خالد منتصر

أحمد مطر.. قصيدة لم تكتمل (3)

لم يمت الشاعر أحمد مطر بالسكتة القلبية، بل مات بالفرقة العراقية، لم تقتله جلطة القلب أو المخ، بل قتلته جليطة برابرة داعش الخارجين من كهوف آكلى لحم البشر، قضية أحمد مطر الرئيسية بل والوحيدة كانت هى الحرية، وهو من أجل عيون هذه الحرية نقل الشعر من شرفات العشاق إلى أقبية الزنازين، وحوله من أداة تطريب إلى أداة تحريض، وكل أمله كان أن يقتحم الشعر أحراش الواقع مرفوع الرأس، معتزاً بنفسه بدلاً من أن يدخل قصور الأثرياء مطأطئ الرأس يتسول فتات الموائد، وسنجعل أحمد مطر يقدم نفسه لمن لا يعرفه من القراء عبر نافذة كتاباته النثرية، يقول أحمد مطر:

* «أبحث عن التميز بحيث يكون للحبر رائحة دمى وللكلمات بصمات أصابعى».

* «الواقع ليس أرحم من شعرى، فالواقع زنزانة موصدة مكتظة بالدخان الأسود وكل ما فعلته، هو أننى وصفت هذا الواقع ودعوت إلى الخروج منه، فما ذنبى إذا كان الوصف يزعج اختناقكم؟ وما حيلتى إذا أمسيتم -لفرط التسمم- تعتقدون أن الدخان هو جزء من مسامات أجسادكم؟!!

* «غربتى بدأت بمولدى، وأحسب أنها لن تنتهى إلا إذا انتهت غربة أوطانى نفسها»

*«بيانات بطاقتى الشخصية كالتالى:

العمل: كنس العروش الفاسدة.

الحالة الاجتماعية: رب بيت.

الارتباط: بقضية كل إنسان ضعيف ومستلب.

مكسبى: احترامى لذاتى.

خساراتى: أرباح، أصبحت لكثرتها أغنى الأغنياء، ففى كل صباح أستيقظ فأجدنى معى، أحمد الله، ثم أبدأ بتفقد كنوزى، أدق قلبى الجريح، فترد كبريائى: «أنا هنا»، أتفحص جيبى المثقوب، تضحك أناملى لا تتعب نفسك لم أقبض صكاً من سلطان، أتلمس روحى، تبتسم آلامها، اطمئن لم يستطيعوا اغتصابى».

* «الموت مصير كل حى، وما دام الأمر كذلك، فلماذا يؤجل العاقل موته النظيف الذى يأتى مرة واحدة، ليواجه ألف موت قذر كل ساعة؟!!

* «من يحسنون السخرية هم أكثر الناس امتلاء بالأحزان».

* «الشاعر الذى لا يدرك أنه سلطة فوق كل سلطة، عليه أن يشتغل بأى مجال إلا الشعر».

* «الواقع السياسى العربى هو ملعب أمريكى يلعب فيه اثنان وعشرون لاعباً، فريق منهم فى الجهة الشرقية، وفريق فى الجهة الغربية والجمهور مربوط إلى الكراسى بقوة ممنوع عليه التدخين أو المشاركة أو الاحتجاج، ومسموح له فقط بأن يصفق أو يطبل أو يهتف: «يحيا العدل»!!!!!

وفى النهاية يودعكم «مطر» بعد أن هجر البيت وسكن الأبيات قائلاً:

فكرت بأن أكتب شعراً/لا يهدر وقت الرقباء

لا يتعب قلب الخلفاء/لا تخشى من أن تنشره

كل وكالات الأنباء/ويكون بلا أدنى خوف

فى حوزة كل القراء/هيأت لذلك أقلامى

ووضعت الأوراق أمامى/وحشدت جميع الآراء

ثم بكل رباطة جأش/أودعت الصفحة إمضائى

وتركت الصفحة بيضاء/راجعت النص بإمعان

فبدت لى عدة أخطاء/قمت بحك بياض الصفحة

واستغنيت عن الإمضاء.

حبسوه

قبل أن يتهموه/عذبوه

قبل أن يستجوبوه/أطفأوا سيجارة فى مقلته

عرضوا بعض التصاوير عليه:

قل لمن هذى الوجوه؟/قال لا أبصر

قصوا شفتيه/طلبوا منه اعترافاً

حول من قد جندوه/ولما عجزوا أن ينطقوه

شنقوه/بعد شهر برأوه/أدركوا أن الفتى

ليس هو المطلوب أصلاً/بل أخوه

ومضوا نحو الأخ الثانى/ولكن وجدوه

ميتاً من شدة الحزن/فلم يعتقلوه.


مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: 

أحمد مطر قصيدة لم تكتمل (2)

قديماً قال مكسيم جوركى «لقد جئت إلى هذا العالم لأعترض» وأحمد مطر من طائفة هؤلاء الشعراء الذين جاءوا إلى هذا العالم ليعترضوا، وكما هى كل الطرق تؤدى إلى روما، كانت كل الظروف تؤدى بأحمد مطر إلى هذا الطريق، طريق الشاعر المتمرد، فقد ولد أحمد مطر فى مطلع الخمسينات فى قرية التنومه بشط العرب فى البصرة، أرضعته هذه القرية حليب الشعر بطبيعتها الخلابة الغنية التى لا يكتفى نخيلها باحتضان البيوت بل يقتحم النوافذ وحجرات النوم، وكأنه يوقع بالأحرف الأولى على ميلاد شاعر عظيم، دخل مطر معترك السياسة فى الجامعة، وبدأ يلقى قصائده الملتهبة فى ساحاتها وندواتها وبين طلابها، بالطبع لم يتحمل نظام صدام حسين ذلك الشاعر المشاغب طويل اللسان فتم نفيه إلى الكويت، حيث عمل فى جريدة القبس، وزامل هناك صديق عمره وتوأم روحه رسام الكاريكاتير ناجى العلى، فصار يكتب هو فى الصفحة الأولى قصيدته القصيرة تحت اسم اللافتة، وهى قصائد مكثفة كل منها كالنواة التى تحمل كل أسرار الخلية وكل طلاسم الكون، وصار صديقه ناجى العلى يرسم الكاريكاتير فى الصفحة الأخيرة، بالطبع لم تحتمل السلطات العربية قلم مطر الحاد وريشة ناجى الفاضحة الجارحة فتم نفى الاثنين إلى لندن، وبعدها اغتيل ناجى العلى ليظل أحمد مطر نصف ميت ونصف حى، لكنه ظل حتى اللحظة الأخيرة رافضاً أن يكون بنصف لسان، برغم أنه يعرف جيداً أنه من الجيل المطارد المنبوذ الذى يسافر حاملاً الأمل إلى بلاد الغربة ويعود محملاً فى توابيت تحوطها الزهور الباردة وتزينها كلمات النقاد التى يتطهرون بها من ذنوبهم ولكن بعد فوات الأوان.

زار الوالى المؤتمن

بعض ولايات الوطن

وحين زار حينا

قال لنا

هاتوا شكاواكم بصدق فى العلن

ولا تخافوا أحداً فقد مضى ذاك الزمن

فقال صاحبى حسن

يا سيدى

أين الرغيف واللبن؟

وأين تأمين السكن؟

وأين توفير المهن؟ لم نر من ذلك شيئاً

قال الوالى فى حزن

أحرق ربى جسدى

أكل هذا حاصل فى بلدى

شكراً على صدقك فى تنبيهنا يا ولدى

سوف ترى الخير غداً

وبعد عام زارنا

ومرة ثانية قال لنا

هاتوا شكاواكم بصدق فى العلن

ولا تخافوا أحداً

فقد مضى ذاك الزمن

لم يشتك الناس

فقمت معلناً:

أين الرغيف واللبن؟

وأين تأمين السكن؟وأين توفير المهن؟

معذرة يا سيدى

وأين صاحبى حسن؟!


مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: 

أحمد مطر.. قصيدة لم تكتمل (1)

مات أحمد مطر يوم أن مات العراق، لم يحتمل قلبه فراق الوطن ونهشه على أيدى البرابرة وهو شاعر الأقصوصة الساخر الذى تجاوزت قصة العراق طاقته الشعرية وتعدت أبياتها المياه الإقليمية لحدود إبداعه وتحولت قافيتها من نافذة سخرية إلى بلاعة مسخرة، انفجرت شرايين المخ حزناً وكمداً على وطن أهدى للدنيا باقة ورد الشعر من المتنبى إلى السياب فإذا به اليوم يهدى لها عصابة آكلى أكباد البشر، مات شاعر العراق الرائع الجميل منفيّاً كما عاش منفياً، لم تشيعه مداخلة فضائية أو حتى زاوية نعى فى جريدة أو على جدار، تم طرده من على جميع أرفف المكتبات العربية فاختار أن يسكن حجرات الإنترنت، الحجرات الوحيدة التى تحتمل صراحته وسخريته الموجعة، استطاع الشباب العربى إنشاء أكثر من موقع لأحمد مطر على الإنترنت كما أنشأوا من قبله لنجيب سرور و«أمّيّاته» المنفية، وناجى العلى وكاريكاتيره النازف، وكما لا يستطيع أحد أن يرتدى ثياب العرس والزفاف فى سرادق العزاء، فإن الشاعر العراقى أحمد مطر لم يستطع أن يكتب شعر الغزل فى وطن يحتضر، اختار وبإصرار مدهش أن يكتب شعر الهجاء السياسى الساخر ويلقيه كالقنبلة فى وجه من اغتالوا هذا الوطن، فصار شاعراً مطلوباً رأسه وقلمه، وصارت دواوينه منشورات تصادرها السلطة من الخليج إلى المحيط، وأصبحت صورته الفوتوغرافية دليل اتهام واسمه سبباً فى تكدير الأمن العام وهز أسس الاستقرار الاجتماعى المزعوم!!، إنه شاعر لن تراه على شاشة أى قناة أرضية أو فضائية، ولن يستضيفه أى معرض للكتاب ولن يفوز بجائزة سلطان العويس أو زكى اليمانى أو حتى جورج قرداحى!، وذلك لأنه شاعر خارج الطابور لم يرص قصائده الشعرية أحجاراً للمعسل على نارجيلة السلطة، ولم يفتتح سوبر ماركت يبيع فيه قوافيه للزبائن ولمن يدفع أكثر، ولم يعمل ترزياً يفصّل شعره على مقاس الحكام، ولكنه اختار أن يكون شاعراً انتحارياً يكتب شعراً نووياً شديد الانفجار وقصائد مفخخة تنفجر سخرية وحزناً فى وجه المرتزقة ذوى الجلود السميكة الذين باعوا أوطانهم فى سوق النخاسة.

«أمس اتصلت بالأمل

قلت له: هل ممكن

أن يخرج العطر لنا

من الفسيخ والبصل؟

قال: أجل

قلت: وهل يمكن أن

نشعلَ ناراً بالبلل؟

قال: بلى

قلت: وهل من حنظل

يمكن تقطير العسل؟

قال: نعم

قلت: وهل

يمكن وضع الأرض فى جيب زحل؟

قال: نعم.. بلى.. أجل

فكل شىء محتمل

قلت: إذن عربُنا

سيشعرون بالخجل

قال: تعالَ ابصق على وجهى

إذا هذا حصل!».


مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: 

تعلموا الدرس من جزمجى ألمانى

كيف لا يفوز هؤلاء الألمان بكأس العالم؟ حتماً سيفوز هذا الفريق الجبار الذى ينتمى إلى شعب عبقرى ووطن عظيم ومناخ متفنن فى الإبداع، عاشق للنظام والجهد والعمل واحترام القانون، كنت أهمس بهذه الكلمات بينى وبين نفسى، بينما أشاهد نهائى كأس العالم، لم يكن يشغلنى كثيراً الترقيص والتنطيق والسبعات والتغزيل وتمرير الكرة من بين قدمى المنافس إلى آخر كل ما يستفز ويداعب ويدلك مشاعرنا كمصريين عاشقين لمثل هذه التفانين الكروية البهلوانية، كان يشغلنى كيف حول الألمان كرة القدم إلى علم ونظام وجهد ومثابرة ولياقة، طبعاً كل هذا إلى جانب الموهبة والفن اللذين لا غنى عنهما، لكن كان لفظ الماكينات الألمانية يطاردنى وهو غالباً ما يحمل استهجاناً، لأنه توصيف ينزع دسم الفن عن لعب الألمان وكنت أرى هذا ظلماً بيناً، ألمانيا لا بد أن تنتج هذا الفريق، ألمانيا احترام القانون، لا بد أن تفرز من يحترم هذا المستطيل الأخضر، ألمانيا عشق النظام لا بد أن تفرز من يقدس التنظيم والترتيب والتخطيط الجيد الحازم الحاسم، ألمانيا اللياقة والصحة كانت ولا بد أن تمنحنا فريقاً لا يعرف معنى كلمة تعب أو إجهاد، سألت نفسى سؤالاً سياسياً برغم أننى كنت قد قررت أن أمنح عقلى إجازة لمدة شوطين وفرحت عندما أضيف شوطين إضافيين لكى تزيد متعة الاسترخاء، قاتل الله السياسة تطاردك أينما كنت، سألت نفسى: هل الآن برغم كل هذه الضائقة الاقتصادية والظروف الأمنية المتدهورة التى تمر بها مصر، هل نحن فى نفس ظروف ألمانيا بعد هزيمة الحرب العالمية الثانية؟، بالطبع وبالتأكيد لا وألف لا، فوضعنا أفضل بكثير، السؤال التالى كيف خرجوا من كبوتهم، بل من مأساتهم وكارثتهم؟، كيف أصبحت ألمانيا قاطرة التقدم الأوروبى بهذا الشكل وبهذه الروعة؟، ألمانيا التى خرجت من حرب شردت 12 مليون ألمانى أضيف إليهم 8 ملايين أسير فى معتقلات الحلفاء واستعبادهم وتسخيرهم فى معسكرات عمل بالإضافة إلى سكك حديد مدمرة وطرق مخربة وتعويضات مليار دولار سنوياً لم تنته إلا فى 1971، سيرد البعض متهكمين وإحنا فين وألمانيا فين، شوف ألمانيا بقت ألمانيا بعد 50 سنة عايزنا نستنى خمسين سنة؟!، الرد لا لم تنتظر ألمانيا خمسين سنة بل كانت البذرة موجودة لذلك بدأت فوراً وعلى من يتشكك أن يقرأ حكاية كروية أيضاً عن ألمانيا ليعرف أن الإبداع والابتكار والعلم هو الذى أنقذها، إنها حكاية الجزمجى الألمانى آدى الذى أنقذ الألمان وجعلهم يفوزون بكأس العالم 1954 وهم ما زالوا يلعقون جراح الهزيمة، هذا الرجل الذى توسع فيما بعد وأنشأ شركة أديداس، تلقى هذا الإسكافى رسالة من مدرب ألمانيا هيبريجر يستنجد به بعد هزيمة ألمانيا من المجر الرهيبة بقيادة بوشكاش فى الأدوار الأولى بثمانية أهداف وقال له أنقذنا من تأثير المطر الذى جعل نصف الفريق يرقد بين مصاب ومكسور، اخترع آدى المسامير فى أسفل الحذاء لحفظ التوازن وأرسل 23 زوجاً من تلك الأحذية إلى سويسرا فوراً لتفوز ألمانيا بكأس العالم بعد 9 سنوات فقط من ذل الهزيمة.

مبروك لألمانيا ولنتعلم من هذا الجزمجى الألمانى هذا الدرس.


مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: 

مهلهل صاحب السعادة

لماذا يقدم لنا فنان بحجم عادل إمام مسلسلاً مهلهلاً بهذا الشكل؟، لماذا السلق والاستسهال والقص واللزق وفخفخينا الإفيهات القديمة والضحكات المحفوظة والنكات المكررة التى يتحفنا بها يوسف معاطى فى كل حلقة من حلقات صاحب السعادة؟، انتظرت حتى منتصف رمضان متمنياً أن يكون ظنى خطأ وأن يكون ما يحدث أمامى من عبث فنى هو تمهيد لأحداث درامية مؤثرة، ولكنى أصبت بصدمة؛ فالمسلسل عك درامى بامتياز وعبث فنى مع مرتبة الشرف، البطل «بهجت» شخصية درامية ليست من لحم ودم ولا تقدم نفسها إلا من خلال كلام وأحاديث المحيطين، يحكونه لنا على أنه زوربا اليونانى وللأسف لا نجد إلا شخصية باهتة وفقيرة ومسطحة درامياً، حلقات وحلقات عن غضب الزوجة لبلبة وهجرها للمنزل نتيجة خلاف كان من الممكن أن يحسم بمجرد سؤال عن سبب وجود زوجها فى الشقة، وقبلها خلاف حاد بمجرد أن رأت زوجها يحمل طفلاً اتهمته بأنه ثمرة علاقة آثمة، شخصيات البنات وأزواجهن سطحية ومرسومة بسربعة وسطحية، محاولة انتزاع ضحك بإيقاع ممل مثل تكرار صراخ الجار من إزعاج عائلة «بهجت» وإفيهات الأطفال الذين نعتقد أن مجرد نطق أحدهم لجملة من جمل الكبار كاف لإثارة الضحك، استخدام الأطفال بهذه الصورة التى ظهرت فى المسلسل مقززة وكريهة، تعاملهم مع المدرس ممجوج ولا يثير الضحك بل يثير القرف، أما المدرس نفسه الذى يعمل خادماً عند بهجت «تخليص حق» لسداد الأقساط المتأخرة، مدرس مرمطون يغسل الهدوم وينشرها فى الخرابة، كائن لزج مهزأ يتحدث بلهجة عجيبة غريبة وعادل إمام يضحك ويسخر ويصفع!!، تأتى الطامة الكبرى وزير الداخلية وعائلته، لا يمكن أن تكون عائلة بهذه النمطية الروبوتية، تجهم دائم من الأب وتخشب مزمن من الأم، أما الابن فحدث ولا حرج تخيلوا ضابط مباحث وابن وزير الداخلية وزملاؤه لا يعرفون أنه ابن وزير الداخلية!!، إفيهات تثير الغثيان مثل إيفيه تناوله للطعام مع حبيبته بنت بهجت ولحوسة الكاتشب أو المايونيز أو الآيس كريم وكأنهم أطفال ببافتة!!، ما هذا العبث وما هذه التفاهة؟، ويا ريت بعد كده بنضحك!، إنه مسلسل الاستسهال والسربعة والسلق، يا خسارة كنت أنتظر مزيداً من التدقيق والتريث والحفاظ على التاريخ الممتد الجميل.


مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: 

د. جابر نصار وكلية العلوم

أسعدنى أن يهتم د. جابر نصار، رئيس جامعة القاهرة، بقضية كلية العلوم التى طرحتها فى سلسلة مقالات سابقة، فقد اتصل بى د. جابر تليفونياً وناقش معى مشكلة كلية العلوم، وأكد لى أنه بالرغم من كونه رجل قانون فإنه مؤمن مثلى بأن كلية العلوم هى طوق نجاة مصر، وأنه لن تدخل مصر إلى نادى نمور العالم الاقتصادية إلا بالعلم، بدأ د. جابر فى وضع بروتوكول الحل واتخذ خطوات عملية فى هذا المجال واجتمع مع العميد الحالى لكلية العلوم وعمداء سابقين وطرح فكرة عقد مؤتمر دولى تطرح فيه الدول المشاركة تجاربها ومقترحاتها فى النهوض بكليات العلوم والبحث العلمى لنستفيد منها، وغالباً ما ستكون الاستفادة القصوى من دول شبيهة بنا ومماثلة لنا فى الوضع الاقتصادى، ولكنها بالعلم استطاعت الفكاك من أسر التبعية التكنولوجية والتسول العلمى، قال لى د. جابر إنه سيدعم الأبحاث العلمية الحقيقية المصرية التى ليست «فوتوكوبى» من أبحاث عالمية أو مجرد قص ولصق من رسائل دكتوراه أجنبية. د. جابر نصار ينتظر اقتراحات وحواراً مجتمعياً حول هذه القضية، استبشرت خيراً بهذه الاستجابة السريعة كنواة حل وبداية رحلة مع العلم المظلوم فى مصر، المطارد كالجمل الأجرب، الذى نعانى تجاهه من فوبيا وفزع مثلما نفزع من الطاعون، ونسخر من ممارسيه فى حياتنا سواء فى الواقع أو فى الدراما، يكفى عرض نموذج العالم التائه المجنون أشعث الشعر الذى يعرض كمسخرة فى الدراما المصرية، الاهتمام بالعلوم الأساسية هو الحل، فلو نظرنا إلى جوائز «نوبل» حتى فى الطب لا نجد فى قائمة الفائزين جراحاً شهيراً ولكننا نجد باحثاً فى الكيمياء الحيوية والفسيولوجى والوراثة.. إلخ، يكفى أن نعرف أن قسم الحشرات فى كلية العلوم فيه سبعون عضو هيئة تدريس، والتحق به ثلاثة طلاب فقط! هذا القسم الذى ننظر إليه على أنه قسم زائد على الحاجة ورفاهية وترف وأحياناً قرف، هذا القسم من أهم الأقسام العلمية التى نحتاج إليها وفى يد أساتذتها حلول كثيرة وناجعة لمشاكل كثيرة فى مصر، هؤلاء الأساتذة الذين لا يظهرون فى أى وسيلة إعلامية حتى لو لمدة دقيقة بينما يطل علينا الدعاة الذين يحدثوننا عن أهمية تقصير الجلباب وتحريم أكل لحم العفاريت ليصدعوا أدمغتنا بالساعات! لكى تعرفوا أهمية هؤلاء العلماء المحبطين ودورهم فى حل مشاكل مصر الحقيقية فلتقرأوا عن المساحات الزراعية التى يلتهمها الجراد، فلتقرأوا ولتعرفوا كم نفقد من محاصيل زراعية وكم نخسر سنوياً فى التصدير بسبب الحشرات التى تهاجم وتفسد المزروعات والأشجار التى ينخر فيها السوس لنفقد معها أجود أنواع الأخشاب، فلتقرأوا ولتعرفوا دور الحشرات فى الطب كناقلات للأمراض وحاضنات لأخطر أنواع الطفيليات والجراثيم ويكفى الملاريا التى أفزعتنا الشهور الماضية، فلتقرأوا ولتعرفوا كم من إضافة للدخل القومى من الممكن أن يهديها إلينا النحل مثلاً.. إلى آخر القائمة الطويلة التى للأسف نجهلها، فنحن مشغولون حتى آذاننا فى برامج التوك شو، حتى الفضائيات التى تصرف مئات الملايين على التفاهات والمسلسلات ترفض أن تصرف مليماً على برنامج علمى يثقف الناس ويعلمهم ما هى النسبية؟ ما هو الانفجار العظيم؟ وما هى نظرية التطور؟ وما هى نظرية الكم؟ وكيف اخترعت الأمصال والتطعيمات والموبايل والإنترنت والمفاعل النووى.. إلى آخر تلك الإبداعات التى لها نحن مستهلكون فقط لا مبدعون.


مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: 

خواطر بلون الدم ورائحة البارود

أهل غزة الغلابة ضحايا لا ذنب لهم، وقعوا بين فكى كماشة إسرائيل وحماس، مطرقة إسرائيل الوحشية العنصرية وسندان حماس الإخوانية الإرهابية، مطرقة المحتل الخارجى الإسرائيلى شرسة، وسندان المحتل الداخلى مرعب، الاثنان أطماعهما وعقليتهما رأسمالية متوحشة، إسرائيل مخلب قط لرأسمالية السوق الأمريكية، وحماس دوبلير لسمسرة الإخوان وتجارة أنفاق التنظيم.

للأسف عنصرى إسرائيلى يحارب عنصرياً حمساوياً، الأول يحارب تحت راية شعب الله المختار، والثانى يحارب بسيف الفرقة الناجية، مفهوم الوطن غائب عن الاثنين، الأول من النيل إلى الفرات، الثانى طظ فى الوطن وليحكمنى ماليزى إخوانى أفضل من ابن وطنى المسيحى أو حتى المسلم غير الإخوانى.

هل تتصور حماس أنها ستستطيع إزالة إسرائيل من الوجود كما تدعى فى أدبياتها؟. هناك فرق أكيد وواضح بين الرغبة والأمنية وبين الوهم والجنون، إذا كانت حماس تعتقد أن هذه الصواريخ الفشنك التى لم تصب إسرائيلياً واحداً بكدمة هى الأستيكة التى ستمحو إسرائيل من على الخريطة، فعلى قادتهم أن يكشفوا على قواهم العقلية!.

أطفال رقابهم مقطوعة وأطرافهم مبتورة وشوارع غزة غارقة فى الدم وهناك من ما زال يقارن خالد مشعل بجيفارا، هل تعرفون أن جيفارا صاحب الصدر المسلول والسعال المزمن كان يحارب فى أحراش بلاده كأى جندى بسيط لا يمتلك إلا سلاحه ولفافة تبغه وصدره العارى؟ بينما خالد مشعل يحثنا على القتال ويطلب نجدة جيش مصر الذى قال عنه قادة تنظيمه المغاوير «جيش نوال والمكرونة»، يطالبنا بالصمود والتصدى من داخل سويت فندق السبع نجوم فى الدوحة، وعلى بعد أمتار قليلة منه أكبر قاعده أمريكية فى الشرق الأوسط.

يرد إخوانى ربعاوى معتق: ستنتصر حماس كما انتصرت فيتنام، وسيحتفل مشعل وهنية بتحرير فلسطين كما احتفل هوشى منه بتحرير فيتنام، فقلت: هوشى منه كان شعاره فيتنام أولاً ولم يكن شعاره التنظيم الدولى للإخوان أولاً وأخيراً، هوشى منه ساعده التوازن الدولى فى ظل صراع الدب الروسى والعم سام المتكافئ، هوشى منه كان يعتمد على وجبة الأرز المغموسة فى عرق الفلاح الفيتنامى ولم يكن يعتمد على سمسرة تجارة الأنفاق وتجارة العملة وتهريب البنزين والسولار والسيجار.

يا ليت حماس كما تعلم الفلسطينيين قواعد الانتحار، أن تعلمهم أيضاً حب الحياة، كما تدق رقاب المعارضين وتكسر سيقانهم وتلقى بهم من أعلى مآذن الجوامع وتحرض على أتباع الديانات الأخرى، أن تدق باب الأمل وتنهض بالمستشفيات وتحرض على العلم والإبداع والعمل، يكفى أن هنية عندما أراد علاج ابنته عالجها فى إسرائيل، ويكفى أن من حول اغتيال مشعل بالسم هى إسرائيل ومن أنقذه من الموت هى إسرائيل أيضاً!.

كما أن قادة حماس يحفظون عن ظهر قلب رسائل حسن البنا ويقرأون -كما المحفوظات- كتب سيد قطب وخطب القرضاوى، أتمنى أن يقرأوا خريطة القوى على أرض الواقع، وأن يعرفوا أنه لا مفر من الحل السياسى، وأن يتأكدوا أن العلم صار سيد الموقف والآلة العسكرية الإسرائيلية صارت جهنمية بفضل هذا العلم، وأنه لا يمكن لتفجير هنا أو تفخيخ هناك، أو طلقة كلاشنكوف هنا أو صاروخ جراد هناك، أن يجعل ضباع إسرائيل المتعطشين للدم أن يطلبوا العفو والصفح والسماح من أشاوس حماس الملاح، لا تخطف عدة مستوطنين وتقتلهم ثم تنتظر أن يدخل عليك هذا الديناصور الأحمق الأرعن ببوكيه ورد أو يمنحك قبلة فرنسية ساخنة!، لا يمكن لأرنب أن يستفز ضبعاً ويضع الشطة فى مؤخرته وينتظر تحية ومكافأة منه إلا فى قصص الكارتون، لا مفر ولا مناص من الحل السياسى وإقصاء حماس عن حكم غزة.


مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: 

ويسألونك عن «البرهولة» يا وزير الصحة؟

عندما اكتشف د. سولك تطعيم شلل الأطفال لم يطلق عليه اسم السولكية، وعندما اكتشف أينشتين معادلته الشهيرة ونظرية النسبية لم يصفها بالأينشتينية، وعندما كشف زويل عن الفيمتو ثانية لم يسمها الزويلية، ولكن المخترع إبراهيم، القاطن فى مصر المحروسة وصاحب نظرية الكفتة الشهيرة، ولأنه أقوى من هؤلاء جميعاً فعندما اكتشف كبسولته العشبية العجيبة السحرية التى تعالج جميع الأمراض من فيروس سى حتى الإيدز والسرطان أطلق عليها اسم «البرهولة» نسبة إلى اسم الدلع برهومة!! هذه الكبسولة التى تساءلت لجنة الأخلاقيات العلمية فى وزارة الصحة عن عناصرها المكونة وتفاعلاتها وأعراضها الجانبية ولم تجد رداً مقنعاً بل هروباً ولفاً ودوراناً، عندما اكتشفت اللجنة ضعف الأبحاث أو بالأصح انعدام الأبحاث، وأن المسألة كلها أوهام فى أوهام وأضغاث أحلام، مكانها نميمة قناة الناس لا الصيدليات ومصانع الأدوية، اختفت أوراق البرهولة من أمام لجنة الأخلاقيات العلمية، عندما وصلت الرسالة أن الباب مغلق والطريق مسدود، تم إسداء النصح من أحد مسئولى وزارة الصحة لماذا تريدون تسجيل البرهولة كدواء ما دمتم تستطيعون تسجيلها فى لجنة أخرى كمكمل غذائى فى لمح البصر؟! فوجئت لجنة الأخلاقيات العلمية بالبرهولة العجيبة تهبط بالبراشوت ويوافق عليها من آخرين بمنتهى الغموض وبمنتهى السرعة بل وتستعد إحدى شركات الأدوية لإنتاجها وكأنها فتح فارماكولوجى عجيب.

السؤال لوزير الصحة: هل تعرف شخصاً كان يعمل فنى معمل وانتحل صفة طبيب وأُغلقت عيادته أو بالأصح وكره ومكان دجله ونصبه مرتين، ثم عاد هذه الأيام لافتتاح عيادة فى المعادى يمارس دجله على المرضى الذين يقفون بالطوابير وحضرتك تتركهم نهباً لهذا النصب المنظم وهى مسئوليتك المباشرة وذنبهم فى رقبتك أنت؟ إن كنت لا تعرف اسمه اسأل د. عبدالحميد أباظة فى المكتب المجاور لحضرتك فهو يعرف المزيد من الأسرار والخفايا.


مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: 

كلية الهموم.. العلوم سابقاً

وصلتنى ردود فعل كثيرة ومتعددة على مقالى عن كلية العلوم وما وصلت إليه والذى أكدت فيه أن تقدمنا العلمى والاقتصادى مرهون بنهوض هذه الكلية وتعظيم دورها فى المرحلة المقبلة وتقديم كافة الإغراءات للملتحقين بها، اخترت إحدى تلك الرسائل من د. مصطفى عبدالفضيل نشرتها بنفس لغتها العامية كزفرة غضب بدون تزويق أو ماكياج، هى صرخة لا بد أن نسمعها ونستوعب دلالاتها، يقول د. مصطفى:

«قرأت بكل تركيز مقالكم الرائع عن كلية العلوم، وأعتقد أنه ليس المقال الأول فى هذا الموضوع المهم.. كاتب الميل خريج كلية علوم المنصورة سنة 1984 وأعمل فى إحدى الهيئات الأجنبية فى القاهرة من 25 سنة (نامرو-3) المشكلة يا سيدى الفاضل فى سوق العمل، ليست نوعية تعليم ولا دعم دولة بل احتياج مجتمعى، المجتمع لا يعرف خريج كلية العلوم ولا يعرف نوعية أشغاله ومدى أهميتها. والعجيب أنه عندما تتاح له فرصة العمل يتعرض للاضطهاد من الطبيب والفنى لو بيشتغل فى معمل مستشفى، أو من الصيدلى لو بيشتغل فى شركة أدوية، أو من المهندس لو بيشتغل فى مصنع، أو من المدرس لو بيشتغل فى مدرسة أو من خريج الزراعة لو بيشتغل فى معامل المبيدات والأسمدة، حتى لو اشتغل فى وزارة العدل بيتعرض أيضاً للاضطهاد من خريج الحقوق، يعنى مضطهد فى كل مكان يروح فيه، ضيف على كده الجهل المجتمعى بنوعية الأعمال التى يقوم بها خريج العلوم وعدم معرفة الناس بها لدرجة إن فنى المعمل فى المستشفى يعامل معاملة أفضل من الكيميائى الذى يعمل بنفس المكان، ودائماً يوحى إليه بأنه دخيل على العمل مع أنه الوحيد اللى درس علوم أساسية وعارف يعنى إيه تحاليل. الغريب أيضاً أنه لا يوجد قانون ينظم ممارسة مهنة خريج كلية العلوم حتى هذه اللحظة بعد مرور أكثر من 70 سنة على إنشاء الكلية فى مصر والأغرب أن نقابة العلميين ما زالت تحت رحمة الإخوان المسلمين منذ عام 1993 وحتى اليوم، ولا أمل فى التغيير بالرغم من التغيير اللى حصل فى نقابة الأطباء والمهندسين وغيرهما. المشكلة أعمق بكثير من مقال أو شوية فلوس ترصدهم الدولة لدعم البحث العلمى الذى يتحول إلى رسائل ماجستير ودكتوراه تُركن على الرف ولا يستفيد منها المجتمع فى شىء. المنظومة الحالية تحتاج إلى نسف لكل ما هو قائم وبناء منظومة بحث علمى برؤية جديدة تماماً يتحول من خلالها إلى قاطرة للمجتمع ومصدر مهم من مصادر الدخل القومى من خلال تحويل الأبحاث إلى منتجات للاستعمال الداخلى والتصدير إلى كل دول العالم، ساعتها فقط سيتحول خريج العلوم إلى عملة نادرة والكلية إلى كلية قمة، وستتهافت الجامعات الخاصة على إنشاء كليات متخصصة فى الكيمياء الصناعية مثلاً أو دراسات البيوفيزكس وبدون تدخل من الدولة أو أى كيان آخر إنما حراك مجتمعى فكرى قائم على العرض والطلب.

كاتب الكلمات حاصل على درجة الدكتوراه فى الكيمياء الحيوية ومرشح سابق لمجلس نقابة المهن العلمية 2011 ومتخصص فى تطوير الطرق المعملية الخاصة بتشخيص الأمراض المعدية، وله العديد من الأبحاث المنشورة فى هذا المجال، وعلى اتصال بالعديد من الهيئات الدولية، وشارك فى الكثير من المؤتمرات العلمية ويعرف كيف يمكن تحويل البحث العلمى إلى مصدر للدخل القومى أكبر من البترول وقناة السويس، وعلى الرغم من ذلك لا أعرف «أولادى يقولوا إيه لواحد يسألهم بابا بيشتغل إيه؟» نتيجة الجهل المجتمعى والتهميش المستمر لخريج كلية العلوم.. أرجوك لا تستغرب من عزوف الطلاب على دخول هذه الكلية.


مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: يا رئيس لو جعلت كلية العلوم كلية القمة فقد انتصرنا

لو قابلت الرئيس عبدالفتاح السيسى يوماً ما وسألنى متى سينصلح حال مصر؟ لكانت إجابتى يوم أن تصبح كلية العلوم من كليات القمة ويعود إليها عصرها الذهبى وتزداد ميزانية أبحاثها العلمية مئات الأضعاف، وقتها سأقتنع أننا على الطريق الصحيح ولقد قلت وكتبت فى تلك النقطة عشرات المرات، ولن يصيبنى الملل ولا الكلل فى تكرار دفاعى عن كلية العلوم التى تخرّج فيها أبى رحمه الله، وفضّلها على كلية الطب -آنذاك- رغم أن مجموعه كان يؤهله لها.

لا أمل فى تقدّم هذا الوطن إذا لم يهتم أبناؤه بكليات العلوم!، فهذه الكليات هى قاطرة التنمية والتقدم والحضارة، والتعامل معها على أنها جراج ومخزن لمن فاته قطار كليات الطب والهندسة، التى يطلق عليها كليات القمة، يعتبر جريمة كاملة الأركان وذبحاً لوطن من الوريد إلى الوريد مع سبق الإصرار والترصّد، وكراهية جيل كامل لكلية العلوم والهروب من الالتحاق بها، والخوف من كتابتها فى جدول التنسيق، والرعب حين يصل إلى أى طالب ثانوية عامة خطاب يخبره بقبوله فى كلية العلوم، كل هذه المشاعر هى تصويت غير معلن على قطيعة هذا الوطن مع حضارة العالم، فالحضارة هى العلم، وكراهية العلم وكليات العلوم هى بالتبعية كراهية للحضارة.

كراهية كليات العلوم الطاغية التى اجتاحت المجتمع المصرى هى ظاهرة تستحق الرصد والتحليل، ما زلت أتذكر حديث أبى بحب وهيام وعشق عن فترة دراسته فى قسم النبات بكلية علوم القاهرة فى الخمسينات، وحكاياته عن المعمل ورحلات أستاذتهم السويدية لدراسة نباتات وأعشاب الصحراء التى كان يحكيها بمنتهى الشغف، لم تكن كلية العلوم وقتها قد حازت هذا الكم من الكراهية من الطلبة وأيضاً من الأسر المصرية، فخبر التحاق ابن بكلية العلوم يعتبر الآن خبراً صادماً للأسرة، بل خبراً حزيناً يحتاج إلى إقامة سرادق عزاء!!

لا يوجد طالب مصرى يدخل كلية العلوم بإرادته واختياره الحر، دائماً هو مجبر بعد استنفاد رغباته وعدم قبول مكتب التنسيق أمنياته المجهضة فى دخول كلية الطب أو الصيدلة أو الهندسة أو طب الأسنان.. إلخ، ماذا تنتظر من هذا الطالب الذى يكمل مشوار كلية العلوم مغصوباً محبطاً غاضباً؟

أما داخل الكلية، فهناك غربال آخر، ثقوبه ضيقة لا يسمح للطلبة بدخول أقسام الفيزياء والرياضيات إلا معذبين مضطرين، غربال رغبات الطلبة رافض لهذه العلوم التى يعتبرونها ثقيلة على القلب والعقل وتتميز بـ«الغلاسة والرخامة» وثقل الظل، فتظل هذه الأقسام المهمة، التى هى بمثابة العصا السحرية للتقدم، أقساماً مهجورة تنعى من بناها ويبكى طلابها على أطلالها، وأظن أن أساتذتها أيضاً يبكون على الحال الذى وصلت إليه.

لا بد أن يكون هناك حل لإنقاذ كليات العلوم فى مصر، ولنبدأ بتشجيع أوائل الثانوية العامة على الالتحاق بها عبر تشجيعهم بمكافآت مالية مجزية جداً حتى تستعيد هذه الكليات سمعتها الغائبة، ولا بد أيضاً أن تُرصد أكبر ميزانية فى التعليم الجامعى لهذه الكليات.

لا بد أن نتخلص من مرض كراهية العلوم حتى يُشفى الوطن ويُعافى.

مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: