خالد منتصر

دروس من طه حسين

ما زال طه حسين حتى الآن، وفى ذكرى ميلاده، مثيراً للفكر والدهشة. ما زال قابلاً للتعلم منه وأخذ الدروس. ما زال، وهو فى قبره، يحرث تربتنا، ويوقظنا بمطرقته، بينما مفكرون بيننا يدفنون عقولنا ونحن أحياء فى هذا المحيط المتلاطم الأمواج من الأفكار المبتورة والتجديد المنقوص والتراجع الثقافى المخجل المهين. نحتاج إلى إطلالة على العميد طه من جديد، إطلالة من نافذته، إن لم يكن بيننا طه فلنصنع طه، وحتى يخرج هذا المارد من ركام ترابنا، وإلى أن نجد «سقراطاً» يزعجنا بأسئلته فى الشوارع، و«فولتيراً» ينقد أفكارنا المتخلفة ومؤسساتنا التراثية المحنطة الكسيحة، حتى يحدث ذلك علينا أن ندخل كل يوم إلى رواق طه حسين، نخلع أفكارنا القديمة عند عتبته ونتعلم الدرس.

الدرس الأول: احفر نفقك بأظافرك ولا تنتظر الحفارات الجاهزة، طه طفل كفيف من عائلة فقيرة يسكن محافظة بعيدة عن أضواء القاهرة، كل تلك الظروف كانت تؤهله فى النهاية لمصير قارئ على المقابر ينتظر نفحات الزائرين فى كفه الممدودة، لكنه عاند وخربش جدار الجرانيت وصنع نوره الخاص ونفقه الذاتى. الدرس الثانى: راجع مقدساتك المتوارثة لأن صدق الحقيقة ومعيارها ليس بعدد معتنقيها ولا بعدد سنوات رسوخها ولا بمكانة قائلها، عارض مشايخ الأزهر فى بديهياتهم، أو ما يظنونه بديهيات، تعلم الفرنسية واللاتينية حتى يفتح لعقله نوافذ جديدة ومختلفة غير مكتفٍ بمقولة أن اللغة العربية أقدس اللغات، مارس الشك فى ما حفظه من تراث ولم يجعل عقله خزانة حفظ، بل جعله معمل تحليل وفرز ونقد. الدرس الثالث: حرر قلبك للحب كما حررت عقلك للشك، سوزان الفرنسية كانت وقود القلب والعقل معاً، لم يخدع نفسه بمقولة أن الحب معطل للبحث والدراسة، كانت الملهمة والمحفزة وشريكة النجاح والضنى أيضاً. الدرس الرابع: الثقافة ليست برجاً عاجياً، والمثقف ليس راهباً فى دير معزول عن أحداث مجتمعه، خاض طه غمار السياسة ولم يعتبر أن منصب الوزارة تلويث لمساره الفكرى، وكانت ثورته كوزير لصالح التعليم مساوية لثورته كمثقف لصالح الفكر والثقافة. الدرس الخامس: لا تحول مناوشات السلطة ومظاهرات الدهماء وشتائم الغوغاء ضدك إلى طاقة غضب مدمرة تجاه وطنك، تم التحقيق معه وهو شاب وشتمه طلاب الأزهر، بل وانتقده زعيم الأمة وخذله، وانتقده بعض زملائه، ولكنه لم يهاجر إلى فرنسا برغم سهولة ويسر القرار، بل ظل فى وطنه محباً له يزرع بذور التنوير ويعلّم الأجيال ويخرّج التلاميذ والأبناء مشاعل نور وأمل فى كل ربوع المحروسة.

هذه دروس طه حسين التى لم تكن بين سطور كتبه، بل كانت فى أنفاس حياته وخطوات عمره.

القسم: 
المصدر: 

استبعدوا الموبايل قليلاً حتى لا يستعبدكم كثيراً

أضافت جمعية الأطباء النفسيين العالمية إدمان الإنترنت إلى جانب المخدرات وغيرها من أنواع الإدمان، لقد صار هو السيد، ونحن العبيد، وفى العدد الأخير من مجلة «الجديد» خصصت ملفاً حول تأثيرات الإنترنت وتكنولوجيا التواصل، وعلى رأسها موضوع الموبايل، وبالطبع لا يمكن أن ننكر أن هذا الجهاز فعل فى حياتنا ما لم تفعله أى تكنولوجيا أخرى، فقد امتدت تأثيراته للنواحى الاجتماعية والسياسية، بل والصحية أيضاً، وسأقتبس لكم بعض تلك التأثيرات التى عرضتها مجلة «الجديد»، فمثلاً على المستوى الاجتماعى هناك دراسات لفتت الانتباه إلى الأثر السلبى الذى يلحق بعلاقة الأهل بأطفالهم من جرّاءِ إدمان أحد الأبوين أو كليهِما على هاتفه المحمول، وكانت الصدمة ما كشفت عنه دراسة أجرتها الباحثة والطبيبة فى مستشفى جامعة ميتشيجان لطب الأطفال، جينى رادسكى، التى حذّرت فى خلاصة دراستها من خطورة ما وصفته بـ«تلاشى الحدود»، إذ يُبقى انشغال الوالدين بعالمَى هاتفيهما الأطفالَ فى عالمٍ آخر ويفاقم عُزلتهم ويحرمهم ما يحتاجونه من اهتمام عاطفى، وعلى المستوى الصحى هناك تقارير عن أشخاص يواجهون مشاكل صحية، مثل ألم الإبهام المزمِن، فضلاً عن إصابات الإجهاد المتكررة (RSI) واضطرابات النوم (مثل الأرق) بسبب الرسائل والإدمان على استخدام الهاتف النقال (تشير بعض الدراسات إلى أن معدل تفقّد الشخص لهاتفه النقال يصل فى بعض البلدان إلى 100 مرة فى اليوم). وتُظهِرُ دراسات التصوير العصبى أن آلية تفقّد الهاتف والإرسال/ الاستقبال عبره تترافق مع نشاط منطقة من الدماغ على نحوٍ يشابه آلية استجابة المدمن الذى يتعاطى «الهيروين»، وذلك وفق ما يشير إليه طبيب الأعصاب والنوم مايكل سيفرت، وفى النهاية يعرض الملف بعض الحلول للتعامل المتزن مع الموبايل عبر نصائح البروفيسور لارى روزِن، أستاذ علم النفس فى جامعة كاليفورنيا:

* ينصح روزن بأخذ فترات راحة متجددة أثناء العمل، إذ إن العقل البشرى غير مصمم للعمل لساعات متواصلة دون راحة، فنحن نؤدى الأعمال بشكل أفضل عندما نأخذ خلالها أقساطاً من الراحة، وهنا يقترح روزن تجنُّب النظر إلى الهاتف الذكى أو تصفح الإنترنت، وبدلاً من ذلك ينصح بممارسة الرياضة أو التحدث أو التأمل، وهذا يعنى المشى فى الخارج للحصول على بعض الهواء النقى، والتحدث مع شخص ما (عن شىء آخر غير العمل)، أو ممارسة التأمل الواعى لبضع دقائق وهو ما يساعد على الشفاء من متلازمة النوموفوبيا (القلق المزمن من جرّاء عدم وجود الهاتف النقال فى متناول المرء).

* عليك استرداد أصدقائك ووقت عائلتك، يضيف البروفيسور روزن، نحن بحاجة إلى التوقف عن السماح للتكنولوجيا بالتداخل مع أهم تفاعلاتنا الشخصية. ولكن من الصعب تجاهل هاتفك عندما يكون ماثلاً أمامك، ولا سيّما مع توالى ظهور تنبيهات الأخبار والرسائل النصية باستمرار، يقول روزن: نصيحتى هى تعيين المناطق التى لا يُسمح فيها بالأجهزة الشخصية ببساطة، فى محاولة لتسهيل إجراء محادثات أفضل وأكثر جدية مع الأصدقاء والعائلة. وتشمل أمثلة ذلك طاولة العشاء، أو غرفة الجلوس، أو فى السيارة، أو فى المطاعم.

* أبِق التكنولوجيا خارج غرفة النوم، فمع حلول الظلام يبدأ دماغك بإفراز الميلاتونين، الذى يساعد تراكمه فى النهاية على النوم. ولكن وفقاً لبحث أجرته مؤسسة النوم الوطنية وعيادة مايو، فإن الضوء الأزرق من الهواتف الذكية، أو الأجهزة اللوحية، أو أجهزة الكمبيوتر المحمول يبطئ هذه العملية ويطلق الكورتيزول، ما يجعل الدماغ أكثر يقظة، والنتيجة هى ساعات نوم أقل وأكثر اضطراباً، ما يعطل عملية تجديد النشاط ويقلل من حدّة الذهن، الحل بسيط كما يقول لارى روزِن، لا تجلب أجهزتك المحمولة إلى السرير!.

وليكن شعارنا: الاستبعاد قبل الاستعباد.

القسم: 
المصدر: 

مطلوب تطعيم ضد حصبة التطرف

انتشار الحصبة فى إندونيسيا والهروب من التطعيم بإخفاء الأهل لأطفالهم ومنعهم من الذهاب للمدارس، كل هذا نتيجة فتوى علماء المسلمين هناك بأن التطعيم حرام لأنه يحتوى على جيلاتين الخنزير! لم أصدق عينىّ حين قرأت هذا الخبر، هل نحن ما زلنا فى العصور الوسطى؟ هل نحن نستحق أن نعيش هذا الزمن وتلك الحضارة؟ هل صرنا خطراً على العالم إلى هذه الدرجة؟! ألا يكفى العالم أحزمتنا الناسفة التى نفجر أنفسنا فيهم بها ونحن نهتف الله أكبر، فنضيف بغباء وجهل إلى قائمة خطايانا منع التطعيمات حتى تتفشى الأوبئة والأمراض وتفتك بالأطفال الذين لا ذنب لهم إلا أنهم وُلدوا فى بلاد تظن أن مسئوليتها هى توصيل مواطنيها «دليفرى» إلى الجنة؟!

كلما اقتربت منظمة الصحة العالمية من استئصال وباء من العالم وبتره من الدنيا، تجد مانعاً وحاجزاً. وللأسف دائماً يحمل هذا المانع والحاجز صفة الدولة الإسلامية، اليوم إندونيسيا والحصبة، وأمس باكستان ونيجيريا وأفغانستان وشلل الأطفال الذى ما زال يسكن تلك البلاد «إكسكلوسيف»، ويؤجل إعلان القضاء النهائى عليه فى العالم. وقد بلغت الحرب ضد التطعيم فى باكستان حد الجنون بمطاردة قوافل التمريض بالأسلحة وقتل أعضاء الطاقم الطبى الذى يتجاسر ويدخل المنطقة ويحاول تطعيم الأطفال سراً وفى الخفاء! فضيحة وكارثة أن تكون تلك سمعتنا فى العالم، أن نصبح بؤرة مرض وبركان وباء وموزع فيروسات مجانية مع سبق الإصرار والترصد. وبرغم كل محاولات وزارة الصحة إقناع علماء إندونيسيا فى مجلسهم الإسلامى بإصدار فتوى بتحليل التطعيم، فإن هؤلاء المشايخ اعتبروها جهاداً ضد مؤامرات الصليبيين الكفرة الذين يريدون حقن الخنزير فى دمائنا الزكية، لكن ما هى مضاعفات الحصبة التى تجعل منظمة الصحة العالمية تصدر بيانات محذرة من كارثة هذا التحريم؟ المضاعفات هى:

- التهاب الأذنين (Otitis): يسبب مرض الحصبة التهابات الأذنين لدى واحد من كل 10 أطفال يصابون به.

- الالتهاب السحائى (Meningitis): واحد من كل ألف مصاب بداء الحصبة، تقريباً، قد يصاب بالتهاب السحايا، وهو التهاب يصيب الدماغ جرّاء عدوى فيروسية (Viral infection) تسبب القىء والتشنج كما قد تؤدى -فى حالات نادرة- إلى غيبوبة (Coma).

- التهاب رئوى (Pneumonia): واحد من كل 15 مصاباً بداء الحصبة سوف يصاب بالتهاب رئوى، قد يكون مميتاً.

- إسهال (Diarrhea) وقىء: مضاعفات كهذه هى أكثر انتشاراً لدى الأطفال والرضع.

- التهاب الشعب الهوائية (Bronchitis)، التهاب البلعوم (Pharyngitis) أو الخُناق (Diphtheria): قد يؤدى مرض الحصبة إلى الإصابة بالتهاب الحنجرة (Laryngitis) أو التهاب الغشاء المخاطى فى الجوانب الداخلية من القصبات الهوائية الرئيسية فى الرئتين.

- اضطرابات الحمل: على النساء الحوامل توخى الحذر الشديد فى كل ما يتعلق بداء الحصبة والحرص الشديد على عدم التعرض للفيروس، لأن ذلك قد يؤدى إلى الإجهاض أو الابتسار (Premature birth) أو إلى ولادة أطفال قليلى الوزن عند الولادة (Birth weight).

- انخفاض عدد صفائح الدم (Thrombocytes): قد يؤدى داء الحصبة إلى انخفاض فى عدد صفائح الدم، وهى خلايا الدم الضرورية لتخثُّر الدم (Coagulation).

يتضح من كل ما سبق أن أخطر أعدائنا هم نحن! وأن الخطر الحقيقى ليس على الحدود الخارجية، وإنما فى الأمخاخ الداخلية.

القسم: 
المصدر: 

وداعاً نادية صالح

رحلت الإعلامية الكبيرة نادية صالح التى كانت من أوائل من عملت معهم فى إعداد البرامج الإذاعية بعد تخرجى فى كلية الطب، جذبتنى نداهة الإذاعة فعاصرت نجوم هذا الزمن الإذاعى الرائع، كانت معظم البرامج التى شاركت فيها على موجة البرنامج العام فى زمن رئاسة أبلة فضيلة وفاروق شوشة، كنت أنا والكاتبة منى حلمى نكتب لها البرنامج الصباحى اليومى، كانت مثقفة تتذوق اللغة العربية وتميز ما بين الردىء والجيد فى الكتابة، كان من حسن حظى أن حضرت معها تسجيلات العمالقة سواء فى برنامجها البصمة «زيارة لمكتبة فلان»، أو فى برامجها الرمضانية السريعة الشهيرة، شاهدت وسمعت معها نجيب محفوظ وعبدالوهاب ونزار وزكى نجيب محمود وأنيس منصور وصلاح جاهين، وكل عباقرة ورموز مصر، كان «زيارة لمكتبة فلان» مؤسسة ثقافية مستقلة، وكان صوت نادية صالح الساحر الناعم الجميل تحس بأنه يطبطب على روحك من فرط رقته، علمتنى نادية صالح احترام الاستوديو برغم أن المستمع لا يراك، كانت تأتى فى قمة الشياكة والأناقة، من الكوافير إلى الإذاعة حيث تسريحة الشعر كالتاج على رأسها المشتعل بالأفكار، لا تسمح بالأكل داخل الاستوديو، فهذا المكان هو قدس الأقداس عندها، كانت تسجل وكأنها أمام كاميرا، تبتسم ملامحها فى رقى وشياكة وتنفعل مع الضيف وكأن العالم يفتح عدسات عيونه عليهما، تخيل البعض عند انتقالها لرئاسة إذاعة الشرق الأوسط أنها لن تتلاءم مع إيقاعها السريع وستنقل عدوى الجدية إلى الشرق الأوسط وتنزع منه خفة دمه، لكن ما حدث كان العكس تماماً، فقد كانت تعرف أن شفرة نجاح الشرق الأوسط هى البساطة وإيقاع زمن الساندوتش والإنترنت، كانت تعشق عملها الإذاعى بجنون، وفى رمضان حيث كان الوقت الذهبى هو أثناء الإفطار بعيداً عن منافسة التليفزيون، تكون فى منتهى التوتر وهى تنتظر وضع توقيت برنامجها، وكانت تحس بالظلم أحياناً حين يضعونه متأخراً قليلاً فينجذب المستمع إلى الفوازير التليفزيونية والمسلسلات الرمضانية ويترك برنامجها، لكنها كانت بالرغم من ذلك تجتهد لدرجة الإعياء وتقول لى حتى لو سمعه مستمع واحد لازم أقدم له أقصى ما أستطيع، نادية صالح بنت الزمن الذهبى تعلمت على أيدى بابا شارو وصفية المهندس وآمال فهمى وطاهر أبوزيد وهالة الحديدى وفهمى عمر وفاروق شوشة وصبرى سلامة وكل عمالقة الإذاعة العظام الذين صنعوا مجدها، وكانت تتمتع بخفة دم وسرعة بديهة تجعلها مغناطيس أى جلسة ومحور أى تجمع، رحلت الجميلة الرقيقة المثقفة الذكية صاحبة الأيادى البيضاء على الكثيرين، شجرة المواهب الإذاعية الفذة تسقط أوراقها رويداً رويداً، ندعو الله أن يحمينا من خريف الصمت الإذاعى بربيع جديد من المواهب على نفس موهبة نادية صالح.

القسم: 
المصدر: 

سؤال إحسان عبدالقدوس

طلب منى رئيس تحرير مجلة الهلال مقالاً لملف أسئلة الثقافة المصرية الصعبة، فقررت اختيار عدة شخصيات مبدعة رحلت، وبعد رحيلها تركت أسئلة عديدة علينا أن نطرحها من جديد. ففى مصر أحياناً يطرح المثقف برحيله أسئلة على المجتمع الثقافى أكثر ضجيجاً وأكثر استفزازاً وصداماً من الأسئلة التى طُرحت أثناء حياته، أسئلة تعرى الواقع الثقافى وتكشف عن كم اليقينيات والتابوهات التى تعشش فى نخاعه ونواته، أسئلة حين تطرحها فى نقاش أو حوار سرعان ما تجد من يكتب عن الحرية التى بلا سقف، ينقلب إلى فاشى متعصب، وكأنك تتحدث إلى أمير جماعة فى كهوف تورا بورا. اخترت من شخصيات الملف الكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس وسؤاله: هل لا بد أن يمر الروائى من باب النقد اليسارى؟

ظل الروائى الكبير إحسان عبدالقدوس، رغم إنتاجه الكبير والضخم، بعيداً عن الاحتفاء النقدى الذى يليق ببصمته وتميزه وتعدد إسهاماته، خاصة فى الستينات والسبعينات. وظل تصنيفه ككاتب سياسى وصحفى هو السائد والمسيطر، لكن كبار النقاد حينذاك، والذين كانوا جميعاً من اليسار، كان تدشين الروائى لا يتم إلا من خلال ختمهم الخاص، وكان عالم إحسان عبدالقدوس بالنسبة لهم هو مجرد مجتمع بورجوازى مخملى، ليست فيه رائحة الفلاح أو عرق العامل أو مشاكل البروليتاريا. وللأسف تحكمت تلك النظرة حتى فى من يحب أدب إحسان، فأصبح يخفى هذا الإعجاب، حتى لا يفضحه أو يجرسه كبار النقاد ويتهمونه بأنه من بقايا البورجوازية المتعفنة.

احتفت به السينما، وصارت أفلامه الأكثر جماهيرية، ولكن هذا بدلاً من أن يصب فى صالحه صار سبة وتهمة بأنه يغازل مشاعر الشارع الذى يشعله ويجذبه الجنس، وكأن الكتابة عن الحب والجنس جريمة. قمة الإحساس بالمرارة أن يتم تصنيفك وسجنك فى قفص هذا التصنيف، بسبب الانتماء الأيديولوجى الذى جعل البعض ممن لا تطاول قامتهم «واحد على عشرة» من إحسان يتربعون على القمة، وتُكتب عنهم الدراسات المطولة، ويحصلون على الجوائز، كل هذا الاحتفاء بسبب الانتماء إلى الشلة والانتساب إلى الرابطة.

القسم: 
المصدر: 

«أزهر تى فى» وتجديد الخطاب الدينى بالكرامات

إذا أردت أن تقرأ وجهة نظر شخص أو مؤسسة، فلتقرأها من خلال إعلامه، ومن خلال نافذته وشاشته، وها هو الأزهر يهتدى إلى الحل، ويهدى لنا قناة إعلامية، بعدما ظل كثيراً يشكو من أن مشايخه الحقيقيين الذين يستطيعون أن يجدّدوا الدين محرومون من نافذة إعلامية يمتلكونها ويتحكمون فى مضمونها، لكن هل بالفعل حققت تلك النافذة هذا التجديد أو التصحيح الدينى كما وصفه وطلبه الرئيس فى منتدى الشباب؟، شاهدت بالصدفة حلقة هذا رابطها: https://youtu.be/7llX8Ma8UEs

يتحدث فيها شيخ أزهرى كبير وجليل ومقدمة البرنامج هى بصوت د. على جمعة، أى أننا أمام فقرة مهمة وبرنامج له وزنه فى القناة، عن أى تجديد يتحدث البرنامج؟!، وأى ثورة دينية ننتظرها فى تلك الفقرة العظيمة؟، جلست منصتاً ومتوقعاً أن أسمع وأشاهد جرعة ثقافة دينية من المنبع الأصيل والمصدر الجليل، لكن ماذا قدّم لى الشيخ الفقيه الكبير من خلال الشاشة التى تمثل تلك المؤسسة الجليلة التى نراهن عليها من أجل التجديد، إنه يتحدث عن كرامات وبركات الشيخ الكبير أحمد الدردير، اسمعوا التجديد، يقول مقدم البرنامج لطلبة الأزهر وغيرهم من الجالسين عند قدميه، إن أشهر كرامات الشيخ الدردير أنه يستطيع العثور على أى شىء ضائع، مهما كان بعيداً ومختفياً، وأنه كان يطلب من المقربين عدم الإعلام والإعلان عن تلك الكرامة، ويحكى أنه استطاع إعادة فتاة مختفية فى المقابر دون سابق معرفة، بعد أن فشل أهل القرية فى العثور عليها!، ومن كراماته أيضاً أنه كان يقرأ «قل هو الله أحد» على الأكل القليل فيكثر ويتضاعف، وأنه كان يقرأ «سورة قريش» على الباب المغلق فيُفتح، وشبّهه الشيخ مقدم البرنامج بـ«سحنون» الذى كان يكتب حرف النون على دماغ المريض فيُشفى من مرضه وسقمه مهما كان!!، لقد حول مقدم البرنامج الشيخ صاحب الكرامات الذى له كل الاحترام إلى معجزة وأسطورة تخالف قوانين الطبيعة، هل المطلوب أن يتحول رجل الدين من وجهة نظر الأزهر إلى قسم بحث جنائى متحرّك يتفوق على سكوتلانديارد، وإلى وزارة تموين كاملة، وإلى «master key» أو طفاشة بشرية تفتح أى باب وتفك أى باسوورد؟!، هل هذا هو التجديد؟، هل زرع مثل تلك الخرافات عن أناس هم بشر فى النهاية مهما كان ورعهم ومهما كانت تقواهم هو الغرض من التجديد؟!، هل أصرف كل تلك الملايين على قناة من أجل نشر أوهام وغسيل أدمغة من خلال الكلام عن كرامات وبركات وأساطير؟، هل هذه روح العلم والتفكير النقدى الذى نحارب من أجل نشره، والذى نعى جيداً أنه طوق نجاتنا الوحيد للخروج من أزمتنا الطاحنة؟، هل مكتوب علينا أن نستخدم أرقى منتجات الحضارة من تكنولوجيا ووسائل اتصال لنشر التغييب والتخدير والتنويم بالكرامات والمعجزات؟!، يا سادة يا سكان المؤسسة الدينية المعجزة الحقيقية فى هذا الزمن هى العلم، الذى صنع لكم تلك القناة والكاميرات، وهذا القمر الصناعى والتردد الفضائى، وذلك البث والاستوديو.. إلخ، فلا تجعلوا العلم مطية لنشر الخرافة.

القسم: 
المصدر: 

الجرى فى المكان والثبات فى الزمان.. هل نحن نريد الوجود أم البقاء؟

«أنت لا تستطيع أن تستحمّ فى النهر نفسه مرتين»، قاعدة فلسفية اخترعها الإغريق، «أنت تستطيع أن تستحم وتغرق فى نفس البركة ألف مرة»، قاعدة تاريخية رددها، ويرددها، المسلمون حتى هذه اللحظة، برغم أننا نعرف أن التغير هو الثابت الوحيد، وأن الزمن حركة ديناميكية، إلا أننا جعلنا الماضى وثناً، والجمود عقيدة، والاجترار وظيفة، والسكون فلسفة، والموت مصيراً، وما قبل التاريخ مستقبلاً، فصار خير القرون هو القرن الهجرى الأول، وأصبح أبدع مما كان ليس فى الإمكان، وباتت البدعة ضلالة وصاحبها فى النار، الإبداع كلمة سيئة السمعة فى قاموسنا التراثى، والتكرار والترديد والتلقين والحفظ والصم هى الأيقونة حسنة السير والسلوك، نقع فى الخطأ التاريخى نفسه ألف مرة ومرة، برغم أن شريط الأحداث يتكرر، وكأنه بَكرة سينما وقفت وتعطلت عند الكادر نفسه، برغم أن الفلاسفة المسلمين وصفوا الزمن بالحراك والتغيير والديناميكية، فإن الفقهاء أصحاب السيادة والسطوة والحق الحصرى فى أمخاخنا كان لهم رأى عكسى مضاد، عرّف «الكندى» الزمن بأنه مدة الحركة أو هو عدد الحركة، لأن فكرة الزمان تمكّننا من معرفة السرعة والبطء فى الحركة.

بينما (الآن) ما هى إلا أداة تصل الزمان الماضى بالحاضر، ولما كان هناك بقاء لها، فهى ليست زماناً، وإنما هى إدراك لمعنى الزمان، لأن الزمان لا وجود له فى ذاته، وعرّف ابن سينا الزمان على النحو الذى عرّفه به أرسطو بأنه: «عدد الحركة إذا أفصلت إلى متقدم ومتأخر لا بالزمان، بل بالمسافة، وإلا لكان بيان وجوده بيانياً دورياً».

وعرّفه ابن رشد بأنه يراه قديماً أزلياً، وأن وجوده بيّن بنفسه، وأعده أحد أصناف الكم ولكون أجزائه، إما ماضياً، وإما مستقبلاً، وأنه ليس شيئاً منه يمكن أن يشار إليه بالفعل، فإن أقرب شىء يشبه هو الحركة، ولا يمكن أن نتصور زماناً إن لم نتصور حركته.. إلخ، برغم غرابة الصياغة اللغوية المهجورة، فإن هناك كلمة متفقاً عليها بين هؤلاء الفلاسفة المسلمين وهى الحركة، أعتقد أننى أنا وأنت ونحن جميعاً ومن لديه أدنى حس لغوى أو معرفة ببديهياتها نعرف معنى كلمة الحركة، فهل رجال الدين عبر تلك العصور لم يعرفوها أو عرفوها وتجاهلوها، أم أن لها معنى آخر عندهم وترجمة مختلفة لديهم!، صارت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، صادروا التفاعل التاريخى لصالح تحنيط النصوص، حشروا العصا النصية فى ترس الحركة التاريخية، فصار التاريخ متحفاً للشمع، وليس شريطاً سينمائياً، وتم وضع الزمن فى برطمانات الفورمالين بدلاً من خيمة الأكسجين، محاولات تطعيم الفكر الإسلامى بمفهوم الحركة والزمن المتغير باءت بالفشل، مثل النسخ الذى وصفه السلفيون بأنه غير ناتج عن تحوّلات الواقع، بل هو راجع لمحض إرادة مطلقة لله، ومحاولة من السلفيين لتأميم أكثر وتكميم أعنف لإجهاض أى ديناميكية قرآنية خرجوا علينا بأن السنة من الممكن أن تنسخ القرآن نفسه، وبالطبع تنسخه لصالح الجمود وليس لصالح حيوية الفهم أو تأويل المعنى!، وسنتحدث بالتفصيل فيما بعد فى فصول مقبلة عن خلفية، وتأثير تلك المحاولات على مسار الفكر الإسلامى ووضع القيود فى رسغه وكاحله، هذا التحنيط الزمنى سجننا فى نموذج إنسان القرون الوسطى التقليدى، الذى يصفه محمد على المحمود فى كتابه «تكفير التنوير» بقوله: «إنسان القرون الوسطى التقليدى ماضوى بامتياز، لا شىء يفزعه، مثل الجديد والمغاير. هو كائن مرعوب يتلمس الحماية فيما عرفه وجرّبه، كما أنه كائن كسول يكتفى بمقولة: «حسبكم، فقد كفيتم»، عقله التقليدى لا يطيق الابتكار»، هذا النموذج الذى يصادر حركة الزمن لصالح سكون وثبات النص، نموذج ليس فردياً، بل هو مجتمع بأكمله متخم باليقينيات، مشبع بالقطعيات، منتفخ كالبالونة حتى نقطة الانفجار بالمسلمات والثوابت، هذا المجتمع تستحيل فيه المغامرة النقدية، ويحرم فيه السؤال الخادش لليقين، يخلق فى هذا المجتمع معنى مختلف للحوار، فيصبح الحوار، كما وصفه المحمود فى «تكفير التنوير»، ص100، التقليدى يتصور أن غاية الحوار هى الاتفاق التام فى الرؤية، لا يراد منه تحقيق الفهم، ومن ثم التفاهم مع بقاء الاختلاف، يتوهمونه آلية تنميط، وفرضاً قسرياً للقناعات، هذا المواطن أو بالأصح فرد الرعية، لأنه لا يعيش كمواطن على أرض وطن بل يعيش كواحد من الرعية فى مضارب القبيلة، أقصى طموحه أن يستكمل العيش لا أن يطور الحياة، يمارس التمرين الشهير «الجرى فى المكان»، ولا ينافس فى ماراثون العدو الطويل وقفز الحواجز، طموحه هو مجرد البقاء لا الوجود، وهناك فرق كبير، يوضحه د.شوقى جلال فى كتابه «لماذا العلم»، حين تساءل فى مقدمته: هل نحن نحارب من أجل الوجود أم البقاء؟، فالوجود مشروع إرادى قائم على الفكر والفعل الاجتماعيين تأسيساً على أعلى مستوى لإنجازات حضارة العصر، أما البقاء فهو حياة الاطراد العشوائى، العاطل عن فعل الإبداع والتجديد، امتداد فى المكان بغير زمان حيث لا تغيير، سؤال بقاء أم وجود، الذى طرحه د. شوقى جلال، سؤال مفصلى وتأسيسى، وإجابته تضعنا أمام مرآة أنفسنا فى مواجهة صعبة، مواجهة تصبح مخجلة إذا صارحنا أنفسنا بالحقيقة التى نعيشها الآن، بأننا يا دوب فكرياً على حافة البقاء، بعيدون حتى عن خط التماس مع الحداثة، وكما هى صعبة ومحرجة إجابة سؤال البقاء أم الوجود، هناك إجابة أخرى تحتاج حسماً طرح سؤالها أيضاً نفس المفكر وهو الاختيار ما بين ثقافتين، ثقافة الوضع وثقافة الموقف، ثقافة الوضع التى نحن غارقون فيها حتى الذقون، مخمورون بها حتى الثمالة، هى ثقافة قانعة بحالها راضية برصيدها التاريخى الموروث، والعلم الأسمى لا يتجاوز حدود تأمل هذا الرصيد، ثقافة متسولة تقف على قارعة الطريق تندب حظها وتفاخر بماضيها، أما ثقافة الموقف التى تنقصنا بل ونعاديها بشراسة هى ثقافة إرادة واختيار وفهم وتراكم متجدد متطور، ثقافة تخوض غمار نهر الحياة، لا تخاف من السباحة فى مياهه المتجددة، لأنها ثقافة تعرف أن التجدد مصدر صحة ودليل عافية، لذلك ثقافة البقاء التى تفهم الاستقرار على أنه الموت حتى التعفن، وثقافة الوضع التى تكرس للوضع التى هى عليه، تلك الثقافة تعاملها مع التاريخ تعامل سيكوباتى مريض، هى ثقافة تمجيد أكاذيب، لا تسجيل حقائق، ثقافة تعتز بنرجسيتها، لكى تبتزّ تابعيها، هكذا نتعامل مع التاريخ، عندما نجد فى أحداثه ما يدلّك غدة النرجسية والأفضلية والتفوق، وما يؤكد أننا خير الأمم وطليعة الشعوب، نهتف هذه مقدسات، وعندما نجد فى أحداثه ما يشيننا ويخجلنا ويجرح نرجسيتنا ويخدش تميزنا وينزع ريش طاووسيتنا الملون، سرعان ما نصرخ هذه إسرائيليات!!، مَن الذى يحدد ويفرز المقدسات من الإسرائيليات؟، ومن الذى يحرك عقارب الزمن، فيبث الحياة والحركة، ومَن الذى يتشبث بثقله فيها فتظل مكانها لا تبرحه؟!، لكى تعرف الإجابة، ارجع إلى الفقرة السابقة، وتذكّر التمرين الشهير الجرى فى المكان، ومن فضلك أضف على اسم التمرين حروفنا وبصمتنا، ليصبح: «الجرى فى المكان، والثبات فى الزمان».

القسم: 
المصدر: 

سطور لن تقرأها لمصطفى محمود

فى ذكرى د.مصطفى محمود، وفى 31 أكتوبر من كل عام، تستطيع أن تقرأ كل كتبه وتشتريها من السوق فى عدة طبعات مختلفة ومن دور نشر متعددة، إلا كتاب «الله والإنسان» الذى كتبه فى نهاية الخمسينات وصودر فور نشره بأمر من السلطة السياسية ممثلة فى الرئيس عبدالناصر، والدينية ممثلة فى الأزهر ودار الإفتاء التى كتبت تقريراً عنيفاً تتهم فيه مصطفى محمود بالازدراء قبل صدور قانون يحمل تلك الصفة ويقنن تلك التهمة بنصف قرن، وفى عهد السادات حاولت بعض دور النشر طباعته لكن مصطفى محمود نفسه رفض فقد كان قد تخلى عن أفكاره التى كتبها فى هذا الكتاب ودخل مرحلة أخرى لها ما لها وعليها ما عليها، وللأسف هذه الفترة المبكرة من حياة مصطفى محمود لم تأخذ حظها من الإضاءة والتحليل والعرض والنقد، برغم أنه قد كتب فيها قصصاً قصيرة من أجمل وأعذب القصص العربية على الإطلاق، والتى كان من الممكن لو استمر فى كتابتها أن ينافس زميله فى كلية الطب يوسف إدريس، كتاب «الله والإنسان» كتاب مظلوم، كتاب يعبر عن أفكار شاب متمرد يحلق بجناحيه فى عالم الفلسفة، الأسلوب رائع، والعرض جذاب، ولو تمت قراءته بعد كل تلك السنوات وفى ظل مئات المدارس الفكرية والفلسفية التى ظهرت فى الستين عاماً التالية، سنجد أنه لا يستحق المصادرة بل يستحق العرض والمناقشة، من الممكن أن تختلف مع بعض الأفكار المتناثرة هنا وهناك، ولكنه اختلاف الحيوية وليس اختلاف النفى، وإليكم بعض الاقتباسات من نسخة شاردة تم إنقاذها من مخالب المصادرة:

- إننا فى الشرق نتكاثر فى مهارة نُحسد عليها، ونصنع الأطفال بالسرعة التى يصنع بها الأمريكيون شفرات الحلاقة فنتضاعف كالنمل كل عام، لكن قطار التطور لا يهم فيه عدد العربات التى يجرها وإنما المهم هى الماكينة التى تجر وهى ماكينة من سلندر واحد هو الوعى.

- الكفر بحرية الإنسان جريمة أقبح من القتل.

- إن الحرية، حقيقةً، هى صرخة أحسها فى داخلى وتحسها فى داخلك فتعلو على نحيب الكتب الصفراء وتغرقها، أنت حر وحياتك مغامرة وغدك مجهول، أنت الذى تقيم أصنامك وأنت الذى تحطمها، فامضِ فى طريقك ولا تنسَ هذه الأمانة التى تحملها على كتفيك: الحرية.

- أتعس اللصوص وربما أشرفهم هم لصوص فى الحديد، فى السجن، فى بالوعة المجتمع وما أكثر ما تتلقف البالوعات من حُلى ثمينة، لقد كان فرانسوا فيللون أفاقاً ولصاً وشاعراً، وحينما كان يموت بالسل فى سجنه نحيلاً أزرق متقطع الأنفاس كان يترنم بالقصيدة الخالدة التى يقول فى آخرها:

(أيها الدود فى قبرى عذراً.. فلن تظفر منى بوليمة دسمة فقد أكلنى الناس على الأرض ولم يتركوا لك إلا العظام).

- الشرف ليس كما يظن الناس معنى مطلقاً وحقيقة واحدة ثابتة، إنما هو نسيج محلى يخضع للاستهلاك المحلى ونوع الزبون، كل دولة لها شرف خاص، وكل بلد، وكل إقليم، بل كل بيت، وأحياناً كل إنسان له شرف خصوصى، وإذا حكمنا بأغلبية البضاعة الموجودة فى سوقنا الشرقية فالشرف عندنا معناه مضحك حقاً، الشرف عندنا معناه صيانة الأعضاء التناسلية!، الشرف عندنا خاص بالجسم فقط أما شرف العقل فهذا تفكير بربرى.

- أنا من هواة جمع المواعظ، وأعتقد أن هذا أفضل من جمع الطوابع والسجاجيد والنقود القديمة، وإن كنت أكتفى بجمعها فقط وأترك مهمة تطبيقها للناس الأفاضل الأتقياء، إن الفضائل نسيج حى يتطور باستمرار ويتعفن إذا حفظ، والفضائل المجففة وفضائل العلب لا تصلح لأمعائنا الحديثة.

- السعادة هى اندفاع الطاقة الإنسانية حرة فى طريقها الطبيعى تتكلم وتبنى وتفكر وتتفنن، الذى يحول بينك وبين البكاء يشقيك أكثر من البكاء نفسه، وربما كان البكاء سعادة أحياناً إذا كان تعبيراً حراً صادقاً منطلقاً بدون تزييف، ومثل هذا البكاء يسعد أكثر من الضحكة المغتصبة والابتسامة الصفراء.

- لقد بدأنا عبيداً للأرض وانتهينا عبيداً للأجر.

- كان الطاغية إذا أراد أن يشنق على راحته أطلق على المشنقة كلمة كنيسة وبدأ يشنق تحت ستار الدين والرب والوصايا العشر، وإذا أراد أن يقتل الفن أطلق عليه كلمة دعارة، وإذا أراد أن يخنق الفكر أطلق عليه كلمة إلحاد.

القسم: 
المصدر: 

من هو المثقف الحقيقى؟

سؤال طرحه الإعلامى عمرو أديب على المشاهدين فى حلقته يوم الأحد الماضى التى كنت فيها ضيفاً على برنامجه بصحبة الفنان والمثقف الجميل وجيه وهبة، سؤال وجدته مهماً وهماً فى الوقت نفسه، فالثقافة ليست هى الفنون الرفيعة فقط، فهى سلوك اجتماعى أرحب من مجرد تلك الإبداعات، فالزى ثقافة والبيوت ثقافة وطريقة الأكل ثقافة والتعامل مع الشارع ثقافة.. إلخ، ولو صعدنا درجة وأخذنا معنى الثقافة بالمعرفة الواسعة عن كل شىء ومن كل شىء، سنواجه بمعضلة، هل المثقف هو فقط الذى يحضر الأوبرا والباليه ويرتاد المسرح والسينما؟، هذه الأشياء فى منتهى الأهمية للمثقف، لكن من هو المثقف الفاعل الذى نحتاجه الآن؟، هل هو هذا النموذج فقط؟، كانت الصدفة أن الحلقة قد واكبت ذكرى العظيم الجليل د.طه حسين، ووجدت بالفعل فى هذا الرجل العملاق نموذج المثقف الفاعل المغير الثائر الذى يترك بصمة فى العقل ووشماً فى الروح، هذا هو المثقف الفاعل بجد، طه حسين يختصر كل التعريفات المتضاربة والجدلية والمتناقضة للمثقف، نستطيع أن نشير بأصابعنا فقط إلى هذا الكفيف البصير لنعرف أن هذا هو المثقف الذى تحتاج إلى استنساخه مصر الآن، المثقف الذى لم ينحنِ للتيار السائد ويميل للريح ويتوافق مع القطيع خاصة أنه يحتاج دائماً إلى مساعدة بسبب إعاقته التى من الممكن أن تجعله يرضى بالهامش والعزلة، تمرد على التعليم الأزهرى وهو الفقير المعدم الآتى من قلب الصعيد محملاً بأعباء أسرة كبيرة تكاد أن توفر قوت يومها بالعافية، خرج عن النص حين التحق بالجامعة واختار شخصيات لدراساته ورسائله هى أيضاً متمردة خارج السياق لا مترددة داخل الشرنقة، ابن خلدون والمعرى، كتب فى العشرينات كتابه الثورة ودراسته العاصفة «فى الشعر الجاهلى» التى كان عمادها منهج الشك الديكارتى، تعرض للسب والشتم فى مظاهرات طلبة الأزهر، ثم إلى التحقيق فى النيابة، لكنه واصل الطريق، واختار درب الألغام، درب الأسئلة، طرح علامات الاستفهام على التراث الإسلامى، وأعاد تقليب تربة التاريخ، فصار التاريخ مجال بحث وليس مساحة تقديس، هل توقف المثقف طه حسين عند هذا الحد؟، لا، فعندما تولى المسئولية لم يكن موظفاً بل ظل مثقفاً، وكانت الثورة هى تطبيق نظام التعليم المجانى فى عهد وزارته، فقد آمن بأن التعليم هو طوق النجاة ولا بد أن يكون كالماء والهواء، كما آمن بأن علينا أن ننظر إلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط حيث النور، وعندما دخل إلى عالم السياسة كتب عن ضرورة فصل الدين عن الدولة فى الدستور وخطورة تديين الفضاء العام المشترك، وحتى بعد قيام الثورة لم ينسَ طه حسين دوره الثقافى وطالب بدمج التعليم الأزهرى فى التعليم العام، ولكن حكومة الثورة كان لها رأى آخر، وبدلاً من تطبيق رأى هذا المثقف المتفرد المستقبلى توسعت فى هذا النوع من التعليم الدينى وصدر قرار عبدالناصر الذى أضاف الكليات المدنية إليه!

احتار المثقفون فى تسمية طه حسين، تارة المثقف العضوى وتارة المثقف الليبرالى ولكنى أفضل اختصاراً: «طه حسين المثقف الحقيقى».

القسم: 
المصدر: 

احذروا الكارثة.. مطلوب رقابة على صالات الجيم

لا يكاد يمر أسبوع إلا وأشاهد فى المستشفى والعيادة أو أسمع من زميل متخصّص فى أمراض العقم، وأحياناً فى أمراض الكبد عن ضحية من ضحايا صالات الجيم، تحليل سائله المنوى صفر، أو يعانى من خلل شديد فى وظائف الكبد، والمتهم الحقيقى بعض مدربى الجيم، الذين ينصحونهم بالمنشطات والهرمونات والمكملات والأمينو مجهولة المصدر، خلطات قاتلة من تستوستيرون وهرمون نمو على بروتينات وكورتيزونات.. إلخ، كله بلا رقابة ودون ضوابط وبالفتاوى، وفى هذه المساحة الضيّقة سأحاول كتابة بعض المعلومات كمفتاح لمناقشة الموضوع بشكل أوسع مجتمعياً وإعلامياً وعلى مستوى المسئولين فى وزارة الصحة، فالمنشطات الهرمونية التى قد تكون مماثلة لهرمون الذكورة (التستوستيرون) أو من مشتقاته تؤدى إلى العقم فى كثير من الحالات، وكذلك ضعف القدرة الجنسية، وضمور الخصيتين، فعند زيادة هرمون الذكورة عن المعدل الطبيعى يقل إفراز الهرمونات المحفزة FSH وهرمون LH، وهناك الكرياتين Creatine وهو مكمل غذائى من السهل شراؤه من الصيدليات دون الحاجة إلى وصفة طبية، وهو أحد أشهر المكملات التى يقبل الرياضيون أو من يمارسون رياضة بناء العضلات على أخذها. وهو مادة طبيعية يفرزها الجسم تعمل على مساعدة العضلات على إطلاق أو تحرير الطاقة، حيث يحفّز العضلة على إنتاج المزيد من جزيئات الطاقة (ATP)، لذا يستخدمه العديد ممن يمارسون رياضة حمل الأثقال ليعطيهم دفعة سريعة من الطاقة، والإفراط فى تناوله قد يسبّب أعراضاً سلبية، ففى حال تناول جرعات زائدة قد يتسبّب فى تلف أو ضرر فى الكلى، كما قد يتسبّب فى احتباس السوائل فى الجسم، وهناك الإيرثروبويتين Erythropoietin، وهو علاج هرمونى يُستخدم فى علاج حالات الأنيميا التى تصيب مرضى الفشل الكلوى، حيث يحفّز إنتاج خلايا الدم الحمراء، الأمر الذى يزيد كمية الأكسجين التى تصل إلى العضلات، لذا يستخدم كمنشط لزيادة القدرة على التحمّل، ومن أضراره حسب موقع «مايوكلينيك»، تسبب الإيرثروبويتين بما لا يقل عن 18 حالة وفاة بين متسابقى الدراجات الهوائية الذين شاع استخدامه بينهم خلال فترة التسعينات من القرن الماضى. يزيد العلاج من خطر الإصابة بالتجلطات (الجلطات القلبية، السكتات الدماغية والجلطات الرئوية)، وهناك هرمون النمو الذى يفرزه الجسم بشكل طبيعى ليحفّز العضلات والجسم بشكل عام على النمو أثناء فترة الطفولة وحتى البلوغ. ويقوم بعض الرياضيين بشكل غير قانونى بأخذه، لتحسين كتلتهم العضلية وتقويتها، رغم أن نتائجه غير مثبتة، ومن أضراره آلام المفاصل، ووهن وضعف فى العضلات، واختلال فى تنظيم مستوى الجلوكوز فى الدم، واضطرابات فى عضلة القلب، وارتفاع مستوى الكوليسترول فى الدم.

مطلوب تحرك سريع ورقابة شديدة وضوابط مكتوبة وقانونية وتوعية إعلامية، الرياضة مطلوبة والأجسام القوية من دواعى الفخر، لكنها لا بد أن تكون جوهراً لا شكلاً فقط، فى صحة جيدة، وليست على شفا الهلاك.

القسم: 
المصدر: