خالد منتصر

بليغ حمدى.. موتسارت المصرى

منذ ربع قرن وفى شهر سبتمبر وفى الغربة بباريس رحل عنا بليغ حمدى، هذا الموسيقار العبقرى، ودعنا محروماً من دفء الصحبة وونس أهل المحروسة وحضن الوطن، مصر التى عشقها واختزنها فى الوجدان والفؤاد فمنحته صولجان الموسيقى وعرشها، كانت الثورة وقتها ما زالت تتلمس الطريق وكان الأبناء ما زالوا يبحثون عن صيغة لتشكيل عقل ووجدان العصر الجديد، تفتحت الأزهار واتجهت صوب الشمس تتنفس الضوء الوافد والريح التى كان من الممكن أن تعصف بكل شىء، ظهر أحمد بهاء الدين وصلاح حافظ وفتحى غانم ويوسف إدريس وصلاح جاهين وفؤاد حداد وشادى عبدالسلام وعبدالهادى الجزار وجمال السجينى ومحمود رضا وكمال الطويل ومحمد الموجى وعبدالحليم حافظ، وظهر معهم شاب نحيل ذو صوت هامس كأنه يترقرق من نبع صاف، عيناه ذكيتان فى غير لؤم ووجهه مجهد شاحب ولكن المدهش أنه ينبض حياة ويشع حنواً وتسامحاً.

كان يحلم بموسيقى مختلفة، موسيقى من الناس وللناس، يرقصون على إيقاعها ومن الممكن أيضاً أن يحاربوا على نغماتها، أخذ يلملم مفردات إيقاع موسيقى الناس من زغاريد أفراح وعديد أحزان وحتى إيقاع الردح البلدى أخذ منه (راجع بعض مقاطع حب إيه اللى انت جاى تقول عليه)، فعلها من قبله سيد درويش بنصف قرن عندما ردد أغانى العمال والفلاحين والصنايعية وكل من هو على الهامش، وكما خطف الموت سيد درويش فى عز الشباب قبل أن يكمل مشروعه خطف المنفى بليغ حمدى قبل أن يصوغ أحلامه الموسيقية.

ولد بليغ حمدى فى 7 أكتوبر 1931 ومصر تمر بمخاض تعيد فيه تشكيل كيانها السياسى الذى تمزق بين احتلال أجنبى له أذناب داخل الوطن وحزب أغلبية نادراً ما يصل إلى الحكم وأحزاب أقلية كالدمى فى أيدى أسيادها وشباب جامعة حائر تجره تارة أمواج الإخوان المسلمين وتارة دوامات اليسار، فى خضم كل هذه الصراعات نشأ بليغ حمدى فى كنف أب كان رجلاً من رجال التعليم فى سوهاج، كان مستنيراً برغم التقاليد المحافظة والأعراف القاسية فاشترى لابنه الصغير بليغ عوداً ليعزف عليه أو بالأصح ليلعب به، ولكن سرعان ما تحول اللعب إلى عشق والشقاوة إلى تعبد فى محراب الموسيقى، وابتلعته الرمال المتحركة لهذه الهواية حتى سحبته إلى داخلها وامتلكت عليه عقله وقلبه، فقرر ترك كلية الحقوق وهو ما زال فى السنة الثالثة فى كلية الحقوق وكانت البداية مع الغناء قبل التلحين عندما أجازه محمد حسن الشجاعى فى لجنة الاستماع بالإذاعة وكان وقتها رئيس اللجنة، ولكن موهبة بليغ فى التلحين جعلته يرفض استكمال طريق الغناء الذى أحس أنه سيلتهم موهبته المتوقدة، وكانت بداية التلحين مع زميلته فى كلية الحقوق فايدة كامل، ولنترك الأستاذ أحمد شفيق أبوعوف يحكى لنا عن هذا اللقاء الأول، يقول أبوعوف «كنت فى الاستوديو وطلبت من فايدة كامل الانتظار للاستماع للحن دينى جديد لشاب اسمه بليغ حمدى، انتظرت واستمعت إلى اللحن من غناء فايدة كامل وتحركت مشاعرى مع السياق اللحنى الجميل الذى تضافرت فيه قوة وعمق الكلمات مع النسيج اللحنى، وكان أكثر عجبى من الأسلوب الذى لجأ إليه هذا الملحن الشاب لتصبح الأغنية عميقة الأثر على نفس السامع، وأحسست بأن ثمة روحاً متعطشة للتجريب والابتكار، وفى جمله الموسيقية أحسست بالبساطة والعمق وهما صفتان قلما يجتمعان فى عمل موسيقى، كما لمست قوة الحبكة الموسيقية فأدركت وأنا أستمع فى ذهول أن ثمة فناناً مصرياً عربياً يولد، وقلت هنيئاً لأمة العرب بهذا الناشئ العبقرى الفذ الذى سوف يسعد هذه الأمة بألحانه الآسرة التى تشع بإحساس عربى عريق».

وتحققت نبوءة أبوعوف وأسرنا وسحرنا بليغ حمدى منذ البداية فى منتصف الخمسينات، وكما كان يحمل مفتاح النيل دوماً على صدره حمل مفتاح الموسيقى الشعبية فى وجدانه، وأخذ يبحث عبر ألف وخمسمائة وثمانية وستين لحناً هى كل عمره الفنى جال فيها وصال بين جميع القوالب الموسيقية الشرقية من أوبريت وأغنية خفيفة ونشيد دينى وأغنية وطنية.. إلخ، وكانت عبقرية بليغ لا تنحصر فى هذا الكم الهائل الذى يتعجب الإنسان كيف أنجزه فى هذا العمر القصير، ولكن عبقريته تتجلى فى جمله الموسيقية التى تندهش كيف صاغها ومن أين أتى بها؟! لدرجة أنه سحر أم كلثوم عندما سمعت منه «حب إيه» وكانت تلك المرة الأولى التى تنتبه فيها لهذا الشاب النحيف، وللقاء بليغ مع الست قصة طريفة تدل على عظمة الاثنين معاً، فقد كان بليغ يقوم بتحفيظ أغنية للمطرب الشاب وقتها إبراهيم خالد ابن شقيقها، الذى يقطن معها فى نفس الفيلا، واسترقت أم كلثوم السمع فانبهرت باللحن وكان لحن «حب إيه»، وفوجئ بليغ بأم كلثوم أمامه تصفق له: برافو يا بليغ انت لك مستقبل هايل، وأخذ بليغ يعيد ويجود وأم كلثوم تستمع وتصفق حتى أذن الفجر ومعه أذن بلبل الفن، ها قد حان اللقاء وتم ضخ الدم الجديد فى شرايين فن «ثومة» ونجحت الأغنية نجاحاً باهراً، فقد طرقت أم كلثوم أبواب الشباب بالإيقاع الراقص أحياناً الشجى أحياناً أخرى، الذى يثير النشوة على الدوام، وبدأ الفيض البليغى يكسو أم كلثوم بياسمين العصر الجديد وبدأت ريشة بليغ المتمردة ترسم بورتريهاً ملوناً لسيدة الغناء تلمح فيه بعض الشقاوة والانطلاق، فكانت كمن قام بفك الجبس ليطير محلقاً بجناحين، وتوالت الأغنيات «أنساك يا سلام» لمأمون الشناوى واسمع فيها «ده مستحيل قلبى يميل ويحب يوم غيرك أبداً أهو ده اللى مش ممكن أبداً»، و«كل ليلة وكل يوم» لنفس المؤلف واستمع فيها إلى أكثر الأسئلة لوعة فى الغناء العربى «عامل إيه الشوق معاك عامل إيه فيك الحنين»، وأغنية «فات الميعاد» لمرسى جميل عزيز وصرختها المدوية و«النار بقت دخان ورماد»، و«أنا وانت ظلمنا الحب» لعبدالوهاب محمد، والصعود والهبوط فى « بردت نار وقادت نار»، و«بعيد عنك» لمأمون الشناوى، ودموع الكبرياء فى «نسيت النوم وأحلامه»، أما رائعته البسيطة المدهشة «ألف ليلة وليلة»، التى لفرط بساطتها تحس أن كل إنسان يستطيع تلحينها إلى أن تكتشف أنها البساطة العبقرية الآسرة التى يختص بها الله فرداً بعينه، إنها الخيال الجامح الذى روضه بليغ.

أما لقاء بليغ بعبدالحليم فكان لوناً آخر، كانا على نفس الموجة يمتلكان نفس الحلم ونفس الانكسار ونفس الطموح الذى كان مغلفاً فى بعض الأحيان بالأنانية الفنية المشروعة، فكان اللقاء الأول «تخونوه»، الذى كانت أنامل بليغ ما زالت تتحسس فيه حنجرة حليم، إلى أن جاء الانقلاب الكاسح حين تحمس حليم للفولكلور الذى طعم به بليغ ألحانه ورمى لحليم طوق النجاة من أغانى الهجر والضنا كى يدخل به شاطئ الالتحام بالناس وغناء ما يغنونه، وأفرزت تلك المرحلة «الهوى هوايا وعلى حسب وداد قلبى وسواح وزى الهوى..إلخ»، وخرج الغناء من الصالون إلى أوضة المعيشة يقتسم مع الناس البتاو والمحشى ويخلع الكرافتة والردنجوت ليرحرح بالبيجاما، استطاع الفرد العادى بمجرد صفير بسيط أن يغنى لحبيبته ألحان بليغ ويرقص على أنغامها مع حبيبته ولا يخجل من صوته وهو يأكل معها الترمس أو الذرة، فالأغنية ليست معقدة أو مكلكعة لا تمتلك القفلة الصعبة أو العُرّب المستحيلة، فالغناء لا يولدمع ألحان بليغ بعملية قيصرية ولكنه يولد بنشوة وبدون ألم وبطريقة فى منتهى الطبيعية.

واستراح بليغ على شواطئ حناجر أخرى مثل نجاة الصغيرة وشادية ووردة وفايزة ومحمد رشدى ومحرم فؤاد ومحمد قنديل وميادة وسميرة سعيد وعلى الحجار وعزيزة جلال وغيرهم من مطربى المنطقة العربية، وأنجز الأوبريت وكلنا لا ننسى تمر حنة، وأبدع فى الموسيقى التصويرية وما زال فى الذاكرة فيلم شىء من الخوف، أما الأغنية الوطنية فعندما يذكر انتصار أكتوبر لا بد أن نتذكر على الفور «على الربابة، وبسم الله، وعاش اللى قال، ويا حبيتى يا مصر»، عندما تحول عود بليغ حمدى إلى مدفع هادر استقر فى ماسبيرو لينطلق مع حلم النصر وثأر الانتقام، إنه موتسارت مصر الذى من فرط حبه لهذا الوطن وانغماسه فيه كتب شهادة وفاته الفنية عندما خرج منه إلى باريس، فنضبت ألحانه وفقدت بريقها، لأن برج إيفل لم يعوضه عن سيدنا الحسين، وشارع الشانزليزيه لم يمح من ذاكرته الغورية والموسكى، وأغانى داليدا لم تطربه كطلعت يا محلا نورها، لأنه عندما نفى عن الوطن نفى عن الإبداع فى نفس الوقت، فالحبل السرى الذى كان يمده بأكسجين الإبداع قد انقطع فتمت الولادة ولكنها الولادة المبتسرة التى لا تجدى معها حضانات باريس، فكان أفضل منها الموت.

القسم: 
المصدر: 

ادعموا مستشفى «ثابت ثابت» فالأمراض المعدية أخطر من السرطان

كتبت من قبل مناشداً الدولة الاهتمام بمستشفى «ثابت ثابت»، ولكن ما زالت الاستجابة ضعيفة، ولذلك أكرر دعوتى من خلال رسالة أ. د. جمال عصمت، أستاذ الكبد، الذى أعطانى أرقاماً وإحصائيات مهمة، فمستشفى ثابت ثابت للأمراض الباطنية المتوطنة هو أول مستشفى حميات جامعى فى مصر والشرق الأوسط يهتم بالأمراض المعدية والحميات والأوبئة، وهو مستشفى تعليمى علاجى بحثى فى مجال الأمراض المتوطنة والمعدية، بطاقة إجمالية 350 سريراً، 40 سرير رعاية مركزة، 20 عيادة خارجية، وأقسام تشخيصية وبحثية متكاملة تضم معملاً متخصصاً فى تشخيص الأمراض المعدية تكلفته منفرداً 300 مليون جنيه (يعمل على المستوى الثالث للسلامة الحيوية). وعلى الرغم من وجود عدد من مستشفيات الحميات المنتشرة فى أنحاء الجمهورية، فإن جميعها تفتقر إلى نظام علاجى بحثى وتعليمى متكامل به الإمكانيات اللازمة لعلاج كافة الأمراض المتوطنة المعدية والأمراض الوافدة، بما له من تداخل مع كافة التخصصات الطبية، الشىء الذى لا يمكن توافره إلا فى ظل المستشفيات والمعاهد الطبية الجامعية لضرورة تضمُّنها لشقَّى البحث والعلاج على حد سواء.

كما أن استعمال نظام العنابر الجماعية لإقامة المرضى يُعتبر هو الوسيلة السائدة حتى الآن فى جميع مستشفيات الحميات المصرية، وذلك النظام يُعتبر إحدى العقبات الصعبة فى طريق العلاج من الأمراض المعدية فى هذا النوع من المستشفيات. ومن المؤكد أنه لا غنى عن اللجوء لنظام عزل المرضى باستعمال الغرف المنفصلة والمصممة كمناطق معقمة، سواء بطرق التعقيم السطحى أو المعالجة الميكانيكية لضغوط الهواء، وهذا ما تم توافره فى البنية التحتية فى تأسيس مستشفى ثابت ثابت، لضمان العزل الكامل لمرضى الأمراض المعدية.

ومما سبق يتضح أهمية وجود مستشفى أمراض معدية متقدم ومتخصص ومتكامل للأمراض الباطنية المتوطنة (ثابت ثابت)، لنكون على استعداد لمواجهة أى أوبئة أو أمراض معدية فتاكة تهدد المجتمع، سواء بالوقاية والعلاج والبحث العلمى، تلك الأمراض التى ظلت مهملة فى مصر طوال الأعوام الماضية، وهذه الأمراض ومضاعفاتها هى السبب الرئيسى للإصابة بكثير من السرطانات التى كان يمكن تفاديها لو تم علاج هذه الأمراض المعدية فى مرحلة مبكرة، وهى المسئولة عن 20% من وفيات الأطفال سنوياً، البالغ عددها ١٥ مليون وفاة على مستوى العالم. وطبقاً لإحصائية وزارة الصحة، فإن إجمالى الحالات التى دخلت مستشفيات الحميات بمصر عام ٢٠١٢ نحو ٨٢ ألفاً و٧٠٨ حالات، منها ٦٥ ألفاً و٣٥٣ حالة، بنسبة ٩٧% لم يتم تشخيصها.

الأمراض المعدية لا تقل أهمية عن الأمراض السرطانية التى يتم دعمها من منظمات المجتمع المدنى بشكل قوى ومستمر، بينما الأمراض المعدية تنال جزءاً قليلاً من الدعم، فى حين أنها تستحق أن تنال جزءاً كبيراً من الاهتمام، خاصة بالمستشفيات الجامعية التى تُعد الملجأ الرئيسى للعديد من المرضى الذين يفتقرون لوجود مستشفيات متخصصة فى علاج وتشخيص الأمراض المعدية. وفى أكتوبر 2014 قامت جامعة القاهرة بإحياء مشروع مستشفى «ثابت ثابت» على الأرض التى أوصى بها المرحوم ثابت ثابت جورجى منذ عام 1936، وكان يحلم بإقامة مستشفى عليها، وكانت موافقة مجلس الوزراء فى تاريخ 26/4/2016 على توصية مجلس كلية الطب ومجلس جامعة القاهرة بأن يخصص هذا المستشفى للأمراض المتوطنة. وخلال عامين، وبعد أن قامت الجامعة بضخ 85 مليون جنيه من مواردها الذاتية، تم افتتاح الجزء الأول من المرحلة الأولى للمستشفى، التى تضم العيادات الخارجية والمعامل الاعتيادية ومركز التشخيص بالموجات فوق الصوتية والفيبروسكان ومناظير الجهاز الهضمى ومركزاً لتشخيص الفيروسات الكبدية وعلاجها، لكن لا يزال المستشفى بحاجة إلى المزيد من الدعم المالى حتى يكتمل الحلم ويخرج المستشفى إلى النور بكامل طاقته كأول مستشفى حميات جامعى لتشخيص وعلاج وتطوير البحث العلمى فى مجال الأمراض المعدية فى مصر والشرق الأوسط وشرق أفريقيا على مساحة 120 ألف متر مربع.

هذه دعوة لمنظمات المجتمع المدنى والجهات المانحة لدعم هذا المشروع الذى سينقل مصر إلى آفاق جديدة فى تشخيص وعلاج الأمراض المعدية، لتصبح مصر هى المرجع للدول العربية وشرق أفريقيا فى هذا المجال.

القسم: 
المصدر: 

ربع قرن على رحيل فارس العقل (٣)

تحدثنا عن القيد الأول والمعوق الرئيسى للعقل العربى وهو أن صاحب السلطان هو صاحب الرأى وليس صاحب رأى، أما القيد الثانى فهو سلطان الماضى على الحاضر، فالقديم له رهبة وسحر وجلال، ولكن أن يتحول الإعجاب إلى تقديس، تلك هى المشكلة، وسر النهضة الأوروبية كان فى تحول الناس من إدمان قراءة كتب الأقدمين إلى كتاب الطبيعة المفتوح، فقد كان الكاتب قديماً لا يحتاج إلى الخروج من الدير أو الصومعة أو الجامع، فقد كان كل جهده أن يشرح ويلخص، فهو اجترار من بعد اجترار من بعد اجترار، وشرح للشرح وتعليق على التعليق، وحتى الآن أصبح العلم كله متأثراً بتلك النظرة، عبارة عن تلقين فى تلقين وهذه هى الكارثة، والقيد الثالث أننا ما زلنا فى مرحلة السحر لا العلم كما يقول د. زكى نجيب محمود، فالسحر والعلم كلاهما محاولة لرد الظواهر إلى عللها وأسبابها، غير أن الساحر لا يقلقه أن يرد الظاهرة إلى علة غيبية ليس فى وسع الإنسان أن يستحدثها أو يسيطر عليها، وأما العالم فهو لا يقر عيناً إلا إذا رد الظاهرة المحسوسة إلى علة محسوسة كذلك، الساحر والعالم يقفان إلى جانب مريض، الأول يربط الظاهرة المرضية بالجن والعفاريت، والثانى بجرثومة معينة، فبينما يصبح الطريق مفتوحاً أمام العالم للبحث عن وسيلة يقتل بها الجراثيم، ترى الطريق مغلقاً أمام الساحر ولا يجد وسيلة لمغالبة العفاريت إلا بالبخور والأحجبة، فنحن بهذا المنهج أو بالأصح اللامنهج ما زلنا فى مرحلة السحر لم نبرحها بعد، ويؤكد د. زكى أننا لكى نتحضر لا بد لنا من أن ننتقل من حضارة اللفظ إلى حضارة الأداء، لا بد أن نتحول، فعصر التحول هو عصرنا، فسفينة الحضارة تتحرك بين شطين ولو غفلنا عن هذه الحقيقة الأولية زاغت أبصارنا إلى ماضٍ تركناه، أو شطح بنا الخيال إلى مستقبل مأمول لا نملك بعدُ وسائله، فإذا كانت الأولى التوت أعناقنا، وتحولنا إلى أصنام من الملح، وإذا كانت الثانية أصابنا كساح كالذى يصيب الطفل حين يرغمه أبواه على المشى قبل أن تستقيم ساقاه وتقويا، وقاعدة مرحلة التحول ألا تكون هناك قاعدة جامدة تسد علينا طرق المغامرة والخلق، فالجديد لم يتحدد بعد حتى نقن القوانين ونقعد القواعد، ليس العيب فى أن نراجع وإنما العيب فى أن نقف عند ما كان قائماً وكأنه الأزل الذى لا يبيد، لكى نولد من جديد علينا أن نجمع بين قيد العلم وانطلاقة الحرية، فبالعلم تتشابه المجتمعات وبالحرية تختلف، وإذا كان العربى متخلفاً عن عصره فذلك لأنه لا علماً اكتسب ولا فناً معبراً أنشأ، فإذا حققنا علماً واقعياً وفناً ذاتياً، هنا سنكون ولدنا من جديد، أما التعامل مع تراثنا كما يقول فيلسوفنا الكبير لا بد أن يكون تحقيقه بداية الطريق لا نهايته، ولا بد أيضاً أن نكف عن السخرية من العلم فلا نلوى الشفاه امتعاضاً عند هبوط الإنسان على القمر، ولا نهز أكتافنا سخرية عند زرع القلب، وكأن ما يفعلونه كفر، ولا بد أن نستحضر كلمة العالم القديم الذى سئل لماذا يكثر من الشك؟ فأجاب: دفاعاً عن اليقين، فالعلم منهج قبل أن يكون نتيجة، وحكم العلم يختلف عن الهوى بأنه لا يتعدد بتعدد الأشخاص، العلم ولا طريق إلا العلم، ورحمك الله يا فيلسوفنا العظيم فقد قرعت الأجراس فى مجتمع يعانى من الصمم.

القسم: 
المصدر: 

هل الشك يُحيى الغرام وعشق الجسد «فانى»؟!

«الشك يحيى الغرام.. وعشق الجسد فانى»، لم تدمر مفهوم الحب والجنس والزواج لدينا جملة أو عبارة مثل تلك الجملتين أو العبارتين، ومع احترامى وحبى وعشقى لأم كلثوم وعبدالوهاب، إلا أن تلك الأغنيتين رسختا مفاهيم صارت كالأصنام المقدسة والتابوهات التى لا تمس فى حياتنا، وما علينا إذا أردنا استعادة الحب إلا أن نحطمها ونسقطها كى يقف الحب على قدميه منتصباً، لا على رأسه متشقلباً!، الحب ثقة وإذا تحول طرفا العلاقة إلى عميل «سى آى إيه» يتربص بجاسوس «كى جى بى» مات العشق والهيام وصرنا فى خلية تجسس لا فى علاقة زواج، الشك هو أول طفرة سرطان فى خلية الحب، بعدها يتضخم الورم ويرسل ثانوياته إلى النخاع فتصاب العلاقة بالأنيميا الحادة الخبيثة، وإلى المخ فيتوقف التفكير والإبداع، وإلى الرئتين فيحبط التنفس، ويكون الاختناق والإسفكسيا هى المصير والمنتهى، عندما تشك فى مصرفك أو بنكك فسرعان ما ستسحب كل رصيدك ولن تضع مليماً فى حسابك، كذلك الحب عندما يتسلل إليك الشك فحتماً ستسحب كل رصيدك ومخزونك العاطفى، وستتوقف أرباحك وتتآكل ثروتك حتى تفلس تماماً، الشك سكين قاتل، رصاصة ما أن تستقر فى القلب ستظل مشتبكة فى ألياف نسيجه وداخل عضلاته، معطلة إيقاعه وموقفة نبضه، امنح رفيقة دربك العاطفى الثقة تكن هى بوصلتك إلى السعادة، لا تنفع فى الحب عين الثعلب نصف النائمة ونصف المستيقظة، عينا المحب مفتوحة لكنها ليست مفتوحة على التربص والتلصص، المحب الحقيقى لا يزرع أجهزة تتبع أو تلصص أو تنصت، ولكنه يزرع حقل ثقة وإحساس مسئولية ووجدان امتنان، الثقة موجعة لمن وضعتها فيه وأهديته إياها، تنخز ضميره فيغلق خزانته الحديدية على حبه محافظاً عليه من السرقة ومن الخيانة، والمهم من نظرة العتاب القاسية الذابحة الجالدة ممن أهدى الثقة إلى من توج بها.

وإذا كانت عبارة «الشك يحيى الغرام» من الخدع، فإن عبارة «عشق الجسد فانى» هى من الهلاوس والضلالات، فاحتقار الجسد لن يفيد الحب أو يحييه أو ينميه كما نتوهم، والرومانسية لا تعنى الإخصاء، والحب الطاهر البرىء والزواج السعيد الهانئ لا يلوثه الجنس الجميل الرائع، وليس مطلوباً من أجل عشق خالد وغرام مزمن أن نبتر أعضاءنا التناسلية!، الجسد أيضاً له لغة مثل الروح وعلينا أن نجيد مفرداتها، الجسد ليس مشكلة بل هو حل، الجسد مساحة الحب وليس مناحة الحب، الجسد لا ينجس الحب ولا يبخسه قدره، والغرب كان عبقرياً عندما أطلق على الجنس وصف صناعة الحب، فهو حقاً يتم تشكيله فى هذا المصنع، الجنس ليس امتزاج لحم فى لحم، ولكنه تحول اللحم إلى لحن، الجنس إيقاع موسيقى، الجسدان هما أوركسترا متناغم، المايسترو فيه هو الحب، هو ضابط ذلك الإيقاع، وعصاه السحرية هى التى تجعل منه سمواً وسماء لا انحداراً ولا قاعاً، فلا تحتقر جسدك بحجة أن فيه فناء الحب، بالعكس إنه فنان الحب، بريشته يرسم وبأوتاره يعزف وبإزميله ينحت أجمل علاقات الدنيا.. الحب.

القسم: 
المصدر: 

مَن الذى ذبح نجيب محفوظ؟

هل المتهم محمد ناجى، فنى الإلكترونيات هو الذى ذبح نجيب محفوظ وطعنه بالسكين، أم أن الذبح والطعنة كانت بيد ثقافة مجتمع قدمت محفوظ قرباناً، ونصّبت ناجى منفذاً؟!، ماذا عن الذبح الأول، ذبح ما قبل الذبح، الطعنة كانت قبل 1994 بسنوات طويلة، ووجبة الفاشية الدينية كانت تُطبخ على نار هادئة لكى نلتهمها جميعاً حتى نشبع وتصيبنا التخمة السلفية ونصبح مستعدين لحفلة الزار التى نعيش دقات دفوفها المجنونة التى تصم آذاننا حتى هذه اللحظة، الطهو الدينى لم يكن مقتصراً على صاحب اللحية والجلباب بالثريد واللحم ولكن شارك فيها مثقف البدلة ورباط العنق بالتوابل والبهارات!، قدم لنا تلك البانوراما وقرأ لنا تلك الخريطة الكاتب الجميل المدقق المحقق محمد شعير، من خلال صياغته الُمحكمة وسرده الساحر وعبارته الرشيقة قدم لنا كتاباً هو من أمتع الكتب التى قرأتها فى الفترة الأخيرة ومن أكثرها أهمية، «أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة» الصادر عن دار العين، كتاب لا يحكى سيرة أولاد حارتنا فقط، ولكنه يحكى مسيرة أولاد وطننا أيضاً، الذين فرطوا بمنتهى السهولة فى تراث التنوير والدولة المدنية وسلموا المحروسة لأنياب الضباع مجاناً، تراث الطهطاوى وطه حسين ولطفى السيد وسلامة موسى ومصطفى عبدالرازق، الذى شكل أيقونة اسمها نجيب محفوظ، كنا قد ظننا أن هذا التراث قد تسرّب إلى النخاع من مسامنا، لكن الكتاب أيقظنا بمطرقته الصادمة الثقيلة ليعلن أن هذا التنوير ظل هامشياً على السطح ولم ينفذ إلى العمق، نظام يضرب الإخوان ويتركهم يراقبون ويصادرون من خلال مؤسسات الدولة، الغزالى وسيد سابق تمنحهما الدولة سلطة من خلال لجنة «الدفاع عن الإسلام» فتكون رواية أولاد حارتنا على رأس جدول الأعمال وتكفير صاحبها له أولوية النقاش!، مثقفون وأدباء يقدمون بلاغات ووشايات وتقارير فى الرواية ويتحدثون بلغة المشيخة لا الفن، شاعر مشهور يضع السم فى العسل ويشعل نار التكفير المحفوظى من خلال نشر رسالة وصلته من مصارع!، وزير اقتصاد يهاجم ثروت عكاشة لاحتضانه نجيب محفوظ، ضابط كبير من الضباط الأحرار كان يشغل أحد عشر منصباً، من بينها وزير التعليم ينتفض لأن محفوظ خدش حياءه الإيمانى متصوراً أن بداية ونهاية هى نفسها أولاد حارتنا!، ثانى رجل فى الدولة يأمر كتيبة بالقبض على صاحب الرواية لولا تدخل الحاكم شخصياً، مجمع البحوث الإسلامية يمنع، ثم يجدد منع الرواية، وزير إعلام يرفض طلب وزير الثقافة بطبع الرواية، ثم يزور صاحب الرواية بعد محاولة اغتياله ليصرح أمام كاميراته بأنه لا مصادرة فى عهد رئيسنا وتحت قيادته الميمونة، ناقد كبير يطالب نجيب محفوظ بالابتعاد عن كتابة مثل تلك الروايات والإسراع بكتابة ثلاثية عن السد العالى!، سلطة تتغاضى عن تحريض زعيم الإرهابيين ومنظّرهم وصاحب الفتوى فيهم الذى قال: «لو كنا قتلناه من تلاتين سنة ماكانش سلمان رشدى تجرأ وعمل كده»، منحوه الوسام بعد نوبل، ثم شطبوا رواية «كفاح طيبة» بحجة خلاف على 8 قروش، وألغوا بعدها خطابه إلى الأكاديمية السويدية من كتاب القراءة بحجة تخفيف المناهج!، باعوه وسلّموه كما يقول الحرافيش تسليم أهالى، جثمانه كان يكفّن حيًّا لتسليمه إلى فنى الإلكترونيات ليتفنن فى ذبحه، كان قد جهّز للموت ولكنهم كانوا ينتظرون فقط إعلان الوفاة، وعندما مات نجيب محفوظ مر جثمانه من خلال جهاز كشف المفرقعات، حتى يأمن الرئيس على نفسه أثناء الجنازة العسكرية، كل يشد نجيب من ناحيته للحصول على مكسب حتى المسئول الفلسطينى الكبير يعرض عليه أضعاف قيمة جائزة نوبل فى سبيل نصرة القضية الفلسطينية!، لم يتساءل أحد ما العلاقة ولكنه زار الشعارات الدينية والسياسية والقومية الذى نردده كالمجذوبين دون وعى.

كتاب سيرة الرواية المحرمة لا تكفيه تلك المساحة ويحتاج صفحات لقراءة ما خلف السطور وتحليل تلك البانوراما الروائية والتاريخية بتفاصيل ألوانها وتداعياتها ودلالاتها، ودراسة قبسات نبوءات محفوظ الملهمة التى كان فيها زرقاء يمامة هذا الوطن المنكوب بآفة النسيان، فقد قال «محفوظ» إن الشرطة قد كسبت فى معركة الإرهاب لكن المجتمع قد خسر وصارت مرجعيته دينية، وإن الإرهابيين قد نجحوا فى إدخالنا المعركة وفقاً لشروطهم، دق جرس الإنذار، ثم رحل، ولكن حارتنا المصرية تحتاج إلى استعارة سماعة نجيب محفوظ بدلاً من استعارتها نظارته السوداء.

القسم: 
المصدر: 

العلاقة مع التراث تشريح لا تسبيح

فرق كبير بين أن تحمى تراثك وبين أن تسجنه، أوروبا حمت تراثها من الاندثار وجمعت المخطوطات ورممت الآثار، ولكنها لم تسجن هذا التراث فى نظرة القدماء له، لم تكن عودتها لقراءة تراثها الإغريقى عودة حنين إلى القديم ولكنها رغبة فى معرفة طاقاته الإيجابية، وأملاً فى تجاوزه، على عكسنا نحن العرب والمسلمين، نحن -فى عناد عجيب يتناقض مع كل بديهيات الزمن والكون- نصر على سجن تراثنا ووضع مارد التغيير والتجدد الحضارى العظيم فى قمقم هذا التراث القديم، واجب علينا الاحترام ولكن ليست واجباً ولا فرضاً القداسة، هم مارسوا التشريح مع تراثهم لكننا مارسنا التسبيح، وضعوه على طاولة التشريح ولكننا وضعناه فى غرفة الزار وسرادق المولد لنحرق حوله البخور وندور دراويشَ فى حلقته المخدرة المغيبة، لولا انتقاد الرموز فى أوروبا ما نهضت أوروبا، كل ما حاولته الكنيسة فى قوانينها الشبيهة بقانون إهانة الرموز الذى ينوى برلماننا مناقشته، كل تلك المحاولات باءت بالفشل وتجاوزتها تيارات التنوير، ليست إهانة أن أخبر مريضى بحقيقة مرضه، بل عليه أن يحيينى ويقبلنى ويحترمنى ويبجلنى على أننى قد أخبرته بحقيقة مرضه، ومنحته التشخيص الذى سيساعد على العلاج، لكن أن يستقبل كلامى على أنه إهانة شخصية فهذا هو الجنون بعينه، وعندما أتحدث معه كطبيب عندما أدون تاريخه المرضى حول تاريخه الأسرى وعن السكر والضغط الذى كان عند أجداده، والأمراض الوراثية التى فى أسلافه، هل هذا الحديث وتلك التدوينات تمثل إهانة لتلك العائلة، أم تمثل بحثاً عن سبب ومكمن المرض؟!، هل مناقشة الزعيم الراحل عبدالناصر فى أسباب هزيمة 67 إهانة؟، هل فتح ملف معاوية بن أبى سفيان السياسى الدموى فى زمن الفتنة وما بعدها يعد إهانة للرموز؟، هل التساؤل عن مغزى وهدف ونتيجة قتل مئات الآلاف الذين استشهدوا فى موقعة الجمل وصفين والنهروان وسالت دماؤهم أنهاراً فى معارك بين مسلمين ومسلمين، واستباحة النساء فى الحرب ضد «ابن الزبير»، والرؤوس التى علقت على أعواد المشانق ولعبت فى جماجمها بأسنة الرماح، إهانة؟! هل مناقشة كل تلك الأحداث هى إهانة للرموز؟، من الذى أهان؟، هل هو أنا الذى لعبت فى جمجمة الحسين فى قصر الحكم وتلذذت باللهو فى البطون المبقورة والأعين المنزوعة؟، هل هو أنا أو طه حسين الذى تكرهونه كراهية التحريم هو من قفز على ذى النورين «عثمان» وذبحه وقطع أصابع «نائلة» زوجته؟!، من الذى أهان وشوه وقتل؟، هل هو المؤرخ أم القاتل؟!، هل أنا من جعل الجعد بن درهم أضحية العيد وذبحه على المنبر بعد الخطبة؟، هل من ساقه حظه التعس ليقرأ فى التاريخ ويكتب هو الذى قال للعشرة المبشرين بالجنة أن يرفعوا السيوف على بعضهم فى معركة صفرية إما أنا أو أنت والجميع خاسر فيها؟، هل الحل فى أن أفعل مثلما يقول مشايخنا الأجلاء «تلك فتن الصمت فيها أفضل»؟، هل مبدأ «اكفى ع الخبر ماجور» و«استر عليا الله يسترك»، ينفع فى المنهج التاريخى؟، للأسف ولأننا نعيش طوال الوقت بلا ذاكرة تاريخية، نخترع كل يوم قانوناً تارة باسم العيب وتارة أخرى باسم الازدراء وإهانة الرموز، برغم أن لدينا قانوناً واضحاً يحاكم السب والقذف ولا حاجة لنا بالتفاف ومناورات لوضع قوانين أخرى غامضة، لذلك أبشركم بأن معركة صفين ما زالت مستمرة حتى هذه اللحظة، لم تخمد بعد، ما زال السيف خارج غمده والرمح خارج جرابه، لأننا ببساطة نهتف فليعش الرموز فى قبورهم الميتة ولنمت نحن فى قبورنا الحية.

القسم: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: الخسوف عقاب إلهى أم ظاهرة علمية؟

خالد منتصر يكتب:

 

ظلت الظواهر الطبيعية تمثل مصدر قلق وخوف ورعب للإنسان القديم، حتى جاء العلم وفك شفرتها وفهمنا بسببه أن تلك الظواهر لها تفسيرات وآليات وقواعد علمية، سمع إنسان الكهف صوت الرعد ورأى البرق واختبأ من زمجرة الرياح واقتحام الفيضانات، الخوف والجهل جعلاه يخترع لكل ظاهرة إلهاً يلجأ إليه وقت الأزمة، إنه الفزع والرعب وقلة الحيلة هى التى صنعت كل تلك الأساطير التى وصلت قمتها الفنية والملحمية عند الإغريق، ومن أهم تلك الظواهر الطبيعية التى نسجت حولها الأساطير والخرافات ظاهرتا الكسوف والخسوف، والفرق فى التعامل مع أحداث فلكية مثل الكسوف والخسوف وطريقة التناول هو الذى يحدد بوصلة التفكير، ويحدد أيضاً هل هذا الشعب اختار العقل والعلم أم الخرافة والأسطورة؟، ما حدث من تناول إعلامى ومؤسسى ومجتمعى لظاهرة الخسوف التى حدثت أمس الأول، يدل على أننا ما زلنا نعيش بعقولنا فى العصور الوسطى برغم أن أجسادنا تربض فى القرن الحادى والعشرين، فزع وتضرع وتفسيرات تقال وتتكرر على كل القنوات بأن الخسوف تخويف للعباد وعقاب إلهى ورسالة تأديب مبطنة للعبرة والعظة.. إلخ، عندما فك العلم شفرة الظاهرة وفسرها بحركة وأماكن القمر والشمس والأرض بالتليسكوب والحسابات الفلكية، وعندما امتدت عصا علم الفيزياء السحرية إلى كل تفاصيل حياتنا سماء وأرضاً، سكن الاطمئنان مكان الفزع وأزاح كل ما كان يسكن عقولنا ووجداننا من أوهام، أحسست وأنا أرى رد فعل المصريين وأستمع إلى رجال الدين وهم يشرحون تفاصيل الصلوات والتضرعات والدعوات لدرء خطر الخسوف، أننى ما زلت أعيش فى زمن طفل كتاب «الأيام» طه حسين وهو يصف خروج أهل قريته بغطيان الحلل يهتفون كما هتف المصريون وقت الحملة الفرنسية وهم يشاهدون مخترعات الفرنسيس «يا خفى الألطاف نجنا مما نخاف»!!، لكن هل نحن متفردون فى أوهامنا وأساطيرنا حول الكسوف والخسوف؟، لا بالطبع، فقد كان الناس فى العهد البابلى يسمون إله القمر (سين) وإله الشمس (شمش) وهما يسيران العدالة فى الأرض، وكان البابليون يخشون الظاهرتين كبقية الشعوب، فالسبب يكمن فى معتقدهم هو اعتداء الأرواح الشريرة على القمر، حيث يهجم سبعة من الشياطين عليه، أما الهنود فكان عندهم الكثير من الأساطير حول الظاهرة الفلكية، منها أن القمر هو كأس يعود للإلهة (الأمريتا) وكانت تشرب منه إكسير الخلود، وتقوم الأسطورة على أن الإلهة حركت حليب البحار فنشأ (الأمرينا) فقام الغول (راهو) بسرقة رشفة منه، فاكتشف الإله (فيشنو) السرقة وقتل الغول وقطع رأسه، فأخذ رأس المارد يطارد القمر، وعندما يلتهم الرأس القمر يحدث الخسوف، وخلال الخسوف الذى يعتبرونه نذير شؤم لا يطبخون الطعام ولا يأكلون شيئاً خلاله باعتقادهم أن الطعام سيكون مسموماً، وكان الصينيون يعتقدون أن التنين السماوى يهجم على القمر ويلتهمه، فيدقون الطبول ويقرعون الأجراس كى يتقيأه، ويعتقد العرب فى أساطيرهم أن الحوت أو الحوتة هى التى تبتلع القمر، ولإخراجه من بطنها لا بد من إحداث ضوضاء كبيرة تزعجها وتجعلها تخرجه، وفى مصر بناء على هذا الاعتقاد واقتناعاً بأن الشيطان يخنق القمر كانوا يغنون:

«يا حوتة يا مكحوتة قمرنا أكل الحوتة

والحوتة راحت مكحوتة» (أى مهزومة).

وبعض العامة يعتقد أن «بنات الحور يمسكن به ليمنعن النور عنا، لذا كانوا يدقون الطبول منادين: يا بنات الحور سيبوا القمر للنور».

 

إذن لا بد من فصل ما هو فولكلور أسطورى عن الدين، وعدم اعتبار من ينتقد هذا الفولكلور المرتبط بزمانه ومكانه على أنه منكر لما هو معلوم من الدين بالضرورة، وكما قرأنا الأساطير موجودة فى كل الثقافات لكن الفرق بيننا وبينهم أنهم قد اعتذروا عنها ويتعاملون معها على أنها حكايات شعبية للتسلية، أما نحن فما زلنا لا نعتذر ونتعامل معها على أنها حقائق من صلب الدين!.

القسم: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: المتدروشين بتوع صفحة ليفربول العربي يرجعون سبب تفوق صلاح إلى الحجاب!!!

السيدة العزيزة زوجة النجم محمد صلاح حرة في ملابسها مادامت لاتخفي الهوية ولكن صفحة ليفربول بالعربي ليست حرة في ترجمة أن هذا الزي هو السبب في نجومية محمد صلاح وأن الحجاب هو سبب البركة والجائزة !، لأن هذا الكلام في الدول المتحضرة يعتبر عنصرية دينية ممنوع ومحظور نشرها في صفحات رياضية ويدل علي حماقة لاتسكن إلا أدمغة مجتمعاتنا المغيبة دينياً ولذلك تم الغاء هذا البوست من تلك الصفحة حتي لايصاب ليفربول بفيروس الفاشية الدينية المصرية والعربية.

والسؤال هل اللاعب الجزائري رياض محرز الذي كسب جائزة أحسن لاعب في الدوري الانجليزي 2016 مثل صلاح، باركه الله ووفقه نتيجة الميكروجيب الذي ترتديه زوجته ؟!، لماذا أصابكم الخرس وقتها وهي تظهر بشعرها وفساتينها القصيرة ولم تقولوا أن جائزته انتصار للإسلام أم أن أدمغتكم الأسمنتية وأرواحكم الخربة المسكونة باحساس الدونية المزمنة تبحث عن أي طوق نجاة أو ضمادة تسد نافورة دم جرح تخلفكم النازف لتمنحوها صبغة دينيةكما تعودتم وأدمنتم حتي أصبحتم في ذيل الأمم !!.. قاتل الله الحماقة والدروشة والغيبوبة !.

ليس حجاب زوجة صلاح ولا ميني جيب زوجة رياض هو سر النجاح إنما هو العلم والجدية وحب العمل الذي يتعلمه ويكتسبه اللاعب هناك في تلك البلاد العلمانية التي لاتسمح بمثل هذا الهراء بخلط الدين بالرياضة.

القسم: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: مانع الصواعق المصري متهم بالازدراء

 

 

هل العقل هو جواهرجى يفحص الماس بدقة ويفرز الحقيقى من الزائف، أم مخزن روبابيكيا تلقى فيه البضاعة بلا تمييز أو تنسيق؟! هناك مجتمعات احترمت العقل ووضعته فى المكانة الأولى فتقدمت، وهناك مجتمعات ارتضت بالمكانة الثانية فتخلفت وظلت فى القاع، سأحكى لكم مثالاً يوضح أن التفكير النقدى فيما تطلقون عليه الثوابت هو قاطرة التقدم وشفرة التغيير وإجابة التحضر، وأن من يطاردون بتهمة الازدراء هم المحرضون على السؤال حتى ولو أخطأوا، فيكفيهم طرح علامات الاستفهام الجسورة التى من المفروض أن تكون لديكم عنها إجابات وليس كلابشات!!.

قصة اختراع مانعة الصواعق تلخص صراع رجال العلم مع رجال الدين، أو بالأصح صراع المنهج العلمى مع المنهج الأسطورى فى التفكير، والذى كانت تتبناه كنيسة العصور الوسطى، القصة تثبت وتؤكد أنه لكى يلحق وطن بركب الحضارة عليه أن ينمى التفكير النقدى الإبداعى، ويكون جسوراً فى طرح أسئلته ولا يخشى سطوة رجل دين أو تأثير كهنوت، ولو تأملنا فيها جيداً سنعرف أن مشكلتنا الآن فى مصر ليست مشكلة ديمقراطية فقط، لكنها قبل ذلك، وفى الأساس، مشكلة عقلية، مشكلة فى الفكر وفى منهج وأسلوب التناول مع الأفكار والرؤى، فمهما قدمت من تسهيلات ديمقراطية وتعامل شفاف وصناديق انتخاب نزيهة وقاضٍ لكل صندوق وليس لكل لجنة، فكل ما ستفعله هو إجراءات ضمان نزاهة انتخابات، لكن المشكلة الحقيقية ليست فى إجراء انتخابات صحيحة، ولكن المشكلة هى فى تغيير تلك العقلية التى تذهب للانتخابات وهى مغيبة تحت سطوة رجال الدين بمفاهيم مشوهة، مثل مفاهيم التكفير، ونفى الآخر، وكراهية المرأة... إلى آخر تلك المفاهيم التى تفرّغ الديمقراطية من معناها، وتجعلها شكلية فارغة المعنى والمضمون، ولنحكِ الآن قصة مانعة الصواعق لنعرف أكثر كيف تغلّب العلم على الخرافة.

لا يتصور أحد كيف حوربت «مانعة الصواعق»، وهوجم مخترعها بنيامين فرانكلين من رجال الدين وقت اختراعها فى القرن الثامن عشر، كانت البيوت أغلبها خشبية فى ذلك الوقت، وكانت صواعق البرق مدمرة، ولم يكن مفهوماً سبب البرق بالضبط، وكان التفسير الجاهز الغالب هو أن البرق غضب من الرب، وبما أنه غضب ربانى فالكنيسة إذن محصنة، ولم يستطع أحد أمام هذا التفسير أن يعترض، لدرجة أن سلطات فينيسيا قالت فى بيان صادر 1767: «إنه من الفسق والكفر ادعاء أن الرب سيسمح للبرق بصعق إحدى الكنائس»، وعليه عمدوا إلى تخزين البارود فى قبة إحدى الكنائس، وحدث أن ضرب البرق برج الكنيسة واختفت ضاحية بأكملها، وقُتل الآلاف من المتمسكين بنظرية الغضب الإلهى فى تفسير البرق!!

ساد الظن حينذاك فى فرنسا بأن أفضل وسيلة لتجنب الصواعق هى الصعود إلى برج الكنيسة ودق الأجراس، حتى إن بعض الأجراس كان منقوشاً عليها «أنا أبدد البرق»!!

جاء بنيامين فرانكلين لينقذ أمريكا من احتراق بيوتها بالبرق المدمر، واخترع مانعة الصواعق التى تعتمد على فكرة أن البرق نوع من الكهرباء الساكنة، وأثبتها بتجربته الشهيرة من خلال طائرة شراعية صغيرة، وهى ذات خيط معدنى موصل للكهرباء، فى عاصفة رعدية، ثم وضع إصبعه قريباً من مفتاح موصول بالخيط المعدنى الذى يربط الطائرة الشراعية، وعند ذلك نشبت شرارة فيما بينها وكاد يموت، اخترع فرانكلين مانعة الصواعق وهى عبارة عن خيط معدنى يمتد من أعلى نقطة فى المبنى إلى أسفله ومتصل بالأرض ماراً بجانب المبنى ليمنع تضرره من الصواعق بتسريبه للشحنة الكهربائية مباشرة إلى الأرض، ولكن رجال الكنيسة نعتوا فرانكلين بأبشع الأوصاف والتهم، واتهموا من يحرف اتجاه صاعقة البرق بأنه معترض على إرادة الرب ويرتكب أكبر الكبائر، ولكن فى النهاية انتصر فرانكلين، فلم يأتِ عام 1782 حتى كانت جميع المبانى فى فيلادلفيا قد ركّبت مانعات للصواعق، لم يشذ عنها سوى مبنى السفارة الفرنسية الذى أصابته فى ذلك العام صاعقة أتلفته وقتلت أحد الموظفين!!.

القسم: 
المصدر: 

ماذا لو صرفنا ميزانية الأزهر على أكاديمية الفنون؟

د. خالد منتصر - الوطن 

هل شاهدتم موسيقاراً بعد أن يعزف على البيانو ويحيّى جمهور الأوبرا يذهب ليذبح مخالفاً له فى الرأى وهو يهتف أمام الشاشات مبتهجاً «الله أكبر»؟! هل صادفتم فناناً تشكيلياً بعد أن رسم «بورتريه» أو لوّن لوحة أو نحت تمثالاً يحيط خصره بحزام ناسف ليفجّر آمنين أمام محطة أوتوبيس أو مرضى فى مستشفى بحجة أنهم كفار يستحقون القتل؟؟ هل سمعتم عن راقصة باليه بعد إسدال الستار على عرض بحيرة البجع أو كسارة البندق قد ذهبت لتجاهد مع «داعش» فى العراق أو سوريا وتهب نفسها وجسدها لمجاهد ملتحٍ هناك كاحتياطى استراتيجى قبل ذهابه لمقابلة الحور العين فى السماء؟!

الفن صفاء للروح وسموٌّ بالوجدان، ولا يمكن لفنان حقيقى ترك الفن وشماً فى تلافيف عقله وضميره أن يطعن ويسحل ويحرق ويدمر ويذبح ويلعب بالجماجم. الفنان «بيكار»، هذا الرقيق الشفاف، كفّروه وسجنوه بتهمة البهائية، وهو الذى كان يُغمى عليه حين يشاهد ذبح دجاجة، بينما كرموا الشيخ «القرضاوى» الذى حرّض على ذبح «القذافى» وبارك كل العمليات الإجرامية التى قام بها من يسمونهم المجاهدين!! عمر خيرت مختلف عن عمر عبدالرحمن، الأول تخرج فى أكاديمية الفنون والثانى حصل على الدكتوراه من الأزهر، لن نقضى على التطرف وفكر الإقصاء الدينى مسيطر ومتغلغل فى العقول التى يتم برمجتها منذ الطفولة، ميزانية الأزهر تخطت الاثنى عشر مليار جنيه، وحسب ما دار فى مجلس النواب، وهذا هو اللينك:

12 مليار و821 مليون جنيه إجمالى موازنة الأزهر للعام المالى 2018/2017

يقول التقرير: «وأوضح مشروع الموازنة أن إجمالى الموارد بدون عجز يمول من الخزانة 198 مليوناً و145 ألف جنيه، وبلغ معدل العجز الذى يمول من الخزانة العامة وفقاً للمشروع 12 ملياراً و623 مليوناً و416 ألف جنيه، ليصل إجمالى الموارد المقدّرة لموازنة 2017/2018 للأزهر الشريف 12 ملياراً و821 مليوناً و561 ألف جنيه، بينما كانت تبلغ فى موازنة 2016/2017، 12 ملياراً و299 مليوناً و9 آلاف جنيه!!!»، فى نفس الوقت الذى ميزانية أكاديمية الفنون فيه عبارة عن 112 مليون جنيه مرتبات لأعضاء هيئة التدريس والمتفرغين والمعيدين والمدرسين المساعدين والموظفين، و94 مليوناً لكل ما تبقّى من أنشطة مسرح وسينما وباليه وموسيقى ومشاريع تخرج... إلخ، ومنها مبانٍ متوقفة منذ ٢٧ سنة!!

الأزهر ليس من وظيفته تخريج مهندسين وأطباء وزراعيين ومحاسبين، ولا يمكن فى أى بلد فقير يحارب التطرف أن يصرف ١٢ مليار جنيه من أجل تخريج رجال دين يُفتى أحدهم بأن دم لاعبى المنتخب المفطرين حلال، والآخر يصف المسيحيين بالكفرة وبأن عقيدتهم فاشلة، والثالث يبيح زواج الطفلة ذات الست سنوات بشرط أن تكون مربربة، ورابع، أو رابعة، يفتى بنكاح البهائم، وخامس برضاع الكبير، وسادس بتكفير منكر العلاج ببول الإبل، وسابع يخترع لنا طباً جديداً بقوله إن أقصى مدة للحمل هى أربع سنوات!!

وثامن يفتى بهدم الكنائس وبأن علينا إخراج الطفل المسلم من رحم أمه المسيحية الحامل حتى لا يُدفن فى مقابرهم، وتاسع يخبرنا بنتيجة من الكنترول فى كشك الفتوى بأن مجدى يعقوب لن يدخل الجنة، وعاشر يطمئننا بأن الزلازل عقاب إلهى على خطايانا... إلخ، الدين ليس فيه وساطات، والنصوص المقدسة لم تنزل طلاسم أو شفرات، ومن الممكن جداً، وقد كنا كذلك طوال تاريخ مصر، أن يقتصر الأزهر على تخريج شيوخ فى علوم الدين يأخذون بأيدينا إلى السماحة الرحبة والأخلاق السمحة وسكينة النفس، وأعتقد أن هذا لا يمكن أن يحتاج ١٢ ملياراً من الجنيهات التى ندفعها جميعاً مسلمين ومسيحيين فى مصلحة الضرائب وليس فى المساجد.

القسم: 
المصدر: