خالد منتصر

هل التطعيمات تسبّب التوحد؟

وصلتنى رسائل عديدة من أمهات يعشن ذعراً ورعباً من أخبار متداولة ومقاطع من برامج وتصريحات من البعض أن سبب مرض التوحد هو التطعيمات، وبدأ اللغط يزداد لدرجة أن بعض الأمهات بدأن فى الامتناع عن تطعيم أطفالهن، ولأن وزارة الصحة المصرية لم تصدر أى بيانات أو توضيحات، اضطررت للبحث فى المراجع والتقارير، وللأسف وجدت وزارة الصحة الإسرائيلية هى التى كتبت أقوى رد على هذا الكلام، وملخصه ما يلى:

توصل خبراء دوليون إلى استنتاج، بشكل لا يترك أى شك، وهذا ما يتبين أيضاً من معطيات أبحاث، بأن التطعيمات بصورة عامة، والتطعيم ضد الحصبة، النكاف والحصبة الألمانية (MMR) بصورة خاصة، لا تسبب التوحد.

فيما يلى ملخص لأربعة من الأبحاث الكثيرة التى دحضت إمكانية تسبب تطعيم الثلاثى - MMR فى التوحد:

فى عام 1999 قام الباحث برينت تايلور (Brent Taylor) وزملاؤه بإجراء بحث مدروس ومراقب جيداً فحصوا خلاله العلاقة المتبادلة بين تلقى التطعيم الثلاثى (MMR) وبين تطور مرض التوحد. لقد فحصوا سجلات 498 طفلاً يعانون من التوحد ومن اضطرابات ذات خطوط توحدية (Autism like disorder).

إن الأطفال الذين شملهم البحث تم أخذهم من سجلات أطفال متوحدين من مقاطعة North Thames فى إنجلترا من الفترة التى سبقت عام 1998 (العام الذى أدخلوا فيه استعمال التطعيم الثلاثى - MMR إلى نظام التطعيم الروتينى)، وما بعدها. الباحث تايلور قام بفحص انتشار مرض التوحد فى كل مجموعة (الذين تلقوا التطعيم بعد عام 1988، والذين لم يتلقوه قبل 1988). كما قام بفحص سن الطفل وقت تشخيص التوحد. استنتاجاته ومعطياته:

نسبة الأطفال الذين تم تطعيمهم كانت متشابهة فى صفوف الأطفال الذين يعانون التوحد، والأطفال الذين لا يعانون التوحد.

لم يتبين وجود اختلاف بسن تشخيص التوحد فى صفوف أطفال تلقوا التطعيم، وبين الذين لم يتلقوا التطعيم.

المدة الزمنية بين موعد بداية أعراض التوحد، وبين موعد إعطاء التطعيم كانت مختلفة من حالة إلى حالة (بعد مرور شهرين، أربعة أشهر، أو ستة أشهر).

هذه المعطيات لا تدعم آلية وجود علاقة بيولوجية بين التطعيم والإصابة بالمرض.

أبحاث أخرى نشرتها الباحثة نتالى سميث (Natalie Smith) فى المجلة العلمية Journal of American Medical Association، والباحث هيرشيل جيك (Hershel Jick) فى صحيفة British Medical Journal أظهرت أن الارتفاع فى التقارير عن الأطفال الذين يعانون التوحد ليس مرتبطاً بارتفاع استعمال التطعيم الثلاثى- MMR.

أكبر بحث درس العلاقة المتبادلة بين التطعيم الثلاثى - MMR وبين التوحد، نُشر عنه فى الصحيفة الأمريكية الراقية the New England Journal of Medicine فى شهر تشرين الثانى/نوفمبر 2002. هذا البحث شمل 537.000 طفل من الدنمارك بعضهم تلقوا التطعيم، والبعض الآخر لم يتلقوه. وقد تم فحصهم ست سنوات بعد تلقى التطعيم. تبين أن انتشار مرض التوحد كان متشابهاً فى صفوف الأطفال الذين تلقوا التطعيم الثلاثى- MMR، وفى صفوف الأطفال الذين لم يتلقوا هذا التطعيم.

جميع الأبحاث التى فحصت العلاقة بين تطعيم الحصبة وبين التوحد أو أمراض أخرى (أعراض عصبية) وجدت وبشكل واضح أن التطعيم ضد الحصبة لا يزيد من خطر الإصابة بمرض التوحد أو بأعراض عصبية.

من المهم الإشارة إلى أنه فى عام 2010 أزالت صحيفة لانست من سجلاتها المقال الذى أثار هذا الجدل مع نشره فى عام 1998. أسباب إزالة المقال كانت عيوباً خطيرة فى البحث وكذلك عدم الاستقامة، غياب المسئولية والتضليل من جانب المؤلف.

القسم: 
المصدر: 

جلال أمين اقتصادى بدرجة عالم اجتماع

رحل زرقاء اليمامة د. جلال أمين، قارئ كف مصر وخريطتها الاجتماعية وتحولاتها الثقافية، وهو الذى درس الاقتصاد وصار من أهم أساتذته فى مصر، ولم يكن أستاذاً لعلم النفس أو الاجتماع، لكنه أحياناً يخرج من جعبة غير المتخصص دراسة تكون أكثر عمقاً ونفاذاً وصدقاً من المتخصّص، ينطبق هذا على كتابه الرائع «ماذا حدث للمصريين؟»، الذى لا بد أن يكون فى صدارة مكتبة كل مصرى. د. جلال أمين له دراسات وكتب وإسهامات عديدة، لكن يظل هذا الكتاب هو الأثير والمتفرّد والمتميّز والمؤثر، فجلال أمين ابن بيت متذوق للأدب، لذلك يتمتع بأسلوب أدبى رفيع، ولغة سلسة طيعة اكتسبها من الأب العظيم أحمد أمين، وأيضاً لديه جسارة الاختلاف عن السائد، وقراءة التراث بعين الناقد لا المنسحق، وسبقه فى هذا وأثر فيه شقيقه الكاتب الفذ حسين أمين، إذن نحن أمام خلطة مصرية ثقافية تستطيع الحرث فى تربة جديدة، كوكتيل قادر على إدهاشك، لا تستطيع إلا أن تهتف مع كل قراءة له «إزاى فاتت علىّ الحكاية دى»، أنت ربما تكون قد شاهدت وعاصرت، لكن من خلال عينى جلال أمين أنت ترى المشهد مختلفاً وصادماً وغير مألوف، لا أنسى فى هذا الكتاب قراءته لتغيرات الإنسان المصرى من خلال المصايف، بداية من رأس البر وانتهاءً بمارينا، مروراً بالمعمورة وميامى وجمصة وبلطيم.. إلخ، كيف كان التصييف طلباً للبهجة، وتحول إلى عطش للشو والاستعراض، هذا مجرد نموذج التقطته عين جلال أمين الذكية الواعية العاشقة للمحروسة، عينه التى هى دائماً بكر فى حالة طزاجة مزمنة، والتأبين الحق الذى يستحقه جلال أمين هو استكمال تلك الدراسة بأجزاء أخرى، ماذا حدث للمصريين فى الألفية الثانية؟، ماذا حدث بعد الثورة؟.. إلخ، لو كان جلال أمين بيننا ماذا سيقول عن كومباوندات الساحل الجديدة التى صارت مارينا بالنسبة إليهم «بيئة»؟، ماذا سيقول عن ملاك الفيرارى واللامبورجينى بعد أن صارت المرسيدس بالنسبة إليهم مجرد «توك توك»؟!، ماذا سيضيف جلال أمين عن تطورات الزى الذى صار أفغانياً قندهارياً؟!، جلال أمين مثال ونموذج مثالى للمثقف المهموم الوطنى بجد، ودون صراخ أو استجداء، شجرة الثقافة المصرية التى تضرب بجذورها فى عمق تراب هذا الوطن، تتساقط ثمارها بإيقاع سريع يدعو إلى الفزع والرعب، الفزع ممن يجهلون ملامح مصر، والرعب ممن يستخدمونها سكناً لا وطناً.. رحم الله جلال أمين، وكل أمين على ثقافة وذاكرة وروح مصر.

القسم: 
المصدر: 

هل يستطيع رجال الدين تحمل ضريبة تحويل الدين إلى علم؟

يكرر رجل الدين دائماً أنا عالم مثلى مثل علماء الفيزياء والكيمياء والبيولوجى، وأثناء أى نقاش أو مناظرة بين رجل دين ومفكر علمانى يتخيل رجل الدين أنه قد أفحم العلمانى بجملته المقدسة الخالدة «هل أنت عالم متخصص فى الدين؟»، نحن من الممكن أن نوافق على تلك الجملة ونمررها فى حالة واحدة إذا تحمل رجل الدين ضريبة العلم ودفع ثمن مناقشاته واختلافاته بصدر رحب وبشروط العلم الحقيقى، على سبيل المثال هل يستطيع رجل الدين أن يتحمل صدمة العلماء القدامى فى الطب ويتعامل مثلما تعاملوا حين سقطت نظرية أن السبب فى قرحة المعدة هو عدم التعادل بين الحامضى والقلوى وإرجاع السبب فى تآكل جدار المعدة إلى الحامض الزائد، وظهور نظرية أن البكتيريا هى السبب، وبدلاً من جراحة كبيرة تشق جدار بطن المريض إلى نصفين صار العلاج مجرد كورس مضاد حيوى! هل يرضى رجل الدين أن تتعرض مقدساته أو ما يعتبره مقدسات إلى هذا الاختبار القاسى؟ والمهم هل رد فعله سيكون هو نفس رد فعل أولئك الأطباء القدامى الذين استقبلوا هذا الخبر أو هذا الاكتشاف بكل فرحة وبهجة واحتضنوا هذا العالم الذى اكتشف تلك البكتيريا بل منحوه جائزة نوبل! لم ينفعلوا أو يغضبوا أو يتهموه بالردة أو بإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، لم يطالب هؤلاء الأطباء عندما انهارت قلاعهم العلمية التى احتموا فيها قروناً بأن يصلب ذلك المكتشف وتقطع أيديه وأرجله من خلاف عقاباً له على تطاوله على ذلك المستقر، لماذا لم يفعلوا ذلك؟ لأنه ببساطة ليس فى العلم ذلك المستقر، أو ذلك البديهى المقدس الدينى، سأوافق على ما يقوله رجل الدين وأسميه عالماً فى حالة واحدة إذا حول خطبة الجمعة أو درسه الدينى إلى مؤتمر علمى كتلك المؤتمرات التى نحضرها فى الطب أو الفيزياء أو الكيمياء، إذا استلهم نفس الروح، وقبل نفس حدة المناقشات وتكسير التابوهات، وإذا صفق لمن صحح له خطأه ونشر هذا التصحيح فى مجلة علمية بمقدمة يرحب فيها بمن انتقده ويضع نظرية هذا المصحح الجديدة بدلاً من نظريته القديمة، هنا سأقول إن رجل الدين قد قبل دفع ضريبة العلم، فالعالم الحقيقى لا يكابر فى الحقيقة العلمية، ويحترم كل الآراء، ولا يحتكر الحقيقة لنفسه، ليس فى العلم أقدمية، ومن الممكن جداً أن يصحح أصغر شاب فى قاعة المؤتمر العلمى نظرية أستاذه، وفى نفس الوقت لا يفقد بوصلة الاحترام لهذا الأستاذ الذى يتلقى هذا النقد بكل رحابة صدر ولا يستهجن ويصرخ قائلاً فى تلميذه «انت إزاى تكدبنى وتطلعنى صغير فى المؤتمر، انت قصدك تهزأنى قدام الناس!!!»، لم ولن يقول العالم الحقيقى هذا الكلام، لأن روح العلم المتمردة تسللت إلى نسيج شخصيته، وهو يستطيع التفريق جيداً بين الحوار والإهانة! الحوار العلمى فى المؤتمرات العلمية الحقيقية لا يشخصن الأمور، بمعنى أننى لا أجد أستاذاً يتفه من رأى زميله أو ينتقده لأن هذا الزميل فيه عيوب شخصية، فلا يقول له أنت مزواج مثلاً، أو رأيتك مرة ترقص وتشرب الخمر فكيف ستمنحنا العلم؟! أو كيف وأنت ترتدين فستاناً قصيراً ولا تغطين شعرك بالحجاب ستعطينا محاضرة عن الكوانتم أو تشرحين لنا علاج الأيدز! الحوار العلمى ديمقراطى بجد وليس شعارات، لأنه يخضع الرأى، أو بالأصح البحث، المنشور إلى اختبارات قاسية لا واسطة فيها ولا مجاملة، هناك معايير علمية يخضع لها الجميع من أشهر الأساتذة إلى المغمورين منهم، من يكذب ويزيف ويدلس ويقول أنا اخترعت دواء ساحراً يشفى كذا.. يتم سؤاله أو بالأصح محاكمته العلمية بكل قسوة وبدون طبطبة: كيف صنعت هذا الدواء؟ وما مادته العلمية؟ هل جربته على الحيوانات؟ وما تلك النسبة إذا كان قد نجح؟ وهل هذه النسبة تتفوق على نسبة نجاح الأدوية القديمة؟ ما أعراضه الجانبية ومدى سميته...إلخ، يتم عصر وسلق وسلخ الأستاذ الذى لا تشفع له شهرته أو مركزه أو الأجيال التى تخرجت على يديه! درع العالم الذى يحميه هو حجته العلمية ومدى قدرتها على الإقناع.

إذا استطاع رجل الدين تحمل الصدمات وبالطبع قبل تحمل الصدمات إحداثها، هنا تحول إلى رجل علم فعلاً وتجاوز الحد الفاصل بين الدين والعلم وسبح فى المياه الإقليمية للمنهج العلمى فى التفكير، إذا استطاع أن يحدث صدمة فى تفسير القرآن مثلما فعل كيبلر حين قال إن الكواكب تدور فى نظام غير دائرى حول الشمس، برغم أن الدائرة كاملة ومقدسة عند القدماء، إذا استطاع أن يتجاسر ويناقش المرويات والأحاديث بنفس منهج جاليليو ويصدم المستقر والمألوف، هنا فقط سنقبل رجل الدين فى أكاديمية العلم فقد خلع ثوب حرفية النص وعبادة سحر الماضى، هل يستطيع أن يصدمنا فى منهج العنعنة كما صدم جاليليو كهنة عصره عندما قال عن تساوى سقوط الأجسام مختلفة الوزن بتجربة برج بيزا، وعندما صدمهم فى آلة تطهير الترع التى لا تطهر الترع، وعندما وجه منظاره لرؤية عطارد بالرغم من عدم ذكر أرسطو لهذا الكوكب، وبالطبع وقتها ما لم يذكره أرسطو فهو غير موجود قولاً واحداً مثل النصوص المقدسة لدى رجال الدين! وبالطبع جاء دوران الأرض حول الشمس بزلزال لكراسى الكهنة، فهل يرضى رجل الدين المعاصر المسلم الآن أن يتحمل تلك الأنواع والدرجات من الزلازل أم أن الثمن والضريبة ستكون رؤوسنا نحن الذين أرقنا منامه الهادئ واستقراره المزمن؟!.

القسم: 
المصدر: 

حتى لا ننسى مريض «ألزهايمر»

غداً 21 سبتمبر، هو اليوم العالمى لـ«ألزهايمر»، ويحتفل العالم به هذا العام بشكل مختلف وعملى أكثر من أى عام مضى، فقد أنشأت منظمة الصحة العالمية المرصد العالمى للخرف، لتجميع بيانات مرضى الخرف dementia، الذى يندرج تحته «ألزهايمر»، الذى يمثل نسبة 70% من مرضاه، ودائماً بداية النجاح هى الرصد الإحصائى المضبوط من خلال قاعدة بيانات دقيقة، بدأت دول العالم تشترك ببياناتها وإحصائياتها ونتائجها فى هذا المرصد، لكن كالعادة مصر لا تمتلك قاعدة بيانات دقيقة لتشترك بها فى هذه المنظومة العالمية، أما المفاجأة الثانية التى سنستقبلها فى اليوم العالمى فهى «قرية ألزهايمر»، القرية الجديدة فى مدينة «داكس» جنوب غرب فرنسا، بالقرب من الحدود مع إسبانيا، وهى قرية مصمّمة خصيصاً للسماح للأشخاص المصابين بمرض ألزهايمر، بالاستمرار فى عيش حياة طبيعية خارج دار رعاية المسنين، وسيكون لدى الأشخاص الذين يعيشون فى القرية، الذين سيطلق عليهم اسم المقيمين، بدلاً من المرضى، سوبر ماركت خاص بهم، ومركز صحى، ومصفف شعر، وصالة ألعاب رياضية، ومكتبة ومزرعة، وستتم إحاطة القرية بسور، لكنهم سيكونون قادرين على التجول بحرية داخل أسوارها، ويرتدى موظفو التمريض ملابس مدنية، وسيحصل المقيمون على أدوية أقل، فى حين سيساعد المتطوعون فى إدارة القرية، ويأمل مطورو القرية التى تبلغ تكلفتها 29 مليون يورو، أن تسمح للأشخاص المصابين بمرض ألزهايمر والخرف، بأن يعيشوا حياة أكثر نشاطاً وسعادة، طبعاً أنا لا أحلم بمثل هذا المستوى من الاهتمام، لكننى أطلب توفير الحد الأدنى لمرض خطير أراه أخطر من السرطان، لأنه فقدان للهوية، فعلى الأقل مريض السرطان من الممكن أن يتحرك ويعيش بمفرده، لكن مريض «ألزهايمر»، هو دائماً فى حاجة إلى رعاية، وهنا يأتى دور الجليس، فمعظم بيوت المسنين يرفضون استقبال مرضى «ألزهايمر» دون هذا الجليس، وهى مشكلة رهيبة تسهم فيها ثقافتنا المشوّهة التى تعتبر الجليس «خداماً»، وتعتبر تلك المهنة الراقية السامية العظيمة بمثابة الإهانة!!، وقد بدأت وحدة طب المسنين فى كلية طب عين شمس، برئاسة د. هالة سويد، عقد دورات تدريبية لتخريج هذا الجليس الماهر الملم بمرض «ألزهايمر»، وكيفية التعامل مع المريض المصاب به، هذا القسم هو القسم الوحيد فى كليات الطب المختص بأمراض المسنين، وهو يحتاج إلى كل الدعم والاهتمام، لأنه يهتم بفئة مهمّشة نتعامل معها بإهمال، وأحياناً بعدوانية، وهى فئة المسنين، ولا بد من سماع صوت وخبرة جمعية «ألزهايمر مصر»، التى يرأسها د. طارق عكاشة، التى تحاول جاهدة فى مناخ غير مهتم بهؤلاء المرضى الغلابة الذين يتعامل معهم الجميع بلا رحمة، ومن بينهم للأسف الأقارب والأبناء فى أحيان كثيرة!!، شعار منظمة الصحة هذا العام «كل 3 ثوانٍ هناك شخص ما فى العالم يُصاب بالخرف»، تؤكد إحصائيات منظمة الصحة العالمية لعام 2017، أن نحو 50 مليون شخص يعانون من مرض «ألزهايمر»، من المتوقع أن يرتفع عدد الأشخاص المتعايشين مع الخرف إلى ثلاثة أمثاله بحلول عام 2050 من 50 مليون شخص إلى 152 مليون شخص، وللأسف لا يوجد له أى علاج حتى الآن، وتقدّر التكلفة السنوية لرعاية الأشخاص المتعايشين مع الخرف فى العالم بنحو 818 مليار دولار أمريكى، أى ما يتجاوز 1% من الناتج المحلى الإجمالى العالمى، ومن المتوقع أن تُجاوز هذه التكلفة الضعف بحلول عام 2030 لتبلغ تريليونى دولار أمريكى، الأمر الذى قد يقوّض التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ويُنهك نظم الخدمات الصحية والاجتماعية، بما فيها نظم الرعاية طويلة الأجل.

يكفى مريض «ألزهايمر» أنه ينسى نفسه، فلا نأتى نحن ونجهز عليه بنسيانه.

القسم: 
المصدر: 

جمهورية فرنسا القطرية!

هذه ليست نكتة ساخرة، ولكنه عنوان كتاب هو ترجمة لسخط وغضب الكثيرين من الفرنسيين على التغلغل القطرى داخل النسيج الفرنسى. كل من يزور باريس لن تخطئ عينه هذا الحضور القطرى المكثف، وكل من يجلس مع الفرنسيين سيستمع إلى هذه الشكوى من أن فرنسا العلمانية جلست تحت أقدام القطريين فى عهد «ساركوزى»، وهذا مثّل لى شخصياً صدمة كبيرة. قالت مؤلفة كتاب «جمهورية فرنسا القطرية»، «برنجيير بونت»، إن قطر اعتمدت على أموالها فى إفساد السياسيين الفرنسيين من أجل إيجاد نفوذ واسع لها فى فرنسا. وذكرت أنه فى وقت الأزمة المالية عام 2008، كان النظام المالى الأوروبى منهاراً، وكان هناك تعطش للسيولة بالسوق الأوروبية والفرنسية، وقالت: «استغلت قطر الانهيار المالى وعيوب النظام الضريبى فى فرنسا وعقدت اتفاقيات للحصول على امتيازات تحت غطاء التعاون الثنائى». وبحسب «بونت»، استغلت الدوحة النظام المالى المتأزم ونسجت علاقات واسعة، كان لها دور فى حصولها على مناقصات وامتيازات استثمارية كبيرة، وقالت إن قطر قامت بضخ المليارات بشكل مشبوه فى العديد من العمليات الاستثمارية تحت عناوين ومسميات مختلفة، وأكدت أن الهدف من هذا الإنفاق لم يكن الاستثمار التجارى، وإنما شراء النفوذ السياسى بطرق ملتوية، ولنقرأ معاً بعض الأرقام التى هى نقطة فى بحر الاستثمارات القطرية التى تجاوزت الثلاثين ملياراً فى فرنسا:

أصبح ما يقرب من 80٪ من المعدات العسكرية القطرية فرنسية الصنع، فضلاً عن تقديم القوات الفرنسية التدريب العسكرى اللازم للقوات الخاصة فى قطر، وكان آخر تعاون مع قطر شراء 24 مقاتلة من طراز «رافال» من فرنسا.

استحوذ «صندوق الثروة السيادية القطرى» على 2% من شركة النفط الفرنسية العملاقة «توتال»، بقيمة تجاوزت المليارَى يورو، لتصبح قطر من أكبر 5 مساهمين فى الشركة.

اشترت «شركة قطر للاستثمار» النادى الفرنسى «باريس سان جيرمان» لكرة القدم، فى صفقة بلغت قيمتها أكثر من 100 مليون يورو.

قطر صرفت تقريباً 400 مليون يورو على ضم لاعبَى كرة قدم فقط هما نيمار ومبابى!!

استحوذت قطر على المبنى الذى يضم مقر صحيفة «لوفيغارو» ومكاتب السفارة الأمريكية وسط العاصمة الفرنسية باريس، ضمن صفقة بلغت قيمتها أكثر من 300 مليون يورو.

اشترت مجموعة قطرية 4 فنادق فرنسية، من بينها «مارتينيز» فى كان، و«كونكورد لافاييت» فى باريس الشهيران، و«أوتيل دو لوفر» فى باريس و«باليه دو لا ميديتيرانيه» فى نيس.

القائمة لم تنتهِ، والريالات القطرية صارت تتحدث الفرنسية. وبالطبع الإخوان -وهم الأتباع المخلصون- استفادوا، وبالتالى لن يصنَّفوا جماعة إرهابية فى عقر العلمانية! والسبب والإجابة قطر، لكن هل سيقف «ماكرون» الماكر ضدهم ويحمى علمانية فرنسا، أم أنه سيتبع خطى سلفه «ساركوزى»؟ هذا ما ستُظهره الأيام المقبلة.

القسم: 
المصدر: 

قرار الرئيس والتجارب السريرية

كنت أول من توقعت وكتبت بأننى واثق من أن الرئيس سيعيد قانون التجارب السريرية ثانية إلى البرلمان، وكتبت وقتها بالنص أن توقعاتى ألا يصدر قانون التجارب السريرية المعيب والخطير والفضيحة، الذى هو سبة فى جبين مصر وعلمائها وجامعاتها وباحثيها، والذى صدر فى أسوأ عهود وزارة الصحة قاطبة، توقعاتى لم تكن ضرباً للودع ورجماً بالغيب، ولكنها مبنية على قراءة خريطة العلماء والباحثين المصريين الشرفاء الذين رفضوا هذا القانون بشدة وتحملوا اتهامات وزير الصحة السابق المهينة لهم بأنهم أصحاب مصلحة فى تعطيله لأنهم مستفيدون، وهو اللفظ المهذب لـ«مرتشون»، ومبنية أيضاً على قراءة ومعرفة أسماء المجلس العلمى الاستشارى للرئاسة، الذى يضم عمالقة فى المجال البحثى الطبى على مستوى العالم، ومنهم د. أحمد عكاشة ود. محمد غنيم ود. مجدى يعقوب، وتوقعاتى كانت مبنية أيضاً على أن لجنة التعليم والبحث العلمى فى البرلمان، التى لم يُعرض عليها القانون ولم تناقشه وكأنه قانون سرى دبر بليل، عورة لا تظهر على أعضاء برلمان!!، بالرغم من أن فيها أسماء محترمة وعظيمة ومبجلة، مثل د. جمال شيحة، الذين لن يرضوا أن يغتال البحث العلمى فى مصر بهذا القانون، لن يصدر القانون باستخدام اعتصامات أو مظاهرات أو عنف، لكنه لن يصدر عبر حوارات منطقية عقلانية، سيتم تعديله عبر إقناع علماء أجلاء لهم وزنهم كانوا أول من طالب بتنظيم البحث العلمى، ولنتخلص من كل وساوس وزارة الصحة السابقة التى دبج موظفوها هذا القانون الفضيحة، وأولها وسواس أن أطباء مصر يريدون الفوضى وينشدون اللاقانون واللاتنظيم، والاقتناع بأن هؤلاء الأطباء الباحثين بجد ينشدون حمايتهم عبر التنظيم لا الفوضى، لكنهم فى نفس الوقت يريدون التحليق فى عالم العلم الرحب الذى صرنا فيه فى ذيل الأمم ونهاية السرب، مكبلين بهلاوس وضلالات وروتين يجعل الباحث إما أن يطفش ويهاجر وإما أن يكتئب وينتحر، نتمنى بتعديل القانون أن يولد علماء من رحم الجسارة العلمية لا يقلدون بل يبدعون، لا بد من أن نتخلص من وسواس أن جيناتنا أسرار يجرى وراءها الماسونيون الأشرار كى يفكوا شفرتها، ولنتساءل كيف وآلاف المرضى، ومنهم شخصيات عامة مسئولة كبيرة، يعالجون يومياً عند هؤلاء الأشرار الكفار الذين بمجرد نقطة دم سيكشفون المستور؟!، لا بد من أن نتخلص من وسواس أن الوزير هو الوطنى الوحيد، وأن كل من ينتقده عميل وخائن وجاسوس، صرخ الوزير السابق فى وجوهنا قائلاً: «أنا ابن الدولة»، ذكرنى بأحمد السقا حين صرخ: «أنا الحكومة»، صرخ فينا وكأنه يهددنا أو يؤدبنا، وكان الرد من الدولة عزله عند أول محطة تغيير حكومة!، وسواس آخر نردده يومياً كالأسطوانة المشروخة وسواس فئران التجارب الذى كتبت عنه من قبل قائلاً لوزير الصحة: (أبحاث فئران التجارب التى ترددها ليل نهار، للأسف فئران التجارب الذين تصفهم يا ابن الدولة وقلبك «متشحتف» عليهم قوى كانوا فى بداية تجارب السوفالدى هم الأمريكان والأوروبيون الذين لا يوجد عند مرضاهم النوع الجينى الرابع الشرس الذى يفترس مرضانا الغلابة، هل تعرف عدد من تسميهم فئران التجارب فى الثلاث مراحل للسوفالدى يا ابن الدولة؟، عدد المرضى الأمريكان والأوروبيين 42624 مريضاً، وهذا معناه أن ما تروجه لنا ويروجه المتشدقون بحقوق الإنسان بأن الشركات الغربية تجرى أبحاثها على فقراء الدول النامية فقط هو وهم كبير، هؤلاء الخونة من الباحثين الأمريكان، وعلى رأسهم يهودى كان يحمل الجنسية المصرية، كان من الممكن أن يقولوا ببساطة: «المصريين يخبطوا راسهم فى الحيط ويولّعوا بجاز، إحنا ننقذ المرضى بتوعنا ونسيب الناس اللى عايشين فى جو المؤامرة دول يموتوا وهمّا فاكرين إنهم خير أمة وأفضل بشر على وجه الأرض»، ولكن الضمير العلمى لا يعرف هلاوسنا ولا ضلالاتنا، حاول الباحثون بإشراف شركة جلياد التى ليس عند وزيرنا ابن الدولة إلا جملة واحدة محفوظة عليها وعلى غيرها، وهى مافيا الدواء!!، هذه المافيا بحثت عن مرضى خارج مصر من النوع الجينى الرابع لتجربة السوفالدى وبينهم جنسيات أخرى، ثم حُلت المشكلة نهائياً بعد الاشتراك مع الأساتذة «الوحشين» الذين يتهمهم ابن الدولة بأنهم خونة وعملاء ومصاصو دماء فى الأبحاث حتى وصلنا إلى علاج النوع الجينى الرابع بالسوفالدى وأشقائه).

أما الوسواس الأخير فهو إقحام رجال الدين فى اللجنة العلمية لتقييم الأبحاث!!، والسؤال ما هو دخل الشيخ والقسيس فى الأبحاث؟؟!، أم هى المزايدة الممجوجة والنفاق الدينى ومغازلة الشارع السلفى؟!، كنت أتمنى وأتوقع والحمد لله حدثت الاستجابة ومن أعلى رأس فى الدولة، من الرئيس شخصياً، حدث ليس لأن العلماء والباحثين سلطة، لكنه حدث لأن العلم منطق، والمنطق معنا وفى صفنا.

القسم: 
المصدر: 

طفل مخترع لكل مواطن

إسهال افتكاسات حدث للقولون الإبداعى المصرى إذ فجأة، ماسورة مخترعين أطفال وفتحت فى مصر المحروسة وأغرقتها فى الأكاذيب، ما يدهشنى ليست أكاذيب الأطفال فقط فمن الممكن أن تندرج تحت بند أساطير وحكايات وأضغاث أحلام وخيال أوهام الأطفال، لكن ما يدهشنى هو سهولة تصديق تلك الأكاذيب الطفولية ومن مسئولين كبار للأسف ومن إعلاميين مشهورين ويا للعار، كيف صرنا بهذه البلاهة وبهذا التخلف بحيث نصدق أى هرتلات من تلك النوعية التى تنتمى للهلاوس والضلالات؟! وللأسف كله فى فقرات متميزة فى برامج التوك شو، تارة يخرج علينا الطفل «عمرو» باختراعه الفذ الذى يحول لغة الحيوانات للغة بشرية، ويحول التراب لكهرباء والرمل إلى مياه، وما يغيظك ويصيبك بالأسقربوط أن المذيعة منبهرة، وتارة أخرى يدهشنا «محمد» باختراعه اللوذعى ويحكى أنه اخترع طائرة كروكى كده وهو عمره 3 سنوات فقط، ولمَّا كبر شوية وكان بيتمشى مع والدته فى الشارع وشاف الزحمة، سألها إيه ده؟ قالتله دى الزحمة. فذهب إلى بيته وعمل جهاز يخلّى العربيات تمشى دورين، بحيث واحدة تمشى تحت وواحدة فوق!، ثم صدمنا بالمخترع الأكبر «وليد» الذى تم تكريمه من محافظ وبرلمانيين وإعلاميين كبار واستُضيف تقريباً فى أشهر البرامج، «وليد» قالوا إنه قد فاز بالمركز الأول من صالون موسكو الدولى للاختراعات وتقنيات الابتكار، المعروف بصالون أرشميدس، فى موسكو. لكن بعدها بحثنا عن موقع الجائزة الرسمى، ولم نجد اسم «وليد» ضمن المشاركين، وهذه المسابقة كانت للكيانات وليست للأفراد، وثالثة الأثافى أن 70 دولة قد شاركت ليس من ضمنها مصر!!!، كيف صرنا مرضى بالإيحاء بتلك السهولة؟!، كيف ينوّم مجتمع مغناطيسياً بتلك السرعة؟!، السبب غياب منهج التفكير العلمى والنقدى، نفكر بالتمنى لا بالواقع، نرفع فزاعة بلاش إحباط للأطفال والشباب «سيبوهم يبدعوا ويخترعوا»، لكننا ننسى أن نعلمهم قواعد الإبداع وفنون الاختراع، نقتل خيالهم فى المدرسة ثم نطلب منهم خارج أسوارها أن يخترعوا، الطفل المسجون فى منهج الوزارة، والذى تم اعتقاله داخل صفحات مذكرات الدروس الخصوصية لا يمكن أن يبدع، الطفل الذى حرمناه من حصة الموسيقى وحولنا الحوش إلى خرسانة، واستبدلنا بحصة الألعاب حصة بلاغة مستحيل أن ينمو إبداعياً، الطفل الذى لا يدخل المعمل ويحفظ الكيمياء والفيزياء بنفس طريقة ألفية ابن مالك هو طفل مشلول الخيال وكسيح الابتكار، من أين سيأتى هؤلاء الأطفال؟، تربة التعليم مجدبة وقاحلة، أما المشاهد الذى يصدق ويصفق، فالإعلام قد جعله من القطيع، لا يقدم له برنامجاً واحداً علمياً، فضلاً عن أنه نتاج نفس التعليم الفقير النمطى، فالمرسل والمستقبل، الاثنان يعانيان من حوَل فكرى واستجماتيزم إبداعى، وبالطبع يساهم جرح التخلف الحضارى الذى لا يندمل، نتيجة وهم أننا الأفضل، يساهم فى ترسيخ تلك الأوهام والضلالات، أطفالنا يحتاجون إلى تنمية غدة الخيال لا تضخيم غدة الكذب، الخيال أمل والكذب ألم وورم.

القسم: 
المصدر: 

بليغ حمدى.. موتسارت المصرى

منذ ربع قرن وفى شهر سبتمبر وفى الغربة بباريس رحل عنا بليغ حمدى، هذا الموسيقار العبقرى، ودعنا محروماً من دفء الصحبة وونس أهل المحروسة وحضن الوطن، مصر التى عشقها واختزنها فى الوجدان والفؤاد فمنحته صولجان الموسيقى وعرشها، كانت الثورة وقتها ما زالت تتلمس الطريق وكان الأبناء ما زالوا يبحثون عن صيغة لتشكيل عقل ووجدان العصر الجديد، تفتحت الأزهار واتجهت صوب الشمس تتنفس الضوء الوافد والريح التى كان من الممكن أن تعصف بكل شىء، ظهر أحمد بهاء الدين وصلاح حافظ وفتحى غانم ويوسف إدريس وصلاح جاهين وفؤاد حداد وشادى عبدالسلام وعبدالهادى الجزار وجمال السجينى ومحمود رضا وكمال الطويل ومحمد الموجى وعبدالحليم حافظ، وظهر معهم شاب نحيل ذو صوت هامس كأنه يترقرق من نبع صاف، عيناه ذكيتان فى غير لؤم ووجهه مجهد شاحب ولكن المدهش أنه ينبض حياة ويشع حنواً وتسامحاً.

كان يحلم بموسيقى مختلفة، موسيقى من الناس وللناس، يرقصون على إيقاعها ومن الممكن أيضاً أن يحاربوا على نغماتها، أخذ يلملم مفردات إيقاع موسيقى الناس من زغاريد أفراح وعديد أحزان وحتى إيقاع الردح البلدى أخذ منه (راجع بعض مقاطع حب إيه اللى انت جاى تقول عليه)، فعلها من قبله سيد درويش بنصف قرن عندما ردد أغانى العمال والفلاحين والصنايعية وكل من هو على الهامش، وكما خطف الموت سيد درويش فى عز الشباب قبل أن يكمل مشروعه خطف المنفى بليغ حمدى قبل أن يصوغ أحلامه الموسيقية.

ولد بليغ حمدى فى 7 أكتوبر 1931 ومصر تمر بمخاض تعيد فيه تشكيل كيانها السياسى الذى تمزق بين احتلال أجنبى له أذناب داخل الوطن وحزب أغلبية نادراً ما يصل إلى الحكم وأحزاب أقلية كالدمى فى أيدى أسيادها وشباب جامعة حائر تجره تارة أمواج الإخوان المسلمين وتارة دوامات اليسار، فى خضم كل هذه الصراعات نشأ بليغ حمدى فى كنف أب كان رجلاً من رجال التعليم فى سوهاج، كان مستنيراً برغم التقاليد المحافظة والأعراف القاسية فاشترى لابنه الصغير بليغ عوداً ليعزف عليه أو بالأصح ليلعب به، ولكن سرعان ما تحول اللعب إلى عشق والشقاوة إلى تعبد فى محراب الموسيقى، وابتلعته الرمال المتحركة لهذه الهواية حتى سحبته إلى داخلها وامتلكت عليه عقله وقلبه، فقرر ترك كلية الحقوق وهو ما زال فى السنة الثالثة فى كلية الحقوق وكانت البداية مع الغناء قبل التلحين عندما أجازه محمد حسن الشجاعى فى لجنة الاستماع بالإذاعة وكان وقتها رئيس اللجنة، ولكن موهبة بليغ فى التلحين جعلته يرفض استكمال طريق الغناء الذى أحس أنه سيلتهم موهبته المتوقدة، وكانت بداية التلحين مع زميلته فى كلية الحقوق فايدة كامل، ولنترك الأستاذ أحمد شفيق أبوعوف يحكى لنا عن هذا اللقاء الأول، يقول أبوعوف «كنت فى الاستوديو وطلبت من فايدة كامل الانتظار للاستماع للحن دينى جديد لشاب اسمه بليغ حمدى، انتظرت واستمعت إلى اللحن من غناء فايدة كامل وتحركت مشاعرى مع السياق اللحنى الجميل الذى تضافرت فيه قوة وعمق الكلمات مع النسيج اللحنى، وكان أكثر عجبى من الأسلوب الذى لجأ إليه هذا الملحن الشاب لتصبح الأغنية عميقة الأثر على نفس السامع، وأحسست بأن ثمة روحاً متعطشة للتجريب والابتكار، وفى جمله الموسيقية أحسست بالبساطة والعمق وهما صفتان قلما يجتمعان فى عمل موسيقى، كما لمست قوة الحبكة الموسيقية فأدركت وأنا أستمع فى ذهول أن ثمة فناناً مصرياً عربياً يولد، وقلت هنيئاً لأمة العرب بهذا الناشئ العبقرى الفذ الذى سوف يسعد هذه الأمة بألحانه الآسرة التى تشع بإحساس عربى عريق».

وتحققت نبوءة أبوعوف وأسرنا وسحرنا بليغ حمدى منذ البداية فى منتصف الخمسينات، وكما كان يحمل مفتاح النيل دوماً على صدره حمل مفتاح الموسيقى الشعبية فى وجدانه، وأخذ يبحث عبر ألف وخمسمائة وثمانية وستين لحناً هى كل عمره الفنى جال فيها وصال بين جميع القوالب الموسيقية الشرقية من أوبريت وأغنية خفيفة ونشيد دينى وأغنية وطنية.. إلخ، وكانت عبقرية بليغ لا تنحصر فى هذا الكم الهائل الذى يتعجب الإنسان كيف أنجزه فى هذا العمر القصير، ولكن عبقريته تتجلى فى جمله الموسيقية التى تندهش كيف صاغها ومن أين أتى بها؟! لدرجة أنه سحر أم كلثوم عندما سمعت منه «حب إيه» وكانت تلك المرة الأولى التى تنتبه فيها لهذا الشاب النحيف، وللقاء بليغ مع الست قصة طريفة تدل على عظمة الاثنين معاً، فقد كان بليغ يقوم بتحفيظ أغنية للمطرب الشاب وقتها إبراهيم خالد ابن شقيقها، الذى يقطن معها فى نفس الفيلا، واسترقت أم كلثوم السمع فانبهرت باللحن وكان لحن «حب إيه»، وفوجئ بليغ بأم كلثوم أمامه تصفق له: برافو يا بليغ انت لك مستقبل هايل، وأخذ بليغ يعيد ويجود وأم كلثوم تستمع وتصفق حتى أذن الفجر ومعه أذن بلبل الفن، ها قد حان اللقاء وتم ضخ الدم الجديد فى شرايين فن «ثومة» ونجحت الأغنية نجاحاً باهراً، فقد طرقت أم كلثوم أبواب الشباب بالإيقاع الراقص أحياناً الشجى أحياناً أخرى، الذى يثير النشوة على الدوام، وبدأ الفيض البليغى يكسو أم كلثوم بياسمين العصر الجديد وبدأت ريشة بليغ المتمردة ترسم بورتريهاً ملوناً لسيدة الغناء تلمح فيه بعض الشقاوة والانطلاق، فكانت كمن قام بفك الجبس ليطير محلقاً بجناحين، وتوالت الأغنيات «أنساك يا سلام» لمأمون الشناوى واسمع فيها «ده مستحيل قلبى يميل ويحب يوم غيرك أبداً أهو ده اللى مش ممكن أبداً»، و«كل ليلة وكل يوم» لنفس المؤلف واستمع فيها إلى أكثر الأسئلة لوعة فى الغناء العربى «عامل إيه الشوق معاك عامل إيه فيك الحنين»، وأغنية «فات الميعاد» لمرسى جميل عزيز وصرختها المدوية و«النار بقت دخان ورماد»، و«أنا وانت ظلمنا الحب» لعبدالوهاب محمد، والصعود والهبوط فى « بردت نار وقادت نار»، و«بعيد عنك» لمأمون الشناوى، ودموع الكبرياء فى «نسيت النوم وأحلامه»، أما رائعته البسيطة المدهشة «ألف ليلة وليلة»، التى لفرط بساطتها تحس أن كل إنسان يستطيع تلحينها إلى أن تكتشف أنها البساطة العبقرية الآسرة التى يختص بها الله فرداً بعينه، إنها الخيال الجامح الذى روضه بليغ.

أما لقاء بليغ بعبدالحليم فكان لوناً آخر، كانا على نفس الموجة يمتلكان نفس الحلم ونفس الانكسار ونفس الطموح الذى كان مغلفاً فى بعض الأحيان بالأنانية الفنية المشروعة، فكان اللقاء الأول «تخونوه»، الذى كانت أنامل بليغ ما زالت تتحسس فيه حنجرة حليم، إلى أن جاء الانقلاب الكاسح حين تحمس حليم للفولكلور الذى طعم به بليغ ألحانه ورمى لحليم طوق النجاة من أغانى الهجر والضنا كى يدخل به شاطئ الالتحام بالناس وغناء ما يغنونه، وأفرزت تلك المرحلة «الهوى هوايا وعلى حسب وداد قلبى وسواح وزى الهوى..إلخ»، وخرج الغناء من الصالون إلى أوضة المعيشة يقتسم مع الناس البتاو والمحشى ويخلع الكرافتة والردنجوت ليرحرح بالبيجاما، استطاع الفرد العادى بمجرد صفير بسيط أن يغنى لحبيبته ألحان بليغ ويرقص على أنغامها مع حبيبته ولا يخجل من صوته وهو يأكل معها الترمس أو الذرة، فالأغنية ليست معقدة أو مكلكعة لا تمتلك القفلة الصعبة أو العُرّب المستحيلة، فالغناء لا يولدمع ألحان بليغ بعملية قيصرية ولكنه يولد بنشوة وبدون ألم وبطريقة فى منتهى الطبيعية.

واستراح بليغ على شواطئ حناجر أخرى مثل نجاة الصغيرة وشادية ووردة وفايزة ومحمد رشدى ومحرم فؤاد ومحمد قنديل وميادة وسميرة سعيد وعلى الحجار وعزيزة جلال وغيرهم من مطربى المنطقة العربية، وأنجز الأوبريت وكلنا لا ننسى تمر حنة، وأبدع فى الموسيقى التصويرية وما زال فى الذاكرة فيلم شىء من الخوف، أما الأغنية الوطنية فعندما يذكر انتصار أكتوبر لا بد أن نتذكر على الفور «على الربابة، وبسم الله، وعاش اللى قال، ويا حبيتى يا مصر»، عندما تحول عود بليغ حمدى إلى مدفع هادر استقر فى ماسبيرو لينطلق مع حلم النصر وثأر الانتقام، إنه موتسارت مصر الذى من فرط حبه لهذا الوطن وانغماسه فيه كتب شهادة وفاته الفنية عندما خرج منه إلى باريس، فنضبت ألحانه وفقدت بريقها، لأن برج إيفل لم يعوضه عن سيدنا الحسين، وشارع الشانزليزيه لم يمح من ذاكرته الغورية والموسكى، وأغانى داليدا لم تطربه كطلعت يا محلا نورها، لأنه عندما نفى عن الوطن نفى عن الإبداع فى نفس الوقت، فالحبل السرى الذى كان يمده بأكسجين الإبداع قد انقطع فتمت الولادة ولكنها الولادة المبتسرة التى لا تجدى معها حضانات باريس، فكان أفضل منها الموت.

القسم: 
المصدر: 

ادعموا مستشفى «ثابت ثابت» فالأمراض المعدية أخطر من السرطان

كتبت من قبل مناشداً الدولة الاهتمام بمستشفى «ثابت ثابت»، ولكن ما زالت الاستجابة ضعيفة، ولذلك أكرر دعوتى من خلال رسالة أ. د. جمال عصمت، أستاذ الكبد، الذى أعطانى أرقاماً وإحصائيات مهمة، فمستشفى ثابت ثابت للأمراض الباطنية المتوطنة هو أول مستشفى حميات جامعى فى مصر والشرق الأوسط يهتم بالأمراض المعدية والحميات والأوبئة، وهو مستشفى تعليمى علاجى بحثى فى مجال الأمراض المتوطنة والمعدية، بطاقة إجمالية 350 سريراً، 40 سرير رعاية مركزة، 20 عيادة خارجية، وأقسام تشخيصية وبحثية متكاملة تضم معملاً متخصصاً فى تشخيص الأمراض المعدية تكلفته منفرداً 300 مليون جنيه (يعمل على المستوى الثالث للسلامة الحيوية). وعلى الرغم من وجود عدد من مستشفيات الحميات المنتشرة فى أنحاء الجمهورية، فإن جميعها تفتقر إلى نظام علاجى بحثى وتعليمى متكامل به الإمكانيات اللازمة لعلاج كافة الأمراض المتوطنة المعدية والأمراض الوافدة، بما له من تداخل مع كافة التخصصات الطبية، الشىء الذى لا يمكن توافره إلا فى ظل المستشفيات والمعاهد الطبية الجامعية لضرورة تضمُّنها لشقَّى البحث والعلاج على حد سواء.

كما أن استعمال نظام العنابر الجماعية لإقامة المرضى يُعتبر هو الوسيلة السائدة حتى الآن فى جميع مستشفيات الحميات المصرية، وذلك النظام يُعتبر إحدى العقبات الصعبة فى طريق العلاج من الأمراض المعدية فى هذا النوع من المستشفيات. ومن المؤكد أنه لا غنى عن اللجوء لنظام عزل المرضى باستعمال الغرف المنفصلة والمصممة كمناطق معقمة، سواء بطرق التعقيم السطحى أو المعالجة الميكانيكية لضغوط الهواء، وهذا ما تم توافره فى البنية التحتية فى تأسيس مستشفى ثابت ثابت، لضمان العزل الكامل لمرضى الأمراض المعدية.

ومما سبق يتضح أهمية وجود مستشفى أمراض معدية متقدم ومتخصص ومتكامل للأمراض الباطنية المتوطنة (ثابت ثابت)، لنكون على استعداد لمواجهة أى أوبئة أو أمراض معدية فتاكة تهدد المجتمع، سواء بالوقاية والعلاج والبحث العلمى، تلك الأمراض التى ظلت مهملة فى مصر طوال الأعوام الماضية، وهذه الأمراض ومضاعفاتها هى السبب الرئيسى للإصابة بكثير من السرطانات التى كان يمكن تفاديها لو تم علاج هذه الأمراض المعدية فى مرحلة مبكرة، وهى المسئولة عن 20% من وفيات الأطفال سنوياً، البالغ عددها ١٥ مليون وفاة على مستوى العالم. وطبقاً لإحصائية وزارة الصحة، فإن إجمالى الحالات التى دخلت مستشفيات الحميات بمصر عام ٢٠١٢ نحو ٨٢ ألفاً و٧٠٨ حالات، منها ٦٥ ألفاً و٣٥٣ حالة، بنسبة ٩٧% لم يتم تشخيصها.

الأمراض المعدية لا تقل أهمية عن الأمراض السرطانية التى يتم دعمها من منظمات المجتمع المدنى بشكل قوى ومستمر، بينما الأمراض المعدية تنال جزءاً قليلاً من الدعم، فى حين أنها تستحق أن تنال جزءاً كبيراً من الاهتمام، خاصة بالمستشفيات الجامعية التى تُعد الملجأ الرئيسى للعديد من المرضى الذين يفتقرون لوجود مستشفيات متخصصة فى علاج وتشخيص الأمراض المعدية. وفى أكتوبر 2014 قامت جامعة القاهرة بإحياء مشروع مستشفى «ثابت ثابت» على الأرض التى أوصى بها المرحوم ثابت ثابت جورجى منذ عام 1936، وكان يحلم بإقامة مستشفى عليها، وكانت موافقة مجلس الوزراء فى تاريخ 26/4/2016 على توصية مجلس كلية الطب ومجلس جامعة القاهرة بأن يخصص هذا المستشفى للأمراض المتوطنة. وخلال عامين، وبعد أن قامت الجامعة بضخ 85 مليون جنيه من مواردها الذاتية، تم افتتاح الجزء الأول من المرحلة الأولى للمستشفى، التى تضم العيادات الخارجية والمعامل الاعتيادية ومركز التشخيص بالموجات فوق الصوتية والفيبروسكان ومناظير الجهاز الهضمى ومركزاً لتشخيص الفيروسات الكبدية وعلاجها، لكن لا يزال المستشفى بحاجة إلى المزيد من الدعم المالى حتى يكتمل الحلم ويخرج المستشفى إلى النور بكامل طاقته كأول مستشفى حميات جامعى لتشخيص وعلاج وتطوير البحث العلمى فى مجال الأمراض المعدية فى مصر والشرق الأوسط وشرق أفريقيا على مساحة 120 ألف متر مربع.

هذه دعوة لمنظمات المجتمع المدنى والجهات المانحة لدعم هذا المشروع الذى سينقل مصر إلى آفاق جديدة فى تشخيص وعلاج الأمراض المعدية، لتصبح مصر هى المرجع للدول العربية وشرق أفريقيا فى هذا المجال.

القسم: 
المصدر: 

ربع قرن على رحيل فارس العقل (٣)

تحدثنا عن القيد الأول والمعوق الرئيسى للعقل العربى وهو أن صاحب السلطان هو صاحب الرأى وليس صاحب رأى، أما القيد الثانى فهو سلطان الماضى على الحاضر، فالقديم له رهبة وسحر وجلال، ولكن أن يتحول الإعجاب إلى تقديس، تلك هى المشكلة، وسر النهضة الأوروبية كان فى تحول الناس من إدمان قراءة كتب الأقدمين إلى كتاب الطبيعة المفتوح، فقد كان الكاتب قديماً لا يحتاج إلى الخروج من الدير أو الصومعة أو الجامع، فقد كان كل جهده أن يشرح ويلخص، فهو اجترار من بعد اجترار من بعد اجترار، وشرح للشرح وتعليق على التعليق، وحتى الآن أصبح العلم كله متأثراً بتلك النظرة، عبارة عن تلقين فى تلقين وهذه هى الكارثة، والقيد الثالث أننا ما زلنا فى مرحلة السحر لا العلم كما يقول د. زكى نجيب محمود، فالسحر والعلم كلاهما محاولة لرد الظواهر إلى عللها وأسبابها، غير أن الساحر لا يقلقه أن يرد الظاهرة إلى علة غيبية ليس فى وسع الإنسان أن يستحدثها أو يسيطر عليها، وأما العالم فهو لا يقر عيناً إلا إذا رد الظاهرة المحسوسة إلى علة محسوسة كذلك، الساحر والعالم يقفان إلى جانب مريض، الأول يربط الظاهرة المرضية بالجن والعفاريت، والثانى بجرثومة معينة، فبينما يصبح الطريق مفتوحاً أمام العالم للبحث عن وسيلة يقتل بها الجراثيم، ترى الطريق مغلقاً أمام الساحر ولا يجد وسيلة لمغالبة العفاريت إلا بالبخور والأحجبة، فنحن بهذا المنهج أو بالأصح اللامنهج ما زلنا فى مرحلة السحر لم نبرحها بعد، ويؤكد د. زكى أننا لكى نتحضر لا بد لنا من أن ننتقل من حضارة اللفظ إلى حضارة الأداء، لا بد أن نتحول، فعصر التحول هو عصرنا، فسفينة الحضارة تتحرك بين شطين ولو غفلنا عن هذه الحقيقة الأولية زاغت أبصارنا إلى ماضٍ تركناه، أو شطح بنا الخيال إلى مستقبل مأمول لا نملك بعدُ وسائله، فإذا كانت الأولى التوت أعناقنا، وتحولنا إلى أصنام من الملح، وإذا كانت الثانية أصابنا كساح كالذى يصيب الطفل حين يرغمه أبواه على المشى قبل أن تستقيم ساقاه وتقويا، وقاعدة مرحلة التحول ألا تكون هناك قاعدة جامدة تسد علينا طرق المغامرة والخلق، فالجديد لم يتحدد بعد حتى نقن القوانين ونقعد القواعد، ليس العيب فى أن نراجع وإنما العيب فى أن نقف عند ما كان قائماً وكأنه الأزل الذى لا يبيد، لكى نولد من جديد علينا أن نجمع بين قيد العلم وانطلاقة الحرية، فبالعلم تتشابه المجتمعات وبالحرية تختلف، وإذا كان العربى متخلفاً عن عصره فذلك لأنه لا علماً اكتسب ولا فناً معبراً أنشأ، فإذا حققنا علماً واقعياً وفناً ذاتياً، هنا سنكون ولدنا من جديد، أما التعامل مع تراثنا كما يقول فيلسوفنا الكبير لا بد أن يكون تحقيقه بداية الطريق لا نهايته، ولا بد أيضاً أن نكف عن السخرية من العلم فلا نلوى الشفاه امتعاضاً عند هبوط الإنسان على القمر، ولا نهز أكتافنا سخرية عند زرع القلب، وكأن ما يفعلونه كفر، ولا بد أن نستحضر كلمة العالم القديم الذى سئل لماذا يكثر من الشك؟ فأجاب: دفاعاً عن اليقين، فالعلم منهج قبل أن يكون نتيجة، وحكم العلم يختلف عن الهوى بأنه لا يتعدد بتعدد الأشخاص، العلم ولا طريق إلا العلم، ورحمك الله يا فيلسوفنا العظيم فقد قرعت الأجراس فى مجتمع يعانى من الصمم.

القسم: 
المصدر: