خالد منتصر

فى حب «البدرى فرغليون»!

عندما كنت أزور دمياط وأنا طفل صغير كنت أرى وأستمع إلى نماذج صارت من الخيال العلمى والفولكلور الماضى الآن. كنت أجد عامل مصنع دمياط للغزل والنسيج الذى يتحدث معى عن نجيب محفوظ، والأويمجى الذى يكتب شعراً ويرسل طلباً لصديقه الذى سافر إلى لبنان أن يحضر معه دواوين شعراء الحداثة، والنجار الذى يضع فى الورشة كتب ماركس وسلامة موسى، كان موجوداً وبقوة ذلك المثقف العضوى الملتحم بمجتمعه، القارئ الذى لا يخشى القراءة لكبار الفلاسفة ويده ملطخة بطين الأرض. ظل هؤلاء ينقرضون مع رياح الانفتاح وحمى الاستهلاك، لا تجد منهم إلا نموذجاً نادراً على أحد مقاهى بورسعيد، تلمحه يركب دراجته المتواضعة فى شوارعها التى يحفظها مثل كف يده، يقودها حتى وهو نائب فى البرلمان، لا حرس يحميه ولا بودى جارد يمشى وراءه، بالرغم من أن رأسه كان مطلوباً فى كل العصور. هذا المواطن المثقف الذى يعتبر الناس أوكسيجينه اسمه البدرى فرغلى، أحلم بمصر يسكنها مليون من قبيلة «البدرفرغليين»، مثقف ملتحم بالناس، كما لم يترك دراجته، لم يترك حلمه، لم يترك التحامه بالناس، بالشوارع، بالبمبوطى وسريح التجارى وعازف السمسمية وصبى البورصة أو القهوة.

أين ذهب أفراد كتيبة الفرغلى هؤلاء؟ رحل أبوالعز الحريرى، عامل المصنع القارئ بنهم، المحب لمصر بعشق وألم، المتفائل دوماً، الواثق من انتصار الغد والمستقبل، أين عطية الصيرفى، عامل السكة الحديد الذى كان مؤرخاً وفيلسوف بساطة آسرة؟ أين نموذج الكمسارى الذى ذاكر حتى حصل على دكتوراه فى التاريخ؟ نماذج غابت وغربت شمسها التى كانت تدفئنا وتمنحنا الأمل فى أن الجلباب والأفرول والعفريتة ليست أدوات تجهيل ورفاق أمية وشرط عجز وخنوع، بل من الممكن أن تكون نافذة أمل وطاقة نور، وها هو آخر المحاربين البدرى فرغلى يقاتل منذ سنوات فى سبيل أصحاب المعاشات، ويحصل فى النهاية، بعد ماراثون ومراوغات وإنهاكات قانونية والتفافات روتينية، على انتصار مبين بعد أن وصل صراخه إلى أعلى سقف سياسى فى الدولة، لم يحصل البدرى فرغلى على انتصار شخصى، بل حصل على انتصار لكل غلبان ينتظر فتات جنيهات تعينه على مواجهة الحياة الضنينة.

البدرى فرغلى نموذج مثقف يسارى محب للوطن وللناس بجد، يحلم بمصر جديدة، كما أنه لم يخجل من لهجته مثل آخرين من المتنكرين لماضيهم، هو لا يخجل أيضاً من إعلان حبه وإشهار عشقه لفقراء مصر، ملح الأرض الطيبة.

القسم: 
المصدر: 

التراث بين الاستمرار والاجترار

التراث عندنا هو الماضى محنطاً ومجمداً، التراث عندهم هو الماضى متجدداً ومنتقداً، التراث عندنا صنم وطوطم ندور حوله ونلف فى محرابه من على مسافة وبعد، نخشى تنظيفه من ذرات تراب الزمن المتراكمة خشية أن تكون من ضمن المقدسات، التراث عندهم لوحة تنشين لسهام الغربلة والتنقيح والتفنيد والرفض الثورى والقبول الحذر والقراءة المتشككة، لديهم دائماً مكنسة مشحونة دوماً لإزالة كل الأتربة التى تجعل الرؤية ضبابية، هذا هو الفرق التاريخى بين تراثنا وتراثهم، بين نظرتنا إلى ماضينا ونظرتهم إلى ماضيهم، انفردنا بمصطلحات تترجم حيرتنا واضطرابنا إزاء التعامل مع صنم الماضى، ذلك الماضى الذى حولناه إلى غيمة كثيفة سميكة سوداء، لا هى تمطر فتنبت قمح الأمل، ولا هى تتخلى عن مواراة الشمس فتضىء المستقبل.

الماضى، المفروض أنه استمرار لا اجترار، يستمر مدمجاً فى حاضرنا بعد التشكيل والتحوير والتحرير، وليس مستقلاً ككتلة اجترار فى سنام سئيم أحدب، مثل زائدة دودية لا وظيفة لها إلا الانفجار، حولنا التراث من مساعد إلى خصم ومنافس، برفضنا للإدماج الإيجابى العاقل وإصرارنا على التقديس الجنونى الهستيرى.

بلغة الطب الحديث، صار التراث والماضى فيروساً يسكن نواتنا ويأمر مادتنا الوراثية الثقافية بإنتاج نفس هويته، وإرسال المدد الغذائى والإمدادات الأخرى التى تنميه هو وتميت النواة وتقتل الكائن الذى يستضيفه، يتحول من مجرد ساكن ضيف إلى صاحب المسكن، انقسامات مادتنا الوراثية هى لخدمة ذلك الفيروس الماضوى، الفيروس تحت الميكروسكوب كائن خامل لا حياة فيه، كبللورة سكر خرساء مشلولة، ما إن تدخل نواتنا الحاضرة حتى تتحول إلى وحش يلتهمنا، الهندسة الوراثية وجدت حلولاً واخترعت علاجاً للعطب الذى يحدثه فيروس كتب الطب ولم يعالج بعد فيروس كتب الماضى، عالج بإدماج جين يساعد الجسد على الشفاء، الجين لا يعطل بل يساعد على الشفاء، يشترك فى أوركسترا الجسد كعازف، ولا يشترك كنغمة نشاز بدون نوتة موسيقية مثل فيروس التراث الحجرى.

يصف د.فؤاد زكريا تلك العلاقة المريضة بيننا وبين تراثنا فى بحث عنوانه «أزمة التطور الحضارى فى العالم العربى»، قدمه فى الكويت 1974، قائلاً: «الماضى ماثل دائماً أمام الحاضر بوصفه قوة مستقلة عنه، منافسة له، تدافع عن حقوقها إزاءه، وتحاول أن تحل محله إن استطاعت، نظرتنا إلى الماضى لا تاريخية»، هذه الصفة اللاتاريخية التى يؤكد عليها أستاذ الفلسفة الراحل يضعها فى مواجهة النظرة الغربية التاريخية التى تتأمل التاريخ من منظور نسبى، وبصفته مرحلة وانتهت، واندمجت فى مراحل لاحقة تجاوزتها بالتدريج، الماضى عندنا دائم الحضور فى الحاضر، متصادم معه، من هذا المنطلق تصبح كلمة «إحياء التراث» كلمة سيئة السمعة، لأن قصدنا من تلك الكلمة أو ذلك الطلب هو التكتيف والعرقلة فى سباق الحضارة وليس الانطلاق والتجاوز، نؤكد عليها لنظل نردد كالأسطوانة المشروخة «لقد سبقنا»، وليس «لقد حققنا»، عندما ننهض من سباق المسافات الطويلة للحضارة نعود إلى نقطة البداية لتسلم العصا من الماضى التليد، ولا نتسلم العصا من النقطة التى وصل إليها متسابقو حضارة الحداثة، لم نفهم أن قوة التراث فى تجاوزه وليس فى التشرنق داخله، يعبر عن هذا المعنى د.فؤاد زكريا فى نفس البحث القيم، عندما قال «يوجد القديم فى الجديد لا بمعنى أن الجديد يعود إلى القديم أو يستلهم منه أفكاره، لكن بمعنى أن القديم يتيح للجديد فرصة تجاوزه وتصحيحه، ومن خلال أخطاء القديم تأتى القوة الدافعة التى تولد الجديد، ولو شئنا أن نلخص فى كلمة واحدة التضاد بين النظرة إلى التراث التى تؤدى إلى تقدم فكرى، وتلك التى لا يترتب عليها سوى التخلف، لقلنا إن التراث فى الأولى يحيا من خلال موته، أما فى الثانية فإنه يموت من خلال حياته».

ومن لغة الفلسفة إلى لغة الطب مرة أخرى لتبسيط وتأكيد المعنى، هم تعاملوا مع التراث على طريقة الإنقاذ بزرع الأعضاء وإنعاش العضو بالتجديد أو الإحلال أو الإضافة أو الحذف، لكننا تعاملنا مع التراث على طريقة ضخ الأوكسجين للميت إكلينيكياً، التراث عندنا جذع مخه ميت ونحن نعيش على أمل أن تعيد المحاليل والأسطوانات الحياة إلى جسد الماضى البارد، للأسف ونحن فى عصر يضيق فيه المكان وتتجاور المسافات ليصبح العالم قرية صغيرة، ويتسع الزمان وتتعمق فجوته ليصبح الجيل مغترباً عن جيل يكبره بسنوات قليلة، فى هذا العصر ما زلنا ندمن ونخزن قات الماضى فى زاوية الفم المرتعش، نجتر منها حلول الحاضر والمستقبل.

«هل نمتلك شجاعة الانسلاخ أم نظل فى مرض الاستنساخ؟»، سؤال طرحه الباحث العراقى همام طه فى جريدة «العرب»، عدد 28 أغسطس 2017، ارتفع فيه سقف المواجهة مع التراث إلى المناداة بالقطيعة المعرفية معه، وقد وضح الباحث لماذا القطيعة وما هو معناها؟، فهو بالطبع لا يقصد أن نرمى كتب التراث فى سلة القمامة، ولكن بمعنى «التحرر من النفوذ الفكرى والقيمى الذى يتمتع به التطرف والأصولية فى مجتمعاتنا، وإنهاء «الإمبريالية الثقافية» للتراث وهيمنته على العقول والضمائر، فهو متغلغل فى خرائطنا المعرفية ونسيجنا الثقافى، إذ يستعمر الماضى الحاضر ثقافياً، ويتسبب فى تشويهه وتجريفه اجتماعياً وسياسياً، أى إن التاريخ يمارس غزواً واحتلالاً مستمرين للحاضر والمستقبل، ويفسر سعيه لتلك القطيعة بأننا «عندما نضفى هالة القداسة على التراث الدينى فإننا نسمح له بقمع الحاضر ثقافياً، وما قوانين ازدراء الأديان وما يحصل لكل من يفكر خارج الصندوق التراثى من إهانة واستباحة إلا نتيجة لهذا الاستعمار الثقافى الماضوى للمجتمعات العربية».

يرى البعض هذا موقفاً راديكالياً متشدداً، لكن كم الدماء النازفة والتخلف المتراكم مع وطأة الشلل المزمن وحجم الأطلال والأشلاء تفرض على المفكر هذا الموقف الراديكالى، ويفسر همام طه تلك الراديكالية بقوله: «وليس فى الدعوة للقطيعة المعرفية مع المقاربة الأصولية للتراث إقصاءٌ لما فيه من قيم نبيلة وصور للتسامح، ولكنها محاولة لمَوْضَعة هذه القيم فى سياق رأس المال الأخلاقى الإنسانى الموجود على امتداد التاريخ والجغرافيا، وهو ليس حكراً على التراث الدينى الإسلامى وحده، ما يستوجب إعادة إدماج الوعى الإسلامى ضمن الوعى الإنسانى وتفنيد فكرة احتكار المسلمين للخيرية زماناً ومكاناً وإنساناً، فلماذا نفترض أن الخير فى الماضى فقط وليس فى الحاضر أو المستقبل، ولماذا تكون الفضيلة فى بقعة دون أخرى من هذا الكون، ولماذا يعتقد المسلم أنه أرقى من غيره بحكم الدين والهوية؟».

إذن، لا بد لنا أن نكف عن المشاركة فى عرض أزياء العالم بنفس نسيجنا المهترئ ولكن لا بد من تغيير النول وماكينة النسيج نفسها، لا بد من طرق دروب التاريخ الثورية المضيئة المتمردة فى هذا التراث، جسارة الحفر فى طبقات جيولوجية أعمق وأكثر ثراءً، لا بد من عودة التراث إلى دائرة الظن التى تحكم المعرفة والعلم، وإخراجه من ساحة يقين العقيدة التى تحكم الدين والدوجما، إنها «الفرمتة» لكى يبدأ تحميل الويندوز الحضارى الحداثى الجديد بدون فيروسات الهاكرز الماضويين التكفيريين، وقد عبر عنها الباحث همام طه حين كتب: «يبدو جلياً أن الذى تسبب فى تقديس التراث عربياً هو القول بحاكمية النقل على العقل. وفريضة العصر اليوم قلب هذه المعادلة بجعل العقل حاكماً على النقل ونزع القداسة عن التراث وتركه ليواجه الاختبارات الثقافية والفحوص المعرفية والتحديات الحضارية من دون حصانة دينية، فالمطلوب تصفير ثقافى وقطيعة مع الماضوية، إذ لا يمكن إبرام تسوية مع الأصولية، إن المكانة والسلطة الممنوحتين للتراث الدينى هما ما يغذى أيديولوجيا الإسلام السياسى، فتقديس التراث هو منبع التطرف، وعلينا تجفيف منابع التقديس تمهيداً لمكافحة الكراهية. الإسلام السياسى هو وليد الإسلام الأصولى أى إسلام التراث الدينى، وسيبقى الأول ما بقى الثانى».

القسم: 
المصدر: 

ماتعلاش عن الحاجب

فيلم قصير شاهدته أمس فقط، رغم أنه قد عُرض منذ فترة فى مهرجان الجونة.. «ماتعلاش عن الحاجب»، فيلم قصير بسيط يتعرّض لتفصيلة حياتية قد يراها البعض عادية وعابرة، لكن الفيلم جعل من بقعة الضوء تلك كشّاف نور ضخماً يُعرّى صراعاً دفيناً مع أكثر ما يخصّنا حميميّة وهو الجسد، يتضاعَف الصراع ويشتعل الكبت إذا كان هذا الجسد تمتلكه امرأة، هل الجسد لحم خطيئة أم نافذة بهجة؟، هل الجسدُ كتلة نجاسة أم طاقة فرح؟، هل الجسد سجن غريزة أم تحليق حيوية؟

هذه الأسئلة وغيرها يطرحها هذا الشريط السينمائى القصير الذى لا يتعدى ثلث الساعة، كتبه بذكاء ولماحية وبساطة آسرة السيناريست هيثم دبور، وأخرجه بحرفية وإحساس وفهم لأبعاد القضية المخرج تامر عشرى، بدون حنجورى، أو كلاكيع، أو شعارات ضخمة، أو كلام تراثى مجعلص، أو خطب نسوية حراقة.

تقدم الفيلم وتوغل فى أدغال عقد مجتمعنا النفسية، يبدأ الفيلم بلقاء الفتاتين المنتقبتين «سالى وعائشة»، «سالى» متزوجة تنتظر وضع حملها قريباً، وجاءت لتشترى ملابس للضيفة القادمة، «عائشة» صديقتها ما زالت آنسة تقترب من محطة العنوسة ببطء، عدة جلسات رؤية شرعية تنتهى دوماً باعتذار العريس المنتظر، «سالى» و«عائشة» طبيبتان، كل واحدة حصلت على تصريح المهنة، لكن «سالى» هى التى حصلت على تصريح «النمص»، والسبب أنها متزوجة، والفتوى تقول إن نمص الحواجب حلال إذا كان يسرّ الزوج وبأمره، لكن ماذا تفعل «عائشة» التى لم تتزوج بعد، ولم تحصل على التصريح بإزالة شعر حاجبيها الغليظين، علامة النفور، تكره هذين الخطين المتقابلين وتحلم بنظارة شمسية فوق النقاب لإخفاء أى أثر لهما، كتبت «بوست» على جروب الأخوات المغلق تطرح فيه سؤالاً عن الشىء الذى تتمنين فعله لو لم يكن حراماً، أثار البوست ضجّة، لكن صاحبته لم تُجب بأنها تحلم بتهذيب حاجبيها، للحصول على شكل أجمل. تهدّدها «سالى» بأن التزامها سيضيع، وأسرتها ستتهمها بالانحراف، وأنها ستصبح عاصية لله ورسوله، لأنها غيّرت خلق الله، فهى تمشى على الصراط المستقيم، لا تضبط جوالها على وضع «الفيبريشن»، لما يحمله من إيحاءات جنسية فتدعو لها «سالى» بالثبات على إيمانها، وهى تحب الآيس كريم فى بسكويت، لكن «سالى» تذكّرها بأن لحس الجيلاتى فى البسكويت، يجعلها فتاة سهلة يظن بها الظنون!!

تقترب «عائشة» من الثلاثين بدون تحقيق حلم واحد ترغبه هى بجد، تلبس قناعاً على الوجه والروح، تراقب «سالى» التى تحررت بالزواج، وصارت فى ملكية سيد آخر غير الأب، هى انتقلت ملكيتها، لكنها ما زالت أسيرة تنتظر حلم النكاح. تحررت «سالى» وتذهب منفردة لكوافير السيدات الأخوات فى المول، تجد «عائشة» نفسها مدفوعة إلى الكوافير، تسأل عن سعر النمص، تمسك بالمسبحة الإلكترونية وتحسب عدد مرات الاستغفارات والسبحانات والتكبيرات كلما أرادت أن تتخذ هذا القرار المصيرى، لكنها هذه المرة لم تحسبها، وعرضت نفسها للعنة السماء، حيث ستُعذب بكل شعرة منزوعة من حاجبها الكثيف.

ينتهى الفيلم بسؤال الكوافيرة لـ«عائشة»: «نبدأ يا آنسة؟»، تطل الحيرة من عينى «عائشة» المثقلتين بالذنب، وهى تنظر فى المرآة تحاول إقناع نفسها بأن ما تراه فى هذا السطح المصقول اللامع هو ما تحبه فى وجهها، هل ستعلو عين الرحمة والحب والطمأنينة على حاجب الرعب والخوف وحاجز الفزع واللعنة؟، هل سيسقط ما يحجب عنها الحياة، وتظل تعيش حفلة تنكرية بطول العمر، اسمها العيشة؟.

القسم: 
المصدر: 

الجامعة لا دين لها إلا العلم

هذه مقولة الزعيم سعد زغلول فى افتتاح الجامعة المصرية، عندما قال عن خطبة د. أحمد زكى، التى خصّصها للحديث عن أمجاد الإسلام فى جامعة علمية تضم كل الأديان، قالها سعد زغلول، وكان عنده من الموضوعية والجرأة أن يصف الخطبة بأنها ثقيلة على السمع، بعيدة عن الموضوع، مجافية للذوق، وأنه ليس من اللياقة أن يتحدّث أحمد زكى هذا الحديث الدينى فى جامعة لا دين لها إلا العلم، هكذا قال وكتب سعد زغلول، ماذا لو استيقظ الزعيم من قبره ووجد جامعة المنصورة ترعى مؤتمراً للإعجاز العلمى فى القرآن والسنة؟!، جامعة تفتتح بوتيكاً لمناقشات لا تمت إلى العلم بصلة، وتنتمى إلى عالم الدروشة، وهل الجامعة ستُخصص مؤتمرها القادم لمناقشة الإعجاز العلمى فى التوراة والإنجيل؟!، وتتحول ساحة الجامعة إلى جلسة زار ضخمة يحضرها شمهورش وعفركوش وكل الزغاليل النجارين من سماسرة إعجاز بول البعير وأنتيبيوتيك جناح الذبابة!!

هل يوافق على ذلك وزير التعليم العالى الذى أعرف عنه التزامه بالمنهج العلمى وتشجيعه للبحث العلمى؟!

كنت فى قمة الدهشة عندما قرأت الخبر، رئيس جامعة المنصورة ورئيس قسم الباطنة ومدير مركز الأورام ونائب رئيس الجامعة للبحوث العلمية يشرفون على مؤتمر الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة فى تلك الجامعة العريقة!!، هل الدولة ممثلة فى أكبر صروحها العلمية والبحثية قامت بتأجير عقلها مفروشاً وسلمته تسليم مفتاح للسلفيين والوهابيين؟!، كيف يحدث هذا الترويج لتلك التجارة اللاعلمية فى أروقة جامعة المنصورة، التى بها أعظم مركز كلى وكبد فى مصر والشرق الأوسط؟

هل زغلول النجار وقبيلته من تجار بوتيكات الإعجاز هم الذين أنقذوا مرضى الفشل الكلوى وفيروس سى، أم د. غنيم، ود. عبدالوهاب؟، هل هم سماسرة الوهم الإعجازى أم شينازى اليهودى المصرى الإيطالى هو من أنقذ مرضى الكبد بالسوفالدى بأبحاثه؟، هل رئيس قسم الباطنة يعالج الضغط والسكر بالحجامة أو جناح الذبابة، أم بأدوية علاج الضغط الحديثة والأنسولين؟، هل مدير مركز الأورام سيلجأ إلى بول البعير والسبع تمرات لعلاج السرطان أم سيلجأ للدواء المناعى الجديد، الذى تسهم إسرائيل وغيرها فى أبحاثه؟، العلم لا دين ولا جنسية له، هل نائب رئيس الجامعة للبحوث سيعتمد للترقية أوراق هذا المؤتمر العجيب أم سيعتمد مقالات المجلات العلمية المحكمة المحترمة؟؟!

ولا ترهبونا بفزاعة أن الإعجاز جزء من الإيمان، هذه فزاعة زائفة، فالشيخ شلتوت رفض المتاجرة بالإعجاز العلمى، و«بنت الشاطئ» كتبت مقالات نارية فى الهجوم على هذا المنهج، رداً على مقالات مصطفى محمود وقتها، وغيرهما الكثير، ممن لا نستطيع التشكيك فى إيمانهم ودفاعهم عن صورة الإسلام.

أعشقُ جامعة المنصورة، لكنى أعشق الحقيقة أكثر، لى أصدقاء من تلك الجامعة أفخر بهم فى كل مكان، عيب على إدارة جامعة المنصورة أن توافق على مثل هذا المؤتمر الذى اتضح أنه يُعقد هناك منذ سنوات، يا سيادة رئيس جامعة المنصورة مع كامل الاحترام والإجلال لشخصك الكريم، الجامعة محراب علمى وليس ساحة دروشة.

القسم: 
المصدر: 

الإرهاب من مسجد الروضة لمسجد نيوزيلندا

المتطرف فى أى دين وأى عقيدة مثل حدقة العين، كلما سلطت عليها الضوء ضاقت أكثر، المتطرف يعيش داخل شرنقته الدينية، ينعزل داخل جيتو قبيلته، لا فرق عنده فى أن يقتل مختلف الدين كما حدث فى مسجد النور بنيوزيلندا، وأن يقتل من نفس دينه كما حدث فى مسجد الروضة بسيناء.

‏يولد التطرف والإرهاب فى نفس اليوم الذى تولد فيه فكرة احتكار الجنة، تبدأ بذور الفاشية فى طرح ثمارها الدموية فيك يوم أن تدعى مصادرتك للسماء، وأنها نزلت من الأعلى لتستقر فى قلبك أنت فقط وقلب عشيرتك الدينية.

السؤال الذى طرحه بعض المفكرين: هل سيكون مشهد المستقبل لأصحاب أديان الشرق الأقصى الذين لا يحتكرون الجنة، وهم يشاهدون ضحايا الأديان الإبراهيمية وهم يبيدون بعضهم بعضاً من أجل الجنة؟!، سؤال صادم لكن ما نراه ونسمعه يجعله سؤالاً مشروعاً.

إرهابى نيوزيلندا يحمل كراهية وإرهابى الروضة يحمل نفس الكراهية، برغم أنه فى الحالة الأولى الإرهابى يقتل أصحاب دين مختلف، وفى الحالة الثانية القاتل والضحية من نفس الدين، إلا أن ما يجمع الحادثتين هو كراهية الاختلاف، كراهية الآخر المغاير، ديناً أو جنساً أو عرقاً، أكثر من ثلاثمائة قتيل فى حادثة مسجد الروضة، وأكثر من خمسين حتى لحظة الكتابة فى حادثة مسجد نيوزيلندا، إنه الجنون بعينه، كرة بنزين عنصرية معلقة فى ذيل ضبع جائع يعدو فى حقل قمح العالم، الفاشية الدينية سرطان يسكن أجساد كل من يفكر بشكل إقصائى دينى، الفاشية الدينية مدانة تحت أى مسمى، ومجرم من يمارسها تحت لافتة أى دين أو عقيدة.

ما حدث فى نيوزيلندا مذبحة تثبت أن من يقيم الإنسان طبقاً لدينه هو أخطر المجرمين والسفاحين والإرهابيين، جماعة القتلة فى مسجد الروضة اغتالوا جماعة صوفية صنفوها على أنها ليست الفرقة الناجية، وقاتل نيوزيلندا صنفهم على أنهم خارج دائرة الخلاص، والصهيونى الذى سيقتل الفلسطينى سيقتله لأنه ليس من أفراد شعب الله المختار، والذى فجر الكنائس فى مصر فجرها على خلفية أنه وريث خير أمة على الأرض، اقتطاع جسد الدين على طاولة التشريح بين المتعصبين سيكتب نهاية العالم وينقله كله إلى ثلاجة مشرحة النهاية وقبر الزوال.

التعصب يكتب نهاية التاريخ.

القسم: 
المصدر: 

النّوم المتهم الأول قبل المخدرات فى حوادث السيارات

يوم الجمعة الثالثة من شهر مارس من كل عام، هو اليوم الذى حدّدته الرابطة العالمية لطب النوم، ليكون الاحتفال العالمى لهذا الفرع الجديد المدهش من علوم الطب، كنت دائماً ألجأ فى تلك المناسبة إلى الصديق العالم الجليل الجميل د. طارق أسعد، أستاذ الطب النفسى المعروف، لأتعرف على الجديد الذى كان يتابعه ساعة بساعة، عرفت على يديه ما هو معنى طب النوم؟، وكيف أنه تخصّص لا بد أن نهتم به، ونوليه العناية والرعاية؟، زُرت معمل النوم الذى أنشأه، ولمست مدى الجهد الذى عاناه للنهوض به، هذا العام أفتقده، ففى الليلة الظلماء يُفتقد البدر، هذا العام رفع شعار «النوم الصحى صحة لكل الأعمار»، ثلث حياتنا نقضيه فى النوم، ورغم ذلك لا نهتم باضطراباته التى تزيد على سبعين اضطراباً!!

الأرقام مزعجة ولا بد من تذكرها دوماً فى مثل هذا اليوم، 37٪ من الأفراد فى المجتمعات المتقدّمة يعانون من الحرمان المزمن من عدد ساعات النوم المطلوبة خلال الليل، نتيجة الأرق المزمن واضطرابات الساعة البيولوجية وغيرها، كما تصيب متلازمة انقطاع التنفّس أثناء النوم نحو 6 - 8٪ من الأفراد، حسب دراسات مختلفة، وهو من الأمراض المنتشرة بنسبة 4% عند النساء، مقارنة بـ11% عند الرجال، ويُعد فرط الوزن وارتفاع ضغط الدم والتدخين من عوامل خطر الإصابة به أو زيادة حدّته، أكثر الأطباء يهتمون بما يُطلق عليه «الظواهر المرتبطة بالنوم» مثل الكوابيس والفزع الليلى و(الكلام أو المشى أثناء النوم)، وقد تتدخل عوامل عضوية أيضاً، مثل ارتجاع المرىء، والصرع، أثناء النوم، أو عدم انتظام ضربات القلب أثناء النوم، و«اضطرابات دورة النوم واليقظة»، حيث المشكلة ليست فى قلة النوم أو زيادته، لكن المشكلة فى توقيت النوم ذاته، وغالباً ما تصيب العاملين بمهن الدوريات مثل التمريض، أما الأخطر، والذى لا بد من مواجهته بخطة سريعة هو ما يسمى باضطرابات النوم أثناء النهار، أو النعاس أثناء أوقات العمل، أو داخل المواصلات والمحاضرات، ومن أهم وأخطر أسبابه هو «الاختناق الليلى التنفسى»، الذى يؤثر على كفاءة عملية النوم على الأشخاص المصابين بضيق فى مجرى التنفس العلوى، ذلك الاختناق قد يسبّب «الشخير» الناتج عن انغلاق مجرى الهواء، وبالتالى يحدث نقص الأكسجين، الذى يؤثر فى المخ ويتسبّب فى إيقاظ الشخص النّائم على فترات متقاربة، وهناك أيضاً «مرض النوم الانتيابى»، الذى يعنى تعرض الشخص لنوبات من النوم المفاجئ دون أسباب، وهو غير منتشر، وغالباً ما يحدث فى مرحلة «النوم الحالم» الذى يتوقف فيه النشاط العضلى؛ أى ربما نجد الشخص سقط سهواً أو فجأة على الأرض دون سبب واضح، فضلاً عن وجود مشكلات فى الكبد أو الغدة الدرقية، قد تؤدى إلى النوم أثناء النهار.

قلة النوم ليست مجرد تعكير مزاج، لكنها سبب أصيل لكوارث حوادث الطرق، ٤٠% من حوادث الطرق سببها اضطرابات النوم، الرقم مرعب، وكما أن هناك اهتماماً بالكشف عن المخدرات لتقليل حوادث السيارات، لا بد أن نولى الاهتمام بعلاج اضطرابات النوم التى تتسبّب فى عدد حوادث أكثر من الناتجة عن المخدرات.

 

 

 

 

القسم: 
المصدر: 

هل سيهزم العلماء تليف الكبد؟

العلم صراع مع المستحيل، ولو قال العالم «مافيش فايدة» لتوقفت عجلة الاكتشافات العلمية عن الدوران، تليف الكبد كان من ضمن تلك المستحيلات التى ظل الطب لا يطرق بابها، وعندما يصل إليه يرفع أمامه الراية البيضاء، الحال قد تغير الآن، والحمد لله أن هذا التغير والاقتحام قد حدث بفريق يضم طبيباً مصرياً يعيش فى أستراليا، تعالوا نقرأ قصة الانتصار القريب على التليف من د. هشام الخياط أستاذ الكبد بمعهد تيودور بلهارس، ذهبت إلى د. هشام لأفهم منه وقال لى الآتى:

تليف الكبد يحدث نتيجة لالتهابات كبدية مزمنة تؤدى إلى حدوث موت لبعض خلايا الكبد أو تنكرز مع وجود عقيدات متجددة من خلايا الكبد واستبدال لجزء من نسيج الكبد بنسيج ليفى.. وأمراض الكبد المزمنة التى تؤدى فى النهاية إلى التليف الكبدى عديدة، نذكر منها الالتهابات الفيروسية وخاصة الناتجة عن فيروسى «C» و«B» والالتهابات المناعية والالتهاب الكحولى المزمن والتدهن الكبدى وبعض الأمراض الوراثية وترسيب بعض المعادن فى الكبد بصورة زائدة مثل الحديد والنحاس.. كما يؤدى الاستخدام العشوائى لبعض الأدوية إلى حدوث تليف كبدى فى بعض الأحيان.

وينتج عن التليف الكبدى اضطراب فى وظائف الكبد التخليقية من تصنيع للبروتينات ومواد التجلط وعدم القدرة على التخلص من السموم، وأيضاً اضطراب أيض الأدوية وزيادة نسبة الصفراء فى الدم، وقد يؤدى التليف الكبدى إلى مضاعفات متعددة منها تورم الرجلين والاستسقاء ودوالى المرىء النازفة والغيبوبة الكبدية والبؤر الكبدية وارتفاع نسبة الصفراء بالدم.

وعلاج التليف الكبدى يكمن فى علاج المسببات فى البداية حتى لا تتطور حالة الكبد الملتهب إلى تشمع وتليف بمعنى علاج الفيروسات الكبدية فى بدايتها وعلاج واكتشاف الالتهاب المناعى فى بدايته وعلاج دهون الكبد المترسبة فى الخلايا الكبدية فى مراحل مبكرة وعلاج ترسيبات المعادن فى الخلايا الكبدية واكتشافها مبكراً وبالتأكيد الإقلاع عن شرب الكحول.

ولكن لوحظ فى بعض الأحيان أن هناك بعض المرضى يتطور عندهم مرض التليف الكبدى بصورة سريعة إذا ما تم مقارنتهم بمرضى آخرين.. وقد تم اكتشاف بروتين جديد ناتج عن تحور جين مهم يسمى إنترفيرون لامدا3.. يؤدى إلى حدوث تلف شديد فى النسيج الكبدى وتليف سريع.. وقد اكتشف هذا البروتين عالمان من أستراليا هما الدكتور يعقوب جورج والدكتور محمد إسلام.. وأصبح هناك تشخيص يرصد هذا البروتين الناتج عن الجين المتحور الذى يحدد المرضى المعرضين أكثر لحدوث تلف سريع فى كبدهم وتليف متطور..

ويطور العلماء الآن علاجاً فعالاً لوقف ومنع تأثير هذا البروتين الضار على مرضى التليف الذى من شأنه منع تطور وتقدم حالة المريض ويحد من تطور التليف أيضاً.

وهناك العديد من الأدوية التى يتم تجربتها فى مراحل التجارب الإكلينيكية الثانية والثالثة، والتى تحد من ترسيب النسيج الليفى وتكسر النسيج الليفى الذى تم عمله فى كبد المريض منها دواء السيمتزماب SIMTUZUMAB الذى يمنع إنزيماً مهماً من شأنه أن يحول النسيج الليفى فى مراحله الأولى إلى تليف كامل غير قابل للارتجاع.

وهناك أيضاً دواء حمض الأوبتوكوليك OBTICHOLIC ACID وكذلك دواء الـELAFIBRANOR أو اليفيبرنور اللذان أثبتا فاعلية فى تقليل والحد من ترسيب النسيج الليفى الناتج عن الكبد الدهنى.

بالإضافة إلى دواء السينكريفورك CENICRIVROC ودواء سولانوسرتيب SELONSERTIB اللذين يحبطان بعض الخلايا المحفزة التى من شأنها تحفيز الخلايا النجمية الساكنة الموجودة بالكبد والتى تؤدى إلى ترسيب النسيج الكبدى.

وهذه الأدوية سوف ترى النور قريباً بعد الانتهاء من التجارب السريرية الكاملة فى غضون خمس سنوات من الآن.

القسم: 
المصدر: 

ترييف المدينة شلل حضارى

معظمنا له أصول ريفية يعتز بها، لكن هل كل القيم الريفية التى توارثناها نافعة ومجدية فى بناء المدينة الاجتماعى قبل المعمارى؟، هناك قيم معطلة لهذا التمدن ومعوقة له، على رأسها عدم احترام الخصوصية والفردانية التى هى أولى أبجديات الحداثة، ومن يحلل سلوكيات الإخوان الصادمة للوعى الجمعى المدنى أو المتمدن يجد معظمها مستمداً من ظاهرة الترييف التى سيطرت على المجتمع المصرى الذى كان يمشى فى الاتجاه العكسى من قبل وهو تمدين الريف، نظرة بسيطة على ما حدث لمدينة الإسكندرية تعطيك صورة فوتوغرافية مقربة لظاهرة الترييف، ونظرة أخرى على اعتصام رابعة بعيداً عن مدلولاته السياسية، عندما فتح سكان رابعة نوافذ شققهم على الموجودين فى الميدان، اندهشوا وانزعجوا من السلوكيات، هم كانوا يعيشون تلك السلوكيات الاقتحامية من قبل فى كافة المؤسسات، لكن الفرق هذه المرة هى رؤيتهم لظاهرة الترييف وما أفرزته من سلوكيات لايف وعلى الهواء مباشرة، كنت أنتظر منذ فترة دراسة من عالم اجتماع لتلك الظاهرة وسعدت جداً عندما وجدت ضالتى فى المقال البديع المهم لأستاذ الاجتماع الكبير د. أحمد زايد فى الأهرام، فهو بمثابة مقدمة مهمة وخطة عمل مقبلة لتحليل وقراءة تلك الظاهرة التى تفسر لنا الكثير مما يشلنا حضارياً عن الانضمام للحداثة، أدعوكم لقراءة مقال د. زايد فى أهرام أمس السبت بهدوء واهتمام ليس لمجرد التسلية العابرة ولكن للاستفادة منه فى وضع بروتوكول بحثى وعلاجى لأمراضنا الاجتماعية المستحدثة، ولاستعادة قيم المدينة التى كانت أساس التحرر من قيم العصور الوسطى الإقطاعية والدخول إلى عصر التنوير، أقتبس بعض عبارات هذا المقال المهم عن الترييف للدكتور أحمد زايد للإشارة إلى أهمية علم الاجتماع فى النهضة التى نتمناها والتى ليست أبنية أو طرقاً فقط ولكنها الإنسان الأهم والأخلد والمستخدم لتلك الطرق والمبانى، يقول د. زايد: «تبدو المدينة فى حالة الترييف وكأنها قرية كبيرة، لم تنقلها عمليات التحضر إلى مدينة يتفاعل فيها السكان فى ضوء معايير مدنية، أو ثقافة حضرية تقوم على العلاقة المتوازنة مع المكان، والتجانس العمرانى، واحترام الخصوصية والفردية، بحيث يبدو الأمر وكأن ثقافة السكان الريفية هى التى تطغى عليهم.. وثمة مظاهر عديدة تكشف وجود هذه الحالة. من أول هذه المظاهر العلاقة غير المتوازنة مع المكان الحضرى، كالشوارع أو الأماكن العامة، فهذه الأماكن يتم التعامل معها على أنها أماكن متروكة لا صاحب لها. ولذلك فإنها عرضة لأن تستملك وأن تلقى فيها كل صنوف المخلفات البشرية، وعلى صاحبها أن يقوم باستعادتها إذا استملكت، أو بتنظيفها إذا اتسعت لتكون سلة مهملات عريضة».

انتهى الاقتباس ولكن الدراسة الحقيقية لم تبدأ بعد.

القسم: 
المصدر: 

الانتقائية الصدامية تنقذ التاريخ من الانتقائية التقديسية

المؤرخ الإسلامى والباحث فى تاريخ المسلمين هو أكبر شخص بائس ومظلوم على وجه الأرض؛ فالمطلوب منه الدخول إلى التاريخ كجزء من طقوس العبادة، والتعامل مع حكاياته وقصصه من منطلق قبلى بدوى حربى، المعركة فيها صفرية، كلها ملاحم تمجيد، عليه أن يعمل جرّاح تجميل وطبيب تخدير معاً، يخفى قبح بعض الأحداث ودمامتها، ويخدر القارئ لكى يعيش فى جنة الماضى التى بلا رجس أو دنس، المفروض أنه قد درس علم التاريخ الذى أولى أدواته الحيادية، لكن بروده الأكاديمى وصرامته المنهجية من الممكن أن توقعه فى فخ قانون الازدراء وتدخله السجن ويحاكَم بتهمة الإساءة للصحابة، وبرغم أنه مجرد ناقل فإننا نعشق القات التاريخى ونلوكه لنصنع تاريخنا الخاص الذى يناسب أمانينا ويضخم ذواتنا ويجعل الطريق one way إلى الماضى، وإلى الماضى فقط، دون تذكرة عودة، لأنه الأجمل والأفضل والذى لا خطأ فيه ولا خطيئة، التاريخ الصحيح هو ما يذكره رجال الدين من قصص أسطورية جميلة عن التسامح والسلام من على المنابر، وعندما يذكر المؤرخ أن صحابياً قتل صحابياً أو أن خليفةً صحابياً عذب زاهداً صحابياً أو أن أصدقاء الأمس من الصحابيين تلاسنوا فى معارك كلامية عنيفة، عندما يذكر بعضاً من هذا أو حتى يلمسه من بعيد أو يناور بألفاظ مخففة، يتم تكفيره وإعلان الحرب عليه، فما يذكره رجال الدين هو صحيح التاريخ، وما يذكره المؤرخ الموضوعى هو إسرائيليات وتاريخ مزيف، برغم أن المؤرخ اعتمد على نفس المراجع التى اعتمد عليها رجال الدين، لكن تاريخنا الإسلامى هو التاريخ الوحيد الذى تظلله عبارات مثل «المسكوت عنه» و«لاتجادل يا أخى» و«لا تتحدث عن الفتنة حتى لا تفتن الناس فى دينهم»... الى آخر تلك العبارات التى من الممكن أن تناسب أى شىء آخر إلا علم دراسة التاريخ.

ومن ضمن العبارات التى وضعت علم التاريخ فى ثلاجة المشرحة بالإضافة إلى انعدام التوثيق أو كراهيته فى مجتمع شفاهى كالمجتمع العربى، الذى جعله جلسات للثرثرة التاريخية لا علم تاريخ، عبارة «الصحابة العدول»، التى عطلت كثيراً جسارة مواجهة الحقائق التاريخية الإسلامية، أو بتحديد أكثر حقائق تاريخ المسلمين، الصحابة لهم كل الاحترام، لكن هل لهم مطلق القداسة؟، هل لم يضعف أحدهم أمام مصلحة، أو اتخذ قراراً بناء على نوازع قبلية أو ثأراً قديماً؟، هل لم تغير أحدهم الثروة؟، هل وألف هل نطرحها لبداية تعامل تاريخى جرىء وموضوعى وعلمى مع هذا الموضوع، نعترف بأنها انتقائية صادمة، لكن لماذا لجأنا إليها؟، للرد على انتقائية تقديسية مضادة على الجانب الآخر تنتزع التاريخ من الأرض لتضعه فى السماء، تجتثه من حقل الطين التاريخى ليحلق فى صوبة الخيال المعقمة الفردوسية، تلك الانتقائية التى تتحدث عن الصحابة كبشر لهم نوازعهم وعثراتهم هى مجرى مختلف تم شقه فى نهر التاريخ الهادر للرد على فيضان التقديس التاريخى الذى سيطر على الأدمغة آلاف السنين.

نعترف بأنها انتقائية لكنها الانتقائية التى ستعدل الدفة وتعيد توجيه الشراع حتى يستقر قارب البحث على ضفة التاريخ العلمى الموضوعى الصحيح.. هل المفروض أن يتعامى المؤرخ عن الجمل والعبارات العنيفة المحرضة مثل قول الصحابى طلحة، أحد العشرة المبشرين بالجنة، لمحاصرى الخليفة الصحابى عثمان ذى النورين والمبشر بالجنة أيضاً «إن عثمان لا يبالى ما حصرتموه، وهو يدخل إليه الطعام والشراب فامنعوا الماء أن يدخل إليه»؟!

هل المفروض ألا أقرأ الرسائل المتبادلة القاسية بين صحابيين من العدول، وهما على بن أبى طالب، إمام المتقين، وابن عباس، حبر الأمة، وحكايتها باختصار أن أبا الأسود الدؤلى أرسل رسالة لعلى بن أبى طالب يقول فيها إن ابن عباس «أكل ما تحت يده -من بيت المال- بغير علمك»، فى إحدى الرسائل يقول على: «إنى كنت أشركتك فى أمانتى. ولم يكن من أهل بيتى رجل أوثق منك فى نفسى لمواساتى ومؤازرتى، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، والعدو عليه قد حرب، قلبت له ظهر المجن، ففارقته مع القوم المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان الخاذلين، وخنته مع الخائنين، فلا ابن عمك آسيت، ولا الأمانة أديت، كأنك لم تكن الله تريد بجهادك، وكأنك كنت تكيد أمة محمد عن دينهم، وانتهزت الفرصة واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى الهزيلة، فحملت أموالهم إلى الحجاز رحيب الصدر غير متأثم، سبحان الله!.. أما تعلم أنك تأكل حراماً وتشرب حراماً؟...»؟!

كانت نهاية القصة هى رد ابن عباس بأنه يستحق هذا المال وأكثر منه، ثم كانت الرسالة الأخيرة الصادمة: «لئن لم تدعنى من أساطيرك لأحملن هذا المال إلى معاوية يقاتلك به»!!

هل المفروض أن أسد أذنى عندما أسمع قول أحد العدول عمرو بن العاص، وهو فى ضيعته فى فلسطين عندما سمع خبر مقتل عثمان: «أنا أبوعبدالله إذا حككت قرحة نكأتها، إن كنت لأحرّض عليه حتى إنى لأحرّض عليه الراعى فى غنمه فى رأس الجبل»؟

هل المفروض على المؤرخ أن يتناسى ما حدث لمحمد بن أبى بكر الصديق، الذى ذكره ابن كثير وابن الأثير، بجانب الطبرى، عن أنه قد أُحرق فى جوف حمار ميت فى عهد تولى عمرو بن العاص، وأُرسل رأسه إلى معاوية، وظلت السيدة عائشة أم المؤمنين تدعو عليهما وتحرم على نفسها الشواء حتى ماتت؟!

هل المؤرخ لا بد أن يخرس عن توصيف صحابى مثل عبدالله بن أبى جذعه وأن عليه ألا يصفه إلا بأنه صادق من العدول؟

اقرأ الحكاية التالية من المصادر بنفس حروفها عن ذلك الصحابى، وضَعْ نفسك مكان المؤرخ المعاصر الذى ينشد الموضوعية: عن يحيى بن كثير عن عطاء بن السائب قال: كنّا عند عبدالله بن الحارث فقال: أتدرون لمن قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «من كذب علىّ فليتبوأ مقعده من النار»؟ قال: قلنا: لا، قال إنما قال ذلك من قبل عبدالله بن أبى جذعة أتى ثقيفاً بالطائف فقال: هذه حلّة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمرنى أن أتبوّأ أى بيوتكم شئت. فقالوا: هذه بيوتنا فتبوأ أيها شئت، فانتظر سواد الليل فقال: أتبوأ أى نسائكم شئت، فقالوا: إنّ عهدنا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحرّم الزنا، فسنرسل إليه. فأرسلوا إليه رسولاً فسار إليه وقدم عليه عند الظهر فقال: يا رسول الله أنا رسول ثقيف إليك إن ابن أبى جذعة أتانا فقال: هذه حلّة رسول الله أمرنى أن أتبوأ أى بيوتكم شئت، فقلنا هذه بيوتنا فتبوأ أيها شئت، فانتظر سواد الليل فقال: أتبوأ أى نسائكم شئت. فقلنا: عهدنا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يحرّم الزنا. فغضب رسول الله غضباً شديداً لم أرَ أشدّ منه، ثم أرسل رجلين ليقتلاه ويحرّقاه بالنار... ثم قال: لا أراكما تأتيناه إلا وقد كُفيتماه... فخرج ابن أبى جذعة فى ليلة مطيرة ليقضى حاجته فلدغته حية.. فأحرقه الرسولان.

هل مكانة واحد من أهم الصحابة العدول وهو الصحابى خالد بن الوليد تشطب من ذاكرة المؤرخ غارته على بنى جذيمة وقتل الكثيرين منهم مع العلم أنهم كانوا مسلمين وإجبار قلمه على التغاضى عن السبب وراء ذلك وهو أنهم قد قتلوا أقاربه فى زمن الجاهلية!

وما المطلوب من المؤرخ وهو يقرأ عن عبدالله بن أبى السرح فى «السيرة الحلبية» (ج3، ص90)، و«السنن الكبرى» للبيهقى (ج8، ص205)، وتفسير البغوى (ج4، ص540)، و«تاريخ الإسلام» للذهبى، ما كُتب عن أن النبى أهدر دم عبدالله ابن أبى السرح، لأنه كان أسلم قبل الفتح، وكان من كتبة الوحى، فإذا أملى عليه النبى: سميعاً بصيراً، كتب عليماً حكيماً أو غفوراً رحيماً، حتى قال إن محمداً لا يعلم ما يقول، وقيل إن النبى أملى عليه «ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين»، حتى قال «ثم أنشأناه خلقاً آخر»، فقال عبدالله «فتبارك الله أحسن الخالقين»، فقال له النبى: اكتبها، هكذا نزلت علىّ، مما جعل عبدالله يقول: إن كان محمدٌ نبياً يوحى إليه فأنا نبى يوحى إلىّ، فارتد ولحق بمكة، وقال لقريش: إنى كنت أصرف محمداً كيف شئت، وقد نزلت فيه آية «ومنْ أَظلمُ مِمَّن افترَى على اللهِ كذباً أَو قالَ أُوحى إلىّ ولمْ يُوحَ إليهِ شىءٌ».. أم يجب عليه فقط أن يذكر وساطة عثمان، أخيه فى الرضاعة، عند النبى للعفو عنه، دون ذكر الردة؟

وهل عندما يبحث المؤرخ عن وصف لما فعله أحد الصحابة العدول وهو حاطب بن أبى بلتعة من تحذير لجيش الأعداء وإبلاغهم بخطة الرسول لفتح مكة، عليه أن يكتب أن تلك الفعلة عدم خيانة للأمانة؟!!

لا أعتذر عن الصدمة التى ستحدث للبعض من قراءة تلك الوقائع، فالتاريخ تاريخ بشر، ومن يجب عليه الاعتذار هو من أوهمنا بأن التاريخ تاريخ ملائكة.

القسم: 
المصدر: 

«البنادق المستأجرة».. أكذوبة الجهاد الإخوانى فى سوريا

كيف دمر إخوان مصر وسلفيوها سوريا؟ كيف كان دورهم محورياً وفاعلاً ومخرباً لذلك البلد الشقيق؟

كتاب مهم يوثق تفاصيل هذا الدور، كتاب «البنادق المستأجرة» للكاتب والمحامى وليد يوسف البرش، وهو واحد ممن عرفوا كواليس حركات الإسلام السياسى فى مصر جيداً، فى الفصل الأول من الكتاب يحاول المؤلف الإجابة عن سؤالين مهمين، الأول لماذا أطلق الإخوان أكذوبة الجهاد فى سوريا؟، ولماذا حشدوا أنصارهم وحلفاءهم للترويج لتلك الأكذوبة؟، أجاب من خلال استعراض شكل مصر بعد 25 يناير وكيف انهار الأمن فى سيناء بعد سقوط الشرطة؟، ماذا فعل العفو عن قيادات الإرهابيين وعن الجرائم السياسية؟

الإخوان كانوا يعرفون أن عدوهم الأساسى قبل الشعب هو الجماعات الإسلامية المنافسة لذلك قرروا إرسالها لسوريا.

وفى الفصل الأول توثيق لمقتلة قادة الإرهاب المصريين فى سوريا وهى من أهم أجزاء الكتاب، هناك أبوالفرج المصرى المنضم لجبهة النصرة، وأبوهانى المصرى القيادى فى حركة أحرار الشام، وأبوياسر المصرى الذى قاد تنظيم الجماعة الإسلامية فى سوريا، وأبوالعلا قاتل فرج فودة، وأبوحمزة المصرى... وغيرهم الكثير ممن فتحت لهم عصابة الإخوان باب الجهاد المزعوم.

استعرض الكتاب اقتتال المجاهدين أنفسهم فى إدلب نتيجة تضارب الفتاوى ما بين منظرى هيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام! وانتقل الصراع إلى ساحة أخرى ما بين الداعشى المحلى ابن البلد والداعشى المهاجر الضيف الطامع.

لكن كيف خدر الإخوان هؤلاء الشباب وحولوهم إلى بنادق مستأجرة؟

خدروهم بالاحتلال العقلى عبر المراحل الأربع، الأولى تقديس القادة، الثانية السمع والطاعة، ثم الأوهام الثلاثة وهى وهم اضطهاد المسلمين فى سوريا وتكفير النظام ووهم وجوب الجهاد، ثم المرحلة الأخيرة وهى الحرب الدائمة مع العالم.

يستعرض الكاتب الفهم الخاطئ لآيات القتال، الذى زيفوا من خلاله وعى الشباب، وبعد هذا التزييف أقنعوهم بأن صلاة المسجد الأموى أولى من صلاة الأقصى.

أما عن كيف تطورت الأكذوبة فيحكيها وليد البرش تحت عنوان «شيطنة الدولة السورية» وذلك من خلال خطوات كثيرة، الخطوة الأولى فيديوهات البطش والتنكيل، الثانية مهاجمة العلماء السوريين وعلى رأسهم البوطى الذى حرض على قتله القرضاوى، الخطوة الثالثة هى البيان المشئوم الخطير بيان 7 فبراير 2012 الذى وقع عليه مائة وسبعة من علماء المسلمين، كانت هناك فى البيان نقاط تحريضية على الجيش السورى ودعم من يطلقون عليهم الثوار وهم بالطبع من الجهاديين الإخوان والسلفيين، وللأسف إلى جانب توقيعات صفوت حجازى والقرضاوى والحوينى كانت هناك توقيعات مفتى مصر آنذاك الشيخ على جمعة وأيضاً الشيخ نصر فريد واصل.

بعد شيطنة الدولة السورية يأتى دور تسهيل الطريق إلى سوريا من خلال إنشاء أماكن استقبال للشباب فى سوريا، حيث سافر «حازمون» وهيئة أنصار عاصم عبدالماجد وجماعة حافظ سلامة، وتم السفر عبر تأشيرة تركيا، بدأت طمأنة المجتمع بأن العائدين من سوريا ليس منهم خطر طالما الإخوان فى الحكم، وقد اشترك بعض الإعلاميين فى التحريض على السفر إلى سوريا ومنهم يسرى فودة، ثم جاءت الكارثة عبر دعم الدولة المصرية تحت حكم الإخوان لأكذوبة الجهاد الإسلامى فى سوريا، بداية الدعم كانت فى 13 يونيو 2013 فى اجتماع فيرمونت الذى أطلق عليه موقف علماء الأمة تجاه القضية السورية، الذى ادعوا أنه كان تحت رعاية الأزهر، وأكد ذلك الشيخ حسن الشافعى المستشار وعضو هيئة كبار العلماء الذى لا تخفى ميوله الإخوانية على أحد، وأعلن فيه صفوت حجازى تكوين كتائب السنة للجهاد فى سوريا، أما الجمعة 14 يونيو فكانت خطبة العريفى التى أعلن فيها أن مصر أرض التمكين، ونادى بعدم خذلان المجاهدين السوريين، جاء التتويج يوم السبت 15 يونيو، ذلك اليوم المأساوى الكارثى، مؤتمر دعم الثورة السورية فى استاد القاهرة، الذى تم فيه إعلان قطع العلاقات مع سوريا وسحب السفير المصرى هناك، تم التصعيد وبموقف رسمى صريح، الجزء الأخير من الكتاب لفضح جهاد النكاح فى سوريا وبالأسماء والتفاصيل.

«البنادق المستأجرة» كتاب لمجتمع ذاكرة السمك الذى دائماً يبدأ تاريخه من الصفر وكأن عبرة ودروس الزمن والتاريخ سراب وبصمات على الماء.

القسم: 
المصدر: