خالد منتصر

نحن وطن ودولة.. لا أمة وخلافة

القدرة على الإجابة الصحيحة مرتبطة ومشروطة بالقدرة على طرح وصياغة السؤال الصحيح بجسارة ودون خوف من تجريس مجتمع أو بطش سلطة، ونحن لدينا خلط، فنحن دائماً نردد: نحن الأمة الإسلامية، ونذكر بخجل وبتحفّظ أننا الدولة المصرية، نذكرها بصوت هامس وكأنها عورة، المصرى أو اللبنانى أو التونسى.. إلخ، لا بد أن يكون شعاره أنا أنتمى للدولة المصرية أو اللبنانية أو التونسية، نحن الوطن والدولة التى هى بوتقة لكل الأديان والمذاهب، وحتى الذين بلا دين أو مذهب، كل العلاقات الرأسية الفردية مع الله هى فى قلوب معتنقيها، أما العلاقات الأفقية المتشابكة فى المجتمع والشارع، فهى فى تفاعلات السلوك وفى مدونة القانون، وفى اتفاق المواطنين المنتمين لهذا الوطن، علاقات الوطن والدولة ليست بأوامر من أهل الحل والعقد، ولكنها بإرادة الشعب واتفاقه، الشعب بمسلميه ومسيحييه ويهوده وملحديه وبهائييه.. إلخ، لن يحدث هذا إلا بمجتمع علمانى، تستطيع فيه أن تكون مسلماً وعلمانياً فى الوقت نفسه وتفهم هذا وتستوعبه، وكما يقول فؤاد إسحق الخورى ص117 فى كتاب «الأسس الفلسفية للعلمانية» لعادل ضاهر: «الدولة بمفهومها العصرى تتمتع بشخصية تشريعية تحكم وتحاكم، لا يمكن أن يكون لها دين، فالدين يحكم ولا يحاكَم، أما الدولة فتحكم وتحاكَم، ومن هنا القول إن الدولة بجوهر مفهومها شخصية تشريعية، تنظيم معلمن سلفاً، والعلمانية هنا لا تعنى اللا دينية كما يفهمها بعض فقهاء المسلمين، بل تعنى أن تشريعات الدولة يجوز الطعن بها لأنها من صنع الإنسان المواطن لا من صنع السماء، والواقع أن المسلم اليوم بوضعه الدولتى إن صح التعبير يعيش العلمانية مسلكياً وينكرها على نفسه أيديولوجياً، يعيش فى معاناة دائمة بين موقعه الدولتى وموقعه الأمّتى، أى بين الأخوة فى المواطنة وهى الدولة، وبين الأخوة فى الدين، وهى الأمة»، بالفعل نحن نعيش ونحيا فى مجتمعنا بطريقة علمانية ونستمتع بمنجزاتها ومكتسباتها ونعيمها فى كل خطوة وكل لحظة، لكن فكرياً نحن نحمل داخلنا أيديولوجية تراثية فقهية قديمة، نتحرك مشقوقين إلى نصفين، بين جوادين يتحركان فى اتجاهين متضادين، الجسد يتحرك فى فضاء علمانى، لكن العقل مسجون فى قمقم دينى، أو بالأصح تديّنى فقهى، حتى الجهادى الإسلامى المستفيد من درجات التقاضى، التى أفرزها المجتمع العلمانى ووجود هيئة الدفاع عنه التى هى نتاج علمانى.. إلخ، هذا الجهادى وهو فى القفص يهتف «لا حكم إلا لله»، ويحلم بعودة الخلافة، برغم أنه لو فكر لحظة لوجد أن الحل القديم هو قطع رأسه بدون درجات تقاضى ابتدائى واستئناف ودستورى أو محامين، ليوضع رأسه بجانب الرؤوس التى عُلّقت وبجوار الأجساد التى صُلبت بدون هيئة دفاع أو حتى محكمة. مواطن يستنكف ويشمئز الآن من أى مشهد فيه طيف رق أو عبودية أو استغلال جنسى لامرأة بمبرر أنها جارية أو أمة أو سبية، وعندما يرى هذه المشاهد على شاشة التليفزيون فى الرقة أو فى الأنبار ودير الزور وحمص وحماة والحسكة.. إلخ، يسارع بالاستنكار ومن الممكن أن يغير القناة هرباً من بشاعتها، ومن الممكن أن يكون منضماً للجنة من لجان حقوق الإنسان، لكنه أيديولوجياً مؤمن بأن الرق حق، وأنه لا يمكن أن يحرم الطيبات التى أحلها الله له، وما دام الرق لم يُمنع بنص قطعى الدلالة فهو قائم، هو مؤمن بقول ابن حزم، والمفروض أنه الفقيه الأكثر استنارة «ما كان مباحاً فى وقت ما بعد موت النبى، فهو مباح أبداً»، فى فضائه المجتمعى هو علمانى مستنكر للاحتلال والقتال هجوماً وغزواً لدولة أخرى، ويسميه طبقاً للقانون الدولى احتلالاً غاشماً، ويصفق لمجلس الأمن حين يصدر قراراً بمعاقبة الدولة المحتلة التى جارت على حقوق جارتها، حتى ولو انتمت إلى نفس المنطقة، مثل العراق، التى من الممكن أن يكون قد عمل بها وكوّن ثروته من خلال راتبه، الذى كان يقبضه فى الغربة هناك، لكنه فكرياً وفى قرارة نفسه ووجدانه مؤمن بتخريج عمر عبدالرحمن فى رسالة الدكتوراه، والتى استخدم فيها سورة براءة غير المنسوخة، حين حرض الجماعة الإسلامية والجهاديين من منطلق «فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ»، ويظل يحلم بعودة الأندلس إلى أيدى العرب ويتباكى على ضياعها فى الوقت نفسه الذى يناضل فيه لطرد الاحتلال من فلسطين!، مواطن يعيش علمانياً، يذهب بطفله إلى أسوان، حيث مستشفى مجدى يعقوب للقلب طالباً الإنقاذ باستثنائه من قائمة الانتظار، فى الوقت نفسه الذى يصدق فيه هجوم السلفيين هناك على السير يعقوب، لأنه يستخدم صمامات قلب من الخنزير، يطلب الإنقاذ وهو يعمل موظفاً فى بنك ينصح عملاءه بعدم التبرع لمستشفى القلب اعتماداً على تفسير يلحّون عليه من فوق المنابر وشاشات الفضائيات الدينية: «قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ»، ويؤمن بأنه لا تعايش مع الكافرين، لأنه يجب ألا تتخذهم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان، وإنه «مَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ». هو مؤمن فى أعماقه بأن القرب هو قرب الأديان لا قرب الديار والأبدان كما قال ابن العربى، مواطن يستورد طعامه وعلاجه وملابسه الخارجية والداخلية من أهل الكتاب، ومن أهل بوذا، ويشكر المهندس القبطى، صاحب فكرة تحطيم الساتر الترابى، لكنه يقول مع ابن قيم الجوزية فى أحكام أهل الذمة: «لقد رجّح المسلمون الدين أساساً للوطنية وفارقاً بين الأهالى والأجانب»، مؤمن بالشروط العمرية، ومن أهمها ألا يجددوا ما خرب من أماكن عبادتهم، وألا يتشبهوا بالمسلمين، وألا يشارك أحد منهم مسلماً فى تجارة، إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة، ويردد ما كتبه أبويوسف، صاحب أبى حنيفة فى كتاب الخراج: «ينبغى أن تختم رقابهم فى وقت جباية رؤوسهم.. فلا تدعن صليباً ظاهراً إلا كُسر ومُحق»، ومقتنع بتوبيخ الخليفة عمر إلى أبى موسى، الذى كان له كاتب نصرانى، كما هو مذكور فى أحكام أهل الذمة لابن قيم الجوزية: «لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله»، هذا المواطن يصفق ويتحمس عندما يستمع إلى تجديد الخطاب الدينى بنفس الحماس الذى يحمى به ويدافع عن تدريس مثل تلك الكتب المروجة للعنصرية، هذا المواطن علمانى حتى النخاع، وهو يتقاسم مع زوجته مرتبها للصرف على البيت، يشجعها على العمل ويتشاجر مع مديرها إذا خفض مرتبها أو شطب الحوافز، ولكنه مؤمن بتفسير أن النساء عوان عندكم، والعوان هن الأسيرات!!، وما هى إلا وعاء للجنين، وهى غير ملزمة بالرضاعة إذا لم يدفع لها الزوج، وإن عليها بحافة الطريق، وأنها مع بنات جنسها هن أكثر أهل النار، باختصار هو مواطن يعانى من ازدواجية، مريض بالشيزوفرينيا، يستفيد من منجزات العلمانية حتى النخاع، ويحاربها بنفس النعم والتكنولوجيا التى هى من عطاياها!!، فى الوقت نفسه الذى تتشبع فيه خياشيم روحه بغازات الدولة الثيوقراطية الفاشية السامة، ويصرخ وهو يلعب على السمارت فون «أنتم تكرهون الشريعة»، فهل هى فعلاً كراهية للشريعة؟، الإجابة فى الفصل المقبل.

القسم: 
المصدر: 

انتصار العمى.. القرنية كمان وكمان

لو يعرف الإعلامى الذى يتصدى لموضوع طبى بدون فهم كم يرتكب من جرائم، لو يعلم ساكن الفيس بوك الذى يدلى بدلوه فى الطب لمجرد الشو كم مريضاً يعانى من جراء لايكاته! لو صمت رجل الدين وعاد إلى الأطباء قبل إصدار فتواه لأنقذ الملايين من براثن الموت، بعد الضجة التى حدثت فى قضية زرع أو ترقيع القرنية، زاد طابور انتظار المرضى عشرة أضعاف، عقارب الزمن تقترب من لحظة العمى وهم يلهثون ويصرخون وبعضهم يسقط فى فخ الاكتئاب والانتحار بسبب اليأس، والسبب جهل التناول الإعلامى ورعونة القرار الإدارى ورعب الجميع من السجن والتشريد، وصلتنى تلك الرسالة من د. ماريان جرجس أخصائى طب وجراحة العيون تقول:

إن القرنية جزء من عضو وليست عضواً بمفرده، فهى أول مستقبل للضوء، فبدون صفاء وشفافية القرنية لما وصل الضوء للعين بأكملها.

وهنا تأتى مشكلات عتامة القرنية، المنقسمة إلى أنواع كثيرة وأسباب أكثر، فالعتامة قد تكون خلقية أو بسبب قرحة مسبقة أو بسبب صدمة إثر حادث، ولكن النوع الأخطر هو العتامة الخلقية أو نتيجة صدمة فى الولادة، أى أثناء الولادة، لأن العتامة فى حداثة السن تهدد وصول الضوء للشبكية، مما يترتب عليه عدم اكتمال نمو مركز الإبصار والشبكية وكسل العين المصابة فيما بعد.

إذا كانت العتامة صغيرة وغير مؤثرة على مجال الرؤية فمن الممكن إصلاحها فيما بعد، أما إذا كانت تهدد الرؤية فيجب أن يتم إجراء جراحة تداخلية على الفور.

عامل الوقت فى إجراء عملية ترقيع القرنية مهم جداً فى الأطفال وصغار السن وحديثى الولادة، ولكن بعد سن العشر سنوات لا يكون بنفس الأهمية، لأن بعد هذا العمر يكون قد اكتمل نمو الشبكية ولا يهدد العين بالكسل.

ومن هنا تأتى مأساة جراحة ترقيع القرنية، وعلى الرغم من سهولة الجراحة من الناحية الفنية، لكن يبقى التحدى الأكبر فى عالمنا الشرق أوسطى: «من أين نحصل على الرقعة أو القرنيات؟».

ففى العالم الآخر لا يشكل ذلك أى صعوبة، فهناك حسم القوم أمرهم وأجازوا بل تم تقنين زراعة ونقل الأعضاء بسهولة ويُسر وفى وقت وجيز، أما نحن فما زلنا نجادل ونجعجع على جزء من عضو! ونأخذها بشكل عاطفى تارة وبشكل دينى تارة وما إلى ذلك من انتهاك حرمة الموتى.. إلخ، لا أعلم ما هو الأكثر خطراً: زيادة عدد فاقدى البصر فى المجتمع أم نقل جزء من عضو لا يشوه عين المتوفى لإنقاذ مصير رضيع أو طفل؟ أم الأفضل أن نستوردها من أمريكا وإسرائيل بآلاف الدولارات، هنا تتنحى الحرمانية جانباً؟

فى الوقت الذى ما زلنا نجادل عن مشروعية ترقيع القرنية، والجدير بالذكر ولا يمكن أن نتحدث عن القرنية دون ذكر العالم الطبيب الهندى «هارميندر دوا» الذى أثبت بالحقيقة العلمية أن القرنية لا تتكون من خمس رقائق أو طبقات بل ست طبقات! فى عام 2013 م وقد سمَّاها طبقة دوا وترتيبها الرابع فى الرقائق وقد تغيرت كل الكتب العلمية الرمدية منذ ذلك الوقت فى شرحها التشريحى للقرنية من خمس طبقات إلى ست طبقات.

ونحن ما زلنا نهدر آلاف القرنيات الصالحة للزرع وإنقاذ بصر آلاف الذين هم على قائمة انتظار تصل لسبع سنوات ونرى فى ذلك الصلاح.

القسم: 
المصدر: 

أغلِق جحور الثعابين ومشاتل الإرهاب يا وزير التعليم؟

نشرت مجلة «روزاليوسف» تحقيقاً كارثياً فى منتهى الخطورة عن الحضانات والمدارس السلفية فى مصر، بالطبع مر مرور الكرام فى مجتمع ما زال مشغولاً ومهووساً بفستان رانيا يوسف، وسيظل يبحث عن فستان آخر ليفرغ فيه كبته ويقتل وقته، مجتمع ينتفض برلمانه ويقاضى محاموه فستاناً عارياً!، مجتمع يحتاج جراحة زرع عقل عاجلة فى ظل وساوس قهرية وهلاوس وضلالات وهستيريا تحتاج إلى مستشفى أمراض نفسية بحجم المجرة، لكنه مكتوب علينا ومقدر أن تجرفنا التفاهات والسفاسف ونغرق فى النفاق والشيزوفرينيا حتى رؤوسنا، النموذج الذى تحدث عنه التحقيق على ثلاث صفحات هو عن مدرسة المعتمدية السنية التى يملكها الشيخ محمد حسين يعقوب، صاحب غزوة الصناديق، المدرسة من الحضانة حتى الإعدادى، للبنين والبنات، وطبعاً ممنوع الاختلاط، تخدم المدرسة منطقة ناهيا وكرداسة، وكلنا نعرف مدى تغلغل السلفيين فى تلك المناطق وسيطرة التكفيريين عليها ولنا فى حادث قسم كرداسة البشع الأسوة السيئة، وبدلاً من بث مناطق النور فى المنطقة، إذ بخفافيش الظلام تملأ سماءها الملبدة بالغيوم أصلاً، مدرسة كل المدرسات والعاملات فيها منتقبات، الخمار مفروض على الطالبات منذ الحضانة، غير معترف بكتاب الدين الذى توزعه الوزارة على الطلبة، فلديهم منهج شريعة وفقه، ويدرس للطلبة دروس الحوينى وبرهامى!، تحية العلم ممنوعة، طابور الصباح أدعية وأذكار، كأننا فى تورا بورا أو قندهار، فى سن التشكيل نصنع ألغاماً بشرية من الأطفال، وبعدها نتساءل كيف صفق الناس وهللوا لمشهد إجبار الضابط على شرب ماء النار؟، ونندهش من زغاريد أهل المنطقة عند رؤيتهم لسحل الجثث فى كرداسة.. إلخ، الصحفية التى كتبت التحقيق تنكرت فى شخصية أم تريد التقديم لابنتها، ولأن ليس لديها بنت شقيقة فى المدرسة فهى تحتاج استثناء، نصحتها السكرتيرة لتحقيق هذا الاستثناء بأن تشتم الرئيس والعسكر أمام الإدارة وستحصل على كل الموافقات فوراً، فهذا هو جواز المرور إلى قلب وعقل الناظر والمالك الذى جند المنطقة لانتخاب «مرسى»!، نحن إذن فى منطقة مستقلة عن الدولة، عزبة لصاحبها «يعقوب»، هل الدولة نائمة والمجتمع فى غيبوبة يراقبون فقط شفافية الفساتين وارتفاع الجونلات؟، أين وزير التعليم؟، أين إدارة الجيزة التعليمية؟، بماذا سيفيد التابلت فى وطن باع عقله للفاشية الدينية؟، هل خرجنا فى 30 يونيو لنزرع مشاتل إرهابية فى ربوع الوطن؟، هل سنظل نحصر الإرهاب ونحاصر الإرهابيين فى تنظيمات سيناء فقط؟، أم أن هناك مستنقعاً فكرياً إرهابياً تبيض فيه الثعابين والحيات لتخرج من جحورها جحافل بالملايين تسمم آبارنا وتلدغ أحلامنا وتكسر عظامنا وتفرم أرواحنا وأحلامنا؟ خليكوا فى فستان رانيا يوسف العريان لغاية ما يجرفنا الطوفان.

القسم: 
المصدر: 

ثورة فى عالم علاج السرطان

عندما شُفى الرئيس الأمريكى السابق جيمى كارتر من سرطان المخ صرخنا جميعاً: «مش ممكن، مستحيل». كانت كلمة السر هى العلاج المناعى «immune therapy» المختلف تماماً عن الكيموثيرابى أو العلاج الكيماوى، وحتى عن العلاج الموجّه، إنه تحفيز جهاز المناعة الذاتى وخلايا «تى» القوية التى وظيفتها التهام العدو الغريب الشرس. قرر الأطباء علاج «كارتر» وقتها بدواء اسمه «Keytruda»، والذى كانت قد وافقت عليه هيئة الدواء الأمريكية 2014. ودون الدخول فى تفاصيل معقدة سنحاول أن نتعرف على طريقة عمل الدواء المناعى بطريقة مبسطة أرجو ألا تكون مخلة.

الخلية السرطانية الخادعة اللئيمة تحوِّل جيناً معيناً إلى جين آخر، هذا الجين يجعل الخلية تخبر جهاز المناعة بأنها سليمة، عندما يتم الضحك على جهاز المناعة يترك خلية الورم عائداً أدراجه هامساً لنفسه: «وأنا مالى». هذا الدواء يزيل هذا الخداع، ويخلع عنها هذا القناع، ويُفشل هذه الخطة، ويقول لجهاز المناعة: «الخلية دى بتضحك عليك»، فتذهب خلايا جهاز المناعة وتنقض عليها وتلتهمها. إنها فلسفة جديدة هى تحفيز جهاز المناعة الذاتى لأداء عمله الأصلى الذى أهمله وأحال نفسه إلى معاشه بإرادته. أمس الأول حدث فتح جديد فى علاج السرطان، ليس عن طريق العلاج الكيماوى، ولكن عن طريق العلاج المناعى أيضاً، وهو المستقبل فى علاج الأورام. كتب لى د. هشام الخياط شارحاً هذا الدواء الثورة فعلاً لا مجازاً، يقول د. هشام الخياط، أستاذ الكبد والجهاز الهضمى:

لأول مرة وافقت منظمة الأدوية والأغذية الأمريكية، بسرعة البرق، على دواء اللوراتريستنيب أو الفيتاركيفى، رغم أن مراحل التجارب الإكلينيكية الثالثة أو الأخيرة لم تكتمل بعد. الدواء هو باكورة نوع جديد من العلاج المناعى، ويأتى بعده دواء آخر اسمه إنتراستينيب، وهذه المجموعة من الأدوية تستطيع إحباط تكاثر الأورام السرطانية، خاصة أورام الرئة والثدى والقولون والرحم، عن طريق إحباط حدوث طفرة جينية فى الخلايا السرطانية تجعلها تتكاثر بدون حساب، عن طريق إحباط إنزيم هام يساعد على تكاثر الخلايا السرطانية إذا تم تنشيطه، وبعد حدوث طفرة جينية فى الخلية، وهذا الإنزيم هو إنزيم تربوميوسين كينيز، وإحباط هذا الإنزيم وعدم تنشيطه يؤدى إلى السيطرة على الخلايا السرطانية وإحباط تكاثرها، ودواء اللوراتريستنيب يؤدى إلى إحباط تكاثر أورام القولون والرئة والرحم والثدى. وقد أثبتت الدراسات أن نحو 75% من المرضى يستجيب، وأن نصفهم تكون استجابتهم كاملة وممتدة، وتكمن المشكلة فى أن تكلفة العلاج باهظة تصل إلى 32 ألف دولار فى الشهر، ولكن مع طرح الأجيال الثانية والثالثة من هذه المجموعة ستنخفض تكلفة هذا الدواء. وهذا الدواء لا يصلح لكل مرضى السرطان، إنه يصلح فقط للذين يعانون من طفرة جينية فقط، ويمكن إجراء اختبار لمعرفة المرضى الذين من الممكن أن يستجيبوا للعلاج من عدمه. طبعاً للأسف هذا الاختبار غير موجود فى مصر فى الوقت الحالى، ونطلب من المعامل والمستشفيات الكبرى توفير هذا الاختبار.

القسم: 
المصدر: 

الصين وغزو العالم بأطفال الكتالوج

استيقظ العالم منذ يومين على قنبلة علمية فجّرتها الصين التى تعمل فى صمت وسرية على التعديلات الجينية، وبعيداً عن الخطوط الحمراء التى وضعتها أوروبا وأمريكا، طفلتان «نانا» و«لولو» ومن خلال تقنية «كريسبر» وُلدتا هذا الشهر (نوفمبر)، وهما تتمتعان بصفة جينية وقائية، حيث تم إجراء تعديل وراثى، بما يتيح لهما مناعة من الإصابة بفيروس «الإيدز»، تمت التجربة بجامعة جنوب شنزن للعلوم والتكنولوجيا، لكن ما هى تقنية كريسبر تلك التى أحدثت ثورة ستحيل قريباً رفوف الأدوية فى الصيدليات إلى المعاش؟، CRISPER هى اختصار لـClustered Regularly Interspaced Short Palindromic Repeats، وترجمتها التكرارات العنقودية المتناوبة منتظمة التباعد، ليس المهم الترجمة العلمية المعقّدة، لأن شرحها يحتاج مجلدات، لكن تلك التقنية الثورية ببساطة تعلمناها من البكتيريا التى عندما يغزوها الفيروس تقوم بقص جزء من حمضه النووى لكى تقاومه، اكتشفها اليابانيون، وهى باختصار عبارة عن مقص بيولوجى يذهب لتكرارات معينة فى جزء معين من الـ«دى إن إيه» ونبتره، هذا الجزء معطوب، أو سيمثل خطراً فى المستقبل.. إلخ، وبعد القص يأتى لصق التكرار أو الجين السليم، لأن الجين ببساطة هو تكرارات حروف معينة على الشريط الوراثى، بالطبع ما شرحته هو تبسيط مخل، لن يغنى عن قراءة تلك التقنية بالتفصيل، لكن لا بد من حكى حكايات أخرى طريفة وصادمة، هناك حكاية الإعلان الجينى!!، الإعلان هو موقع على الإنترنت لا يبيع محمولاً أو «لاب توب» ولا يروج لغسالة أو سيارة أو كومباوند، إنما يبيع لك كتالوجك الوراثى، وكتالوج طفلك المنتظر، تفصيله عند ترزى الجينات وشجرة عائلتك المبجلة وأصلها وفصلها حتى لو كانت من مجاهل أفريقيا!! كل ذلك بـ99 دولاراً فقط (يا بلاش)، ومن خلال عينة لعاب، يعنى من خلال بصقة ستعرف جدك وتفصّل ابنك!!، الموقع هو https: //www.23andme.com. التفاصيل تقول إن شركة أمريكية تدعى andme23 تقدمت بطلب للحصول على براءة اختراع لتقنية تتيح للآباء اختيار صفات أبنائهم، أو هندسة صفات الأطفال، حيث يمكنك اختيار لون العين، المناعة ضد عدد من الأمراض الشائعة، القابلية على الرياضات البدنية، قابلية التعرّض لسرطان الثدى.. وغيرها من الصفات. الشركة المذكورة متخصّصة فى الأبحاث الجينية، ولديها طريقة لعمل فحص DNA عن بُعد، إذ تشترى عدة الفحص بـ99 دولاراً، وترسل عينة اللعاب إليهم، ليخبروك بالنتيجة، بأقاربك الذين لا تعرف بوجودهم، أو قابلية إصابتك بمرض السكرى، ومعلومات أخرى من خلال تحليل جيناتك، الصين كما هو المعتاد لن تترك أمريكا فى حالها، ولا بد من تقليدها، بل التفوق عليها، خاصة فى مجال تصنيع الطفل السوبرمان وتنمية الذكاء عن طريق البيوتكنولوجى، وهذا يعيدنا إلى أصل حكاية «نانا ولولو»، فالعلماء فى مركز BGI Shenzhen، وهو أكبر مركز للبحوث الجينية فى الصين، جمعوا عينات من الحمض النووى (DNA) من ألفى شخص يتم اختيارهم من بين أكثر الأشخاص ذكاءً فى العالم، وهم يدرسون حالياً العوامل الوراثية الخاصة بهم، فى محاولة لتحديد الصبغيات الوراثية التى تحدّد الذكاء البشرى، وحسب التقارير، يبدو أنهم على طريق اكتشاف المعلومات التى يحتاجونها، وعندما يحصل ذلك، وتحديداً من خلال تصوير الجنين، وهو فى مراحله الأولى، يمكن للوالدين اختيار أذكى خلاياهما الملقحة، وبالتالى سترتفع معدلات ذكاء أطفالهما بمقدار 15 نقطة فى اختبار معدل الذكاء (IQ TEST) فى كل جيل. وفى غضون بضعة أجيال، سيصبح التنافس مع الصينيين على المستوى الفكرى أمراً مستحيلاً، اختيار الأشخاص الذين تُؤخذ منهم الجينات تم وفق مواصفات محدّدة، ويهتم العلماء الصينيون بجينات الأذكياء من الصين وأوروبا بشكل خاص، فيذهب المتخصّصون فى علم الجينات من الصين إلى المؤتمرات العلمية فى أوروبا، ويحددون مدى ذكاء هذا العالم أو ذاك، من خلال الكلمة التى يلقيها، ثم يطالبونه بإرسال سيرته الذاتية وجميع أعماله وما أنتجه خلال مسيرته إلى المركز الصينى، وبعد ذلك عليه اجتياز اختبار يحدّد مدى أهمية استحقاق جيناته لأن تدخل فى برنامج تطوير الذكاء. العالم يبحث عن طفل أذكى وأقوى وأسعد وأكثر صحة، إنهم يجمعون الأطفال مثلما يجمعون السيارات، وسيتفوقون هنا مثلما تفوقوا هناك.

طبعاً من حقهم، لكن السؤال، أين نحن؟!، ما زلنا غارقين فى قضايا أكشاك الفتوى وحديث الذبابة، وهل إصدار صوت إسكندرانى من الأنف حلال أم حرام؟؟!، خلاص خسرنا السباق، فلا نريد أن نخسر الحياة ونفقد البقاء أيضاً.

القسم: 
المصدر: 

فريدة الشوباشى وقصص الكريستال

قاتل الله معارك السياسة والكتابة الصحفية فى أمورها المتشابكة وسرابها الخادع ودروبها المعقدة، أردد تلك الجملة كلما قرأت لكاتب أخذته ندّاهة السياسة من واحة موهبته الفنية، آخر من رددت مع كتابها تلك العبارة هى الكاتبة المرموقة فريدة الشوباشى، التى نعرفها كمقاتلة جسورة متمردة فى مجال الكتابة السياسية فى الصحافة، لكنى اكتشفت كنزاً مخبوءاً خلف أدغال تلك السياسة، وهو فن القصة القصيرة، حين قرأت مجموعتها القصصية «حبيبى الذى كان»، جذبتنى كالمغناطيس، وبدأ قناع السياسة يسقط رويداً رويداً عن خيالى وتظهر ملامح كتابة قصصية بكر طازجة كالرغيف الساخن الشهى، لقطات ذكية، شجن نبيل يغلف كل سطر فى تلك المجموعة البديعة، عين نسائية مغرمة بالتفاصيل، تتسلل إليك برشاقة وعذوبة كقط صغير يتدفأ فى حضن صاحبته، ألوان شخصيات مختلفة التباين والتناقض، ولكنها مثل السجاد الشيرازى تتآلف ألوانه فى نسيج بانورامى متجانس ومبهر، أبطال ليسوا سوبرمانات لكنهم من لحم ودم، أبطال مغموسون فى ملح الدمع ومرارة الشجن، السيدة العجوز التى تعيش وحيدة وتعشق الترباس، تعيش فى رعب مزمن من اللصوص والقتلة، فتغلق كل أبواب شقتها ويسكنها هذا الوسواس القهرى، هى فى صراع مع برودة الوحدة، الترباس سيجعل جثتها عندما تموت محبوسة فى زنزانة الإهمال، لذلك لا بد أن تفتح الترباس، الوحدة قاتلة لكن الإهمال أكثر شراسة فى القتل، ومن الترباس للمفتاح، حلم الزوجة بسيط جداً، مجرد مفتاح لشقتها الخاصة هرباً من الانتظار أمام شقة أسرة الزوج حتى يؤذن لها بالدخول، فهى تسكن مجرد غرفة فى مسكن الأسرة، انتقلت فى نهاية القصة إلى الصالة لأن شقيق الزوج وجد بنت الحلال، وما زالت هى لم تجد المفتاح الحلم، قصة عن قبلة بدلاً من أن تقرب حبيبين أبعدتهما واغتالت حبهما، وكأن كهرباء القبلة كشفت زيف العلاقة، وتحتل العلاقات المزيفة الخادعة جزءاً كبيراً من تلك المجموعة، فهناك من قابلت حبيبها القديم فى حفل زفاف مع زوجته وكيف تحول من رجل واثق فى نفسه إلى فأر مذعور فى جحره، تستطيع فريدة الشوباشى بقلمها الرشيق وبفضول المرأة النافذ إلى الأعماق أن تفضح ازدواجية الرجل الشرقى المتينة، فى قصة تجربة ظل الزوج يبرر برود العلاقة بأن زوجته ليست أنثى، استفز فى داخلها طاقة الإغواء، فضحت الكاتبة تلك الشيزوفرينيا الذكورية المصرية، حين قالت تلك الجملة الرصاصة» ظلت طوال الطريق تحاول فك شفرة الشيزوفرينيا الشرقية بين الرغبة المُلحة فى أن يكون الأول وبين الطموح بأن تكون الحبيبة متمرسة فى اللحظات الحميمة!!.

المجموعة القصصية لفريدة الشوباشى كقطعة الكريستال التشيكى كلما نظرت إليها من زاوية، منحتك ألقاً جديداً ولوناً مختلفاً.

القسم: 
المصدر: 

واحة الخرافة راحة.. وألق العقل قلق

الأكاذيب مريحة ووسادة الخرافة من ريش النعام، تهدهدك وتخدرك فتحلم أحلاماً سعيدة حتى وإن استيقظت على كارثة ووجدت أصابعك تحترق، فأنت ستظل تعشق أفيونها اللذيذ وطراوتها الحاضنة لأنها تلبى داخلك غريزة الكسل المزمن والحصول على المكسب السهل، العقل مجهد، يمنحك صدمة القلق فترتعش عضلة الفعل، وسادة العقلانية والعلم والمنطق مصنوعة من مسامير الفقير الهندى، توقظك وتقلقك وأنت خارج الكهف، تحميك من الضوارى والوحوش والهوام والحيات، استقرار الخرافة موت، وتوتر العقل حياة، التفكير بالتمنى هو أكثر الأوبئة انتشاراً فى مجتمعاتنا، يتفوق على الإنفلونزا والطاعون والكوليرا، يمنحك عالماً موازياً، يجعلك عنيفاً شرساً فى رفض المنطق العقلانى، تظل طوال حياتك فى معاناة من أرتيكاريا الواقع، التفكير بالتمنى كهف آمن، على جدرانه نفس الصور وذات النقوش، ممنوع فيه ساعات الحائط أو ثقوب نفاذ ضوء الشمس، فكلها أدوات تنبهنى إلى فضيلة التغيير التى أكرهها، التقدم والتحضر والحداثة لم تتحقق إلا بالخروج من كهف الأكاذيب المريحة والخرافات اللذيذة والأوهام المخدرة، الحلم مختلف عن التفكير بالتمنى، الحلم مستقبلى لكنك تعرف أنك عاجز فى الحاضر عن تحقيقه فتجتهد للتغيير، لكن التفكير بالتمنى هو اجترار ماضٍ سحيق وتخيل أن كل الإجابات المأخوذة من جراب أمنياتك هى الصحيحة، تعكسها على الواقع رافضاً أى إجابة أخرى تضعك فى مواجهة تحتاج جهداً للتغيير وتصدمك بأن الصورة ليست وردية كما تتخيل، تخرج من المسجد بعد الدعاء على اليهود وأنت منتصر فى حربك ضد إسرائيل، مكتفياً بعنف اللفظ هارباً من قسوة المنافسة، يحفزك الداعية ويستفزك لكى تنجب أكثر حتى ولو كان المصير هو الشارع حتى نباهى الأمم بأعدادنا الأرنبية فتطمئن أن الرزق يولد معهم كالتوأم الملتصق!، عالم التشريح حين ذهب إلى باليرمو ليفحص عظام القديسة «روزاليا» التى تشفى الأمراض وتحمى من الطاعون وتلبى دعوات المؤمنين وتحقق المعجزات، وجد أن تلك العظام تشريحياً هى عظام ماعز!، رفض أهل باليرمو كلام عالم التشريح الكافر المهرطق فقد كانت القديسة فضلاً عن معجزات الشفاء المزعومة تدر دخلاً سياحياً رهيباً لسكان باليرمو، نحن المسلمين استوردنا باليرمو القديسة ولم ننتبه لباليرمو عالم التشريح!، عندما واجه السكان الذين كان يحصدهم وباء الجدرى اللعين «إدوارد جينر» صاحب نعمة التطعيم ضد هذا الوحش الكاسر، واجهوه بكلام القديس أوغسطين الذى قال إن «جميع أمراض المسيحيين يجب أن تعزى إلى الشياطين، التى تعذب المسيحيين حديثى التعميد!!»، الأب المهدد بفقدان ابنه نتيجة الجدرى يصدق أوغسطين ويهاجم جينر!، كل هذا من أجل ألا تسقط قلعة الوهم، هل يمكنكم تخيل أن البابا «أربان الثامن» الذى كان وراء محاكمة وسجن جاليليو واعتبره عدوه الشخصى لأنه قال بدوران الأرض حول الشمس، هذا الذى لم يصدق علم جاليليو، هو نفسه تبنى معجزات المبشر «فرانسيس كسافييه» ومنحه لقب القديس لأنه حول الماء المالح إلى عذب وأوقف العاصفة بصليبه وأضاء المصابيح بالماء المقدس!، هو نفس المخ وكأنه يمتلك فصين، فص إسفنجى تتسلل إليه الخرافة بكل يسر وسهولة، وفص جرانيتى يقاوم العلم بكل عناد وصلابة، حتى الطاعون الأسود كانت الكنيسة فى القرون الوسطى تخدع أهالى الضحايا بأن العلاج هو منح أراضٍ أكثر لها، وأن غضب القديسين هو السبب، ففى عام 1680 كما يذكر برتراند رسل فى كتابه «الصراع بين العلم والدين» قيل إن سبب الطاعون هو غضب القديس سباستيان، وأحياناً كان علاج الطاعون هو قتل وإحراق اليهود، يذكر رسل أنه قد قُتل فى بافاريا اثنا عشر ألف يهودى وأُحرق فى ستراسبورج ألفان للخلاص من الطاعون!، وللتخلص من الطقس السيئ كانوا يحرقون أسبابه، وكانت تلك الأسباب قديماً ليست هى تكثف السحب أو تيارات الهواء أو حركة الرياح... الخ، إنما هى الساحرات، وعندما انزعج الملك جيمس الأول هو وزوجته من العواصف أثناء العودة من حفل زفاف فى أوسلو، لم يتعب عقله أو يجهد تفكيره، واتهم د.فيان الذى اعترف تحت التعذيب بأن الساحرات هن السبب، وعندما تراجع عن اعترافه، نزعت أظافره ووضعت فى أماكنها إبر حديدية، وأجبروه على ارتداء حذاء حديدى ضيق لتتهشم عظامه إلى قطع صغيرة، ثم أخذوه فى عربة إلى أدنبرة حيث خُنق ثم أُحرق!!، كل هذا لمجرد إرضاء غدة الخرافة وعدم شغل الدماغ فى بحث عن أرصاد جوية وتحليلات طقسية ونبوءات فلكية!، وراحة الخرافة فضلاً عن تحقيقها للذة التفكير بالتمنى، فهى أيضاً مريحة ولذيذة فى سريتها وشفرتها واحتكار البعض لبيعها وتسويقها وشرحها، كلنا يتخيل أن تهمة جاليليو هى تأكيد نظرية كوبرنيكوس فى دوران الأرض حول الشمس فقط، هناك تهمة ثانية غير مشهورة، وهى أنه قد ألف كتابه باللغة الإيطالية وليست اللاتينية!، كيف يؤلف بلغة الناس ولهجة الشارع؟، كيف يجرؤ أن يوصل المعلومة إلى الناس ويصبح العلم مستباحاً، وتنتزع سلطة المنح والمنع والشرح والتلغيز والتفهيم من رجال الدين!؟، أراد جاليليو عملياً بكتابه المكتوب بلغة لا تتعالى على قومه أن يحقق حلم فرانسيس بيكون فى تحطيم الأصنام الأربعة، صنم القبيلة وأن معتقدات جماعتى هى الحقيقة المطلقة، وصنم الكهف حيث معتقداتى الخاصة التى لم تخُض التجريب خارج كهفى الخاص هى الصدق المطلق، وصنم السوق حيث يرسخ الزيف عبر تواصل الحمقى الجهلاء، وصنم المسرح حيث يقف الملقنون على خشبته يزيفون وعينا ويمسحون أدمغتنا بحجة أنهم وسطاء السماء، لكن ناقوس اللاعقلانية كما قال «كارل ساجان» هو دائماً الأعلى صوتاً والأكثر جذباً، الخرافة راحتها أيضاً فى ادعائها المتبجح بأنها مطلقة تحمل العصا السحرية لحل كل المعضلات والمشكلات بمجرد ضغطة زر على كى بورد الأمنيات، يقول أجمل وأروع من بسط العلوم على كوكب الأرض «كارل ساجان» عن تلك الحقيقة المطلقة «يتوق البشر إلى الحقيقة المطلقة، يتطلعون إليها، وقد يزعمون، كما يزعم المنتمون إلى بعض الأديان، أنهم قد وصلوا إليها، لكن تاريخ العلم، وهو أنجح وسيلة للمعرفة متاحة للإنسان، يعلمنا أن أقصى ما يمكن أن نصبو إليه هو التحسين المستمر لفهمنا، وتعلمنا من أخطائنا، والمقاربة المستقلة للكون، على شرط أن نعلم أن اليقين المطلق سيهرب منا دائماً، سوف نستمر فى الوقوع فى الأخطاء، لكن ما يستطيع كل جيل أن يأمله هو خفض هامش الخطأ قليلاً»، إننا فى هروبنا من مواجهة الواقع بالعلم النسبى والارتماء فى أحضان الأفكار المطلقة والخرافات المريحة، مثلنا مثل الجندى الذى يهرب من رصد طائرات ورادارات الأعداء بارتداء نظارة سوداء!، نسبية الأفكار تنقذك من رصاصات الموت فى غابات التخلف وتحميك من الانقراض، عش حياتك بالحقيقة التقنية التجريبية النسبية لا المطلقة، اترك يقين التأكيد لصالح الترجيح، اجعل مرجعيتك الملاحظة وليس ما يُصَب فى أذنيك وعقلك من نصوص تصدقها لمجرد أن قائلها قرر أن يصبح عاطلاً ليتفرغ لمهمة هدايتك ويتكسب من تأنيبك وتذكيرك الدائم بأنك مجرد حشرة مصيرها الحرق فى أتون المذنبين، وهو بالطبع من لديه تحديد هؤلاء المذنبين، وعندما فشل زرع إحساس الذنب المزمن لأهل أوروبا فى جعل المؤسسة الدينية محمية من سهام النقد، اضطرت تلك المؤسسة إلى الاعتذار تلو الاعتذار، والتنازل تلو التنازل، تارة لمارتن لوثر الذى سحب السلطة منها، إلى تقديم الاعتذارات لجاليليو وداروين، وكما وصف برتراند رسل تلك الاعتذارات والتنازلات بأن الدين قد سلم حصونه الأمامية لكى تظل القلعة سليمة، ومؤكداً فى كتابه «الصراع بين العلم والدين» بوصف أدق وأعنف ما كان يحدث من الكنيسة وقتها على أنه «جهل منظم يمنح رائحة طهارة للأخطاء التى ما كان ينبغى أن تحيا فى عصر متنور»، المعركة الآن ضد الجهل والتخلف أكثر صعوبة لأن القلعة صارت حصونها ومتاريسها تستخدم أكثر أساليب وتقنيات العصر تقدماً لنشر أكثر الأفكار رداءة وفاشية وتدميراً، المعركة صعبة لكن التاريخ يؤكد أنها محسومة لصالح التنوير.

القسم: 
المصدر: 

هل هذا ثلاثة أرباع الدين حقاً؟

سؤال أسأله إلى كل مَن أشار إلى أن كتب الأحاديث، وعلى رأسها البخارى، تمثل ثلاثة أرباع الدين، أسأله بدافع الرغبة فى التعلم، أسأله لقتل الحيرة، أسأله لأستطيع أن أرد على كل مستشرق يُشكك أو غربى ينتقد، هل ما سأذكره من الموجود فى البخارى يمثل تلك النسبة الغالبة من الدين حقاً؟، 75% نسبة ليست قليلة، ولذلك وجب السؤال عن تلك الأحاديث، وأنتظر الإجابة، أقدم لكم علماءنا الأفاضل تلك الأحاديث لعلكم تنيرون الطريق لأمثالى ممن أوجعهم العقل، ويخافون أن يعيشوا بقية حياتهم بربع دين بعد أن أوهمونا بأننا بمجرد الزواج قد استكملنا النصف:

حدثنا إسحاق بن نصر، قال حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ثم كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فخرج موسى فى إثره يقول: ثوبى يا حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضرباً.

فقال أبوهريرة: والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة ضرباً بالحجر.

«فواللهِ ما تنخَّمَ رسول الله نخامةً إلاّ وقعت فى كفّ رجلٍ منهم فدلكَ وجهه وجلده...».

حدثنا عروة بن الزبير: قال «حدثنا عمرو الناقد وابن أبى عمر قالا حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أَرَى فِى وَجْهِ أَبِى حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ وَهُوَ حَلِيفُهُ، فَقَالَ النَّبِىُّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرْضِعِيهِ.

قَالَتْ: وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟.

فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ».

حدثنا ‏نعيم بن حماد،‏ ‏حدثنا ‏هشيم،‏ ‏عن ‏حصين‏، ‏عن ‏عمرو بن ميمون ‏‏قال:‏ «رَأَيْتُ فِى الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ، قَدْ زَنَتْ، فَرَجَمُوهَا، فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ».

«الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء».

عن أبى هريرة، رضى الله عنه، عن النبى قال: (التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: «ها» ضحك الشيطان).

«مَن أكل حين يصبح سبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر».

«إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم».

عن أنس بن مالك، قال: «قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِىُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا، قَتَلُوا رَاعِىَ النَّبِىِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الخَبَرُ فِى أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِى آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِىءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِّرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِى الحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَلاَ يُسْقَوْنَ».

عائشة رضى الله عنها قالت: «سُحِرَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّىْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ، حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا، وَدَعَا ثُمَّ قَالَ: أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِى فِيمَا فِيهِ شِفَائِى؟ أَتَانِى رَجُلانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِى وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَىَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ؟ قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ.

قَالَ: فِيمَا ذَا؟ قَالَ: فِى مُشُطٍ وَمُشَاقَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ.

قَالَ فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِى بِئْرِ ذَرْوَانَ.

فَخَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ: نَخْلُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ.

فَقُلْتُ: اسْتَخْرَجْتَهُ؟ فَقَالَ: لا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِى اللَّهُ، وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ شَرّاً، ثُمَّ دُفِنَتْ الْبِئْرُ».

عن أنس بن مالك قال: «كان النبى صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه فى الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة»، قال: قلت لأنس: أوَكان يطیقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين.

هذا بعض من فيض، وعذراً على إزعاج العلماء، وفى انتظار الإجابة.

القسم: 
المصدر: 

ميكى ماوس والفويسقة

ليست مصادفة أن يحتفل العالم هذا الشهر بمرور تسعين سنة على ظهور شخصية ميكى ماوس، ونحتفل نحن المسلمين بمرور عشر سنوات على تكفيره، هناك كرَّموه وهنا كفَّروه.. ظهر «ميكى» للمرة الأولى على الشاشة الكبيرة فى فيلم «القارب البخارى ويلى» 18 نوفمبر 1928، وقد عرض الفيلم الكارتونى الذى أطل منه «ميكى ماوس» على العالم، وهو من أفلام الأبيض والأسود، ومدته ثمانى دقائق، لأول مرة فى دار عرض «كولونى ثياتر» بمدينة نيويورك، واحتفالاً بعيد ميلاد «ميكى ماوس»، افتتحت «ديزنى» معرضاً فنياً على مساحة 16 ألف قدم مربع فى مانهاتن، لتقدم من خلاله أعمالاً فنية أصلية ومجسمات لالتقاط الصور معها وسلعاً تذكارية. ويستمر المعرض حتى العاشر من فبراير المقبل. فى نوفمبر 2008 انطلقت فتوى قتل وتكفير ميكى ماوس، فقد هاجم رجل الدين السعودى ذو الأصل السورى محمد المنجّد الفئران بضراوة داعياً إلى قتلها فى الحل والحرم بوصفها ممقوتة فى الشريعة الإسلامية وهى من جنود إبليس، وحذر المنجّد فى فتواه الأطفال من الإعجاب بشخصيات الفئران التى اشتهرت عبر الأفلام الكارتونية أمثال ميكى ماوس، وجيرى، وأشار إلى أن الفئران كائنات ممقوتة وأن هذه الرسوم المتحركة حببت الأطفال بها وأصبحت شخصيات عظيمة بنظرهم بينما يجب قتل الفأر فى الحل والحرم، وقال المنجد إن الشريعة الإسلامية سمَّت الفأر «الفويسقة»، وإنها تضرم على أهل الدار النار وإن الشيطان يسيّر هذه الفأرة وأنها من جنود إبليس. انتهت فتوى المنجد ولكن حتى هذه اللحظة لم ينتهِ منهج التفكير الذى يفتى فى مشكلات العصر من خلال كلام القدماء الفقهاء، عندما تقرأ السيرة الذاتية لهذا الشيخ تجد أنه قد تتلمذ على يد كبار العلماء مثل الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ عبدالله بن عبدالرحمن بن جبرين، والشيخ صالح بن فوزان آل فوزان، والشيخ عبدالرحمن البراك، أى إنه ليس فرداً شارداً إنما هو تيار ومنهج ودرب، وقتها كانت هناك عمليات انتحارية تتم من مسلمين فى مسلمين، وأقليات تُنتهك، ومليارات تُصرف على موائد قمار الغرب من أثرياء عرب، وأطفال يتضورون جوعاً فى الصومال، لكن الشيخ اهتم بميكى ماوس الفاسق الفويسقة، الفأر عمره الافتراضى فى المتوسط ثلاث سنوات لكن الإبداع والفن سيجعله يعيش ثلاثة آلاف سنة، تعالوا نخرج من فتاوينا الظلامية لنتابع أنوار احتفالاتهم هناك فى الضفة الأخرى من البحر والمحيط بميكى ماوس، طرحت سبعة ملصقات إعلانية قديمة ممزقة ونادرة لـ«ميكى ماوس» فى مزاد، حيث من المتوقع بيعها بآلاف الدولارات، وعرضت الملصقات السبع التى تعود للثلاثينات والأربعينات فى معرض تذكارى نظمته مؤسسة «ديزنى». وستعرض الملصقات للبيع فى مزاد لمؤسسة «سوذبيز» على الإنترنت يستمر حتى 26 نوفمبر، وتشير قائمة للأسعار وردت فى بيان من شركة «وولت ديزنى» بإنجلترا وأيرلندا إلى أن الملصقات قد تباع فى المجمل بأكثر من 130 ألف جنيه استرلينى.

كل سنة وأنت طيب يا ميكى والحمد لله إن وولت ديزنى شركة إنتاج أفلام لا إنتاج فتاوى.

القسم: 
المصدر: 

هوس الاتباع وفوبيا الإبداع

«إلجام العوام عن علم الكلام» لم يكن مجرد كتاب للغزالى، بل صار منهج تفكير سيطر على العقل الإسلامى حتى هذه اللحظة، علم الكلام أى الفلسفة، والفلسفة تعنى التفكير النقدى. وهذا قد يؤدى -والعياذ بالله- إلى الإبداع والبدعة. لم تُحمَّل كلمة بكل هذا الكم من سوء السمعة مثل البدعة، صار لدينا هوس الاتباع وفوبيا الإبداع، عشق الانصياع والانسحاق والتقليد، وكراهية البدعة. امتلأت كتب الأقدمين بمعلقات الهجاء للبدعة وفردانية التفكير، وصارت كراهيتها فرض عين على كتب التراث والفقه. سنختار من بستان الصبار التراثى ما لذ وطاب من تلك الثمار:

إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فى النار.

ما أراد صاحب بدعة اجتهاداً إلا ازداد عن الله بُعداً.

البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يثاب عنها والبدعة لايثاب منها.

خير القرون قرنى.

المتأخر لا يبلغ من الرسوخ فى علم ما بلغه المتقدم.. هذا القول على لسان الفقيه المستنير الشاطبى!!

ومن كتاب تلبيس إبليس «من سمع من مبتدع لم ينفعه الله بما سمع، ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروة عروة»، و«من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه».

قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم.

إن الشيطان مع الواحد.

الشيطان مع من يخالف الجماعة.

قف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا، واسلك سبيل السلف الصالح.

نكتفى بهذا القدر كمقدمة لبيان كم نكره الإبداع ونعانى من فوبيا الحداثة. نحن نعشق التحديث ونكره الحداثة، نستخدم كل الأدوات الحديثة والتكنولوجيا الحديثة لكن بدون منهج وفكر الحداثة، نُعجب بمنتج الإبداع ونعادى بشراسة المنهج الإبداعى الذى وراء هذا المنتج. الإسلام بدأ كثورة تغيير فى القيم والأنساق الفكرية حينذاك، لكننا اعتقلناه فى نفس الزنزانة وحنطناه عند ذات اللحظة، فتحول كما قال أركون من طاقة تغييرية إلى تصور ثبوتى للحقيقة، إلى تصور ملجوم ومسجون لها.

دفعنا -نحن المسلمين العرب- بعد تفجر آبار النفط عندنا أثمان وتكلفة حفارات البترول، ولكننا لم ندفع تكلفة حفارات الفكر، لم نقلب أرض الفكر ولم نحرث تربة الماضى والتراث، اكتفينا بالفرجة على السطح وارتعشنا وفزعنا من مغامرة الهبوط إلى الأعماق واقتحام المناجم. ننتظر بركان المنجم أن يقذف إلينا من حممه الخير، ونمنى أنفسنا بالنعيم المنتظر، ولا نفكر أو نجرؤ للحظة أن نلقى بالسلم ونهبط ونستكشف، وهذا ما ثبّته ورسخه وعمّقه أكثر البتروإسلام كما أطلق عليه أستاذ الفلسفة د. فؤاد زكريا. خلطنا بين احترام النص وسجن النص، تركنا الإمعان فيه إلى الإذعان له، توهمنا أن وجود مفردات المظاهر العلمية ولافتات أكاديميات البحث العلمى يعنى أن لدينا وعياً علمياً. الحقيقة أن لدينا وعياً خرافياً إن جاز التعبير وتزاوج الوعى والخرافة، الوعى العلمى غائب حتى ولو توافرت آلاف المعامل والجامعات ومراكز البحث، فنحن لا نؤمن بالعلم كمرجعية حاكمة، ولكننا نؤمن بحاكمية من نسميهم علماء الدين كمرجعية شاكمة! قدمنا التذكر على التفكر، فصرنا حفظة لا مبدعين، صارت مجتمعاتنا مثلثات مغلقة ذات زوايا حادة وليست قوس قزح الذى يحتضن كل ألوان الطيف ويسمح بتسلل الرماديات، حوّلنا المدرسة إلى سيرك ترويض لا سماء تحليق، غلّبنا النمطى على المتفرد، عشنا فى رهاب المعرفة وعقلية الوصاية فقتلنا الإبداع، ما زلنا لم نتخطَّ مرحلة الوصاية التى تنقلب إلى فزع على أفكارنا المتحفية والرعب من أن تندثر.

بولس الرابع مات عند الأوروبيين وهو من فرض قائمة بابوية بالكتب المحظورة التى يحرم قراءتها إلا بإذن كنسى، لكن بولس الرابع صار مليون بولس عند المسلمين، وصار يصدر ملايين الفرمانات القمعية نتيجة الفوبيا المعرفية. لكن السؤال الذى يفرض نفسه: لماذا تحول شهداء السؤال والفضول والتمرد فى أوروبا إلى وقود تنوير بينما تحول شهداؤنا إلى حطب غير قابل للاشتعال والإضاءة؟! فقد أُحرق المصلح الدينى التشيكى يان أو يوحنا هس فى 6 يوليو 1415، لأنه تبنى آراء ويكليف الخمسة والأربعين المعارضة لمعتقدات الكنيسة، وبعد أن قضى فى السجن سبعة أشهر بتهمة الهرطقة وأُعطى الأمان، أُحرقت كتبه وسيق إلى حيث أشعلت النار وطُلب منه أن يتنازل عن آرائه وهرطقته، فرفض، فتم إلقاؤه فى النار، وكذلك الفيلسوف ميشيل سيرفييه الذى أُحرق فى جنيف 1553 لأنه عارض التثليث، وفى 1600 وداخل ساحة كامبو دى فيورى بروما أُحرق المصلح الدينى والفيلسوف جوردانو برونو الذى كان شهيد التنوير بحق، فهو لم يُحرق من أجل خلاف لاهوتى فى الطقوس، ولكن لأنه اعتنق أفكار كوبرنيكوس الثورية عن دوران الأرض، ومهّد الطريق لرفيقه فى الفكر والوطن جاليليو الذى أمسك بالشعلة واستوعب الدرسين من برونو، الدرس الأول علمى حيث تبنى رأيه العلمى، والدرس الثانى حياتى، حيث فرّ من الحرق حياً بالاعتذار إلى الكنيسة إلى العزلة والسجن حتى مات، ثم اعتذرت له الكنيسة فيما بعد. أما ضحايانا من المسلمين الذين طرحوا الأسئلة وتشككوا، فما زلنا حتى هذه اللحظة لم نعتذر لهم حتى تمثيلاً أو خداعاً حتى على المستوى الفكرى. لا نطمح لمؤتمر اعتذار مثلما فعل البابا لجاليليو، ولكننا كنا نطمح لاعتذار غير احتفالى على المستوى الجمعى الفكرى، فغيلان الدمشقى الذى تبنى مبدأ الحرية الإنسانية ضد جبر القضاء والقدر الذى أعفى به الحكام أنفسهم من مغبة ما يحدث من مظالم على الأرض وردها إلى القدر، ماذا فعلوا به؟ اعتقله هشام بن عبدالملك وفى مجلس الخلافة زعق فيه: مد يدك، فمدها غيلان، فضربها الخليفة بالسيف فقطعها، ثم قال: مد رجلك، فمدها، فقطعها الخليفة بالسيف الباتر، لكن هل دخل إحساس الندم حتى لرجل الشارع العادى ولا أقول للحاكم؟ للأسف لا، فبعد أيام مر رجل بغيلان وهو موضوع أمام بيته بالحى الدمشقى الفقير، والذباب يقع بكثرة على يده المقطوعة، فقال الرجل ساخراً: يا غيلان، هذا قضاءٌ وقدر! فقال له: كذبت، ما هذا قضاء ولا قدر، فلما سمع الخليفة بذلك، بعث إلى غيلان من حملوه من بيته، وصلبه على أحد أبواب دمشق، وفرح علماء السلطان بمقتله وقالوا: «إن قتله أفضل من قتل ألفين من الروم!»، أما ابن عساكر فيوم أن حاول أن يخفف من وقع كلماتهم قال: «لقد ترك غيلان هذه الأمة فى لجج مثل لجج البحار»!، يعنى مدان مدان يا ولدى غيلان، فبدلاً من أنك حركت الراكد، فسّروها على أنك قد أثرت الفتن! قبل غيلان التلميذ لاقى معبد الجهنى الأستاذ نفس المصير، لكن شهرة غيلان طغت على معبد الذى صُلب هو الآخر ولنفس السبب وهو الوقوف مع الحرية ضد الجبر، لكن هذه المرة كان الصلب من الأب عبدالملك بن مروان، لكن قبلها أرسل الحجاج إلى معبد الجهنى، وأخرجه من الحبس وكان يطعمه خبز الشعير والكرات والملح، قال له الحجاج: يا معبد كيف ترى قِسْمَ الله لك؟! قال: يا حجاج خلِّ بينى وبين قِسْمِ الله! فإنْ لم يكن لى قِسْمٌ إلا هذا رضيت به. فقال له: يا معبد، أليس قُيدتَ بقضاء الله؟ قال: يا حجاج ما رأيت أحداً قيدنى غيرُك، فأطلق قيدى فإنْ أدخلنى قضاء الله رضيت به». وبالطبع هاجمه رجال الدين بعنف ولم يبالوا بالصلب بل ابتهجوا، ففى كتاب الإبانة يوصف بأنه رئيس الضلال، ومكتوب فيه أنه «قد سبّه أكثر من عشرة من أهل العلم ولعنوه لعناً صريحاً بقولهم: لعنة الله على معبد، وقولهم: الملعون، وقولهم: معبد لعنه الله، وغير ذلك من ألفاظ اللعن المختلفة التى انصبت من سلف الأمة على هذا الرجل، ولا يلزم من اللعن الكفر، كما أنه لا يلزم من القتل الكفر، وربما يُقتل الرجل لبدعة عظيمة ابتدعها طار شررها، وعظم خطرها فى الأمة، فيُقتل من باب المحافظة على الأمة، ولخطورة البدعة، لا لكونه كافراً». يا له من حنان وعطف شُمل به معبد، أما الجعد بن درهم فهو من الممكن أن نضع عنواناً لقصته «عندما يضحون بالمفكر بديلاً عن الخروف»! فمن فوق منبر الجامع وقف حاكم البصرة خالد بن عبدالله القسرى فى يوم الأضحى، وبعد أن حمد الله وأثنى عليه، قال: أيها الناس انصرفوا إلى منازلكم وضحوا -بارك الله لكم فى ضحاياكم- فإنى مضحٍّ اليوم بالجعد بن درهم.. ثم حمل «سيفه» وذبحه أمام المصلين، لماذا؟ لأنه أراد أن ينزه الله عن الصفات مثل الخليل والكليم... إلخ بالتأويل، ولأنه قال بخلق القرآن، مجرد أن الرجل اجتهد وحاول فى علم الكلام الذى قلنا إن الحكام قد ألجموا العوام عن الخوض فيه، مجرد أن حاول أن يستخدم ما هو داخل الجمجمة وشرد عن القطيع كان مصيره الذبح، لكن المهم ماذا كان رأى الشارع فى هذا المشهد البشع ونافورة الدم تنفجر من شرايين رقبته؟ اقرأوا ابن القيم فى «الكافية الشافية»، فقد أثنى على «القاتل» خالد القسرى قائلاً: «ولذا ضحى بجعد خالد القسرى/ يوم ذبائح القربان/ إذ قال ليس إبراهيم خليله/ كلا ولا موسى الكريم الدانى/ شكر الضحية كل صاحب سنة/ لله درك من أخى قربان». ووصف آخرون الذبح بأنه «أفضل وأعظم أجراً من الأضحيات؛ لأن هذه فيها قطع لدابر الفتنة والشر والفساد، ثوابها أعظم من ثواب الأضحية»!!

طابور طويل قدم روحه على مذبح التنوير، هم اعتذروا لكن نحن لا، لماذا؟ لأن الاعتذار يحتاج المراجعة، والمراجعة تحتاج أن تقف على مسافة من تاريخك وتراثك تسمح لك بالنقد والمراجعة ورؤية ملامح وتفاصيل لوحة التاريخ، لكننا للأسف نعتبره مقدساً، نتصرف معه بتعلق الأطفال المرضى بلعبهم، ينتج عن هذا الموقف المرضى اعتبار الاعتذار إهانة للكرامة، فيزيد العناد، ونظل نحلم بالخلافة وبعودة الأندلس وغزو روما حتى هذه اللحظة، فمتى نتقن ثقافة الاعتذار وفن التراجع وموهبة المراجعة وفضيلة التخلى، بدون تلك الأشياء لن يوجد مستقبل.

القسم: 
المصدر: