خالد منتصر

ماذا فعل الإخوان بالسودان؟ (٣)

عندما تغتصب سلطة دينية الحكم وتعلن تطبيق الشريعة ستبحث فوراً عن التميز والتفرد فى قوانين سريعة التنفيذ ظاهرة المردود، فهذه الحكومة لو تحدثت عن الخطة والموازنة والتعليم وعلاج التضخم، ستصبح مثلها مثل أى حكومة علمانية أخرى، إذن الحل فى العقوبات السريعة بالجلد والرجم والبتر، التى تُترجَم -للأسف- على أنها هى الدين، وتكون النتيجة حصر الدين فى هذه المظاهر التى يدينها العالم ويتجاوزها الزمن بعد تغير مفهوم العقوبة وصدور مواثيق حقوق الإنسان، وهذا ما فعله نميرى فى السودان، ثم تبعه الملا عمر فى أفغانستان.

المأساة ليست فيما فعله نميرى فقط، ولكنها فى رد فعل التيار الإسلامى بجميع أطيافه حينذاك، بداية من المؤسسة الدينية الرسمية، وانتهاء بالمرشد العام، مروراً بالدعاة السلفيين، وحتى بمن نطلق عليهم التيار المعتدل!! من يرد قراءة تفاصيل أكثر، فعليه الاطلاع على مقالات فرج فودة فى ذلك الوقت، وها هو المفتى الشيخ عبداللطيف حمزة يقول عن حكم نميرى بالشريعة: «إننا جميعاً فى مصر، شعباً وحكومة، نرحب كل الترحيب بتطبيق الشريعة الإسلامية فى السودان الشقيق، ونحيى الزعيم المؤمن جعفر نميرى». أما المرشد العام الأسبق للإخوان، عمر التلمسانى، فيقول: «إن هذه الخطوة الذكية لن تمر بهدوء أو فى صمت عند الذين لا يريدون أن يروا نور الإسلام مشرقاً على ربوعه، وعلى القائد الحصيف أن يحذرهم ويكبح جماحهم، وألا يفسح لهم فى غيِّهم بحجة حرية الرأى والكلمة، فالحرية تكون فيما يضعه البشر لأنفسهم، أما شرع الله فلا نقاش فيه». وبالطبع سمع نميرى الكلام وأعدم محمود طه وغيَّب السودانيين وخدَّرهم، فخرجوا فى مظاهرات بعد شنق هذا المفكر الإسلامى هاتفين «لا إله إلا الله.. حاكم مسلم يا نميرى».

قال الشيخ عبدالحميد كشك، محيياً ومشجعاً نميرى ومطمئناً له: «إن الحملة التى يتعرض لها الرئيس نميرى بسبب تطبيقه للشريعة الإسلامية قد تعرّض لها من قبله سيد الأنبياء والمرسلين، وهل يضر السحاب نبح الكلاب؟»!!، اطمئن يا نميرى فقد تساوت الرؤوس وأصبح بداخلك قبس من النبوة منحه لك الشيخ كشك! وقال الشيخ الغزالى: «تطبيق الشريعة الإسلامية فى السودان كان إلهاماً جليلاً من الله للمسئولين فى السودان، إنهم بهذا المسلك وقفوا أمام الغزو الثقافى، وأحبطوا محاولات استعمارية خبيثة، وأعتقد أن السودان لا يهنأ بشىء كما يهنأ بهذه المرحلة النقية الطيبة التى جعلته يتخلص من وباء الأحكام الوضعية»، وهنأه الشيخ صلاح أبوإسماعيل قائلاً: «نميرى أعز الله به الحق، وأيد به الإسلام.. إلخ».

المدهش هو احتفاء جريدة «اللواء الإسلامى» الناطق الدينى للحزب الوطنى وقتها! كان المانشيت فى هذه الجريدة كوميدياً لا يصدقه طفل: «المسيحيون فى السودان يؤيدون تطبيق الشريعة الإسلامية»! وأسفل المانشيت كلمة للشيخ القرضاوى يقول فيها: «إن الرئيس السودانى يعمل على بناء الفرد الصالح، فهذا هو البناء الحقيقى، وهو حجر الأساس فى تطبيق الشريعة»، وشاركه الرأى الملاكم الأمريكى محمد على كلاى، الذى لا أعرف كيف اتصلت به الجريدة!! المهم وصف كلاى السودان بأنها «نموذج فريد يجب أن يُحتذى، لأن فيه خلاصاً للناس من التيه والشقاء»! وأشك فى أن كلاى نفسه يعرف معنى كلمة التيه!

لو أراد الأعداء تشويه صورة الإسلام، لما نجحوا مثلما نجح نميرى والملا عمر وبن لادن والزرقاوى، ولكن المشكلة ليست فى هؤلاء القادة بقدر ما هى فى أتباع ومريدى هؤلاء القادة، ممن يخدرهم شعار تطبيق الشريعة.

القسم: 
المصدر: 

ماذا فعل الإخوان بالسودان؟ (١)

الدولة الدينية دولة فاشية بالضرورة، لأنها تحكم بالحق الإلهى، وتضع الحلال والحرام مكان الصح والخطأ، ويحكمها خليفة هو ظل الله على الأرض، ومعه أهل الحل والعقد ممن يبررون له حكمه الجائر بالفتاوى والتخريجات الفقهية. هى دولة فاشية لأن فلسفتها وجوهرها فاشى وعنصرى، لأنه ينفى الآخر أو على الأقل يجعله أدنى مرتبة، هى دولة مصطلحاتها مفخخة: حرية التعبير تنقلب ردة، من يقدم رأياً معارضاً هو منكر لما هو معلوم من الدين بالضرورة، المتظاهر يعصى أولى الأمر ويفارق الجماعة ويخرج عن الملة، المخالف كافر فاسق زنديق ملحد... إلخ. يصير الوطن ساحة دموية لمن نصَّبوا أنفسهم وكلاء الله على الأرض، ويصير المواطنون رعية عليهم أن يعيشوا بالتقية.

ومع شعوبنا المغيَّبة المخدَّرة يكفى أن ترفع شعار تطبيق الشريعة الإسلامية لتجد نفسك بطلاً محمولاً على الأكتاف، وزعيماً تستمد قوتك من شعب محبط ومواطن مزيف الوعى وشعار مطاط «أول سايز» تستطيع أن تحوله إلى قناع يخفى ديكتاتوريتك ودمويتك. وهذا ما فعله النميرى حين أعلن عن تطبيق الشريعة الإسلامية فى سبتمبر 1983، وتحول بفضلها من الرئيس النميرى إلى الإمام النميرى!

الذكرى تنفع المؤمنين، وقد آن الأوان لفضح رافعى هذا الشعار الذى يراد به باطل والذى لوَّث أصحابه ثوب الدين الأبيض بدم الجثث التى شُنقت والأيادى التى بُترت والنساء اللاتى جُلدن وهم متلفحون بالدين الذى خُلق لسعادة وصلاح البشر، وليس لتقطيع أوصالهم والضحك على ذقونهم كما فعل الإمام النميرى الذى ارتدى قناع الدين كستار لجرائمه البشعة.

عندما تحكم الدولة الدينية يقع حكامها فى إشكالية مرعبة، فالتقدم الاقتصادى والإصلاح والرفاهية أشياء تحتاج إلى وقت طويل ولن تمنح هذا الحكم تميزاً خاصاً، وهم مستعجلون، ما العمل إذن؟ تستدعى الدولة الدينية بسرعة من جراب الفقه بعض الطقوس الشكلية الدرامية العنيفة لكى تصرخ: نحن مختلفون عمن سبقونا. وتبدأ المسألة بالحدود والرجم والنقاب وتحديد طول اللحية وإعدام المرتدين مثلما حدث فى السودان مع المفكر الإسلامى محمود طه (80 عاماً) عندما تم إعدامه فى 20 يناير 1985، جزاء لاعتراضه على أسلوب تطبيق الشريعة النميرية. يصفق المؤيدون بالطبع ويهللون، ولكن الصدمة تأتى عندما يفيق هؤلاء المهللون (وهم لا يفيقون) على أن المسألة لا تتقدم خطوة عن هذه الاحتفالات بجثث المشانق وطقوس الملابس! وأنها لا تتعدى رغبة دفينة عند الحاكم فى الاختباء خلف الدين لتحقيق أهدافه ومطامعه الأنانية الخاصة جداً!! وهذا ما حدث بالضبط فى حكم النميرى بالشريعة الذى هلل له الإخوان المسلمون المصريون وقتها وكأنه غزوة بدر!

هل تعرفون ما هى أول مادة طلب تغييرها إمام المسلمين جعفر النميرى فى 10 يونيو 1984 ضمن طلباته بتعديل بنود الدستور؟

بعد أن كانت المدة الرئاسية ست سنوات طلب النميرى، الإمام الخليفة المنتظر، أن تعدل كالتالى: «دورة الرئاسة تبدأ من تاريخ البيعة، ولا تكون محددة بمدة زمنية معينة»!!.

إنها قمة الورع والزهد، ولكن هل كانت تلك المادة هى الوحيدة من بين تعديلات وتطبيقات الشريعة الإسلامية النميرية التى أسكرت الإخوان وقتها؟

القسم: 
المصدر: 

غادروا عتبة النقاش إلى ساحة النقد لتنعموا بالحداثة

«تدمير المعرفة الخاطئة وتفكيكها خطوة مهمة قبل تأسيس المعرفة الصحيحة».. تلك مقولة الفيلسوف الفرنسى جوستون باشلار، التى نبهنا إليها د.محمد أركون فى كتابه «قضايا فى نقد العقل الدينى»، إذن لن تتأسس معرفة ومفهوم الحداثة إلا على أنقاض المعارف والمفاهيم وطرق الفكر القديمة، لا تستخدم نفس الأعمدة القديمة لتشييد مبنى الحداثة عليها، ذلك لأن تصميم العمارة الحداثية مختلف، لن تستطيع تحمله الأعمدة القديمة وأيضاً لن تناسب شكله الجديد، إنها تناسب تربة الماضى ومناخ الماضى وسكان الماضى، والخلاصة هى أن أى محاولة ترقيع أو تلفيق أو ترميم هى محاولة محكوم عليها بالفشل، ولو حاولت بناء الحداثة بخلطة القديم حتماً سينهار البناء.

نحن فى الدول والمجتمعات الإسلامية نلهو بمكتشفات ومخترعات الحداثة ولا ننظر أو نعطى أنفسنا فرصة لنتدبر ما وراء تلك المكتشفات والمخترعات، وكما قال عبدالكريم سروش فى كتابه «التراث والعلمانية»: «إننا ننظر إلى ثمار الحداثة لا إلى جذورها».

وإذا عرَّفنا العالم الحديث بمجرد أنه المكان الذى يحتوى على الكهرباء والإنترنت والكمبيوتر...الخ، فنحن نستخدم تعريفات ساذجة، ونتهرب من طرح السؤال الأهم: «لماذا لم يتوصل هذا العقل القديم إلى تلك المنجزات الجديدة؟».

ليس مجرد تراكم المعارف، لكن هناك ثورة وفورة وحداً فاصلاً واضحاً ما بين عصرين جعل إيقاع ظهور وتطور تلك المنجزات والاكتشافات أسرع، بحيث بتنا نلهث فى تعقبها وإحصائها، كنا قديماً نظل مئات السنوات محتفظين بالاختراع أو الاكتشاف ثابتاً راسخاً حتى يصبح جزءاً عضوياً فينا كنواة الخلية، المحراث ظل ملتصقاً بنا آلاف السنين حتى ظننا فيه الخلود، وتطوره إلى ما بعده من أجهزة أخذ وقتاً طويلاً يحسب بالقرون، والأهم هو اقتناعنا وقبولنا ودرجة تخيلنا لهذا التطور والتغيير، إنه قبول بالأمر الواقع واقتناع بأن تغييره صعب، لماذا التغيير إذا كنا مستريحين لهذا المنجز؟، هذا هو المهم، التغيير الأهم ليس فى اختصار وقت التغيير والتطوير فقط، ولكن فى جسارة طرح السؤال وشجاعة التمنى المحلق والحلم المتجاوز.

مثل آخر مختلف عن المحراث، وأحدث نوعاً ما، وهو الآلة الكاتبة، لكن فكر فى كيف ظلت تلك الآلة مئات السنين نغير فقط فيها الشكل والرتوش، احتاجت أجيالاً، لكن قارئى العزيز ابحث فى أدراجك عن مئات «الفلوبى ديسك» هذا المربع العجيب، وانظر إلى تاريخه، ثم انظر إلى «السى دى» والـ«دى فى دى» والفلاشة، كل هذا لم يستغرق عشر سنوات من حياتك، كذلك من الكمبيوتر الذى يحتل حجرة كاملة ثم الكمبيوتر الذى يحتل المكتب ثم إلى اللاب توب، ثم إلى التاب، ثم إلى الـ«سمارت فون»... الخ، بالكاد عشرين أو ثلاثين عاماً، لكنك متقبل وغير منزعج بل لديك وسواس التغيير والتطوير، لأنك صرت تملك تلك الجسارة الحداثية، لكنها فى مجتمعاتنا الإسلامية جسارة الاستهلاك لا جسارة السؤال والعقل والاكتشاف.

لماذا لم يحدث للقدماء ذلك؟، ماهو الضيف الذى حل على عالمنا بعصاه السحرية وهدايا بابا نويله التى لا تنفد فجعله عالماً حديثاً حداثياً؟

إنه العلم التجريبى، والمهم قبل العلم فكرته الجديدة أو منهجه أو فلسفته، العلم قديماً كان غائياً، التفسير كان على أساس الغاية، عندما أردنا تفسير سقوط الحجر من أعلى إلى أسفل، قلنا إن كل شىء يبتعد عن أصله يريد العودة إليه، تفسير أدبى بلاغى نفرض فيه قناعاتنا ومشاعرنا وتخميناتنا وكأننا نصف حنين عاشق إلى معشوقته أو جنين إلى رحم أمه، الآن الحجر يعود إلى الأرض ليس لأنها أمه وأصله ولكن بسبب قانون الجاذبية، إذن هى حركة جبرية قسرية لها قوانين، ليست قصيدة شعر، إنها معادلات معمل، مهما خاصمت هذه التفاسير والقوانين العلمية وجدانك أو تعارضت مع بديهياتك وألفتك مع الأشياء فإنها ستظل حقائق علمية، أنت طبقاً لمقاييس حواسك وحدود خيالك وحرقة رغباتك تمشى على الأرض متأكداً من أنها مسطحة، يأتى العلم ليطيح بتلك القناعات والبديهيات غير محترم لأحاسيسك ومهملاً لحواسك، ليصدمك بأنها ليست مسطحة وأنها تدور، إذن فالعلم يقول لك «آسف طظ فى حواسك، وسأمضى فى طريقى غير عابئ بصرخات انهزام قناعاتك، ذلك لسبب مهم هو تحقيق سعادتك».

سيأتينى الرد الجاهز، نحن نعرف كل ذلك وندركه جيداً، نحن غارقون فى نقاشات التجديد، أليست تلك رغبة فى تحقيق الحداثة؟

هنا لا بد من وقفة للحديث عن فض اشتباك وتصحيح خلط ما بين النقاش والنقد، فالنقد هو نقد ما تحت السطح والتربة وليس ما هو فوق الأرض وعلى الهامش، نقد المبنى والجذر لا الجدار والفرع، وكما يوضح عبدالكريم سروش فى «التراث والعلمانية»، ص 46: «أهم مرتكزات العالم الحديث هو امتداد النقد إلى حيث الجذور وتعرية الأصول وكشف القبليات ومواجهتها وتسليط الأضواء عليها، وإلا فإذا تحاور شخصان تجمعهما آلاف القَبْليات والمفروضات المشتركة، ولا يفكر واحد منهما فى توجيه النقد إليها وغربلتها، فإن هذا الحوار لا يسمى حواراً نقدياً»، إذا حاورت على سبيل المثال شخصاً من نفس الأرضية المشتركة وهى أن مفهوم العنعنة لا شك فيه ثم نتجادل فقط فى صحة هذا الحديث أو خطأ ذلك الحديث، فنحن لسنا فى حالة نقد، لأن مفهوم العنعنة نفسه من الممكن أن يتخلخل من خلال طرح أسئلة أكثر جذرية مثل قوة الذاكرة الحافظة الفوتوغرافية التى تستطيع نقل الحديث بالحرف وعدم وجود هامش خطأ، هل مثل تلك الذاكرة موجودة وحقيقية ومستمرة على مدار تلك السنوات؟، وهل هناك إمكانية أصلاً فى مجتمع شفاهى لتناقل مثل تلك الأخبار بتلك الدقة؟، وأيضاً مسألة الصحابة العدول الذين لا يمكن أن يتطرق إلى كلامهم ذرة شائبة، هل هذا طبيعى وإنسانى فى ظل قراءتنا التاريخية لحروبهم وصراعاتهم بل وتلاسنهم الذى وصل إلى حد السب والتحريض؟!

أشياء وقضايا كثيرة تندرج تحت باب النقد للجذر والمبنى تهرب وتفر وتضيع منا ونتخيل أننا نمارس النقد بينما نحن نخدش السطح فقط متخيلين أننا سنصل إلى أعماق المناجم، والعلم يجعل لنقدنا هذا معنى، ويضعه فى إطار يحركنا للأمام، لأننا وقتها سننشغل بسؤال «HOW» كيف، وليس «WHY» لماذا، وهذه عبقرية نيوتن وجاليليو وهداياهم الكونية المثيرة التى منحوها إلى الإنسانية، لم ينشغل العالم بسؤال لماذا يسقط الحجر وهل هو يحن للأرض أم هو فى حالة كراهية، ولكنه انشغل بـ«كيف» حتى يستطيع صياغة قوانين، لم يتملكه وسواس أن الكتاب المقدس قال «إن المسكونة لا تتزعزع»، فذهب ليلتمس الأعذار ويتسول المبررات ويلوى عنق النصوص ليلفق إعجازاً هنا أو معجزة هناك ليزغزغ ويدغدغ بها الدهماء، لكن كانت أمامه مظاهر وظواهر وحقائق من خلال تليسكوب، قادته وأدت به إلى اكتشاف حركة دوران الأرض وأنها ليست الثابت الذى يدور حوله الكون.

إن ظللنا نخشى النقد ونحبس ونقتل النقاد ستتحول بلادنا إلى أنقاض.

القسم: 
المصدر: 

رهان «السادات» الذى كلفه حياته

الرئيس الراحل أنور السادات الذى نحتفل الآن بمئويته، صاحب حياة دراماتيكية، فيها كل منحنيات الدراما من صعود وهبوط، تراجيديا وكوميديا، انتصارات وهزائم، معاناة ورفاهية، الدراما دخلت كل تفاصيل حياته، حتى إنه فى شبابه تقدم فى مسابقة للتمثيل وكان عاشقاً للسينما، ولا بد ونحن نحتفل بمئويته أن نستفيد من كل الدروس الحياتية التى مر بها ومررنا نحن أيضاً بها معه كمجتمع وكوطن، الدروس الإيجابية والسلبية أيضاً، والمكتوب عن الدروس الإيجابية فى الصحف الآن كثير ومهم، لكن الدرس السلبى الذى لا بد أن نستوعبه، خاصة أننا نعيش تبعاته وتوابعه ليس أقل أهمية، درس الرهان على التيار الإسلامى وإمكانية انخراطه فى المسار الوطنى، وهو للأسف درس لم نستوعبه حتى الآن، ظن «السادات» للأسف خلال حربه مع من أطلق عليهم مراكز القوى، ثم مع اليسار المصرى أن أفضل من يحاربهم هم الإخوان، أفرج عنهم وقرّب مرشدهم «التلمسانى» إليه، تكونت الجماعة الإسلامية فى الجامعات، وكان فى الكواليس محافظ أسيوط وقتها منفذاً وداعماً، سمح بمجلة الدعوة، أهم أذرعهم الإعلامية وقتها، تمت السيطرة على النقابات بعد الجامعات، راهن «السادات» على أنهم سيقفون فى الصف الوطنى، ظناً منه أن الحائل كان الملاحقات الأمنية والاضطهاد، فتح لهم الأبواب، وبدأوا فى السيطرة على العمل الاجتماعى وبناء المدارس والمستوصفات، غضّت حكوماته المتعاقبة الطرف عن التمويل الخليجى، انتشرت المكتبات السلفية بكتب الخرافة وعذاب القبر والجهاد، صادروا الريف لصالحهم فكرياً، اشتد التعاون بعد مظاهرات يناير التى اتّهم فيها اليسار، فكانت نهاية آخر شعرة لعلاقته مع تياره الذى تم التضييق عليه، فى مقابل إتاحة الفرصة للإسلاميين بقوة، زحفوا على الإعلام، انتشر الحجاب باعتراف عصام العريان نفسه كراية سياسية فى شكل زى، بدأت الفتن الطائفية فى الاشتعال، وأشهرها «الزاوية الحمراء»، التى لم يقرأ خلفيتها على ضوء توغّل عصابة البنا، لكنه قدم قراءة سطحية عن غسيل مسيحى بينقط على بلكونة مسلمة!!، ظل حتى آخر لحظة مؤمناً بأن إرهاب هذا التيار هو فقط مجرد إرهاب بعض الأفراد المرضى فيه، وظل يرسل فى نداءات للولد الإرهابى اللى مستخبى فى الحتة الفلانية، ولغيره من الهاربين فى الكهف العلانى.. إلخ، فى نفس الوقت الذى يستمع إليه فى الصفوف الأولى من يحركونهم من خلف الستار، القط الذى ربّاه تحول إلى نمر، والتهمه يوم المنصة، يوم عرسه فى احتفالات النصر، هل هناك درس مستفاد من هذا الرهان الذى قامر فيه «السادات» بحياته؟، بالطبع نعم، الإسلام السياسى بكل أطيافه هو أيديولوجية فكرية وبناء عقائدى لن يتغير، هناك لحظات تقية ومناورة ومراوغة، لكن كراهية الوطن وحلم الخلافة وبذرة الخيانة والغدر موجودة وتنمو باستمرار، حتى لو فى صوبة مستترة، تعطيهم صباعك ياكلوا دراعك، ما إن تفتح لهم شراعة النافذة، سرعان ما يجلسون فى غرفة نومك.

القسم: 
المصدر: 

اغتصبوا وذبحوا لنصرة الدين!!

استيقظ العالم، منذ يومين، على كابوس بشع دراكيولى، ذبح سائحتين فى المغرب بعد اغتصابهما، إحداهما نرويجية والأخرى دنماركية. أتيتا من بلاد الشمال، حيث مؤشر السعادة فى أعلى درجاته، حضرتا من ريف اسكندنافيا، حيث ينام الناس وأبواب البيوت مفتوحة، ثقافة لا تعرف الأسوار ولا الأسلاك الشائكة ولا التوجس أو التربص، استمعتا إلى حكايات بلاد الشرق الجميلة، حيث وُلدت ألف ليلة وليلة، اختارتا بقعة بجوار مراكش، حيث السحر والجمال. كل منهما كانت قد قرأت أنها ستسافر إلى حيث خير أمة. على صفحتها كتبت النرويجية تدافع ضد خوف البعض من شكل أحد السلفيين فى أوروبا، هاجمت التعليقات وقالت: لا تحكموا على الناس بالمنظر الخارجى، لم تكن تعرف هى وصديقتها أن بنات الصفر هن وجبة شهية للدواعش، وأن أسعار السبايا الشقراوات هى الأعلى والأغلى فى سوق النخاسة.

استيقظ العالم على صدمة صراخ البنت البريئة تحت نصل السكين «لايف فيديو». يجز المجرم عنقها بكل تلذذ، منتشياً بنافورة الدم الساخن، يفرغ فيها شهوته السيكوباتيه، بعد أن أفرغ فيها شهوته الجنسية. الصادم أكثر هو الفيديو الذى سجله هؤلاء الحقراء السفلة، يبررون فيه ما هم مقدمون عليه، تلاوة آيات فيها ألفاظ القتل والجزية، ثم يقولون إنهم سيفعلون كل ما يفعلونه لنصرة الدين!! اغتصاب وذبح لنصرة الدين؟! أى دين ستنصرونه؟ من أى عجينة وضاعة تشكلتم؟ إن الضباع لتستحى أن تفعل فعلتكم، كيف يصل العقل الإنسانى إلى هذا المستوى المنحط؟ كيف تحدث تلك «الفرمتة» فيصبح قابلاً لتلك الهرتلات والهلوسات؟ وكيف تقبل مجتمعاتنا أن تصرف مليارات على مؤسسات دينية تزيف وعينا وتدشن وتخلق وتصنع تلك العقول من خلال نصوص تحمى ترساناتها بكل ما تملك من أموال وأسلحة؟! وعندما نتسول منها الإصلاح والتجديد، تتدلل حتى نتذلل، ثم تكون النتيجة مزيداً من التخلف والتزمت والانغلاق.

القتلة ذكروا فى تبرير فعلتهم الحقيرة نصوصاً دينية، هل انتبه أحد المؤلفة جيوبهم من مكتنزى المليارات وأصحاب بازارات الدعوة وبوتيكات الفتاوى إلى تلك النصوص؟؟ المشكلة فى المنهج المصرّ والمتمسك بتديين المجتمع وتحويله إلى جيتو دينى. العالم فى صدمة، والسؤال الملح الذى يفرض نفسه عليهم: لماذا سكان تلك البقعة، التى هبطت فيها الأديان السماوية، على خصام مع الأرض؟! لماذا يشغلهم الموت أكثر من الحياة؟ لماذا هم دوناً عن غيرهم لا يندمجون فى الحداثة؟ لماذا يتآلفون مع الدم ويمجدون الذبح ويعيشون فى وهم الجهاد وشرنقة الغزو وخداع التعالى على كل الثقافات والأديان الأخرى؟ يتساءلون: كيف، وهم الأكثر تخلفاً فى العالم، يمتلكون كل تلك الثقة والزهو والفخار؟! يستوردون طعامهم وملابسهم وأسلحتهم منا، ثم يبثون كراهيتهم وينفثون سمومهم ويذبحون لحم بناتنا بعد إفراغ كبتهم المزمن!! أسئلة تزعج العالم، لكنها للأسف لا تزعجنا، فنحن نعيش فى حجرة المرايات، لا نرى إلا أنفسنا، وفى النهاية ستتحول تلك الحجرة إلى مقبرة كبيرة، تجمع جثث كل الكائنات المنقرضة.

القسم: 
المصدر: 

فى حب عمر خيرت

الاثنين الماضى كان ميعادى مع الفن الذى بدونه تكون الحياة خطأ، كما قال «نيتشه»، مع الموسيقى، أذهب إلى حفل عمر خيرت فى الأوبرا وكأننى مراهق مقبل على موعد غرام، هو متعة نفس وعلاج روح، والأهم أنه اطمئنان على مصر، فبلد ما زال فيه عمر خيرت هو بلد من الممكن أن تطمئن عليه وإليه!! هكذا همست لنفسى، وأنا أستمع إلى شوبان مصر، هذا الساحر الذى تُطبطب أنامله على وجداننا، تهدهد شغاف قلوبنا، وتمسح ملح العبَرات الذى جفّ من ركام الأحزان من على مآقينا، المهم أن يبقى عمر خيرت، والأهم أن يبقى متذوِّقو عمر خيرت على العهد والوعد، فالوطن الذى يتذوق فيه المواطن موسيقى عمر خيرت، ويشترى تذكرته من السوق السوداء، ويحجز حفلاته قبلها بشهور، هو وطن لا يمكن أن يموت، من الممكن أن يمرض وترتفع حرارته ويهلوّس أثناء الحمى، ثم يستيقظ عندما تستيقظ مناعته وتُستفَز إمكانياته المخبوءة المهدرة، فالإرهاب يموت يوم أن يسكن التمثال واللوحة والكونشيرتو والباليه وجدان المصرى، فمَن يتذوق تلك الإبداعات لا يمكن أن يُشهر سكيناً أو يبقر بطناً أو يفجّر كميناً، لأنه ببساطة سيحب الحياة، عمر خيرت لا يجيد الكلام والثرثرة، اللغة الوحيدة التى يجيدها هى لغة الفن والموسيقى، هو يعرف أنه حفيد الفراعنة وسليل عائلة خيرت العبقرية، ويعرف أن عليه واجب الحفاظ على هذين اللقبين، كانت حفلة عمر خيرت مزدحمة ولا يوجد كرسى واحد فاضى!، اعتبرته خير تصويت على أن وجدان مصر ما زال فيه الرمق، ما زال يعافر، شباب وكهول، رجال ونساء، يتشبثون بأهداب الفن السحرية، تطبطب على أرواحهم أنامل عمر خيرت السحرية، دموع الجمهور وهو يعزف (فيها حاجة حلوة) تصرخ بأن مصر بالفعل فيها حاجات كتير حلوة يجب البكاء عليها لو ضاعت، تفاعلهم مع (يبقى انت أكيد المصرى) تشبث بالجذور الوسطية الأصيلة للمصرى المتجرد من عباءة بدو الوهابية، أخذنا عمر خيرت إلى جنة الفن وفردوس الإبداع، أيقن الجميع أن أعداء الفن هم أعداء الحياة، عرفنا أن مَن لا يهتز لنغمة أو يطرب لإيقاع فهو غير جدير ببناء حياة ومستقبل، مَن لا يبكى عندما يشاهد فيلم (نهر الحب) أو (حبيبى دائماً)، ولا يضحك عندما يشاهد الريحانى أو عادل إمام ويتذكر فقط أن الأول مسيحى والثانى يستحق السجن! فهو غير مؤهل لخوض مغامرة تغيير مجتمع وبناء وطن، مَن يرى فى راقصة الباليه مجرد ملابس قصيرة تثير غريزته الجنسية هو إنسان مريض نفسياً مكانه مستشفى الخانكة، ولا ينبغى أن تكون له المرجعية! ومَن يستمع إلى مزامير الشيطان فى موسيقى الساحر عمر خيرت فهو أصم غليظ الحس متبلد الوجدان.

استمعوا إلى عمر خيرت فى هذه الأيام الصعبة، احتفوا واحتموا بموسيقاه، ارقصوا واطربوا وفكّوا صواميل الكبت والقهر والتزمُّت، وذَوِّبوا نشا الصمت والتواطؤ والخوف على إيقاع موسيقى هذا العبقرى الجميل.

القسم: 
المصدر: 

استمعوا إلى الأساتذة فى قانون المستشفيات الجامعية

قانون المستشفيات الجامعية يصدِّرونه إلينا على أنه قانون سماوى ليس قابلاً للمراجعة، طريقة صدوره والإصرار على عدم تعديله وطرحه للحوار المجتمعى تثير الريبة، واختصاراً للوقت والمساحة سأعرض عبر عدة مقالات آراء الأساتذة أصحاب القضية، البداية من قسم الجراحة بقصر العينى أقتبس من تقريرهم هذا الجزء:

القانون ١٩ لسنة ٢٠١٨ ينهى التعليم الطبى المصرى: مسمى «المستشفيات الجامعية» يطلق مجازاً على الأقسام الإكلينيكية لكليات الطب، وكليات الطب كليات عملية وليست كليات نظرية. والقانون ١٩ لسنة ٢٠١٨ يسلخ الأقسام الإكلينيكية عن تبعية كليات الطب إلى تبعية المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية لتنفيذ سياسات العمل التى يرسمها المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية المشكل برئاسة السيد وزير التعليم العالى والسادة المديرين للمستشفيات الجامعية بصفتهم، والسادة المديرون للمستشفيات الجامعية بصفتهم غير ممثلين للأقسام الإكلينيكية على الإطلاق.

مشروع اللائحة التنفيذية للقانون ١٩ لسنة ٢٠١٨ يحدد المتحكم فى وضع سياسات العمل بالمستشفيات الجامعية «مقدمى الخدمة الصحية التابعين للجهات المختلفة وخاصة الوزارة المختصة بالصحة والسكان وهيئات التأمين الصحى المختلفة»، وليست كليات الطب أو الأقسام الإكلينيكية (كما ورد بالمادة ٩ من مشروع اللائحة التنفيذية)، وعليه فالقانون ينهى تبعية العمل للأقسام العلمية الإكلينيكية وغيرها من وحدات علمية وتعليمية وبحثية وخدمية منشأة بالقانون ٤٩ لسنة ١٩٧٢ لكليات الطب وتحويل التبعية لمجلس المستشفيات الأعلى.

ينتهى دور التعليم الطبى التابع لكليات الطب نهائياً بالعمل بالقانون ١٩ لسنة ٢٠١٨ حيث يتضح من المواد ١٤ و١٥ فى نص القانون و٢٩ وما يليها فى مشروع اللائحة التنفيذية أن تعيين السادة أعضاء هيئة التدريس للعمل بالمستشفيات يكون بالتعاقد مع سلخ صفة عضو هيئة التدريس عنه ومنحه صفة طبيب معالج «استشارى مساعد، استشارى.. إلخ»، وهو ما ينفى نهائياً عنه صفة العمل كعضو هيئة تدريس ويجعل سياق هذه المواد على سبيل «إجازة عمل أعضاء هيئة التدريس بالمستشفيات الجامعية»، ويؤكد عدم تبعية المستشفيات للأقسام الإكلينيكية وكليات الطب.

ولقد أحالت المادة ١٤ من القانون ١٩ لسنة ٢٠١٨ تعيين السادة أعضاء هيئة التدريس إلى اللائحة التنفيذية التى استهلت الباب الرابع بإجازة التعاقد مع العاملين «من» أعضاء هيئة التدريس. بينما لم يتطرق القانون ١٩ لسنة ٢٠١٨ أو لائحته إلى أى طائفة أخرى من العاملين ومنهم الإداريون والمحاسبون والفنيون والكتبة والعاملون فى القطاع التقنى والمخازن.. إلخ إلخ نهائياً، ما عدا السادة أعضاء هيئة التدريس بإجازة التعاقد معهم مع سلخ صفة عضو هيئة التدريس عنه وتوظيفه كطبيب معالج بحسب مؤهلاته المهنية.

القانون ومشروع اللائحة التنفيذية يخلقان تضاداً فى الأدوار واختلافات تتعارض مع حسن سير العمل بالمستشفيات الجامعية، حيث إن المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية هو مجلس يرأسه السيد وزير التعليم العالى وأعضاؤه السادة المديرون، وهو موازٍ للمجلس الأعلى للجامعات الذى يرأسه السيد الأستاذ الدكتور وزير التعليم العالى والسادة رؤساء الجامعات، مما يجعل السيد الأستاذ الدكتور مدير المستشفى فى وضع موازٍ للسيد رئيس الجامعة، ويستطيع استصدار أى قرار يسرى على السيد العميد الذى يرأس مجلس إدارة المستشفيات، مما يستحيل معه وجود سلطة فعلية للسيد العميد على قرارات مجلس إدارة المستشفيات.

المستشفيات الجامعية فعلياً وقبل صدور هذا القانون ١٩ لسنة ٢٠١٨ تقبل علاج الحالات على نفقة الدولة والتأمين الصحى ولا تمتنع عن أداء رسالتها فى خدمة المجتمع وتقديم الخدمات التعليمية والعلاجية للمجتمع.

القسم: 
المصدر: 

دماء على كرسى الخلافة

حلم الخلافة الملعون هو بذرة الإرهاب ومبرر هستيريا العنف الذى تنشره «داعش» وكل التنظيمات التكفيرية الجهادية الإسلامية، وبدون تفسير ذلك الحلم ومعرفة تفاصيل كوابيسه السوداء لن نحل شفرة تلك الفاشية التى أكلت الأخضر واليابس فى منطقتنا، وامتدت لتكتسح العالم فى موجة إرهاب أسود أساسه كلمة هلامية مطاطة متحفية اسمها «الخلافة»، حول هذا الحلم الملعون يدور كتاب «دماء على كرسى الخلافة» للكاتب على مقلد، الكتاب صغير الحجم عظيم القيمة، يلخص رحلة هذا الوسواس الذى سكن عقل المسلمين وجعل تاريخهم تاريخ صراع مرسوم بالدم والجماجم والأشلاء، تاريخ خلافة مسموماً، يقتل فيه الصحابى رفيق دربه الروحى الصحابى أيضاً، حتى الخليفة نفسه يتآمر على شقيقه، أبناء وأحفاد الصحابة يتقاتلون على عرش أو منصب، هذا الكتاب سيحكى لك عن معركة الجمل التى راح ضحيتها 17 ألف مسلم، وصفين التى أزهقت فيها أرواح سبعين ألفاً، والنهروان أول معركة انتحارية نجا فيها عشرة من الخوارج الذين كان قوامهم ألفاً، سيوف رُفعت من الصحابة على الصحابة بل من مبشَّر بالجنة على مبشَّر آخر بالجنة نفسها!، كيف قاتل عبدالرحمن بن أبى بكر شقيقه محمد بن أبى بكر فى الحرب بين جيش معاوية وعلى؟!، كيف رفض الأمويون دفن جثة الحسن بجانب جثة جده النبى؟، سيحكى لك الكتاب كيف واجه ابن سعد بن أبى وقاص الحسين فى حرب على هذا الحلم اللعين، ستشاهد تفاصيل موقعة «الحرة» فى المدينة المنورة مهد التسامح والإخاء الإسلامى، ستصدمك أرقام الضحايا، 700 من قراء القرآن ومثلهم من قريش وفض بكارة ألف عذراء وعشرة آلاف من الأطفال والموالى والعبيد والنساء!، ستعرف كيف رد الخليفة يزيد بن عبدالملك الجميل لحليفه المهلب بن أبى صفرة بالقضاء على عائلته، ستتعرف على رحلة تحول الفقيه المحدث الزاهد عبدالملك بن مروان لأكثر خليفة سُفكت فى عهده الدماء، لن تصدق كم التشفى فى قطع كف المختار الثقفى وتعليقها على باب المسجد، وقطع رأس مصعب بن الزبير وشقيقه عبدالله بن الزبير الذى صُلبت جثته أيضاً!، ومن الذى فعل هذا؟، إنه الحجاج الذى كان يعلم الدين فى الطائف! وبرغم ذلك قتل 30 ألفاً من جيش ابن الأشعث، ستقرأ أموراً أغرب من الخيال عن كيف طُحنت عظام حفيد الحسين بعد حرقه الذى تم بعد صلبه مقطوع الرأس!، لن تنقذك الدولة العباسية من مجازر الدولة الأموية، فستجد البداية هى تناول أبى العباس السفاح الطعام على جثث تسعين أموياً يرتجفون برعشة الموت تحت ثقل السفاح، كيف تخلص خلفاء العباسيين ممن دعموهم وناصروهم من الشيعة وأبناء خراسان، تفاصيل يشيب لهولها الولدان، وبالرغم من ذلك ما زال هناك مغيبون ينادون بالخلافة، الكتاب مشروع لكتاب أكبر وملحمة أكثر تفصيلاً، كل التحية للمؤلف (على مقلد)، الذى ساعدته خلفيته الدينية المستنيرة على كشف هذه الحقائق وفضح تلك الكوارث، الكتاب صدمة كهربائية تحتاجها مجتمعات الشيزوفرينيا.

القسم: 
المصدر: 

عيد ميلاد شريهان كمان وكمان

ما زلنا ننتظر طلة شريهان التى وعدتنا بها منذ عامين، ما زلنا ننتظر وعدها مع آل العدل بمسرح واستعراض بمذاق مختلف وجديد ومتفرد. أعيد وأكرر عليها ما كتبته وقتها، وفى انتظار الرد العملى بهجة ورقصاً وحيوية على المسرح والشاشة، وقبلهما فى القلب. منذ عامين كتبت:

ذهبنا لنحتضن شريهان، فوجدناها هى التى تحتضننا! حضرنا الحفل لكى نتذكر شريهان فاكتشفنا أننا قد تركناها بالأمس فقط!! ما زال دفء المقعد مشعاً ومحسوساً، وما زالت رائحة العطر كما هى لم تبرح المكان بعد. حقاً هذا الأمس كانت مدته الزمنية خمسة عشر عاماً، ولكن مدته الروحية هى أقل من يوم. وجدنا طلتها كما هى، نفس ارتعاشتها وتوترها عندما قابلت الجمهور لأول مرة. تحمس المنتج الفنان جمال العدل الذى يفكر دوماً خارج الصندوق، وقدمها فى الحفل د. مدحت العدل، واحتفى بها جميع الفنانين والإعلاميين والشخصيات العامة ممن حضروا حفل إعلان المشروع الجديد الذى جعلنا نتفاءل بـ2017، 13 عملاً استعراضياً تجمع ما بين المسرح والسينما والتليفزيون، كل تلك الفنون فى بوتقة فنية واحدة تحمل ختم شريهان السحرى. لكن هل نحن فرحنا بشريهان لمجرد أننا سنشاهد عملاً فنياً جميلاً فى رمضان؟ هل عندما شاركناها دموعها وهى تبكى على المسرح فى الحفل كنا نواسيها أو نؤازرها أو نطبطب عليها؟ الحقيقة أنها هى التى طبطبت علينا، وضغطت على زر سحرى أضاء كل سراديب الروح. نحن لم نسترجع أو نستعد شريهان، نحن استعدنا أنفسنا واسترددنا مسروقات خزائن ثقافتنا وإبداعنا وسماحتنا التى سُلبت منا فى غفلة من الزمن! تذكرنا الزمن الذى كانت تُعقد فيه الحفلات وتقام الليالى الملاح احتفاء بفنانة اعتزلت وارتدت الحجاب وكفّرت الفن وتطهرت من رجسه ودنسه، وخلفها تحتفل المنصات الإعلامية وتطبل فرق الجاز القابضة من بلاد الجاز التى تسلفنت وتوهبنت وتصحر وجدانها. ها هى فنانة جميلة قررت أن تخرج من كهف العزلة وتحطم جدار الاعتزال وتتمرد وتعود إلى رحابة الفن.

قالت شريهان إنها بدون فن فى غربة. لستِ وحدَكِ يا شريهان من عانيت من الغربة، نحن كلنا عانينا من الغربة حين فتحنا أحداقنا المنهكة فوجدنا مصر قد اختُطفت بعصابة من البرابرة تكره الحياة والفن ولا تعرف من مصر سوى أنها سكن لا وطن. فرحتنا بشريهان هى فرحة بالبهجة واحتفاء بالحياة وفك لشفرة الفزورة. فرحتنا بشريهان هى فرحة بأكسجين الكون المجانى الذى صودر فى ظروف غامضة، لتحتل خياشيمنا ومسام أجسادنا رائحة البارود وغاز النابالم ورائحة عفن التطرف. فرحتنا بشريهان هى فرحتنا بعلاج الأجساد المتخشبة والأرواح المتكلسة بالرقص والغناء. فرحتنا بها هى فرحة بالفن الذى أضفاه المصرى على قراءة القرآن، وأضافه إلى موال الشجن، حتى العدودة التى تلطم فيها ومعها نسوة الصعيد من شدة الحزن لم تنسَ مصر أن تعجنها بالفن!

عندما دخل المنتج والفنان وصانع نهضة المسرح الكوميدى الاستعراضى الحديث سمير خفاجى بكرسيه المتحرك إلى حيث تقف شريهان، صفق الكل، وبكى الجميع، إنه قديس البهجة يعانق فراشة الفرح، برغم الإعاقة كنا نحس بأن خفاجى يطير، وبرغم فستانها الأبيض كنا نحس بكل ألوان الطيف تزين جناحَى فراشة اسمها شريهان. فرحنا بها لقوة إرادة هذه الفنانة الفولاذية التى تذوب رقة. وكما قال الأديب البرازيلى كويلو: إذا رغبت فى شىء وسعيت لتحقيق رغبتك بدأب وحب سيتآمر الكون لتحقيق تلك الرغبة، وشريهان رغبت فى الحياة وأحبت الفن وتآمر الكون، بل لنقل، بمعنى أصح وأدق: تصالح الكون وأعاد النظر فى مداره الإجبارى وغيَّر مساره المحدد، لكى يحقق رغبتها ورغبتنا فى أن نعيش وأن نحلم ونمارس الفن ونستمتع به، وأن نراوغ الموت ونفلت من الكآبة ونغسل ملح المآقى الذى تحجَّر من قسوة وعنف ومرارة ما مر بهذا الوطن. آن لنا أن نتعافى، وآن لشريهان أن تمسح غلالة الدمع، وآن لهذا الوطن المكلوم أن يستعيد بهجته وضحكته وحيويته من «مغارة الأربعين داعشى وفاشى» الذين كانت نيتهم الذبح، بينما كانت أعناقنا تشرئب مناجيةً الرب أن يمد يده الحانية إلى مصر ويطبطب عليها.

القسم: 
المصدر: 

نحن وطن ودولة.. لا أمة وخلافة

القدرة على الإجابة الصحيحة مرتبطة ومشروطة بالقدرة على طرح وصياغة السؤال الصحيح بجسارة ودون خوف من تجريس مجتمع أو بطش سلطة، ونحن لدينا خلط، فنحن دائماً نردد: نحن الأمة الإسلامية، ونذكر بخجل وبتحفّظ أننا الدولة المصرية، نذكرها بصوت هامس وكأنها عورة، المصرى أو اللبنانى أو التونسى.. إلخ، لا بد أن يكون شعاره أنا أنتمى للدولة المصرية أو اللبنانية أو التونسية، نحن الوطن والدولة التى هى بوتقة لكل الأديان والمذاهب، وحتى الذين بلا دين أو مذهب، كل العلاقات الرأسية الفردية مع الله هى فى قلوب معتنقيها، أما العلاقات الأفقية المتشابكة فى المجتمع والشارع، فهى فى تفاعلات السلوك وفى مدونة القانون، وفى اتفاق المواطنين المنتمين لهذا الوطن، علاقات الوطن والدولة ليست بأوامر من أهل الحل والعقد، ولكنها بإرادة الشعب واتفاقه، الشعب بمسلميه ومسيحييه ويهوده وملحديه وبهائييه.. إلخ، لن يحدث هذا إلا بمجتمع علمانى، تستطيع فيه أن تكون مسلماً وعلمانياً فى الوقت نفسه وتفهم هذا وتستوعبه، وكما يقول فؤاد إسحق الخورى ص117 فى كتاب «الأسس الفلسفية للعلمانية» لعادل ضاهر: «الدولة بمفهومها العصرى تتمتع بشخصية تشريعية تحكم وتحاكم، لا يمكن أن يكون لها دين، فالدين يحكم ولا يحاكَم، أما الدولة فتحكم وتحاكَم، ومن هنا القول إن الدولة بجوهر مفهومها شخصية تشريعية، تنظيم معلمن سلفاً، والعلمانية هنا لا تعنى اللا دينية كما يفهمها بعض فقهاء المسلمين، بل تعنى أن تشريعات الدولة يجوز الطعن بها لأنها من صنع الإنسان المواطن لا من صنع السماء، والواقع أن المسلم اليوم بوضعه الدولتى إن صح التعبير يعيش العلمانية مسلكياً وينكرها على نفسه أيديولوجياً، يعيش فى معاناة دائمة بين موقعه الدولتى وموقعه الأمّتى، أى بين الأخوة فى المواطنة وهى الدولة، وبين الأخوة فى الدين، وهى الأمة»، بالفعل نحن نعيش ونحيا فى مجتمعنا بطريقة علمانية ونستمتع بمنجزاتها ومكتسباتها ونعيمها فى كل خطوة وكل لحظة، لكن فكرياً نحن نحمل داخلنا أيديولوجية تراثية فقهية قديمة، نتحرك مشقوقين إلى نصفين، بين جوادين يتحركان فى اتجاهين متضادين، الجسد يتحرك فى فضاء علمانى، لكن العقل مسجون فى قمقم دينى، أو بالأصح تديّنى فقهى، حتى الجهادى الإسلامى المستفيد من درجات التقاضى، التى أفرزها المجتمع العلمانى ووجود هيئة الدفاع عنه التى هى نتاج علمانى.. إلخ، هذا الجهادى وهو فى القفص يهتف «لا حكم إلا لله»، ويحلم بعودة الخلافة، برغم أنه لو فكر لحظة لوجد أن الحل القديم هو قطع رأسه بدون درجات تقاضى ابتدائى واستئناف ودستورى أو محامين، ليوضع رأسه بجانب الرؤوس التى عُلّقت وبجوار الأجساد التى صُلبت بدون هيئة دفاع أو حتى محكمة. مواطن يستنكف ويشمئز الآن من أى مشهد فيه طيف رق أو عبودية أو استغلال جنسى لامرأة بمبرر أنها جارية أو أمة أو سبية، وعندما يرى هذه المشاهد على شاشة التليفزيون فى الرقة أو فى الأنبار ودير الزور وحمص وحماة والحسكة.. إلخ، يسارع بالاستنكار ومن الممكن أن يغير القناة هرباً من بشاعتها، ومن الممكن أن يكون منضماً للجنة من لجان حقوق الإنسان، لكنه أيديولوجياً مؤمن بأن الرق حق، وأنه لا يمكن أن يحرم الطيبات التى أحلها الله له، وما دام الرق لم يُمنع بنص قطعى الدلالة فهو قائم، هو مؤمن بقول ابن حزم، والمفروض أنه الفقيه الأكثر استنارة «ما كان مباحاً فى وقت ما بعد موت النبى، فهو مباح أبداً»، فى فضائه المجتمعى هو علمانى مستنكر للاحتلال والقتال هجوماً وغزواً لدولة أخرى، ويسميه طبقاً للقانون الدولى احتلالاً غاشماً، ويصفق لمجلس الأمن حين يصدر قراراً بمعاقبة الدولة المحتلة التى جارت على حقوق جارتها، حتى ولو انتمت إلى نفس المنطقة، مثل العراق، التى من الممكن أن يكون قد عمل بها وكوّن ثروته من خلال راتبه، الذى كان يقبضه فى الغربة هناك، لكنه فكرياً وفى قرارة نفسه ووجدانه مؤمن بتخريج عمر عبدالرحمن فى رسالة الدكتوراه، والتى استخدم فيها سورة براءة غير المنسوخة، حين حرض الجماعة الإسلامية والجهاديين من منطلق «فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ»، ويظل يحلم بعودة الأندلس إلى أيدى العرب ويتباكى على ضياعها فى الوقت نفسه الذى يناضل فيه لطرد الاحتلال من فلسطين!، مواطن يعيش علمانياً، يذهب بطفله إلى أسوان، حيث مستشفى مجدى يعقوب للقلب طالباً الإنقاذ باستثنائه من قائمة الانتظار، فى الوقت نفسه الذى يصدق فيه هجوم السلفيين هناك على السير يعقوب، لأنه يستخدم صمامات قلب من الخنزير، يطلب الإنقاذ وهو يعمل موظفاً فى بنك ينصح عملاءه بعدم التبرع لمستشفى القلب اعتماداً على تفسير يلحّون عليه من فوق المنابر وشاشات الفضائيات الدينية: «قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ»، ويؤمن بأنه لا تعايش مع الكافرين، لأنه يجب ألا تتخذهم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان، وإنه «مَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ». هو مؤمن فى أعماقه بأن القرب هو قرب الأديان لا قرب الديار والأبدان كما قال ابن العربى، مواطن يستورد طعامه وعلاجه وملابسه الخارجية والداخلية من أهل الكتاب، ومن أهل بوذا، ويشكر المهندس القبطى، صاحب فكرة تحطيم الساتر الترابى، لكنه يقول مع ابن قيم الجوزية فى أحكام أهل الذمة: «لقد رجّح المسلمون الدين أساساً للوطنية وفارقاً بين الأهالى والأجانب»، مؤمن بالشروط العمرية، ومن أهمها ألا يجددوا ما خرب من أماكن عبادتهم، وألا يتشبهوا بالمسلمين، وألا يشارك أحد منهم مسلماً فى تجارة، إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة، ويردد ما كتبه أبويوسف، صاحب أبى حنيفة فى كتاب الخراج: «ينبغى أن تختم رقابهم فى وقت جباية رؤوسهم.. فلا تدعن صليباً ظاهراً إلا كُسر ومُحق»، ومقتنع بتوبيخ الخليفة عمر إلى أبى موسى، الذى كان له كاتب نصرانى، كما هو مذكور فى أحكام أهل الذمة لابن قيم الجوزية: «لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله»، هذا المواطن يصفق ويتحمس عندما يستمع إلى تجديد الخطاب الدينى بنفس الحماس الذى يحمى به ويدافع عن تدريس مثل تلك الكتب المروجة للعنصرية، هذا المواطن علمانى حتى النخاع، وهو يتقاسم مع زوجته مرتبها للصرف على البيت، يشجعها على العمل ويتشاجر مع مديرها إذا خفض مرتبها أو شطب الحوافز، ولكنه مؤمن بتفسير أن النساء عوان عندكم، والعوان هن الأسيرات!!، وما هى إلا وعاء للجنين، وهى غير ملزمة بالرضاعة إذا لم يدفع لها الزوج، وإن عليها بحافة الطريق، وأنها مع بنات جنسها هن أكثر أهل النار، باختصار هو مواطن يعانى من ازدواجية، مريض بالشيزوفرينيا، يستفيد من منجزات العلمانية حتى النخاع، ويحاربها بنفس النعم والتكنولوجيا التى هى من عطاياها!!، فى الوقت نفسه الذى تتشبع فيه خياشيم روحه بغازات الدولة الثيوقراطية الفاشية السامة، ويصرخ وهو يلعب على السمارت فون «أنتم تكرهون الشريعة»، فهل هى فعلاً كراهية للشريعة؟، الإجابة فى الفصل المقبل.

القسم: 
المصدر: