خالد منتصر

الأقباط بين زيارة «عدلى» ونكد «مرسى»

أحياناً من فرط بديهية المعلومة وأنها حتماً قد حدثت يتعطل ويتوقف مخك عن السؤال عنها، فالسؤال عنها فى هذه الحالة سذاجة، هذا ما حدث عندما تابعت زيارة الرئيس عدلى منصور للكاتدرائية، ضغطت على زر الريموت أقلب فى القنوات بملل فما أشاهده على الشاشة، من وجهة نظرى، شىء روتينى وطبيعى وبديهى، ومن المؤكد أن هذا التصرف قد مورس من قِبل كل رؤسائنا وحكامنا، إلى أن صدمنى صديق قبطى موقظاً ذاكرتى بأنها أول زيارة لرئيس مصرى للتهنئة بعيد الميلاد داخل الكاتدرائية!، معقول بعد وضع عبدالناصر لحجر أساس الكاتدرائية مع البابا كيرلس لم يدخلها رئيس إلا مبارك مرة واحدة لأداء واجب عزاء؟!، إذن هى بالفعل تستحق لقب ووصف زيارة تاريخية، إذن هى فأل خير لاستفتاء الدستور، إذن هى أول تفعيل لمواد المواطنة على أرض الواقع، ولكن بما أن الشىء بالشىء يذكر، وبما أن الضد يظهر حسنه الضد، وبما أننا نحن فى مصر نحب النكد ونجتر الذكريات السيئة فى عز لحظات الفرح، ولأننا أيضاً نعانى كشعب من ذاكرة السمك التى تتبخر منها الأحداث فلا بد أن نتذكر معاً القبح فى زمن مرسى لكى نحس ونقدر قيمة هذا التصرف وتلك الزيارة، هذه فلاشات سريعة عن الأقباط فى زمن المخلوع المعزول، ممثل مكتب الإرشاد فى الرئاسة:

• «وأصارحكم بأننى لا أشعر براحة من علاقات فاترة، لا تخطئها عين مدقق خلف الابتسامات واللقاءات البروتوكولية التى تجمعنا مع الإخوة المسيحيين» جملة من أحد خطابات مرسى العصماء.

- «معظم من كانوا فى الاتحادية من المسيحيين»، جملة من أحد تصريحات فيلسوف الإخوان محمد البلتاجى.

- 31 يوليو 2012 أحداث دهشور التى نشبت على خلفية خلاف بين شاب مسلم و«مكوجى» مسيحى وإصابة سبعة أشخاص، ثم 29 أكتوبر 2012 وقعت اشتباكات بين عدد من المسلمين والمسيحيين فى قرية عزبة ماركو ببنى سويف، على أثر رفض أهالى القرية من المسلمين قدوم مسيحيين من خارج القرية للصلاة داخل الكنيسة الموجودة بالقرية، 3 مارس أسيوط واتهامات باغتصاب طفل جنسياً، 5 أبريل 2013 أحداث الخصوص بسبب رسم صليب على جدار معهد دينى، النتيجة 4 قتلى وسبعة جرحى، 7 أبريل ولأول مرة فى التاريخ إطلاق نار على الكاتدرائية أثناء تشييع الجنازة.

- صدور فتوى بتحريم التهنئة بأعياد المسيحيين، وحاول الإخوان مغازلة المسيحيين بعدها بطريقة «جه يكحلها عماها»، فقال مفتيهم عبدالرحمن البر يجوز فى عيد الميلاد ولا يجوز فى عيد القيامة!!.

- غياب مرسى ورئيس وزرائه عن حفل تنصيب البابا الجديد.

- هجرة ما يقرب من مائة ألف قبطى من مصر.

- ما حدث بعد عزل مرسى من الإخوان فى حق الأقباط أظهر وجه الإخوان القبيح الحقيقى، كانت الحصيلة 212 حادثاً بين تعدٍ بالقتل وهجوم على كنائس ودور أيتام.. مقتل 15 شخصاً وتشريد أكثر من 1000 أسرة.. واختطاف 7 وحرق وسلب أكثر من 73 كنيسة.

القسم: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: الجهاد بسرقة الجزم والنضال بمصادرة الشباشب

وصل الإخوان إلى حالة أسطورية من الهذيان والهستيريا وتقمص دور الرداحة والفتواية والبلطجية والكيادة والغياظة، بلغت أقصى مداها الكوميدى فى بنى سويف عندما سرق الإخوان أحذية أعضاء حزب النور!!

الخبر يقول: «اتهمت أمانة حزب النور بمركز ناصر، محافظة بنى سويف، عناصر جماعة الإخوان الإرهابية بسرقة مبلغ ألف جنيه من أحد أعضاء الحزب، وحرروا محضراً بالواقعة بقسم شرطة ناصر.. وقال المهندس ياسر عبدرب الرسول، عضو مجلس إدارة الدعوة السلفية بمركز ناصر، إن أنصار جماعة الإخوان عندما وجدوا مع أحد أبناء حزب النور، مبلغ ألف جنيه، استولوا عليه، واعتدوا على الشاب، وعلى بقية الأعضاء الذين كانوا فى الخلف، وحطموا دراجة نارية (موتوسيكل) لأحد الإخوة، وانهالوا عليهم ضربا بقطع من مواسير المياه، وقاموا بصعق أحدهم بصاعق كهربائى، وسرقوا أحذيتهم وهواتفهم المحمولة». وصلنا يا إخوان لدرجة سرقة الجزمة ونشل البلغة والتحفظ على الشبشب ومصادرة الصندل.. أهكذا تسقط الدول وتثور الشعوب.. أهكذا سيعود مرسى الخائن وتستعيدون الشرعية المزعومة؟ كنتم تقولون على متظاهرى الاتحادية وتتساءلون بدهشة وعجب «جبنة نستو يا معفنين؟!» فماذا نقول نحن الآن؟، هل سنقول «جزم وشباشب يا إخوان يا مسلمين؟!».

* وصلنى من د.يحيى طراف، أستاذ جراحة عظام الأطفال، تلك الرسالة التى يقول فيها: «ذكرت فى مقالك عن التسريبات بتاريخ (4/1) أن تسريبات ٦ أبريل جعلت الناس تعيد حساباتها فى كثير من نشطاء هذه الحركة، لما وجدت فيها من رائحة العمالة والخيانة وسيل اللعاب من أجل الدولار. ودعنى أتوقف عند عبارة «سيل اللعاب من أجل الدولار»، لأنعش ذاكرتك قليلاً بشأن لعاب أحد أقطاب النظام الإخوانى البائد، اقترن اسمه بالدولار فى صدر الصفحات الأولى للصحف إبان العهد الإخوانى، لكن أحداً بالطبع لم يعقب وقتذاك، فقد جاء بالصفحة الأولى بأهرام الجمعة ١٢/١٤/ ٢٠١٢ تحت عنوان «هدايا المسئولين فى المزاد العلنى»، أن هشام قنديل رئيس الوزراء أصدر توجيهاته لجميع المصالح والدواوين الحكومية وكبار المسئولين فى الدولة، بعدم قبول أى هدايا بمناسبة رأس السنة الميلادية، أو فى أى مناسبة أخرى، ومن ثم سارع المسئولون بالفعل إلى رد الهدايا التى وصلت إليهم، وكان من أبرز ما ردوه -كما جاء فى الخبر- ساعة ألماس تلقاها محمد محسوب وزير الدولة للشئون البرلمانية، بلغت قيمتها ثلاثمائة ألف دولار، جدير بالذكر أن محسوباً كان وقتذاك وزيراً فى النظام الإخوانى ولاعباً أساسياً محورياً فى لجنة الغريانى لصياغة الدستور، فهل كان يليق به فى وضعه هذا أن يقبل هدية يزيد ثمنها على مليونى جنيه مصرى، ويحتفظ بها فلا يعيدها إلا مرغماً مكرهاً لا بطلاً؛ وأين كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «هلا قعدت فى بيت أبيك وأمك فأتتك». ولماذا يُعطَ محسوب هدية بهذه القيمة، وهو لم يك شيئاً مذكوراً منذ أشهر؟

جدير بالذكر والتذكير أيضاً ما تزامن مع هذا وقتذاك من دعوة الشيخ القطراوى للمصريين بالموافقة على الدستور الإخوانى حتى لا تؤجل قطر بزعمه استثمارات بعشرين مليار دولار! فهل امتد هذا الحرص القطرى العلنى على انتزاع موافقة المصريين على دستور محسوب والغريانى، إلى التدخل سراً فى صياغته من خلال أمثال تلك الهدايا؟. وأين محسوب اليوم وأين يعيش؛ حقاً يكاد المسىء أن يقول خذونى».

القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

إنقاذ مستر بانكس

كلما شاهدت فيلماً مبهراً من إنتاج هوليوود دائماً أتساءل: وماذا بعد؟، أهمس لنفسى لا بد أن هذه هى المحطة الأخيرة وما بعد ذلك من أفلام ستكون مجرد تكرار وفوتوكوبى لأفكار قديمة واجترار لقصص مستهلكة، لكن مصنع السحر الهوليوودى لا تتوقف خطوط إنتاجه عن إبهارنا وإمتاعنا بالمفاجآت، وها هى فكرة عبقرية جديدة تولد وتلمع فى مصنع السحر الهوليوودى وتضخ دماء جديدة فى شرايين الفن السابع، أفلام حديثة عن أفلام قديمة، ليس اقتباساً ولكنه فيلم معاصر عن كواليس فيلم كلاسيكى، الكواليس التى تمت خلف الستار التى لا تقل دراما وتشويقاً وإمتاعاً عما شاهدته أنت على شريط السينما منذ سنوات، حدث هذا فى فيلم «أسبوعى مع مارلين» عن كواليس فيلم «الأمير وفتاة الاستعراض»، وفيلم «هيتشكوك» عن كواليس فيلم «سايكو»، والفيلم الساحر الذى استمتعت بمشاهدته أمس «إنقاذ مستر بانكس» عن كواليس فيلم «مارى بوبينز» وصراع والت ديزنى للحصول على حقوق إنتاجه من كاتبة القصة الأسترالية «باميلا ترافرز»، صانع البهجة والت ديزنى الذى جسد دوره غول التمثيل «توم هانكس» بدأ المفاوضات قبل عشرين سنة من خروج الفيلم إلى النور تنفيذاً لوعد أعطاه لابنته وحلماً بفيلم استعراضى يصبح بصمة لا تنسى فى تاريخ السينما، وبالفعل صدقت نبوءته فقد رشح الفيلم لـ13 جائزة أوسكار من بينها جائزة التمثيل التى حصلت عليها الممثلة جولى أندروز، الفيلم فى ظاهره مجرد حكى لكيفية إقناع تلك المؤلفة ذات السلوك الغريب المتوجس المتأفف المتعالى أن تتنازل عن شروطها القاسية حتى يتم إنتاج الفيلم، لكن الفيلم فى عمقه يتحدث عن صراع الخيال الجامح مع الواقع التقليدى، صراع المنتج رجل البيزنس الذى يفهم طبيعة وأسرار النجاح الجماهيرى ومتطلبات فن السينما التى تداعب غريزة التخيل وشهوة الحلم مع المؤلفة المتمسكة بمطابقة التفاصيل التى على الورق بالمشاهد المرئية على الشاشة، الكاتبة الموسوسة الخائفة المرعوبة على شخصيات روايتها لدرجة المرض الذى يجعلها تطلب تسجيل كل ما يدور فى جلسات العمل بينها وبين السيناريست وترفض دخول الكارتون والأنيميشن فى الفيلم، وترفض وضع شنب لبطل الفيلم وترفض أن يتباسط أحد معها ويقتحمها ويناديها باسمها الأول مجرداً، وترفض نمط الحياة الأمريكى وتظل ترفض أى تفصيلة ترى فيها خيانة لروايتها الأصلية!، جاء بها ديزنى من لندن واستضافها فى لوس أنجلوس، وعندما عادت غاضبة للندن فوجئت به يسافر إليها ليقنعها بالتوقيع على حقوق استغلال القصة، وبعد ذلك الجهد والتعب وبعد أن وصل إلى غايته ومراده، لم يرسل لها دعوة لحضور افتتاح الفيلم!، رغم كل ما ستشاهده من تصرفات المؤلفة، إلا أنك ستبكى معها وهى تشاهد فيلمها الذى أصرت على حضوره رغم عدم دعوتها، ستدمع عيناك وأنت تشاهد إيما تومسون هذه الممثلة العبقرية الجبارة التى لا بد أن تحصل على الأوسكار عن أدائها لهذه الشخصية الصعبة المعقدة، ساهم فى هذا التعاطف الفلاش باك الرائع المنضبط بالفمتوثانية الذى قدمه الفيلم لطفولة المؤلفة التى زرع فيها الأب الخيال عن طريق اللعب معها والانسياق لكل نزوات لهوها وخيالها، لدرجة أنه عنف الأم حين نادتها لتساعدها فى تجهيز الطعام قائلاً إنها الآن تعيش دور الدجاجة وتتقمصها وهى تبيض فاتركيها!، هذا الأب مدير البنك نكتشف أنه سكير دمر سمعة العائلة وترك عمله ومات فى شبابه بمرض السل، تاركاً إياها فى حيرة بدون أى سند نفسى إلا خيالها ومملكتها الروائية التى هى رصيدها وأسرتها وكل حياتها.

الفيلم معزوفة سينمائية رائعة ومباراة تمثيل ممتعة بين توم هانكس، الذى ينافس نفسه على الأوسكار هذا العام، وإيما تومسون التى تتأرجح مشاعرك معها من دقيقة إلى دقيقة وكأنها تغازلك، ونصيحة هامسة فى أذن نجماتنا اتفرجوا وراقبوا هذه الممثلة وانظروا كيف خدمتها التجاعيد فى تعبيرات وجهها المذهلة بلا بوتوكس وبلا نفخ شفايف أو خدود!، عندما ينزل هذا الفيلم لدور السينما المصرية لا بد أن تحجز تذكرة وتوقع كونتراتو مع المتعة والبهجة والسحر.

القسم: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: طفلك تفصيل حسب الطلب وبالكتالوج

بينما نحن المصريين نتابع آخر أصداء إعلان أبلة فاهيتا الرهيب بتحليل الخبير الاستراتيجى أحمد سبايدر وإرهاصات الحرب العالمية الثالثة التى يشير إليها من خلال شفراته السرية، وصلنى صدفة فى وسط هذه الهستيريا إعلان أمريكى أغرب من الخيال أعادنى إلى أرض الواقع المر ثانية لأعرف الفرق الشاسع بين تفكيرهم وتفكيرنا وأحلامهم وأحلامنا وعلمهم وعلمنا، والفجوة الرهيبة بين هرتلة إعلاناتنا وهزليتها وطموح إعلاناتهم وابتكاريتها، الإعلان هو موقع على الإنترنت لا يبيع محمولاً أو لاب توب ولا يروج لغسالة أو سيارة أو كومباوند إنما يبيع لك كتالوجك الوراثى وكتالوج طفلك المنتظر تفصيله عند ترزى الجينات وشجرة عائلتك المبجلة وأصلها وفصلها حتى ولو كانت من مجاهل أفريقيا!! كل ذلك بـ99 دولارا فقط (يا بلاش)، ومن خلال عينة لعاب، يعنى من خلال بصقة أو تفه حتعرف جدك وتفصّل ابنك!!، الموقع هو

https: //www.23andme.com/

التفاصيل تقول إن شركة أمريكية تدعى andme23 تقدمت بطلب للحصول على براءة اختراع لتقنية تتيح للآباء اختيار صفات أبنائهم، أو هندسة صفات الأطفال، حيث يمكنك اختيار لون العين، المناعة ضد عدد من الأمراض الشائعة، القابلية على الرياضات البدنية، قابلية التعرض لسرطان الثدى.. وغيرها من الصفات.

الشركة المذكورة متخصصة فى الأبحاث الجينية، وحاليا لديها طريقة لعمل فحص DNA عن بُعد، إذ تشترى عدة الفحص بـ99 دولارا، وترسل عينة اللعاب إليهم، ليخبروك بالنتيجة، بأقاربك الذين لا تعرف بوجودهم، أو قابلية إصابتك بمرض السكرى، ومعلومات أخرى من خلال تحليل جيناتك.

حكاية طفل الكتالوج ليست مقتصرة على أمريكا، فالصين كما هو المعتاد لن تترك أمريكا فى حالها ولا بد من تقليدها بل التفوق عليها خاصة فى مجال تصنيع الطفل السوبرمان وتنمية الذكاء عن طريق البيوتكنولوجى، فالعلماء فى مركز BGI Shenzhen، وهو أكبر مركز للبحوث الجينية فى الصين، يجمعون عينات من الحمض النووى (DNA) من ألفى شخص يتم اختيارهم من بين أكثر الأشخاص ذكاءً فى العالم، وهم يدرسون حالياً العوامل الوراثية الخاصة بهم فى محاولة لتحديد الصبغيات الوراثية التى تحدّد الذكاء البشرى، وبحسب التقارير، يبدو أنهم على طريق اكتشاف المعلومات التى يحتاجونها، وعندما يحصل ذلك، وتحديداً من خلال تصوير الجنين، وهو فى مراحله الأولى، يمكن للوالدين اختيار أذكى خلاياهما الملقحة، وبالتالى سترتفع معدلات ذكاء أطفالهما بمقدار 15 نقطة فى اختبار معدل الذكاء (IQ TEST) فى كل جيل. وفى غضون بضعة أجيال، سيصبح التنافس مع الصينيين على المستوى الفكرى أمراً مستحيلاً، اختيار الأشخاص الذين تؤخذ منهم الجينات تم وفق مواصفات محددة، ويهتم العلماء الصينيون بجينات الأذكياء من الصين وأوروبا بشكل خاص، فيذهب المتخصصون فى علم الجينات من الصين إلى المؤتمرات العلمية فى أوروبا، ويحددون مدى ذكاء هذا العالم أو ذاك من خلال الكلمة التى يلقيها، ثم يطالبونه بإرسال سيرته الذاتية وجميع أعماله وما أنتجه خلال مسيرته إلى المركز الصينى، وبعد ذلك عليه اجتياز اختبار يحدد مدى أهمية استحقاق جيناته لأن تدخل فى برنامج تطوير الذكاء.

العالم يبحث عن طفل أذكى وأقوى وأسعد وأكثر صحة ونحن ما زلنا نبحث عن سر أبلة فاهيتا.

القسم: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: تسريبات «السيسى» وتسريبات «6 أبريل»

لست مهتماً بالإجابة عن سؤال من الذى سرب التسريبات؟ سواء تسريبات شبكة «رصد» عن الفريق السيسى أو تسريبات برنامج «الصندوق الأسود» عن نشطاء «6 أبريل» فهذا مكانه النيابة ورجال القانون، هم يبحثون براحتهم وأمامهم البلاغات وليس من الواجب ولا المفروض أن أتقمص أنا دور كورمبو وأقدم لكم من واقع التخمينات البوليسية والفتاوى الشرطية التى يتمتع بها المصريون متهماً بعينه يشار إليه بتهمة مسرب، ببساطة «رصد» وجدت تسريبات وأذاعتها وكذلك الصحفى عبدالرحيم على وجد نفس الشىء وأذاعه، وكل منهما من وجهة نظره رأى أن هذا هو واجبه الإعلامى، لكن السؤال المهم الذى يشغلنى بحق لماذا لم يكن لتسريبات «السيسى» أى تأثير سلبى على الناس، بل على العكس، وهذا هو المدهش، هذه التسريبات جعلت الناس تلتف أكثر حول هذا الرجل لدرجة أن مواقع التواصل الاجتماعى شكرت «رصد» على حسن تعاونها واتهمت المسربين بأنهم أعضاء فى حملة «كمل جميلك»!، ولماذا كان لتسريبات عبدالرحيم على هذا التأثير الهائل الذى جعل الناس يعيدون حساباتهم فى نشطاء كثيرين من هذه الحركة كانوا قد خدعوهم بمعسول الكلام الثورى؟! الإجابة بسيطة وسهلة، لأن الناس فى التسريب الثانى شمت رائحة الخيانة والعمالة وسيل اللعاب من أجل الدولار، لأن الناس عرفت الهيافة والتفاهة ولغة الحوار المنحطة بينهم والأنانية والنرجسية التى تتحكم فى تصرفاتهم والقدرة الهائلة على التمثيل والخداع لدرجة أن نحنوح الثورة وندابتها الباكية وصاحب خدودها المكتنزة استطاع خداع مصر كلها، ومنهم العبد الفقير إلى الله شخصياً، من خلال دموع التماسيح التى ذرفها طوال استضافته المزمنة فى الفضائيات، استيقظ الناس بعد هذه التسريبات على شاب يتحدث بمفردات تجار المخدرات وبصوت يذكرك بتليفونات توفيق الدقن فى أفلام حسام الدين مصطفى، وتتحول دموعه الساخنة إلى ضحكات مرقعة رقيعة على التليفون بينه وبين شاعر الثورة ابن خائن الوطن وعميل قطر ومفتى «الناتو»، الناس اكتشفت القفا الكبير الذى انطبع بالكف كله والذى لطمها لمدة سنتين على سهوة مثل بلدياتنا فى المولد، اكتشفوا أنهم احتياطى استراتيجى لجماعة الإرهاب الإخوانية، اكتشفوا أن البوب كان بالنسبة لهم مجرد صنم عجوة يتعبدون له كرهاً وهم غير مقتنعين بقيادته وحتماً سيأكلونه فيما بعد، ببساطة الناس أحست بالقرف والخديعة والمؤامرة، من هنا كان هذا التأثير السلبى الذى دفن هؤلاء فى مزبلة التاريخ.

القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: صورة دم الرئيس وتحليل بوله أولاً

صدقوا أو لا تصدقوا أن أى رئيس وزراء إسرائيلى لا بد أن يقدم تقريراً سنوياً تفصيلياً عن صحته، تخيلوا أن فى إسرائيل التقرير الطبى لحاكم إسرائيل ومخطط سياساتها وصاحب قرار الضغط على زر تفجير قنابلها النووية أهم من إقرار ذمته المالية وصحيفته الجنائية وعلاقاته الغرامية، هناك فى بلاد المحتل المغتصب يهتمون بإيقاع نبض قلب الرئيس وحركية قولونه ورعشة جفنه وتنميل أطرافه ونقاء بروستاته بنفس درجة الاهتمام التى يتابعون بها قراراته الاقتصادية وخططه الحربية وغاراته العسكرية! استيقظ العرب على خبر دخول نتنياهو المستشفى لاستئصال زوائد من القولون استكمالاً لملفه الصحى الذى يقدمه فى نهاية كل عام من حكمه، يقدمه للناس وللبرلمان وللإعلام وللرأى العام بكل شفافية وبمنتهى الدقة وبتفاصيل التفاصيل، بداية من تحاليل البول والدم إلى صور أشعة الرنين المغناطيسى والسونار، حبس الإسرائيليون وأعضاء حزب نتنياهو أنفاسهم من نتيجة التقرير، لأنه إذا ثبت من فحص عينة الباثولوجى أن هذه الأورام سرطانية فغالباً هذا تقرير الوداع والخروج من ساحة الحكم بإرادته أو من خلال استجوابات المعارضة التى ستلعب على وتر أن الشعب الإسرائيلى لا يحكمه مريض بمرض خطير عضال يؤثر على قراراته السياسية وبالتالى على مستقبل إسرائيل وشعبها، الرئيس المريض سيعالج أفضل علاج ويكرم أفضل تكريم ولكنه لن يحكم ويتحكم، وليست فى هذا أى إهانة أو انتقاص من قدر زعمائهم أو بهدلة لمكانتهم من وجهة نظرهم، العواطف والشفقة والمصمصة ليس لها مكان فى السياسة والحكم ومصاير الشعوب. قارنوا هذا الوضع الإسرائيلى بالوضع المصرى عندما طالب البعض من الرئيس «مرسى» بعرض ملفه الطبى على الناس قبل ترشحه للرئاسة بعد أن اتضح أنه أجرى عملية جراحية سابقة لإزالة ورم «ميننجيوما» من المخ، واتضح أيضاً أنه كان يعانى من فيروس سى وعولج بالإنترفيرون. غرض من طالبوا بتقارير «مرسى» الطبية كان معرفة هل تؤثر هذه الإجراءات الطبية والأمراض والأدوية على قراراته أم لا، هل كان الكبد قد وصل إلى درجة التليف مثلاً، هل كان يعانى من نوبات غيبوبة... إلخ، لم يكن غرضهم التلسين أو التجريس أو التشفى، كلها كانت أسئلة مشروعة ليس لها أى دخل بالتدخل فى الخصوصيات وكشف العورات والقسوة على مرشح رئاسى، ولا ينبغى أن يكون الرد عليها «إن ربك حليم ستار» و«المرض زى النوم عورة». قامت القيامة وهاجت ثائرة الإخوان؛ كيف تسول لكم أنفسكم أن تتطاولوا على فخامة الرئيس؟ وكأنه ليس من حق الشعب أن يعرف صحة رئيسه التى من الممكن أن تذهب بهذا الشعب الغلبان فى ستين داهية وإلى سكة الندامة، وقد حدث وحكمنا رئيس كان كل قرار وكل خطاب وكل تصرف يؤكد أن القدرات العقلية والذهنية متواضعة جداً، وكان أحد مصادر هذا التواضع وهذه الضحالة حالة الرئيس الصحية التى لم يكشف عن تفاصيلها وتركنا فى دائرة النميمة المصرية وليس الشفافية الإسرائيلية.

قبل أن نتحدث ونطالب بالانتخابات الرئاسية أولاً أو البرلمانية أولاً لا بد أن نطالب بالتقارير الطبية أولاً.

القسم: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: قواعد العشق الأربعون (3)

■ «لكى يعيش الحرير لا بد أن تموت دودة القز».

لكى يقترب «الرومى» من الله أقنعه «التبريزى» بأنه لا بد أن يخلع عباءة المعجبين والشهرة والسمعة ويتألم مع البشر العاديين، يذهب إلى السكير فى الحانة والغانية فى بيت البغاء والمتسول فى الشارع، لا بد أن يخلع عباءة الفقيه ويرتدى خرقة الصوفى ليصل إلى مرتبة النفس النقية، علمه الشعر والرقص، علمه إلا يسير مع التيار بل أن يكون هو التيار.

■ «لكى تولد نفس جديدة يجب أن يكون ألم، وكما يحتاج الصلصال إلى حرارة عالية ليشتد، فالحب لا يكتمل إلا بالألم».

قال له «التبريزى»: «الشريعة كالشمعة توفر لنا نوراً لا يُقدّر بثمن، لكن يجب ألا ننسى أن الشمعة تساعدنا على الانتقال من مكان إلى آخر فى الظلام، وإذا نسينا إلى أين ذاهبون وركزنا على الشمعة، فما النفع فى ذلك.. لا تحكم على الطريقة التى يتواصل بها الناس مع الله، فلكل امرئ صلاته الخاصة، إن الله لا يأخذنا بكلمتنا بل ينظر فى أعماق قلوبنا وليست المناسك أو الطقوس هى التى تجعلنا مؤمنين».

الصوفى يغمض عينيه وينظر بالعين الثالثة، ينظر إلى الداخل حيث الحقيقة والصدق، حيث مرآة النفس لا مرآة الآخرين.

■ «لو أراد الله أن نكون متشابهين لخلقنا متشابهين، لذلك فإن عدم احترام الاختلافات وفرض أفكارك على الآخرين يعنى عدم احترام النظام المقدس الذى أرساه الله».

قُتل «التبريزى» لأنه كان مختلفاً، لأنه خرج على ناموس التصنيف والتبويب والطرق المعبّدة والأفكار سابقة التجهيز والقناعات المطبوخة المهضومة المحفوظة، قتله المتعصب «بيبرس» الذى يظن أنه يحتكر الله ويمتلك الدين ويختص بأسرار الإيمان ويثق فى أنه الوحيد هو وجماعته الذين يمتلكون شفرة الإسلام، قتله رغم أن «التبريزى» كان يعرف جيداً أنه مساق إلى حتفه المحتوم، فبعد أن فارق «الرومى» عاد إليه بعد أن أحس «الرومى» أن حبله السرى قد بتر، عاد رغم نميمة آكلى لحوم البشر عن علاقتهما واتهاماتهم لهما بالإثم والفحش، عاد ليموت كجسد ويحيا كفكرة.

رواية «قواعد العشق الأربعون» جديرة بالقراءة والتمعن، بعد أن تتعطر بلغتها المحلقة ومعانيها المتألقة وأفكارها البكر حتماً ستكون مختلفاً.

القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

قواعد العشق الأربعون (2)

■ «لا تحكم على الطريقة التى يتواصل بها الناس مع الله، فلكل امرئ صلاته الخاصة، إن الله لا يأخذنا بكلمتنا بل ينظر فى أعماق قلوبنا، وليست المناسك أو الطقوس هى التى تجعلنا مؤمنين».

هذه فلسفة التبريزى وقاعدة من قواعد العشق الأربعين التى ظل ينثرها كبذور الخصب أينما حلَّ فى ترحاله الطويل، الروائية التركية أليف شافاق لم تحافظ فقط على اللغة الصوفية المحلقة فى روايتها، ولكنها حافظت على البناء الصوفى العبقرى، تحس وأنت تنتقل بين فصولها برقصة الصوفيين الدائرية التى يشير فيها الراقص بأصابع يد إلى السماء وبأصابع أخرى إلى الأرض، التبريزى كان يبحث عن الله وعن صديقه المضبوط على نفس أوتاره الإنسانية وإيقاعه الروحانى، ظل يبحث إلى أن استقر فى دفء جلال الدين الرومى.

■ «إذا كنت تريد أن تعرف أين يقع عرش الله بالتحديد، يوجد فى مكان واحد فقط تستطيع أن تبحث فيه عنه وهو قلب عاشق حقيقى».

الصوفى يكسر الحواجز ويتجاوز المألوف والبديهى لكى يتّحد بمحبوبه الذى يصادره قُساة القلوب جُفاة المشاعر غِلاظ الإحساس ممن يعتقدون أنهم حُماة الرب. انطلق التبريزى الدرويش الشفاف إلى حيث رفيق الدرب الرومى، قابل السكير والداعرة والمتسول الدميم، ذهب إلى الأول فى الحانة وإلى الثانية فى بيت البغاء والثالث فى الشارع، الإنسان عنده لا يقرأ ولا يطالع إلا بلحمه ودمه وخطاياه وليس بين صفحات الكتب أو على درجات سلم المنابر، ولكن إلى أى مدى ضحى الرومى وتألم؟

القسم: 
المصدر: 

قواعد العشق الأربعون (1)

«أبحث عن حياة جديرة بالحياة»..

جملة عابرة قالها الصوفى الدرويش شمس الدين التبريزى هى مفتاح فهم ما يستعصى على الفهم فى تفاصيل رحلته المدهشة التى تحكيها الرواية الجميلة الأكثر إدهاشاً «قواعد العشق الأربعون» للروائية التركية إليف شافاق التى تعيش فى فرنسا، الخطأ الوحيد فى الرواية هو المكتوب على غلافها بأنها عن جلال الدين الرومى، وهى فى الواقع عن بطلها ومحرك أحداثها وخالق دلالاتها التبريزى، الرواية دائرية ساحرة لها عدة مستويات متناغمة رغم أبعادها الزمنية والمكانية المختلفة، مثلها مثل رقصة «سما» الصوفية التى ابتكرها الثنائى الرومى التبريزى، المستوى الأول عصرى جداً مفرداته الإنترنت والإيميل وتكنولوجيا القرن الحادى والعشرين، يقف على خشبة مسرح هذا المستوى «إيلا» ربة البيت اليهودية التى على مشارف الأربعين وتعشق الطهى، عائلتها الأمريكية التقليدية ناجحة بمعايير ومقاييس البراجماتية الأمريكية، الزوج طبيب أسنان شهير والأبناء فى مرحلة الدراسة، يحدث الزلزال عندما تخبرها ابنتها بأنها ستتزوج رغماً عن أنف الأم لأنها تشعر بما لا تشعر به الأم، إنه الحب، تستيقظ الأم على صدمة أنها تعيش دون حب، حياة روتينية تتحملها رغم خيانة الزوج ولا مبالاة الأبناء، تبحث عن عمل حتى تجد فرصة فى مؤسسة نشر كمراجع كتب، كان أول كتاب وأول مهمة قراءة هى رواية لكاتب اسمه «عزيز زاهار»، بعنوان «الكفر الحلو»، هذه الرواية عن أشهر صداقة صوفية فى التاريخ بين الفقيه ورجل الدين جلال الدين الرومى والصوفى الدرويش شمس الدين التبريزى، من خلال الرواية بحثت «إيلا» عن حياة جديرة بالحياة، ومن خلال التجوال والترحال بحث «التبريزى» عن حياة جديرة بالحياة، ومن خلال الشعر والرقص والنزول من برج الفقيه العاجى إلى أرض البشر العاديين الخطائين المختلفين بحث «الرومى» عن حياة جديرة بالحياة، قرأت «إيلا» الرواية وعرفت معنى العشق، معنى أن تكون نفسك، معنى أن تكون على نفس إيقاع المحبوب، كان العالم الافتراضى هو مكان اللقاء الأول عبر الإيميل إلى أن التقيا فى عالم الواقع فى بوسطن؛ حيث اكتشفت اليهودية «إيلا» أن «عزيز»، المصور الفوتوغرافى الرحالة المسيحى الذى تحول إلى الإسلام، أو بالأصح الطبعة الصوفية من الإسلام.. اكتشفت أنه صورة معاصرة من «التبريزى» بسماحته وجموحه وروحانيته، لكنهما التقيا بعد فوات الأوان، كان «عزيز» مشرفاً على الموت يتمنى أن يُدفن بجوار حبيبه «التبريزى»، وكانت «إيلا» مشرفة على معرفة شفرة الكون السرية، على معرفة الحب، فقدت المحبوب، لكنها اكتسبت الحب، لكن ماذا عن حب «التبريزى» و«الرومى»؟ هذا هو المستوى الثانى من الرواية.

القسم: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: «جاهين» الشاب العجوز والمكتئب الراقص

الأعمار بيد الله ولكن لو فرضنا أن صلاح جاهين كان قد عاش معنا حتى اليوم لاحتفلنا معه بعيد ميلاده الثالث والثمانين وربما كتب رباعية على التورتة البيت الأول منها أنا شاب عمره تلاتة وتمانين سنة، كان سيرقص ويغنى وكان سيبكى أيضاً ويطفئ الشموع بالدموع، فى ذكرى ميلاده أستعيد مشهداً التقطته واختزنته كاميرا الذاكرة، المشهد فى أتيليه القاهرة، ليل داخلى، صمت وحزن يخيمان على المكان بعد وفاة أمل دنقل، المخرجة عطيات الأبنودى تجهز لقطات كانت قد سجلتها مع دنقل فى الغرفة رقم ٨ بمعهد الأورام، تسلل وجلس فى المقاعد الخلفية وتعمد أن يدخل والقاعة مظلمة أثناء عرض اللقطات مرتدياً كاسكيت، عرفته برغم خفوت الإضاءة، أعرف بصمة روحه حتى لو أخفى ملامح وجهه، أحفظ رشاقة تعبيره ولا أحتاج إلى بدانة البدن لكى أتعرف عليه، إنه صلاح جاهين، الكتيبة العبقرية الموهوبة التى تتلبس جسد فرد واحد، هو من يستحق ألف بطاقة هوية، لأنه كطيف قوس قزح الملون، تحاول لمسه بعد زخات المطر فإذا به يراوغك لتقترب منه أكثر وأكثر.

كانت هذه الجلسة قبل وفاته بثلاث سنوات تقريباً، كان جاهين فى أقصى حالات الاكتئاب، انسحب قبل انتهاء خطب الرثاء، كان كمن يقول «زهقت خطب.. كفاية.. اتخدعت والناس اتهمتنى إنى خدعتهم.. كنت مؤمن بالخطب لغاية ما اكتشفت إننا ماتجاوزناش مرحلة الخطب.. وإنى كنت باجرى ورا سراب، وباروج لوهم»، تطاول عليه أحد الحاضرين الشباب محملاً إياه نتيجة ما نحن فيه!!، دمعت عيناى وأنا لا أعرف هل أبكى على أمل دنقل الذى هزمه السرطان، أم أبكى على صلاح جاهين الذى قهره الاكتئاب!

مثلما كان نموذج مريض الكبد الذى يحكيه لنا أساتذتنا فى كلية الطب هو عبدالحليم حافظ، كان نموذج الاكتئاب الذى يساعدنا على فهم المرض هو صلاح جاهين، كنت أحب الطب النفسى، وأحب جاهين أكثر، كنت أحفظ تشخيص حالته «اضطراب وجدانى ثنائى القطب»، اسم صعب، ووصف علمى جاف، ولافتة باردة لا تخبرنا نحن الطلبة عن العبقرية والانطلاق والتميز الذى يختزنه هذا المريض، حالات انبساط وموجات حزن، قطبان ما بين البهجة حتى شاطئ الرقص وتخوم التنطيط والانطلاق، والحزن حتى حافة الانتحار وهوة الوحدة والتشرنق على الذات، كنا نعرف رفاقه من المبدعين فى رحلة الاكتئاب، كنا نعرف من الساسة، تشرشل الذى أطلق على المرض اسم الكلب الأسود، وأبراهام لينكولن وروزفلت.. كنا نعرف من الفنانين والمبدعين عدداً لا يحصى، منهم كافكا وكيتس وجوته وفان جوخ وإزرا باوند وهيمنجواى وفيرجينياوولف وشومان ومى زيادة وصلاح عبدالصبور وتشايكوفسكى وألبير كامى ومارلين مونرو، كنا نعرف أن الاكتئاب ليس وليد اليوم، فقد ورد فى العهد القديم قصة شاؤول الذى أصابته الأرواح الشريرة بحالة اكتئاب عقلى دفعته إلى الانتحار، ومن يقرأ مسرحية هاملت لشكسبير يقرأ وصف والد أوفيليا لهاملت عندما صدته ابنته التى كان يهيم بها البطل الدنماركى، يقول شكسبير: «فلما صدته عن نفسها، أصابه الأسى، ثم امتنع عن الأكل، ثم حرم النوم، ثم أصيب بالضعف، ثم ابتلى بالخفة، وبهذا التردى والهبوط بلغ درك الجنون الذى يهذى الآن فيه ويبكينا جميعاً عليه»، ونحن دائماً نبكى على عباقرة الاكتئاب بعد فوات الأوان.

القسم: 
المصدر: