إبراهيم عيسى

إبراهيم عيسى يكتب: كل هذه الكلاب خلفك!

 
 
لمدينتى الصغيرة فى أيام المطر رائحة الصمت، عم الانكماش، حين تغفو الأبنية والبشر وتتقلص الحيوات كلها إلى حركة مكتومة خلف باب وشروع مبكر للنوم تحت غطاء سرير وكمون مطلق للموجودات جميعًا.
 
أختصر طرقًا نحو شارعنا فتخذلنى الحنكة، فالطريق مصيدة للتزحلق والطين فى طزاجة الهطول الأول للمطر ينتظر الأقدام المتعبة وجبن مشروع -وسط المطر والظلام والصمت- أن يكون هذا الخط الطويل الملتوى من الطين ثعبانًا أسود فى الظلام ينهب قدمى ويجرنى إلى الموت فى وحل الليالى، أو ربما تتفكك بحيرات الماء عن أيادٍ غليظة مكسوة بالطمى والماء المتصبب وعروق نافرة فتشدنى إلى حفر عميق وضحك ملجوم وأصوات مدفونة ونباح كلاب يعزز الخوف بالارتباك.
 
فجأة يخرج الرعب المنتظر من ناصية ما.. كلب شريد يهتز بطنه المكسو بطين، نام فوقه وأرجله مفروسة فى وحل ينتقل به فى ماء وبرك، والمطر يقطر فوق جسده ووجهه غير مكتمل الملامح فى ارتعاش النظارة على الأنف كأن المثلث لا بد له أن يكتمل، المطر والظلام والكلاب. حين جريت إلى أُمِّى كان كل شىء قد استقر فى التاريخ، مررت من الفرن إلى بيتنا أحمل حقيبة بلاستيكية محملة بدورها بالخبز، وحين لامست قدمى شيئًا طريًّا لينًا عرفت أنها المأساة، كلب ضخم نائم عكرت نومته فنهض مفزوعًا ينبح فى قسوة، وعدوت بكل ما فى جسدى من خوف لكنه لحق بى، أمسكت حوافره أخيرًا ببنطالى، وحين أدرك أنه ينتقم منى كنت قد عبرت أمتارًا فى قفزة، وكان قد تمكن من البنطال فمزقه وأنا أبكى وجيران من الأبواب والنوافذ
 
صرخوا عليه وجروا نحوه، لكنى صرت الآن وحيدًا أمامه، فى المطر والليل، وكانت عيناه مثبتتين -هكذا شعرت- عند حقيبتى وكفّى.
 
غاصت أقدامى فى برك المياه ووحل الطين وتخبط الحجارة وغموض الأمكنة وعتمة مسيطرة على مسافات متباينة، رأسى يأخذ زاوية حادة نحو الكلب، ولهثى يزداد والمطر يسكن لثوانٍ والبلل يغرقنى ويثقل حركتى، وخطوات الكلب منتظمة دقيقة تئن فوق الطين وتثير ماء فى اصطدامها بالبرك وتخط آثارها على الشارع الموحل. على يمينى سور لبيت كبير ومدق ضيق ناحل خالٍ من الماء، أسير عليه فتنهرنى انحاءاته، ولكن الكلب يسير جانبى موازيًا لى فوق الماء المفروش على الأرض.
 
هل اقترب بيتنا؟
 
لا أحد فى الشوارع؟
 
(كأن كل شىء انسحب للمواجهة الوحيدة بينكما).
 
على غفلة من إدراكى، هلعت، كانت حلقة من كلاب على ذات الوحل والطمى والماء والتشرد قد تجمعت مع الكلب الأول وساروا جميعًا جوارى، خلفى، موازاتى وأنا مرعوب حتى توقف الرئة، مدفوع بعار الهزيمة، مجلل بمرارة شرسة تعطل تفكيرى عن أية محاولة للفكاك.. الأقدام ثقلت بالطين على الطين، ترنمت خطواتها بالمطر على الماء، وتكاثرت وتكتلت والتصقت أجسادها واختلطت سيقانها واهتزت ذيولها فى وعيد رعديد، وفكرت لوهلة أن أقف لكننى لم أجرؤ، ظننت أن الموت جوار بيتنا أكثر رحمة من الموت بعيدًا عنه، وأن ملائكة مرسلين من لله سوف يأتون عند بدنى، فيتدافعون، ملائكة الفرح مع ملائكة الحزن أيهم يحملنى إلى نهايتى، حتى يفصل بينهم حل وسط فيعدون المسافة بينى وبين بيتى، فإن كانت أقرب من مسافتى إلى ناحية الشارع أذهب إلى موت فرح وهدأة جراح.
 
عبرت الناحية والتفت ثانية فلم يظهر كلب خلفى، فاشتعل فى صدرى الهدوء ثم جريت بأقصى ما فى قدمى من سرعة، يلوثنى الطين والماء وأكاد أتعثر وأسقط وأستند إلى جدران بيوت متشققة بالمطر، مبلولة مغسولة يهترئ طلاؤها وتتهاوى قشرته على الأرض مدغدغة تمامًا، مسحوقة فى الماء والطين الذى يكسو أسفلت الشارع وحفره التى صنعتها التطورات الطبيعية لكل ما هو مرصوف فى الوطن.
 
أحس فى انفراد مدهش عرقًا يمتزج مع مطر على جبهتى ووجهى حين ضغطت على جرس البوابة فدق صوته، أعرفه رنينًا نبيلاً فى الصالة، وحين تحركت أقدام خلف الباب تسأل مَن؟ أجبت فى زهو، خرجت أُمّى ملفوفة فى دثارات شتوية ثقيلة وأصابعها تمسك بالمفاتيح، تتجاوز الأحذية الملوثة بالطين الموضوعة أمام باب الشقة، تعبر السلالم الصغيرة المؤدية إلى البوابة الخضراء، تدوس على آثار المطر على مدخل بيتنا.
 
- حمدًا ﻟﻠﻪ على السلامة.. وحين ظهر وجهها من خلف البوابة واضحًا نقياًّ محمر الخدود من دفء مصنوع فى الداخل، ظهرت عند الناصية قافلة الكلاب
 
تجرى فى سرعة سيارات لعبة الأتارى نحوى، ضغطت أُمّى على مقبض البوابة فأصدر صوته الأليف ودفعت البوابة وأنا ألتمس من عين أُمّى إنقاذى من سعى الكلاب النابحة خلفى، انزلقت فى حضنها وهى تعيد البوابة إلى الانغلاق وتسأل.. - يا ساتر، ما كل هذه الكلاب؟.. هل كانت خلفك؟
 
كل هذه الكلاب -وغيرها- كانت خلفى، لكننى أستبيح الصمت على الهزيمة.
 
القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

إبراهيم عيسى يكتب: طريق فاتن حمامة المسدود

انشطر وجودى إلى نصفين، نصف تحت الضوء الباهر الذى أعمى عينَىّ، ونصف عشته على ضفة ترعة خلفها الحقول تظهر فى المشهد بيضاء برماديات خفيفة وشجرة وحيدة وأطياف خلفية، وفاتن حمامة وأنا ألاحقها بدراجة أهبط منها إليها. وأدركت أن وجودى التصق بمشهد فيلم «الطريق المسدود»، ها هى فاتن حمامة بجوارى جميلة ناضجة بشعرها الأسود وملامحها العذبة وشفتيها المرسومتين وعينيها الناعستين وأنفها الدقيق ونجوميتها الهادئة وردائها البسيط الأنيق وقامتها القصيرة وخطواتها الخجلة، وأتابعها كظلها فتلتفت على وشك التذمر.
- وبعد، لازم تروح وتذاكر.
وقفت محدقًا فيها بعشق لا قِبَلَ للعالمين بوصفه، ووصف لا محل لشرحه، وذوبان لا امتلاك لضبطه، وتفجر عواطف من الحنو والحب والإعجاب والانبهار والعبادة. كنت أنا الصبى الذى غرق فى عشقها ولاذ بها من الدنيا والحياة، وشعرت نحوها بحبى الأول، أول البدء، وبداية الخلق، وخلق التوحد، ووحدة التفرد، وتفرد المثال. مثال العشق على بوابات الجنة (يحرسها رضوان) والغيرة على بوابات النار (عليها تسعة عشر)، ولذا فقد كانت تقف بالدثار الصوفى والبنطال الشتوى، بينما يدى مثلجة على مقبض الدراجة. هى مشغولة بموعد شكرى سرحان بطلها ومحبوبها، وكل ما كانت ترجوه أن أكف أنا الصبى العاشق عن اللحاق بها وملازمة ظلها حتى تترك كفها لكفه، حضنها لحضنه، شفتيها لشفتيه، ولكننى إذ ألتصق بوجودها أمنعها عن حريتها فتضج بى وتبعدنى ساخطة غاضبة ثم تصرخ فىّ:
- يا ابنى اعرف بنات أخريات.. صاحب وأحِب، لا تتوقف عندى.. فلا تحبس نفسك فى عشق مستحيل، ولا تنظر إلى علاقتك بالبنات على أنها خطأ. مالك تعقد الدنيا لنفسك ولى؟.. أنا زهقت منك ومما تفعله، خلاص بتحبنى، لكن ليس لهذه الدرجة، ارحمنى وابتعد.
- لكننى أحبك كما لم يحبك أحد من قبل ومن بعد.. أعشق تسابيح عينيك، وألثم الهواء العابر على وجهك، وأحلم بك وأناديك، وأشعر الدنيا عند إصبعى حينما أراك، ويدق قلبى بعنف ويهتز وجدانى وتنخلع أوردتى، أليس هذا حبًّا؟ ألا يستحق هذا المثول والاستمرار؟
سقط المشهد برمته وخرجنا من مساحة الشاشة البيضاء إلى السواد حيث لا يرانا أحد، وتركنا الشاشة خالية إلا من الحقول والزروع والأطياف الخلفية. الجمهور يسأل الآن: أين أبطال الفيلم؟ وكانت فاتن حمامة قد قررت تلقينى درسها الأخير فى إمكانية انهيار الحب وطبيعية الفراق- فقالت وهى تخفض صوتها وتزن كلامها وتضم أصابعها منقبضة أمام صدرى:
- لا بد أن تملك إرادة أن تنسى.. وتتجاوز عذابك، لقد مررت أنا بعشرين تجربة حب ولكننى خرجت من فشلها بقوة، تعرف لماذا؟ لأننى واجهتها بالإرادة.. أنت لا تريد أن تخرج من محنتك.
صرخت أخيرًا..
- أية محنة؟ أنا لا أبكى من أجلك، من أنت؟ «فاتن حمامة»، وماذا يعنى؟ أنا أبكى لأجل هذا الرباط المقدس، الحب. تفك الأربطة وتدنس القداسة ويبث البرود بغضه فى العلاقات وتنسحق الوجوه سوداء أمامى، ويسود البياض تجاهى، وأراكم -كلكم- تضحكون منى وتخففون ألمى بماء النار. إنه لا شىء يستحق الحزن والبكاء، الإحباط والألم، التوعك، السوداوية، الاكتئاب. ماشى، أنتم أحرار، أنتم الأعلون لو كنتم تعلمون، لكننى حزين لا من أجلكم أبدًا، من أجلى أنا، كيف جئت هنا؟ ماذا تعلمت منكم؟.. نعم، أنا مركب ومعقد، لكننى أحب، أحبك جدًّا، لدرجة أننى بت أكره حبى..
ما أفدح الحب المكروه.
كان من المفترض أن أبكى، أن أهتز أو يحتبس صوتى كالعادة وتدمع عينى، فيشفق الآخرون على تهدج صوتى، وأشفق على نفسى من الفضيحة، لكننى لم أفعل، بل ألقيت الدراجة، دخلت الآن الشاشة ورآها الناس تسقط فى الترعة، وجريت حتى صعدت إلى كومة تراب رأيت وراءها فاتن حمامة فى حضن شكرى سرحان..
ماذا حدث؟ لا شىء.. رغم أن الجمهور التقط أخيرًا أنفاسه لما عرف مصير أبطاله الذين اختفوا عن الشاشة فجأة.
القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

إبراهيم عيسى يكتب: كنتُ عبد الحليم.. وكانت نادية

 
 
خرجت من الباب المعلق فوق الموج.. فتحته بصعوبة حتى وجدت نفسى فى ردهة الشقة كما هى.. ضيقة.. يسارها باب الحمام ويمينها غرفة مغلقة منذ جئت إلى هذا المكان -وخلال موتى لمئة عامة- أشك أن أحدًا فتحها.
 
مثل طفل يجرب المشى لأول مرة (دون أن تنتظره أمُّه فى نهاية الردهة) مشيت بطيئًا مترنحًا خائفًا..
 
عندما انتهيت من الردهة وجدت الصالة متسعة جدًّا وعلى غير ما تركتها، وجدت نفسى فجأة أمام نادية لطفى.
 
نعم كنت بطل فيلم «الخطايا» أمامها.
 
روحى خرجت من جسدى والتفت على مساحة من الضوء الصاعد من مصباح كهربى مكثف ضبطه الحاج وحيد فريد مدير تصوير الفيلم، والمخرج حسن الإمام يضبط بعينه اليسرى المشهد ويجلس واضعًا قدمه اليمنى على مسند المقعد.
 
وكنت أقف فى الصالة مرتديًا هذا القميص والبنطال (اختفى عبد الحليم حافظ فىّ وامتزجت فى روحه).
 
مرتبكًا، ممسكًا أصابعى اليمنى باليسرى.
 
عيونى فيها الحب والعشق والسحر والتوهان والإبحار فى صبابة متأججة، وتوقٍ جنونى لهذه الماثلة أمامى.. حلوة جدًّا جسدها ممشوق مفصل -ترتدى بنطالا أسود ودثارًا صوفيًّا واسعًا.. شعرها أصفر ملفوف فى ذيل حصان أشقر، وعيناها جميلتان فيهما كل ملخصات أساطير الغرام العذرى، وشفتاها مرسومتان فى دقة فم متسع لكنه خرافى، ورغم أنفها الكبير لم أكن أراه كبيرًا، كنت ذائبًا فى حواجبها وبشرتها وابتسامتها ذات الخفر والارتباك.
 
كنت أحبها.. وأعد من واحد إلى عشرة حتى لا أصرح بحبى لها، كما أوصانى أخى حسن يوسف فى الفيلم، وفى وقفتى ترددت، ارتبكت، تقدمت وتراجعت، أقبلت وأدبرت، وكان المصورون والفنيون والمخرج وزملائى من حولى يحثوننى على التقدم إليها بقلبى، بحبى، بعشقى، لكننى -أنا هكذا دائمًا- لا أنطق وهى تحثنى بإيمائها.
 
وأخيرًا، أقول لها: ممكن أوصلك.. فيضج المشهد بدخول والدينا، ويشرخان الوجود بحضورهما، لكننى فجأة أتوقف فاغرًا عشقى فقد رأيتها.. رأيت نادية لطفى ترتدى قميص نوم أحمر، وتدخن سيجارة (أعرف أنها ليست مارلبورو حمراء) وتلقى صدرها على ممثل ثقيل الظل، منتفخ الحجم، غبى الملامح، وتُقبله وتترك خدها له فأفرُّ غاضبًا إلى غرفة مجاورة تدخل علىّ نادية لطفى وهى تسألنى: كيف ستعيش هى لو لم تفعل ذلك؟
 
أقترب منها فأراها ذاتَ مساحيق كارثية وأنوثة مفضوحة وعُرى بائن وألوان مزدحمة، اختفى نقاء صورتها فى فيلمى الأبيض والأسود.
 
فوجدتنى.. والمخرج يصرخ والفنيون يلطمون ونادية لطفى مذهولة - أصفعها وألعنها وأمزق قميص نومها.
 
وهى الأخرى ترد ضربى بضرب، عنفى بعنف، فتلعن وتسب وتتهمنى بالجنون، وتستنجد بالمنتج والمخرج، فيتوجهون إلى عنقى وذراعى ويضيقون الخناق علىّ.. لكننى بقوة العائد من موت لمئة عام، أفرُّ منهم وهم يحدثون أنفسهم ذهولًا:
 
- ليس معقولا، عبد الحليم حافظ لا يفعل هذا أبدًا.
القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

الخروج من الرحم

مرَّ الزمن سريعًا أو بطيئًا فلم أكن أحسُّه.. كل ما كنت أراه الآن هو هذا التمدُّد المنتظم والانتفاخ المتوهّج الذى يحيط بجسمى كله، فى الوقت الذى لم أعد أستطيع فيه الرؤية خارج الرحم، الذى انغمست فيه وتسمَّرت به.

كان ما يجرى غامضًا وجسدى يعيد التخلُّق.. ومشاعرى مثبتّة عند هذه اللحظات العصيبة فى حياتى التى اكتشفت فيها أننى ما زلت أنا.. وزمانى ما زال، يا للألم، زمانى منذ حضور القادمين من السماء بصالة تحرير المجلة وأفاعيلهم بى.

التأمُّل المحدق فى البياض جعلنى خاملاً كسولاً بلا قدرة.. لهذا كان بسيطًا أن أموت فى جلدى رعبًا وتنقلب أحوالى حين تشتد تقلصات وصرخات وشهقات تسحبنى وتقلبنى وترمينى فى الرحم.

وإذا به يتَّسع ويضيق.

وإذا بى أهتز وأترنَّح.

وإذا بجسدى ينزلق.

وتنفرج فتحة لأرى نورًا وأشباحًا.

كنت أولد.

الوجوه مفزوعة ملتاعة.

الطبيب الممتلئ ذو النظارة الطبية المهتزة على أنف معروق، ارتجفت يده وسقط جهاز الشفط المعدنى على الأرض وتحطَّم، وخبَّأ وجهه فى كفَّيه المغطاتَين بالقفاز الطبى الذى تمزَّق تمامًا.

أُمها وخالتها وابنة خالتها اللاتى كن حول فراش الولادة مغشيًّا عليهن نهائيًّا، واحدة نحيفة قصيرة مُحجَّبة هى أُمها، مسترخية فوق المقعد الصغير الموضوع فى الحجرة وقد ذهبت إلى الجنون مباشرة، خالتها ولولت منتحبة ثم غابت عن الوعى، وبنت الخالة (التى تعد أُختها ورُبِّيت معها منذ صغرها) ألقت بنفسها على صدر المرأة وهى تبكى وتهتف:

- ليس معقولاً يا أُختى.

ثم كأنها أُصيبت بشلل مؤقَّت فَخَرَسَت.

أما هى فلم تكن تعرف ماذا يحدث بالضبط، كانت موجوعة متألّمة تشعر أن شيئًا أسطوريًّا يجرى أمامها وداخلها.

الغرفة ذات ضوء أول النهار، والأثاث قليل (أفسحت القطع الكثيرة استعدادًا للولادة)، والمياه ملقاة فى دوائر ضيّقة ومتّسعة على الأرض، وأوانٍ ومعدات طبية فى جانب السرير.

والمشهد كلّه يملأ عينَى المرأة ذات الوجه الحليبى، رأت نفسها عارية حتى صُرّتها، وفخذيها مفتوحتين فى وجه الطبيب، وبطنها مرتفعة، وبياض بشرتها مختلط باحمرار وزُرقة، وصراخها يبدأ -مرة أخرى- فى الاندفاع المُر نحو إنقاذ مفتقد على يد طبيب مذهول وعائلة ملتاعة.

لمحتنى أخرج برأسى من بين فخذيها فهَوَت نصف ميّتة، وعيناها مفتوحتان ضد التصديق.

كنت أنا بجسمى نفسه الذى تمدَّد الآن وعُريى المفضوح وشعر رأسى الخشن وشاربى المبلول وقدمى الحافيتين وقامتى القصيرة أحاول الخروج من ضيق الرحم وخنقة فخذيها لعنقى.

وجد الطبيب نفسه أمام معجزة طبية أجبرته على دخول فخذَى السيدة ومحاولة جذبى للخروج النهائى حيث تشابكت أقدامى بأحبالها وعروقها ودمها.

وضع ذراعيه تحت إبطى وحول عنقى وشدَّنى بقوة وسقط جوار الحائط، بينما هبطت منزلقًا منها مربوطًا بخيط صُرَّتى برحمها، التفتُّ إلى الموتى حولى فزعًا، مددت كفّى إلى مقص الطبيب وقطعت خيط صُرَّتى وعدوت إلى خارج الحجرة أحاول أن أستر عورتى، هبطت السلالم لاهثًا، تحت المنزل وجدت شجرة توت نحيلة انتزعت منها ورقة وضعتها على عضوى وعدوت، جريت فى الشوارع.

وفى ميدان التحرير كان الزحام خانقًا والقادمون والرائحون فى تكالبهم اليومى نحو الاعتياد.. وُبهِتُّ كُليَّةً حين لمحنى البعض ورأتنى عيون الكثيرين ومرَّت بى أجساد البشر دون أن يلفت نظرهم عُريى، ودون أن يفزعوا من قامتى العارية وجلدى المفضوح وأعضائى المكشوفة وارتباكى الغريب وورقة التوت الموضوعة بين فخذَى.

لم يعرنى أحد اهتمامًا.

لم يتفوّه أحدهم بكلمة ضدى.. أو نحوى على الأقل.

لم يغضبوا أو يسألوا.

لم يشعروا أن شيئًا غريبًا يجرى وأن عريًا لا بد أن يُستر..

وأن سؤالاً معلقًا لا بد له من إجابة: كيف ومَن أنا؟

لكنهم هنا.. لم يندهشوا.

لكن البشر لم يهتمُّوا أو يغتمُّوا أو يلتفتوا.

أخذت أجرى صارخًا.

نزعت ورقة التوت عنِّى.

وعدوت عاريًا تمامًا.

وكانوا جميعًا سائرين كأن شيئًا لا يجرى حتى ظننت أنه لا شىء قد جرى حقًّا.

القسم: 
المصدر: 

إبراهيم عيسى يكتب: ما رأت الحبيبة

أغمضت الحبيبة جفنَيها على عيون أيقظها أول شعاع شمس خرج على الوجود، فأشرقت عيناها ضياءً، فانشق السقف عن ملك بديع القوام، ذهبى الملبس، أسود الشعر، مُبتسم الثغر، مُشرق الجبهة، دافئ العينين، يمسك بعصا صغيرة مُنَسَّقة قصيرة خضراء.

- إنى أعوذ بك من الرحمن إن كنت إنسيًّا.

قالتها فى هدوء منير، فاتسعت ابتسامة الملك، ووقف قبالتها وانثنى على ركبتيه.

- أيتها الحبيبة أنا رسول إليكِ، قادم من الفضاء إلى عينيكِ، أنا أحد الملائكة الذين حاربوا مع الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، فى معركة بدر، يوم خرج الكفار على ألف من فرسانهم ورجالهم، وأمرنا الله أن نحارب مع نبيِّه، وكنت يومها على فرس سماوى، أرفع السيف وأقتل الكفر، يومها فى ملحمة القتال وروعة النضال وضحى الإسلام وفجر الحقيقة وإشراق الرسالة.. أخذتنى فى راحة المعركة نظرة إلى السماء فوجدت عينيكِ باسمتين حانيتين فيهما ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب ملك.

فبدت منى رجفة السؤال وتضرُّع الدعاء.

- متى ألقاها؟

وكنت كلما تذكَّرتكِ، وأشرقت عيناكِ فى سقف قلبى، وارتعشت رموشها ريش الجناح، سبحت الله كثيرًا وحمدته حمد الشاكرين الطاهرين وتقطَّرت دموع الدعاء فى عصير الفؤاد، حتى جىء بالملائكة صفًّا صفًّا.. ومن بينهم ودون فضلهم حظيت بالحضور إليكِ والنعيم بحراسة عينيكِ، وعبرت السماوات السبع، والفضاء الروع وسخونة الدمع، وجئتكِ برزق الله وفضله ونعمائه وآياته.

ثم مدّ الملك يده بعصاه، فانفرجت فتحة فى سقف المبنى، واخترقتها يمامة بيضاء ترفرف بالجناح، وتعلو بالصياح، تقترب من الملك فتقف على كتفه وتنظر إلى الحبيبة بعينين منتظرتين مشتاقتين.

أشار الملك إلى الحبيبة الجالسة الوادعة على طرف سجادتها تجاه قِبلتها، وطلب منها أن تقف، هادئة آمنة تتكئ على كفّها اليسرى، مستندة بفرش السجادة، فاردة ساقَيها عن وقفة معتدلة ممشوقة مرسومة.

فأمال الملك كتفه فهبطت اليمامة حتى الأرض، وفتحت جناحها عن آخره، فاتسع وأفسح لعين الحبيبة رؤية زغب ريشها ونقاء بطنها، تأمَّلت الحبيبة لحم اليمامة، ترى انفراج اللحم وانفتاقه واتساعه واحتضانه جسد الحبيبة واحتواءه.

تجوَّلت الحبيبة بعينيها فى النهار المشرق داخل جسد اليمامة، تشم عطرًا وشذًا وتشعر رطبًا منعشًا، وارتاح جسدها على فُرُشٍ ممدودة ووسائد محفوظة وأرائك مسنودة وسُرُرٍ مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة.

وأَحَسَّت طيران اليمامة وعبورها الفضاء والسماوات، ولمحت جلد اليمامة يرق ويشف حتى انفتحت نافذة طلَّت منها الحبيبة على الأرض فإذا بالصحراء واسعة والجبال تقترب واليمامة تحط عند بقعة من الصحراء المكشوفة.

امتدت يد الملك وجذبت كفَّها، أنزلت قدمها على سُلّم مستند إلى بطن اليمامة، فلمست الرمل المفروش فالتمعت ذراته لما وطئته حواف خُفّها.

التفتت الحبيبة فوجدت السيدة هاجر تحتضن النبى إسماعيل طفلاً رضيعًا، تبحث له عن قطرة ماء فلا تجد، تطوف وتسعى، العرق يحفر رسومه على جبهتها والارتباك يمص انتظام حركتها ولهفتها على إطعام ابنها وسُقياه تجعلها تدور وتلهج وتبكى وتتردَّد، وتمسك ابنها فتضمَّه، ثم تجلسه وتمضى.. ثم تصعد جبلاً وتهبطه، ثم تنظر إلى السماء وتضرع، ثم تعبث فى الرمل وتدمع، ثم تهمس تخاطب زوجها الغائب وتجلس ملتاعة مأخوذة منهكة القوى مسلمة أمرها لله.

حتى دبَّت قدم إسماعيل فى الأرض فرجَّتها وهزَّتها وحفرتها وزلزلتها، فتحرَّكت وأطلقت صخرها وحجرها ورملها ثم أخرجت دفقًا من الماء الرائق الصافى المُرسل، فامتدت يد الملك على حفنة الماء الأولى وأجمعت قطراتها على كفّه وتقدّم من الحبيبة، فغسل وجهها وعطَّر عينيها ولفَّ رموشها.

وسبَّح باسم الله بكرةً وأصيلاً وصلّى على أنبيائه، أبيهم وخاتمهم، ومضيا.

صعدت الحبيبة إلى بطن اليمامة، وارتكنت على إفريز نافذتها وقد شعرت نور زمزم فى هدبها وضياء مائه فى جفنها، إشراق دفقته البكر فى عينيها، فإذا بها تنظر أرضًا جدباء وجمعًا من الناس حول بئر، فهبطت اليمامة توًّا، وأنزلت الحبيبة فورًا.

دنت الحبيبة والملك يتبعها ويسبقها ويجاورها ويحيطها ويلفّها، فرأت إخوة يوسف يحاصرونه ويهينونه، ويوسف متضرّعًا مذعورًا من خونة إخوته وغدرة بنى دمه وذوى رحمه. يستغيث بالطعام -أكلوه فى صحن واحد على أرض واحدة- يذكّرهم التفافهم حول أبيهم بعد صلاة، جريهم فى حديقة الدار، ذهابهم للسوق، يحرسونهم ويحرصون عليه، ينتظر دمعة، ينظر رجفة شَفَة، لكنهم تحجَّروا وتصخَّروا وانفسخت عيونهم عن حقد بلا قرار، وغضب وشرر، فصاروا يلكزونه ويدفعونه ويرفعون من جسده إلى جدار البئر، فيستصرخهم ويدعو رَبَّه، ويستغيث بأبيه فيضربوه ويلكموه..

فيضرع..

- يا أبى لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.

نبت العرق، ذرات التراب، خيوط الجرح، بقع الدم، تنتشر على وجه يوسف، فينزعون عنه قميصه ويجذبونه ويلفّون حبالهم حول خصره ويسقطونه فى قلب البئر ويكنسون بقايا الرحمة فى شفاههم.

- ادع الشمس والأحد عشر كوكبًا تؤنسك.

ومدّوا أياديهم الخشنة الفظَّة الغليظة وقد أحكمت قبضاتهم حول حبلهم الملتف حتى وصل جسده إلى منتصف البئر.

فلما وقع يوسف فيها، اندفع ماء من القاع حتى السطح، وتقاذفت مياه حول جدار البئر، فمدّ الملك كفَّه وملأ حفنة من أول قطر للماء واقترب من وجه الحبيبة فغسل وجهها وعطَّر عينيها ولفّ رموشها، فاختلط ماء البئر فوق العين بدمعها المسكوب على يوسف الصديق، فامتزج دمعها بماء زمزم، واعتنقت القطرات رذاذ الماء وتعانقت فى عين الحبيبة، فإذا باليمامة تفتح جناحها وتصعد الحبيبة إليها وترتكن على إفريز نافذتها فرأت إخوة يوسف يرحلون وقد أمسكوا بالقميص يلوِّثونه بالدم.

بينما لاح من بعيد رجل فى رحلة متجهًا نحو البئر.

- إنى أعوذ بك من الرحمن إن كنت إنسيًّا.

قالتها فى هدوء منير، فاتسعت ابتسامة الملك، ووقف قبالتها وانثنى على ركبتيه.

- أيتها الحبيبة أنا رسول إليكِ، قادم من الفضاء إلى عينيكِ، أنا أحد الملائكة الذين حاربوا مع الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، فى معركة بدر، يوم خرج الكفار على ألف من فرسانهم ورجالهم، وأمرنا الله أن نحارب مع نبيِّه، وكنت يومها على فرس سماوى، أرفع السيف وأقتل الكفر، يومها فى ملحمة القتال وروعة النضال وضحى الإسلام وفجر الحقيقة وإشراق الرسالة.. أخذتنى فى راحة المعركة نظرة إلى السماء فوجدت عينيكِ باسمتين حانيتين فيهما ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب ملك.

فبدت منى رجفة السؤال وتضرُّع الدعاء.

- متى ألقاها؟

وكنت كلما تذكَّرتكِ، وأشرقت عيناكِ فى سقف قلبى، وارتعشت رموشها ريش الجناح، سبحت الله كثيرًا وحمدته حمد الشاكرين الطاهرين وتقطَّرت دموع الدعاء فى عصير الفؤاد، حتى جىء بالملائكة صفًّا صفًّا.. ومن بينهم ودون فضلهم حظيت بالحضور إليكِ والنعيم بحراسة عينيكِ، وعبرت السماوات السبع، والفضاء الروع وسخونة الدمع، وجئتكِ برزق الله وفضله ونعمائه وآياته.

ثم مدّ الملك يده بعصاه، فانفرجت فتحة فى سقف المبنى، واخترقتها يمامة بيضاء ترفرف بالجناح، وتعلو بالصياح، تقترب من الملك فتقف على كتفه وتنظر إلى الحبيبة بعينين منتظرتين مشتاقتين.

أشار الملك إلى الحبيبة الجالسة الوادعة على طرف سجادتها تجاه قِبلتها، وطلب منها أن تقف، هادئة آمنة تتكئ على كفّها اليسرى، مستندة بفرش السجادة، فاردة ساقَيها عن وقفة معتدلة ممشوقة مرسومة.

فأمال الملك كتفه فهبطت اليمامة حتى الأرض، وفتحت جناحها عن آخره، فاتسع وأفسح لعين الحبيبة رؤية زغب ريشها ونقاء بطنها، تأمَّلت الحبيبة لحم اليمامة، ترى انفراج اللحم وانفتاقه واتساعه واحتضانه جسد الحبيبة واحتواءه.

تجوَّلت الحبيبة بعينيها فى النهار المشرق داخل جسد اليمامة، تشم عطرًا وشذًا وتشعر رطبًا منعشًا، وارتاح جسدها على فُرُشٍ ممدودة ووسائد محفوظة وأرائك مسنودة وسُرُرٍ مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة.

وأَحَسَّت طيران اليمامة وعبورها الفضاء والسماوات، ولمحت جلد اليمامة يرق ويشف حتى انفتحت نافذة طلَّت منها الحبيبة على الأرض فإذا بالصحراء واسعة والجبال تقترب واليمامة تحط عند بقعة من الصحراء المكشوفة.

امتدت يد الملك وجذبت كفَّها، أنزلت قدمها على سُلّم مستند إلى بطن اليمامة، فلمست الرمل المفروش فالتمعت ذراته لما وطئته حواف خُفّها.

التفتت الحبيبة فوجدت السيدة هاجر تحتضن النبى إسماعيل طفلاً رضيعًا، تبحث له عن قطرة ماء فلا تجد، تطوف وتسعى، العرق يحفر رسومه على جبهتها والارتباك يمص انتظام حركتها ولهفتها على إطعام ابنها وسُقياه تجعلها تدور وتلهج وتبكى وتتردَّد، وتمسك ابنها فتضمَّه، ثم تجلسه وتمضى.. ثم تصعد جبلاً وتهبطه، ثم تنظر إلى السماء وتضرع، ثم تعبث فى الرمل وتدمع، ثم تهمس تخاطب زوجها الغائب وتجلس ملتاعة مأخوذة منهكة القوى مسلمة أمرها لله.

حتى دبَّت قدم إسماعيل فى الأرض فرجَّتها وهزَّتها وحفرتها وزلزلتها، فتحرَّكت وأطلقت صخرها وحجرها ورملها ثم أخرجت دفقًا من الماء الرائق الصافى المُرسل، فامتدت يد الملك على حفنة الماء الأولى وأجمعت قطراتها على كفّه وتقدّم من الحبيبة، فغسل وجهها وعطَّر عينيها ولفَّ رموشها.

وسبَّح باسم الله بكرةً وأصيلاً وصلّى على أنبيائه، أبيهم وخاتمهم، ومضيا.

صعدت الحبيبة إلى بطن اليمامة، وارتكنت على إفريز نافذتها وقد شعرت نور زمزم فى هدبها وضياء مائه فى جفنها، إشراق دفقته البكر فى عينيها، فإذا بها تنظر أرضًا جدباء وجمعًا من الناس حول بئر، فهبطت اليمامة توًّا، وأنزلت الحبيبة فورًا.

دنت الحبيبة والملك يتبعها ويسبقها ويجاورها ويحيطها ويلفّها، فرأت إخوة يوسف يحاصرونه ويهينونه، ويوسف متضرّعًا مذعورًا من خونة إخوته وغدرة بنى دمه وذوى رحمه. يستغيث بالطعام -أكلوه فى صحن واحد على أرض واحدة- يذكّرهم التفافهم حول أبيهم بعد صلاة، جريهم فى حديقة الدار، ذهابهم للسوق، يحرسونهم ويحرصون عليه، ينتظر دمعة، ينظر رجفة شَفَة، لكنهم تحجَّروا وتصخَّروا وانفسخت عيونهم عن حقد بلا قرار، وغضب وشرر، فصاروا يلكزونه ويدفعونه ويرفعون من جسده إلى جدار البئر، فيستصرخهم ويدعو رَبَّه، ويستغيث بأبيه فيضربوه ويلكموه..

فيضرع..

- يا أبى لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.

نبت العرق، ذرات التراب، خيوط الجرح، بقع الدم، تنتشر على وجه يوسف، فينزعون عنه قميصه ويجذبونه ويلفّون حبالهم حول خصره ويسقطونه فى قلب البئر ويكنسون بقايا الرحمة فى شفاههم.

- ادع الشمس والأحد عشر كوكبًا تؤنسك.

ومدّوا أياديهم الخشنة الفظَّة الغليظة وقد أحكمت قبضاتهم حول حبلهم الملتف حتى وصل جسده إلى منتصف البئر.

فلما وقع يوسف فيها، اندفع ماء من القاع حتى السطح، وتقاذفت مياه حول جدار البئر، فمدّ الملك كفَّه وملأ حفنة من أول قطر للماء واقترب من وجه الحبيبة فغسل وجهها وعطَّر عينيها ولفّ رموشها، فاختلط ماء البئر فوق العين بدمعها المسكوب على يوسف الصديق، فامتزج دمعها بماء زمزم، واعتنقت القطرات رذاذ الماء وتعانقت فى عين الحبيبة، فإذا باليمامة تفتح جناحها وتصعد الحبيبة إليها وترتكن على إفريز نافذتها فرأت إخوة يوسف يرحلون وقد أمسكوا بالقميص يلوِّثونه بالدم.

بينما لاح من بعيد رجل فى رحلة متجهًا نحو البئر.

القسم: 
المصدر: 

إبراهيم عيسى يكتب: في وصف الحبيبة

هذا لمْح وصفِها..

هذا وصْف لمحِها..

هذا...

مبتدأ الوصول، وصْل سيرتها، قطر حقيقتها، نصّ ضحكتها، سرّ دمعتها، وَهَج نظرتها، لَحَظ طلّتها، بثّ همستها، سرْد خطوتها.

هذا...

خبر المثول، لشرود عينيها لحظةَ غزلى المفرط لإيماءة رأسها وأصابعها تسير على ذوائب شعرها، لرعشة أناملها، تتوه عيناها فى فضاء يطل من خارج نافذة مفتوحة على العالمين.

لارتداد رأسها لحظة توترها المفاجئ، لضحكتها منطلقة فى ممر ضيق طويل مقفل، تخرق الأرض وتهد الجدران وتلف قلبى فى غلالة من قماشة شفتيها، هذا...

عُسْرُ وصفها مِن يُسْرِ شخصها.

هذا...

مرور بجواز سفر المحبين العاشقين على مطار قلبها وميناء صدرها وأجنحة شفتيها وأرض عينيها.

هذا...

رحلة قلبى الورق من مدينة غريبة فى غير الوطن أسير فى شوارعها الخالية فى عصر يوم، أمسك قطعة حلوى اشتريتها من مقصف زجاجى، نصف قامتى غارق فى خوفى، وجمع حيلتى عاجز فى غربتى طفل يفرح بالحلوى وتشكّه لوعة البعد عن دكان عم أحمد فولة فى مدينتى نصف القروية، عن الشارع الذى أعرف فيه عصام وناصر وشريف وعاطف، وخناقات كرة القدم، وتدخل الأمهات فى معارك يومية وشجار جارتنا المسكينة -أصابتها علة القلب بعد سنين- تطلب منا الابتعاد بالكرة عن أقفاص الطماطم أمام باب بيتها المدفون تحت أسفلت الشارع، خروج خالى من نافذة غرفتها ينهرنا عن اللعب، يريد هدوءا محرَّمًا للمذاكرة.

أحمل لوعتى وخوفى ومسافة الوصول لشقتنا فى عمارة «الكومى» فوق بحيرة من مياه المطر الغريب (ذلك الذى تعرفه مدينتى فى وطنى بالعافية) يقف أمامى بجسده الطويل، ومرارة نظرة عينيه، وشراسة قسماته، صبى محفور فى جدار الكراهية، يقذفنى بنظراته فأخاف (ها أنا ذا أعترف لأختى الكبرى، تتهمنى بالجبن كلما عنّ لها سبب) ترتجف يدى، أطلب منه وقد سد طريقى وفتَّتَ أملى أن يتركنى أذهب إلى شقتنا وليأخذ كل الحلوى التى فى يدى، يعصرنى خوفى ويحنى قامتى القصيرة، يعالجنى بنظرة لزجة ويخطف منى الحلوى، ويمضى...

أفرح وأرحل، عندما أخطو فوق الرصيف المقابل ألتفت إليه، أجده غارقًا فى جوع بلا حدود يقضم الحلوى ويعدو خوفًا.

أأرضى زرعتها الحبيبة، أم نَبْتُ قلبى نما فى جدار عينيها؟ تلك التى تستفهم منى حقيقتها، وأسألها حقيقتى.

أتوضأ بلمس أناملها.. وأصلى فى عينيها..

وأحكى لها..

حزن طفل فى مركبة عامة مزدحمة، تدوسه الأقدام والأحذية وتلكزه بطون النساء المنتفخة، ويأمره الكمسرى بالدخول والابتعاد عن حافة مقعده، يلتفت الطفل مكسور النظرة والقامة، يسألنى: هل تذهب هذه المركبة إلى ميدان التحرير؟

تحرِّرنى وتُطلقنى وتبثُّ فى شجنى فرحها، وتغرس فى لحمى فرعها، وترفعنى من أرضى المحفورة، محلقة لسمائها، تأخذنى بيدها، بكفها المنسوج بطيبة الأنبياء وحنوّ أمى وبطُهْرٍ مريمىٍّ وبراءة عائشية، تصهرنى وتشكّلنى وترسمنى وتُدخلنى فى عروق دمها.. ودم عشقها.

أنام على أرض كَفِّها، تحْفل بى الملائكة، يتقدمون يزفونها لى عروسًا من حرير ولؤلؤ وثياب سندس وإستبرق، يرفعونها على أكفّهم، مشرقة مبهرة كأنها كوكب درىٌّ، الكوكب فى غلال زِيِّها، الزىّ مغزول بقطن الجنة، الجنة عند ربها..

يضعون أصابعهم فى صدرى، يحفرونه، ويُدخلون مُدية بيضاء نقية، يشقون قلبى نصفين «قلب حقيقى أم قلب ورق؟».

يغرسون الحبيبة فىَّ، يضعون جسدها الناصع، زيَّها المتألق، عيونَها المبحرة، شفتيها الوضاءتين، فى ما بين شريان وأورطى، فى الأوردة فى حجرات القلب الأربع، يغلقون عليها قلبى، يخيطونه وينهون جراحتهم العذبة ويحلّقون فوق رأسى.

وتخرج من قلبى أطيافها، تكون عظمًا وتكسو العظام لحمًا، تقف -لحظة سقوط حصن القيظ فى آخر النهار- تتكئ على أفريز نافذتها، تستند إلى سور شرفتها تحلّق فى الأبنية المرصوصة على ضفة شارعها، بنايات قديمة، تؤكد فوات الزمن وزمن الفوات، مدرسة بطوابقها ونوافذها، رسوم أطفالها البدائية، بوابتها الحديدية، حديقتها المنسية، ضجيج تلاميذها الصباحى، مُواءها المؤقت فى ليل نصف مظلم إلا من ضوء ينبعث من غرفة الخفير وعامل المدرسة، يحتسيان شايًا ثقيلاً يذكّرهما بليالى قراهم البعيدة، جِلسة الحقل، ثُلة الرجّالة، أعواد الغاب، أكواز الذرة، رائحة الدخان، نقيق الضفادع، كعب بندقية الخفير، صوت ماكينة الطحين الملحّ، ظلال أعواد القطن الناشفة فوق الأسطح، لحم النساء الخشن على أسرَّة مرتفعة مهتزّة.

تمعن الحبيبة فى عين المسجد المشيَّد، المئذنة العالية، نقوش الطلاء، آيات القرآن الكريم تعزفها حنجرة شيخ ضعيف البنية ندىّ الصوت، تمتص الحبيبة رحيق صوته، يدفّئ قلبها ويعصر دمعها «تحب الآيات الحزينة» تجمع ذوائب شعرها حول عنقها..

وتتأمل أسفلت الشارع الخالى، طفل يأتى فى صحبة كف أبيه، بجلبابه الأبيض، ترفعه أصابعه النيئة خشية أن يلوثه الرصيف، يخلع حذاءه الصغير، يعبر حاجز الباب المفتوح، فيتعثر، يسنده أبوه، يضغط على لحم ذراعه، يؤلمه، يدخل الطفل ممسكًا بحذائه، يتابع ركعة الإمام، سجود الرجال، بياض الملابس، عين الحبيبة تنظر فى نافذتها.

تدخل الأطياف متجمعة من ركن النافذة إلى قلبى عائدة، أتوضأ بلمس أناملها وأصلى فى عينيها.

هى...

الرحلة والطريق، الصدق والصديق، الوتد والبلد..

السكن والوطن، الوعود والموعود، البصر والمصير..

الصوت والصمت، الأغنية والمغنّى، الوصل والاتصال..

الجرح والملح، الهمزة والفصلة، الغيبة والأوبة.

الزَّفْرة والشَّهْقة، الحصن والغزوة، المقر والمفر..

السور والسلم، المُدية والطعنة، المعبد والمعبود..

أكنت الذى جلس على النيل ليلتها؟ فهبطت من سمائها لأرضى، ضبطت النبض، وفصلت القلب، ورتقت الجرح، ونظَّفت الصدر، شذَّبت زروع نفسى، وردمت حفرات حزنى، وقصّت علىَّ وأقدامها تلمس حافة النيل النائم تحت مقعدنا الحجرى، فوقه مظلة بُنيّة من خشب ردىء يمنع الشمس إن استطاع فى نهار القاهرة الجحيمى، تمسك بأصابعها ملفوفة مستقيمة مثيرة مؤنقة الأظافر، تمسك عمودًا حديديا مثبتًا فى أرض المقعد، تضع كفها على حضن فخذها، تنام فوق ثوبها الفضفاض المطرز.

أكنت الذى أجلس؟ أكانت التى جاءت فقصَّت حكايتها وخصَّتنى بفرْضها وسُنّتها ونَفْلها وقيامها وسيرتها وحقيقتها؟

أكنت...؟

أم هى التى خرجت من قلبى، تبوَّأتْ عرشى، وامتلكت قلعتى، واحتلت حصنى، وأنزلت أعلامى وراياتى واستبدلت شارة زِيِّى وعلامة رمزى، فقصَّت حكايتها وخصَّتنى بفرْضها وسُنّتها ونَفْلها وقيامها وسيرتها وحقيقتها، ثم عادت فسكنتنى وأسكنتنى، وأنامت رأسها فى قلبى بين الشريان والوريد؟

فعشت أفتش عنها، وصرت أحكى سيرتها، وأقص وصفها لعل أحدًا يعرفها، لعل أحدًا يبلغ عنى.. فهذا وصفها.. وصف من يمكن تسميتها بالحبيبة فأبلغوا عنى أو ابحثوا عنها أو فتّشوا قلبى، أقلب حقيقى أم قلب ورق؟

تدخل الأطياف متجمعة من ركن النافذة إلى قلبى عائدة.. أتوضأ بلمس أناملها وأصلى فى عينيها

القسم: 
المصدر: 

إبراهيم عيسى يكتب: عن الأحزاب التى لا تتحزب

فى مصر ٨٤ حزبًا..

هل تشعر بها؟ ما أقرب حزب إلى بيتك؟ لا أقول إلى قلبك ولكن إلى بيتك حيث مقره أو نشاطه أو مؤتمر عقده أو طَرَق بابك ليدعوك إلى اجتماع أو يسألك رأيك! لا أحزاب حقيقية جماهيرية، ولا وجود واسع، ولا جمهور منتشر.. تتحدث الأحزاب عن نفسها بمنتهى البارانويا كأنها أحزاب بجدّ أو أحزاب جادة، وتنشغل جدا بالظهور فى أخبار الصحف والنت فى إلحاح ممضّ ومريض على تغيير قانون التظاهر وفى مديح خائب لطريقة الانتخاب بالقائمة.
 
.. حسنًا. أين أنتم؟ فى قاعات مغلقة ومؤتمرات نخبوية وجلسات تليفزيونية أكثر من وجودكم فى الشارع وبين الناس وفى قلب الواقع اليومى. تشكو الأحزاب من أنها ما زالت حديثة التكوين.. كويس جدًّا.. إذن تكلَّموا على قد عمركم.
 
تحكى الأحزاب عن نقص أموالها.. هايل فعلا.. وما الذى يدفع مفلسين إلى تكوين حزب؟ ومتى كانت الأحزاب تنجح وتنتشر وتحظى بالجماهير وبالحكم وهى إيد ورا وإيد قدام وبتسأل ربنا حق العَشاء؟ أىُّ مجموعة قررت إنشاء حزب دون توفير تمويل حقيقى ومناسب تبقى مهرجة وتخدع الناس، فلا حركة ولا دعوة ولا نجاح بلا أموال.
 
وجمع مئات وعشرات الجنيهات من الأعضاء أمر يليق بنشاط طلابى لا سياسى وحزبى. تتذمر الأحزاب من هجوم الإعلام عليها وتحسبه انتقاصا من قدرها... طيب وماذا عن هجوم أعضاء الأحزاب نفسها بعضهم على بعض، والانشقاقات اليومية فى كل حزب، والاتهامات المتبادَلة بتكوين الشلل وتوزيع المناصب بالمحاباة والمصالح وتجاهل اسم النبى حارسهم أعضاء وقيادات الحزب؟! تقول الأحزاب إنه يجب أن تدعمها مواد الدستور حتى تقوّيها، ولا أعرف هل المفروض أن تقوِّى الأحزاب البلد أم أن البلد هو الذى يُفترض أن يقوِّى أحزابا ضعيفة؟! تزعم الأحزاب أن لديها برامج تغيّر شكل مصر.
 
وهذا جائز جدا على اعتبار أن تغيير شكل مصر قد يجمّلها أو يشوهها، لكن السؤال: ولماذا لا تظهر هذه البرامج فى أفعال وأفكار وأشغال وتحركات ووجود من هذه الأحزاب فى الحياة اليومية؟ تخبرنا أحزاب أنها تندمج مع أخرى، وهذا ممتاز فعلا، لكن لماذا لم نرَ الشارع وقد اهتز طربا أو تجلجل فرحا لمثل هذه الاندماجات التى يعود قيادات الأحزاب إلى نفيها بعد نشرها بدقائق أو لإعلان فشلها بعد ساعات؟ ولماذا نسمع منذ شهور طويلة عن مفاوضاتهم التى لا تريد أن تنتهى؟ قد تصبح هذه الأحزاب أعظم أحزاب فى الدنيا بعد فترة.
 
وقد تتحول بإرادة أعضائها إلى أهم أحزاب فى الوجود الإنسانى. ممكن جدًّا لكن ليس الآن. ليس الآن إطلاقا وليس غدًا ولا بعد غد لو صمم الحزبيون على هرائهم المخلص. بالمناسبة هذا كلام كرَّرتُه وكتبتُه وأكدتُه ونشرتُه وأذعتُه، ولا بأس من أن تُسمِعَ الصُّمَّ الدعاءَ. إذن..
 
لماذا لا تتصرف الأحزاب هذه الفترة بناء على أحجامها الحقيقية وأوزانها الواقعية؟ سينجح بعض هذه الأحزاب فى الانتخابات القادمة لو تكلم كل حزب على قدّه فعلا قبل أن يأمر الشعب أن يسمع كلامه. وسيتقدم البلد لو تذكر كل حزب عدد أعضائه وحجم تأثيره قبل أن يطالب الدولة بأن ترضخ له وتوافق على آرائه.
القسم: 
المصدر: 

إبراهيم عيسى يكتب: فى مِثْل هذا الصباح

 فررتُ من المكتب إلى الشارع، وعانق الأسفلت دمعى المسكوب، ودهسَتْ الكعوب الثقيلة دمعةً ساخنة راقبتها فى صمت تلتصق بكعب حذاء أسود.

ومضيتُ فى هذا الصباح.

أعلنَتْ أن قصتنا فاشلة ويجب أن تنتهى.

وصرَّحَتْ أن الاستمرار ذنب وخطأ.

وأضافت أنها تعزّنى وتريدنى صديقًا ولا تريد أن تكره أيامى، أيامها، «أيامنا»، ولحظات ودّنا الطاهر وصوت المذياع الذى سمعناه معًا يغنّى عن الحب!

ومشيتُ فى هذا الصباح.

تقدمنا على حافة النهر المستباح للمراكب «الحقيقية والورقية» للصيادين، لبول الصغار، للشجر الشيطانى، لأحذية جنود الأمن المركزى، لصانعى الشاى الرخيص.. اقترب منا بائع الفُلّ، يحمل سُخْفَه فوق عناقيد الفل المربوطة بخيط هشّ.

- فل؟

تجاوزناه صامتين.. اقترب آخَر يحمل نفس العناقيد، تجاوزناه متجاهلين.. ألحّ ثالث فدفعَتْه بيدها متذمرة:

قلنا خلاص.

ثم خبّأت ابتسامتها فى صدر كتبى.

ومضيتُ فى هذا الصباح.

أناملها مرتعشة تكتب بسن قلم أزرق مترنح أغنية أحبّتها لى.

ومضيت فى هذا الصباح.

وقفتْ أمام بائع الفطائر والحلوى، قدمتْ أوراقها المالية المطويّة فى كفّها.. التفتت إلىَّ مبتسمة ثم تناولتْ الفطائر فى الكيس الشفاف، امتدّت يدى فحملته عنها.. فأكملت ابتسامتها.

ومضيتُ فى هذا الصباح.

سرنا فى الشارع الذى يعاين أفول الحركة اليومية وتساقط أبواب المحلات على أقفالها، واستيقاظ أنوار المصابيح المستضعَفة، ودعتنى إلى مشروبها المفضل. امتدت أصابعها ترفع «الشفاطة» إلى شفتيها وهى تزيح خصلات شعرها عن جبهتها.

ومضيتُ فى الصباح.

دفعتْنى بكفّها إلى الوراء وهى تهلل فرحةً، تصرخ:

أنا صحّ..

ثم تكمل دورة فرحها مازحة:

احفظ الشعر قبل أن تردده ولا تتشاجر معى حول صحة كلماته.

ومضيتُ فى هذا الصباح.

فى منتصف المكالمة.. نظرت إلى الهاتف، لا أعرف ماذا حدث؟

كانت صامتة.

وأحببت صمتها الصارخ فى الهاتف.

ومضيتُ فى هذا الصباح.

ما لك؟!

كانت تقولها.

ومضيتُ فى هذا الصباح.

قصَّت علىَّ حكاية الولد الذى غازلها يوم عودتها من المدرسة، وقالت لى إنها كانت تنظر إلى الأرض طيلة الوقت حتى وصلت إلى شرفة منزلها ثم فتحتها لترى وقوف الولد على الناصية.

ومضيتُ فى هذا الصباح.

اشتكت لى ثقل دم صاحبتها، سألتْها عنى واستفهمتْ عما بيننا.

ومضيتُ فى هذا الصباح.

لأجل خاطرى لا تغضب.

وكنت لا أغضب.

ومضيتُ فى هذا الصباح.

طلبتُ منها صورتها.. فاتسعتْ عيناها وأطرقتْ برأسها ووافقت.. ثم نسيَت.

ومضيتُ فى هذا الصباح.

قفزة قلبى لما رآها، تفتُّق خلاياى، تدفُّق دمى، رعشة رئتى، ارتباك عيونى، تثبُّت قدمىَّ، اندفاعى نحوها، التصاقى بالهواء المحيط بها، احتضان قلبى لجسدها كله، لشعرها، لعينيها، لنقوش ردائها، لحزام حقيبتها، لخاتم يدها، لحليب بشرتها..

لا أرى سواها.. وكل الوجوه المحيطة محض خطوط.

لا أسمع غيرها.. كل الكلام بعدها خَرَسٌ.

أسلّمها نفسى.. وضمانها ابتسامتها.

ومضيتُ فى هذا الصباح.

أنت المبتدأ والمنتهَى، لا أريد إلا القرب منك.

ومضيتُ فى هذا الصباح.

أهدتنى قلمًا لأكتب به قصة.

ومضيتُ فى هذا الصباح.

لما جلستْ على المقعد الخلفى جوارى فى سيارة الأجرة تبادلنا نظرة على جسر الهواء الفاصل بيننا.

تشاجرنا على مَن يدفع أجرة المشوار.

ومضيتُ فى هذا الصباح.

وقفنا عند ناصية شارعها.

- لا أريد أن أرحل.

قلتُ:

ولا أنا.

قالت:

لكنها راحت منى فى هذا الصباح.

القسم: 
المصدر: 

إبراهيم عيسى يكتب: بابٌ مفتوحٌ على قلبى

كان قدومها نحوى يؤذن بكل ما تقدَّم من حُبِّى ومَا تأخَّر، يمكن الزعم أنها غسلت ونظَّفت بنسائم هوائها الداخلة إلى مائدتى كل جروحى الحزينة، وبانت ابتسامة وهى تضغط بمرفقها على حافة المائدة وتطلب قهوة سادة وتعيد بأصابعها خصلات شعرها للخلف وتضبط نظارتها للاستقرار على أنفها، بانت تمامًا كأنها مُرسلة «لكن الله لم يخلق أنبياءً من النساء.. ولا رُسلاً»، فى هذا التوقيت كنت أرانى أعبر برزخًا وأمر على بيوت عالية فى شارع، ثم أرفع رأسى فأشهد لافتة قماشية بيضاء معلَّقة بين شرفتين متقابلتين، ثُمَّ أصعد سُلمًا خشبيًّا مزدوجًا متروكًا فى قلب الشارع، أقترب إلى اللافتة بقماشها الأبيض الحليبى المفرود وأرانى -وقد أمسكت يدى بفرشاة- أكتب اسمها على اللافتة، فتضحك هى، نعم، قادمة من باب شرفة مجاورة تدنو كثيرًا حافتها إلى حافة روحى، دخولها صخب ومرح وبهجة موزَّعة على العالمين بالعدل والقسطاس، تفتح شراعات الشرفة وتستند وقد ألقى شعرها كله أمام وجهها وتداركت أصابعها جنون الشعر الجامح مع هواء مجلوب لها خصيصًا، ترفع كفّها وابتسامتها كأنها قمر يجلس على فرع شجر، وقلت لها: أنتِ هنا يا مجنونة؟ وضعت كفّها على فمها تمنع ضحكتها، ثم قالت: تعالَ.. تعالَ. ولما ذهبت وجدت نفسى هكذا هنا على مقعد فى هذه الكافتيريا، بين أنفاسنا سنتيمترات، هى المسافة نفسها التى تفصل بين دخول الجنة.. أو الخروج منها «وهل يخرج من الجنة مَن دخل؟!»، ذكَّرتنى أول ما التقينا.. وهل ينسى الإنسان هزّة قلب تجرف الحزن كله «لماذا لم تغنِّ أم كلثوم أغنية شبيهة بالحب كله.. تقول فيها الحزن كله؟!».

أذكر ليلتها ونسمات الهواء الصاخبة تغضب الشجر مع خماسين أبريل الموؤودة ليلاً.. وكنا جمعًا من الأسماء والوجوه أمام تلك البوابة الحديدية العالية المؤدّية إلى سُلم رخامى قديم يفضى إلى فسحة من المترات الحانية على التقاط الأنفاس، وكنا نقف متجاورين فى انتظار شىء أو أحد «أظننى أخبّئ الأسماء كلها فى صدرى»، وقالت لى وقلت لها.. فنجان القهوة الذى احتسته رشفات تعيد الاعتبار للبن البرازيلى، أمسكت به فى كفّى وقلت لها سأوصله بنفسى إلى فوق، كان الأمر كلّه أننى أريد أن أَمسّ هذا الدفء الحانى الذى لامَسته أصابع تشكِّل صورة جديدة للكون، هل تضحك هى؟ إذا قلت إن حبّى ومشاعرى منضبطة على هذا الوله المحموم لليالٍ جرى فيها قيس هائمًا فى صحراء تتسع بجريه وتتباعد بخطواته، هل أقول لكِ -الآن لعلك تقرئين سطورى- إننى أحد أحفاد هذا المجنون الحافى الذى أضناه لوع عشق مستحيل وفوضوى، وقضّ دموعه توق يطوِّق شرايينه ويجذبها إلى الارتماء مجذوبًا ومنجذبًا إلى دفق عينيها.

حين صعدت أمامى درجات السُّلم كنت أعتقد أنها تدق بقدميها حفرًا لن تردمه السنون فى صدرى، ورغم ألم مصمت ولحوح فى حشو جنبَى فإننى أدركت أسرى وأن الحتم قدرىُّ ومُحكم، والآن حارس طبيب يدعى اليقظة ينتظرنى كل مساء فى أثناء عودتى إلى البيت ولمعان خفيض لمسدسه -لا يقل طيبة عنه- يظهر من جنبه «متعمّدًا ظهوره»، والآن وجوف متقد بتوتر خفيف طلقات الرصاص تمس -عَجلى ومضطربة- حوافّ قلبى، واصطحاب تهديدات بالقتل أو الموت يتلقاها حدسى وسمعى ونظرى الضعيف.

وبينما تخفت رياح روحى وتشدّنى هموم خائفة مرتجفة إلى نفق أرضى مقبض، بينما كل ذلك -وأكثر- وأخبار يومية عن موتى وقتلى ومضبوطات عبوات ناسفة والاعتداء على الشخصيات العامة وخروج مصر من كأس العالم وعدم مذاكرة أخى رغم دنوّ امتحانه، وانشغال أصدقائى بقرع زجاجات الحياة أنخابَ أيام تمر، أعلن فى عينيها هذه الرعشة الرجفة التى تحرّك قلبى لصوتها ومرآها، أشم عطرها وألوذ بها وتنام روحى مستدفئة مستأمنة، عند قرط هلالى فى أذنيها.

خرجت من الباب الزجاجى ومسَّنى برد الشتاء الراحل ومشهد السيارات الساكنة المصفوفة فى الساحة المعتمة وسعى منادى السيارات اللاهث فى ممر ضيق للحاق بسيارة خارجة، وملصقات ضخمة لنجم أسمر يرتدى فى صعلكة محببة قبعة ونظارة غامقة وبنطلونًا ممزَّقًا، وأضواء متداخلة من مصابيح الأعمدة وأنوار السيارات ونفير متقطع متشابك وبائع صحف يفتح أربطة الطبعة الأولى ورصيف قصير أغلقت محلاته المطلّة، وحينما تركتها مودّعًا إلى طريقى وكانت منشغلة عنّى بها، كنت أحس أن روحى دافئة وأن ليلى جميل وأن قيسًا كان على حق، وكنت أشكر الله وأبتسم لقاتلى -الذى سيأتى- كأننى فُزت منه بساعة معها.

القسم: 
المصدر: