادرا بعقوبات قوية ومؤثرة ومؤلمة على روسيا؛ فهل عرفنا اليوم مَن المستفيد من إسقاط الطائرة وتحويل الصراع فى أوكرانيا من قضية إقليمية إلى قضية دولية، وبالتالى يكون قد خطط لها. يعزز هذا الظن ما ذكره أحد مراسلى الـ«سى إن إن» من أنه يتعجب غاية العجب لماذا لم تبادر حكومة أوكرانيا بإغلاق مجالها الجوى فى وجه الطيران المدنى حماية له، بدلاً من السماح له بعبور أجوائها فوق منطقة نزاع مسلح، تعلم جيداً أن المسلحين المسيطرين عليها يمتلكون أسلحة متطورة، خاصة أنهم كانوا قد نجحوا فى إسقاط طائرة نقل عسكرية أوكرانية هناك قبل حادثة الطائرة الماليزية مباشرة!

مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: 

أحمد مطر.. قصيدة لم تكتمل (3)

لم يمت الشاعر أحمد مطر بالسكتة القلبية، بل مات بالفرقة العراقية، لم تقتله جلطة القلب أو المخ، بل قتلته جليطة برابرة داعش الخارجين من كهوف آكلى لحم البشر، قضية أحمد مطر الرئيسية بل والوحيدة كانت هى الحرية، وهو من أجل عيون هذه الحرية نقل الشعر من شرفات العشاق إلى أقبية الزنازين، وحوله من أداة تطريب إلى أداة تحريض، وكل أمله كان أن يقتحم الشعر أحراش الواقع مرفوع الرأس، معتزاً بنفسه بدلاً من أن يدخل قصور الأثرياء مطأطئ الرأس يتسول فتات الموائد، وسنجعل أحمد مطر يقدم نفسه لمن لا يعرفه من القراء عبر نافذة كتاباته النثرية، يقول أحمد مطر:

* «أبحث عن التميز بحيث يكون للحبر رائحة دمى وللكلمات بصمات أصابعى».

* «الواقع ليس أرحم من شعرى، فالواقع زنزانة موصدة مكتظة بالدخان الأسود وكل ما فعلته، هو أننى وصفت هذا الواقع ودعوت إلى الخروج منه، فما ذنبى إذا كان الوصف يزعج اختناقكم؟ وما حيلتى إذا أمسيتم -لفرط التسمم- تعتقدون أن الدخان هو جزء من مسامات أجسادكم؟!!

* «غربتى بدأت بمولدى، وأحسب أنها لن تنتهى إلا إذا انتهت غربة أوطانى نفسها»

*«بيانات بطاقتى الشخصية كالتالى:

العمل: كنس العروش الفاسدة.

الحالة الاجتماعية: رب بيت.

الارتباط: بقضية كل إنسان ضعيف ومستلب.

مكسبى: احترامى لذاتى.

خساراتى: أرباح، أصبحت لكثرتها أغنى الأغنياء، ففى كل صباح أستيقظ فأجدنى معى، أحمد الله، ثم أبدأ بتفقد كنوزى، أدق قلبى الجريح، فترد كبريائى: «أنا هنا»، أتفحص جيبى المثقوب، تضحك أناملى لا تتعب نفسك لم أقبض صكاً من سلطان، أتلمس روحى، تبتسم آلامها، اطمئن لم يستطيعوا اغتصابى».

* «الموت مصير كل حى، وما دام الأمر كذلك، فلماذا يؤجل العاقل موته النظيف الذى يأتى مرة واحدة، ليواجه ألف موت قذر كل ساعة؟!!

* «من يحسنون السخرية هم أكثر الناس امتلاء بالأحزان».

* «الشاعر الذى لا يدرك أنه سلطة فوق كل سلطة، عليه أن يشتغل بأى مجال إلا الشعر».

* «الواقع السياسى العربى هو ملعب أمريكى يلعب فيه اثنان وعشرون لاعباً، فريق منهم فى الجهة الشرقية، وفريق فى الجهة الغربية والجمهور مربوط إلى الكراسى بقوة ممنوع عليه التدخين أو المشاركة أو الاحتجاج، ومسموح له فقط بأن يصفق أو يطبل أو يهتف: «يحيا العدل»!!!!!

وفى النهاية يودعكم «مطر» بعد أن هجر البيت وسكن الأبيات قائلاً:

فكرت بأن أكتب شعراً/لا يهدر وقت الرقباء

لا يتعب قلب الخلفاء/لا تخشى من أن تنشره

كل وكالات الأنباء/ويكون بلا أدنى خوف

فى حوزة كل القراء/هيأت لذلك أقلامى

ووضعت الأوراق أمامى/وحشدت جميع الآراء

ثم بكل رباطة جأش/أودعت الصفحة إمضائى

وتركت الصفحة بيضاء/راجعت النص بإمعان

فبدت لى عدة أخطاء/قمت بحك بياض الصفحة

واستغنيت عن الإمضاء.

حبسوه

قبل أن يتهموه/عذبوه

قبل أن يستجوبوه/أطفأوا سيجارة فى مقلته

عرضوا بعض التصاوير عليه:

قل لمن هذى الوجوه؟/قال لا أبصر

قصوا شفتيه/طلبوا منه اعترافاً

حول من قد جندوه/ولما عجزوا أن ينطقوه

شنقوه/بعد شهر برأوه/أدركوا أن الفتى

ليس هو المطلوب أصلاً/بل أخوه

ومضوا نحو الأخ الثانى/ولكن وجدوه

ميتاً من شدة الحزن/فلم يعتقلوه.


مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: 

أحمد مطر قصيدة لم تكتمل (2)

قديماً قال مكسيم جوركى «لقد جئت إلى هذا العالم لأعترض» وأحمد مطر من طائفة هؤلاء الشعراء الذين جاءوا إلى هذا العالم ليعترضوا، وكما هى كل الطرق تؤدى إلى روما، كانت كل الظروف تؤدى بأحمد مطر إلى هذا الطريق، طريق الشاعر المتمرد، فقد ولد أحمد مطر فى مطلع الخمسينات فى قرية التنومه بشط العرب فى البصرة، أرضعته هذه القرية حليب الشعر بطبيعتها الخلابة الغنية التى لا يكتفى نخيلها باحتضان البيوت بل يقتحم النوافذ وحجرات النوم، وكأنه يوقع بالأحرف الأولى على ميلاد شاعر عظيم، دخل مطر معترك السياسة فى الجامعة، وبدأ يلقى قصائده الملتهبة فى ساحاتها وندواتها وبين طلابها، بالطبع لم يتحمل نظام صدام حسين ذلك الشاعر المشاغب طويل اللسان فتم نفيه إلى الكويت، حيث عمل فى جريدة القبس، وزامل هناك صديق عمره وتوأم روحه رسام الكاريكاتير ناجى العلى، فصار يكتب هو فى الصفحة الأولى قصيدته القصيرة تحت اسم اللافتة، وهى قصائد مكثفة كل منها كالنواة التى تحمل كل أسرار الخلية وكل طلاسم الكون، وصار صديقه ناجى العلى يرسم الكاريكاتير فى الصفحة الأخيرة، بالطبع لم تحتمل السلطات العربية قلم مطر الحاد وريشة ناجى الفاضحة الجارحة فتم نفى الاثنين إلى لندن، وبعدها اغتيل ناجى العلى ليظل أحمد مطر نصف ميت ونصف حى، لكنه ظل حتى اللحظة الأخيرة رافضاً أن يكون بنصف لسان، برغم أنه يعرف جيداً أنه من الجيل المطارد المنبوذ الذى يسافر حاملاً الأمل إلى بلاد الغربة ويعود محملاً فى توابيت تحوطها الزهور الباردة وتزينها كلمات النقاد التى يتطهرون بها من ذنوبهم ولكن بعد فوات الأوان.

زار الوالى المؤتمن

بعض ولايات الوطن

وحين زار حينا

قال لنا

هاتوا شكاواكم بصدق فى العلن

ولا تخافوا أحداً فقد مضى ذاك الزمن

فقال صاحبى حسن

يا سيدى

أين الرغيف واللبن؟

وأين تأمين السكن؟

وأين توفير المهن؟ لم نر من ذلك شيئاً

قال الوالى فى حزن

أحرق ربى جسدى

أكل هذا حاصل فى بلدى

شكراً على صدقك فى تنبيهنا يا ولدى

سوف ترى الخير غداً

وبعد عام زارنا

ومرة ثانية قال لنا

هاتوا شكاواكم بصدق فى العلن

ولا تخافوا أحداً

فقد مضى ذاك الزمن

لم يشتك الناس

فقمت معلناً:

أين الرغيف واللبن؟

وأين تأمين السكن؟وأين توفير المهن؟

معذرة يا سيدى

وأين صاحبى حسن؟!


مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: 

أحمد مطر.. قصيدة لم تكتمل (1)

مات أحمد مطر يوم أن مات العراق، لم يحتمل قلبه فراق الوطن ونهشه على أيدى البرابرة وهو شاعر الأقصوصة الساخر الذى تجاوزت قصة العراق طاقته الشعرية وتعدت أبياتها المياه الإقليمية لحدود إبداعه وتحولت قافيتها من نافذة سخرية إلى بلاعة مسخرة، انفجرت شرايين المخ حزناً وكمداً على وطن أهدى للدنيا باقة ورد الشعر من المتنبى إلى السياب فإذا به اليوم يهدى لها عصابة آكلى أكباد البشر، مات شاعر العراق الرائع الجميل منفيّاً كما عاش منفياً، لم تشيعه مداخلة فضائية أو حتى زاوية نعى فى جريدة أو على جدار، تم طرده من على جميع أرفف المكتبات العربية فاختار أن يسكن حجرات الإنترنت، الحجرات الوحيدة التى تحتمل صراحته وسخريته الموجعة، استطاع الشباب العربى إنشاء أكثر من موقع لأحمد مطر على الإنترنت كما أنشأوا من قبله لنجيب سرور و«أمّيّاته» المنفية، وناجى العلى وكاريكاتيره النازف، وكما لا يستطيع أحد أن يرتدى ثياب العرس والزفاف فى سرادق العزاء، فإن الشاعر العراقى أحمد مطر لم يستطع أن يكتب شعر الغزل فى وطن يحتضر، اختار وبإصرار مدهش أن يكتب شعر الهجاء السياسى الساخر ويلقيه كالقنبلة فى وجه من اغتالوا هذا الوطن، فصار شاعراً مطلوباً رأسه وقلمه، وصارت دواوينه منشورات تصادرها السلطة من الخليج إلى المحيط، وأصبحت صورته الفوتوغرافية دليل اتهام واسمه سبباً فى تكدير الأمن العام وهز أسس الاستقرار الاجتماعى المزعوم!!، إنه شاعر لن تراه على شاشة أى قناة أرضية أو فضائية، ولن يستضيفه أى معرض للكتاب ولن يفوز بجائزة سلطان العويس أو زكى اليمانى أو حتى جورج قرداحى!، وذلك لأنه شاعر خارج الطابور لم يرص قصائده الشعرية أحجاراً للمعسل على نارجيلة السلطة، ولم يفتتح سوبر ماركت يبيع فيه قوافيه للزبائن ولمن يدفع أكثر، ولم يعمل ترزياً يفصّل شعره على مقاس الحكام، ولكنه اختار أن يكون شاعراً انتحارياً يكتب شعراً نووياً شديد الانفجار وقصائد مفخخة تنفجر سخرية وحزناً فى وجه المرتزقة ذوى الجلود السميكة الذين باعوا أوطانهم فى سوق النخاسة.

«أمس اتصلت بالأمل

قلت له: هل ممكن

أن يخرج العطر لنا

من الفسيخ والبصل؟

قال: أجل

قلت: وهل يمكن أن

نشعلَ ناراً بالبلل؟

قال: بلى

قلت: وهل من حنظل

يمكن تقطير العسل؟

قال: نعم

قلت: وهل

يمكن وضع الأرض فى جيب زحل؟

قال: نعم.. بلى.. أجل

فكل شىء محتمل

قلت: إذن عربُنا

سيشعرون بالخجل

قال: تعالَ ابصق على وجهى

إذا هذا حصل!».


مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: