فهمي هويدي

رجولة هذه السيدة

أرشح هذه المرأة لأن تكون سيدة العام فى مصر. صحيح أنه تم تكريمها فى مناسبة عيد الأم باعتبارها واحدة من الأمهات المثاليات، وذلك شىء جيد لا ريب، إلا أننى أزعم بأنها تستحق مكافأة أكبر وتقديرا من نوع خاص. ذلك أنها لم تكن أما مثالية فحسب، ولكنها قدمت نموذجا نادرا ومدهشا فى التضخية والكفاح، يتجاوز بكثير أى حدود يمكن تخيلها من امرأة وأم بل من أى إنسان عادى فى زماننا.

ورغم أننا لا نعرف تفصيلات رحلة حياتها فإن القدر الذى تناقلته وسائل الإعلام المصرية عن قصتها مبهر إلى حد يصعب تصديقه، كما يصعب تكراره.

هى صيصة أبودوح البالغة من العمر ٦٥ عاما، أمية لا تقرأ ولا تكتب، وتعيش فى محيط محافظة الأقصر بأقصى صعيد مصر. مات عنها زوجها وهى حامل فى شهرها السادس.

أشقاؤها لم يكن بمقدورهم أن يساعدوها ولم يحتملوها بسبب الفقر. وحين وجدوا أنها أصبحت عالة عليهم حاولوا تزويجها لكى يتخففوا من عبئها. لكنها رفضت أن تعاشر رجلا غير زوجها الذى مات، وكانت حجتها فى ذلك أن المرأة «الأصيلة» لا تتزوج بعد وفاة زوجها. هى الفقيرة الأمية نسيت عوزها ولم تبال بغموض مستقبلها، وتصرفت كصعيدية مسكونة بالأنفة والكبرياء ومتمسكة بتقاليد بنات الأصول فى محيطها. من ثم فإنها قررت وهى بنت العشرين عاما أن تواصل مسيرتها وتخوض غمار الحياة وحدها، وان تدافع عن وليدها وحدها.

شجعها على ذلك أنها أنجبت بنتا (سمتها هدى)، الأمر الذى ضاعف من إصرارها على رعايتها وحمايتها حتى ترى فيها حلما لم تحققه لنفسها.

كان متعذرا على الأرملة الشابة أن تشق طريقها فى الحياة وحيدة، فى مجتمع يعتبر الرجل سيدا يسعى وراء الرزق والمرأة عورة مكانها فى البيت وإذ وجدت أنها لكى تعيش وتربى ابنتها فلابد أن تعمل، وأدركت أن باب الرزق الشريف موصد أمامها لأن سوق العمل مقصور على الرجال، فإنها قررت أن تصبح رجلا.

قامت بعملية استشهادية، طوت بها صفحة المرأة وقمعت الأنوثة وحولت تاريخها إلى سر كبير لا يعرفه سوى شخص واحد فى العالم، هو ابنتها هدى.

وحين ودعت عالم الأنوثة فإنها حلقت شعرها وخشنت من صوتها، وارتدت عمامة الصعايدة وثيابهم والخف الذى ينتعلونه، واختفت من المحيط الذى يعرفها، لتظهر بعد ذلك فى سوق العمل بالقرى المجاورة باسم آخر وبهيأة جديدة.

لسنا نعرف الكثير عن تفصيلات رحلتها بعدما ألقت بنفسها فى السوق دون أن تملك شيئا يؤهلها للاشتغال فى أى مهنة. حتى القراءة والكتابة جهلتها. لم تكن تملك سوى صلابة الصعايدة وكبرياء وعفة بنات الأصول. لم يكن يعينها سوى أن تعثر على أى عمل شريف يعينها على تربية ابنتها.

وإذ تنقلت بين عدة قرى سعيا وراء الرزق، ومارست كل الأعمال التى يقوم بها الرجال، فإنها وجدت عملا ثابتا فى مصنع للطوب والبناء، ظلت تداوم فيه مع زملائها العمال طوال ٢٥ عاما، كما انها اشتغلت فى جمع المحاصيل، وحين تشققت يداها جراء الأعمال الخشنة وأصبح جسمها أضعف من ان يحتمل الأعمال الشاقة، فإنها قررت أن تعمل ماسح أحذية، وهى مهنة لم تكن تتطلب منها أكثر من أن تجلس على الأرض أو فوق صندوق خشبى لكى تتولى تلميع الأحذية للراغبين.

فى رحلة الرجولة والشقاء التى لم يتوقف فيها النضال اليومى، التى استمرت طيلة ٤٣ عاما، لم تعرف صيصة الفرح إلا مرة واحدة، حين زوجت ابنتها، وأقامت فيه فرحا رقصت فيه بعدما تذكرت أنها أنثى لم تحلم لنفسها يوما، لكنها حين زوجت ابنتها اعتبرت انها حققت حلم حياتها الوحيد. ذلك أنها تخلت عن أحلامها الشخصية وتوحدت مع ابنتها منذ صارت رجلا. تكرر الفرح حين أنجبت البنت وصار لها أحفاد تحتضنهم ويعيدون إليها مشاعر الدفء والحنان التى نسيتها. إلا أن الأقدار شاءت ألا تستمر فرحتها طويلا. إذ أصيب زوج ابنتها بالسل الرئوى الذى أقعده عن العمل.

وكان عليها أن تواصل كفاحها لكى تعول زوج ابنتها الذى أعجزه المرض مع ابنتها وأطفالها الأربعة. وهى المغامرة التى خاضتها ببسالة نادرة.
حين وقع عليها الاختيار ضمن الأمهات المثاليات، فإنها جاءت من الصعيد مرتدية ثياب الرجال التى لم تظهر بغيرها طوال العقود الأربعة الماضية.

وظهرت فى الصور وهى تتسلم شهادة تقديرها من رئيس الجمهورية وقد ارتدت العمامة والجلباب وتلفعت بشال الصعايدة الاقحاح. وحين سئلت عما ستفعل بالمكافأة التى قدمت لها (٥٠ ألف جنيه) قالت بتلقائية مدهشة ونكران نادر للذات انها ستخصصها لعلاج زوج ابنتها المريض. وان ابنتها وزوجها أولى بها.

لا أخفى شعورا بالتقدير والدهشة البالغة إزاء النموذج الذى قدمته صيصة أبودوح. لذلك تمنيت لو أنها منحت معاشا استثنائيا يمكنها من تربية أحفادها، ولو تكفلت إحدى الجهات بعلاج زوج ابنتها المريض بالسل، وأكرر أنها ليست أما مثالية فحسب، وإنما هى أيضا نموذج فريد وملهم يضعها ضمن العظماء المجهولين، الذين يعيشون بيننا ولكنهم بنبل تضحياتهم ينتمون إلى كوكب آخر. وعالم أسطورى للكفاح والعطاء ما عدنا نعرفه.

القسم: 
المصدر: 

فهمي هويدي يكتب: حاكموهم

أحد أمرين: إما أن ُتَحاكم المنظمات الحقوقية المصرية بتهمة البلاغ الكاذب. أو أن يُحَاكم الذين يقومون بالتعذيب فى السجون بتهمة انتهاك القانون والدستور. إما أن تظل نداءات المنظمات الحقوقية، واستغاثات المسجونين وأهاليهم تطلق فى الفضاء دون أن يحرك ذلك شيئا فى المجتمع المصرى. فذلك مما لا يليق أخلاقيا ووطنيا. وحين تتجاهل وسائل الإعلام ونخبة المثقفين والسياسيين تلك الأصوات، بحيث لا تجد لها منفذا سوى مواقع التواصل الاجتماعى الخارجة عن السيطرة، فإن ذلك يشين هؤلاء جميعا. إذ يجعلهم متهمين بالتستر على تلك الانتهاكات، ولا يصنفهم فقط ضمن «الشياطين الخرس» كما ورد فى الأثر.
لست أدعو إلى التسليم بكل ما يبث من بيانات أو استغاثات، لكننى أدعو أولا إلى عدم تجاهلها بالكلية. وأدعو ثانيا إلى الكف عن التعامل معها بحسبانها شائعات مغرضة تستهدف الإساءة إلى الشرطة وتشويه صورة النظام القائم. وغاية ما أدعو إليه ــ ثالثا ــ أن يخضع الأمر للتحقيق والتحرى، للتثبت من صحة تلك الشكايا، خصوصا إذا تواترت وتعددت مصادرها وتبنتها منظمات حقوقية معترف بها قانونا. وإذا ما ثبت أن الادعاءات ليست صحيحة فذلك سوف يسرنا لا ريب. لأنه غاية ما نتمناه. ليس ذلك فحسب وإنما ينبغى أن يحاسب من أطلقها وروجها لأنها ستكون حينئذ من قبيل الادعاءات الكاذبة. أما إذا ثبتت صحتها، كلها أو بعضها، فمساءلة ومحاكمة المسئولين عنها تصبح واجبة، ليس فقط إعمالا للقانون والدستور (المادة ٥٢ منه تقرر أن التعذيب بكل صوره وأشكاله جريمة لا تسقط بالتقادم)، وإنما أيضا لتطهير صفحة النظام وتعزيز الثقة فيه. وغنى عن البيان انه ما لم تتم محاسبة المسئولين عن الانتهاكات فإن التهمة ستظل وصمة تلاحق النظام فى الداخل والخارج.
خذ مثلا هذا البيان الذى وقعته فى ٢٤ مارس الحالى عشر منظمات حقوقية وذكرت فيه ما يلى: تدين المنظمات الموقعة عمليات التعذيب والتكدير الجماعى التى تتم فى السجون المصرية، والتى حدثت فى الأسبوع الماضى فى ليمان ٢ عنبر ب بمجمع سجون أبوزعبل. وهو ليس الأول من نوعه لأن بعض المنظمات الموقعة تلقت تقارير أفادت بوقوع حالات تعذيب فى الأسابيع الأخيرة شملت سجون برج العرب وطرة. أضاف البيان أن عددا من المنظمات الموقعة تلقت إفادات بوجود حالات تعذيب ومعاملة مهينة للكرامة بحق محتجزين على خلفية قضايا سياسية بسجن أبوزعبل. وبحسب الإفادات فإن تشكيلات ملثمة من عناصر الأمن المركزى اقتحمت الزنازين يوم ١٩ مارس ٢٠١٥، واعتدت على المحتجزين بالعصى وأطلقوا عليهم الكلاب البوليسية، كما استخدموا الغاز المسيل للدموع. مما أوقع إصابات بين المحتجزين وحدوث حالات إغماء بينهم. كما قامت قوات السجن بإخراج ١٥ محتجزا من زنازينهم، وقامت بتعذيبهم طوال ثلاث ساعات متصلة، بعد تجريدهم من ملابسهم وإجبارهم على سب أنفسهم بكلمات بذيئة. وبعذ ذلك قاموا بنقلهم إلى زنازين التأديب الانفرادية. وبين أسماء المحتجزين حاليا فى الحبس الانفرادى كل من: عبدالرحمن طارق ــ مصطفى شحاتة ــ بلال المعداوى (مصاب) ــ محمود أحمد سيد (مصاب) ــ عمر محمد موسى (مصاب) ــ محمود عاطف (مصاب). كما ذكر البيان ايضا ان الصحفى أحمد جمال زيادة بدأ إضرابا كاملا عن الطعام احتجاجا على استمرار حبسه انفراديا لفترة تجاوزت ٤٥٠ يوما، وسوء معاملته فى محبسه، حيث يتعرض بشكل مستمر للمعاملة المهينة والتعذيب.
فى ختام البيان وجهت المنظمات الحقوقية العشر ثلاثة طلبات هى: التحقيق الفورى فى أحداث التعذيب بسجن أبوزعبل ــ دعوة نقابة الأطباء والمجلس القومى لحقوق الإنسان لزيارة المحتجزين الذين تعرضوا للاعتداء، وفحصهم وتقديم الرعاية الطبية للمصابين منهم ــ تمكين منظمات المجتمع المدنى الحقوقية من زيارة المحتجزين للتعرف على أوضاعهم، خاصة أنه قدمت فى السابق عدة طلبات بهذا الخصوص قوبلت بالرفض.
هذا البيان ينبغى أن يؤخذ على محمل الجد. وقد اخترته من بين عشرات الرسائل والبيانات التى صدرت عن أفراد وأمهات شكت كلها مما يتعرض له المحتجزون من تعذيب وانتهاكات، الأمر الذى جرَّمه الدستور بنصه الصريح فى المادة ٥٢ منه. كان اختيارى للبيان راجعا إلى أنه يتحدث عن حالة تواترت بشأنها الشكايات، فضلا عن أنه صادر عن عشر منظمات حقوقية لها وضعها القانونى وتضم عددا غير قليل من القانونيين والخبراء الغيورين على كرامة الإنسان المصرى، بصرف النظر عن هويته أو معتقده.
ربما لاحظت أن سقف طموحاتنا آخذ فى التراجع، فما عدنا نتحدث عن انصاف مظلومين، ولا محاكمة المدنيين أمام قاضيهم الطبيعى، كما أننا فقدنا الأمل فى إطلاق سراح ضحايا الاعتقالات العشوائية الذين سمعنا أكثر من مرة أن قوائمهم تحت الإعداد. ذلك كله سكتنا عليه، ولم ننسه أو نغفره، لكننا صرنا نتحدث عن مجرد الحفاظ على كرامة وإنسانية المحتجزين وهم فى السجن، خصوصا أن الانتهاكات تزايدت بعد تعيين وزير الداخلية الجديد. وهو ما يصدمنا مرتين. مرة لوقوع التعذيب ومرة ثانية لاتجاه مؤشراته إلى التصعيد.
لقد غضب البعض وثاروا لأن كلبا قتل فى القاهرة، وصدر حكم بالسجن ثلاث سنوات للذين ارتكبوا تلك الجريمة، فليتنا نستثمر تلك الغيرة للدفاع عن كرامة المواطنين المصريين الذين يتعرضون لمختلف صور التعذيب فى السجون.

القسم: 
المصدر: 

فهمي هويدي يكتب: خبرة تونس فى مواجهة الإرهاب

- فى مذبحة متحف باردو بتونس رأينا بشاعة الإرهاب لكن دور السياسة لم يستوقفنا

(1)

فى 21 مارس عام 2012 نشرت صحيفة لوموند الفرنسية تصريحات للسيد على العريض وزير الداخلية آنذاك والقيادى فى حركة النهضة ذكر فيها أن السلفية الجهادية تمثل أكبر خطر على تونس. وفى نفس الشهر عام 2015 الحالى ارتكب بعض عناصر السلفية الجهادية جريمتهم التى أسفرت عن قتل أكثر من 20 شخصا بينهم 17 سائحا كانوا فى زيارة متحف باردو، فى واقعة هى الأكبر من نوعها منذ حصلت تونس على استقلالها فى عام 1956. وبما فعلوه فإنهم وجهوا ضربة موجعة للاقتصاد التونسى التى تعد السياحة أحد أهم المصادر التى يعتمد عليها. وخلال السنوات الثلاث، بين عامى 2012، 2015. لم يتوقف الصراع بين الأمن التونسى وبين المجموعات الإرهابية التى لم تتوقف عملياتها سواء على الحدود ــ مع الجزائر بوجه أخص ــ أو فى قلب العاصمة.

فى عام 2012 شنوا هجوما فاشلا على السفارة الأمريكية فى العاصمة تونس، أدى إلى قتل أربعة أشخاص وإصابة أكثر من مائة آخرين بجراح. فى عام 2013 قتلوا على التوالى اثنين من زعماء المعارضة العلمانية واليسارية. أحدهما شكرى بلعبد الذى بسبب مصرعه استقالت حكومة حمادى الجبالى الأمين العام لحركة النهضة. وعين على العريض رئيسا للحكومة بدلا منه، وفى الحكومة الجديدة تخلت حركة النهضة عن بعض وزارات السيادة التى كان يشغلها ممثلوها. الثانى محمد البراهمى، وهو أيضا من زعماء المعارضة، الأمر الذى ترتب عليه استقالة حكومة على العريض وخروج حركة النهضة من الحكومة، ومن ثم تم تشكيل حكومة غير حزبية (تكنوقراط) برئاسة مهدى جمعة. فى عام 2014 هاجمت العناصر الإرهابية قوات الحكومة فى منطقة جبل الشعانبى المجاورة للحدود مع الجزائر، فقتلت 14 جنديا وأصابت 18 آخرين. وكانت تلك ضربة موجعة اهتزت لها تونس وجرى احتواؤها باستقالة رئيس أركان جيش البر الجنرال محمد صالح الحامدى من منصبه. وإذا لم يستجد شىء ــ وهو ما نرجوه ــ فإن مذبحة متحف باردو ستظل الحادث الإرهابى الأبرز فى عام 2015.

(2)

ما حدث فى تونس يعيد إلى أذهاننا مسلسل الجرائم التى قامت بها فى سيناء عناصر السلفية الجهادية، وكان ضحاياها بضع عشرات من جنود الجيش والشرطة. إلا أن الصدى السياسى اختلف فى البلدين، إذ فى حين أدت حوادث تونس إلى إسقاط حكومتين وإحداث تغير فى قيادة جيش البر، فإن ما جرى فى سيناء مصر لم يكن له صدى يذكر فى هيكل السلطة السياسية أو أداء الحكومة.

رغم فداحة الجريمة التى وقعت فى متحف باردو، فإن ماكينة السياسة تحركت بسرعة لمواجهة الموقف. إذ عقد الرئيس باجى قايد السبسى لقاء مع قادة الأحزاب السياسية لمناقشة الحدث، كما أنه رأس اجتماعا للحكومة، وفى مساء اليوم ذاته خصص البرلمان جلسته لدراسة كيفية مواجهة الموقف، فى حين أن رئيس الوزراء اعترف بأن التقصير الأمنى كان له دوره فى تيسير ارتكاب الجريمة. وبالتوازى مع هذه التحركات السياسية دعى مجلس الأمن الوطنى للانعقاد وكذلك المجلس الأعلى للجيوش التونسية، كما كانت الأجهزة الأمنية تؤدى دورها سواء فى ملاحقة المتهمين أو التحقيق مع المشتبهين الذين لم يتجاوز عددهم 20 شخصا. إن شئت فقل ان السياسة تحركت جنبا إلى جنب مع الأمن لمواجهة الموقف. وتحرك السياسة يفترض أن تجسده التظاهرة الكبرى التى يفترض أن تنطلق يوم الأحد المقبل تعبيرا عن الرفض الشعبى للإرهاب وممارساته. وأهمية ذلك الاحتشاد تكمن فى رمزيته، باعتبار أنه يضم جميع التيارات والقوى السياسية بتنويعاتها المختلفة. وحين تشارك حركة النهضة فى التظاهرة ممثلة لما يسمى بالإسلام السياسى وباعتبارها الكتلة الثانية فى البرلمان بعد حزب «النداء» فإن ذلك يزيل الالتباس الذى يروج له البعض بخصوص العلاقة بين حركة النهضة وعموم الدعوة السلفية فى تونس. والحق ان الصورة واضحة والمسافة محسومة بين الطرفين فى الفضاء التونسى. وهو ما عبرت عنه تصريحات القيادى فى حركة النهضة على العريض لجريدة لوموند التى سبقت الإشارة إليها. علما بأن تباين المواقف بينهما، الذى يصل إلى حد التصادم والاشتباك، أشد وضوحا فى مواقع السلفيين على شبكة التواصل الاجتماعى، إلا أن أغلب منابر الإعلام المصرى ترفض رؤية ذلك التباين، إذ لأسباب سياسية وثيقة الصلة بحدَّة الاستقطاب الحاصل فى مصر، فإنها تتورط فى الخلط بين مكونات الإسلام السياسى، وترفض رؤية أى تمايزات بينها، رغم الأهمية البالغة لذلك فى أى تحليل سياسى محايد أو بحث موضوعى نزيه.

(3)

هذا التخليط ينطلق من الادعاء بأن الإسلام السياسى شىء واحد، وان الكلام عن الاحتواء والدعوة إلى توسيع نطاق المشاركة لتشمل كل الأطياف بمثابة مصالحة مع الإرهاب وتستر عليه. وأصحاب هذا الرأى يستدلون بتجربة تونس ويعتبرونها شاهدا على صواب رؤيتهم. والحل الذى يطرحه هؤلاء يدعو فى النهاية إلى شطب الإسلام السياسى وإخراجه من المعادلة، إعمالا للمقولة التى ترى أن الباب الذى يأتيك منه الريح يتعين عليك أن تغلقه كى تهدأ بالا وتستريح.

هذا التحليل مسكون بالتغليط فى منهجه، ثم إن الاستدلال بالحالة التونسية فيه يجعله غارقا فى التغليط. فهو من الناحية المنهجية يحاكم التجربة التونسية بمعيار الخبرة المصرية، ناهيك عن أنه يقرأ التجربة المصرية بمنظور السنوات الأربع الأخيرة وبحسابات الاستقطاب الراهنة. والشق الأول هو الذى يهمنا فى السياق الذى نحن بصدده نظرا لخصوصية التجربة التونسية التى تبنت منذ الاستقلال فى خمسينيات القرن الماضى نموذجا تغريبيا وعلمانيا واضحا. وفى علمانيته فإن النموذج الذى فرضه الرئيس بورقيبة طوال حكمه الذى استمر ثلاثين عاما (من 1957 إلى 1987) أخذ عن العلمانية الفرنسية نفورها من الدين وعزوفها عنه. وهو ذات المسار الذى سار عليه خلفه الرئيس بن على، وتأثرت به بعض شرائح النخبة التى انساقت فى مسار التغريب والعلمنة. وبسبب ذلك النفور فإن النظام الحاكم فى تونس منذ الاستقلال ظل على علاقة متوترة مع مجمل التوجه الإسلامى الأمر الذى أدى إلى العصف بجامعة الزيتونة أولى جامعات العالم الإسلامى (سابقة على الأزهر) وإغلاق معاهدها. بعد الاستقلال.

فى الوقت الذى تبنى النظام التونسى نموذج التغريب والعلمنة، فإنه لم يحاصر التوجهات الإسلامية فحسب، وإنما فتح الأبواب واسعة للتيارات العلمانية والاتجاهات الماركسية والاشتراكية، وفى عهد بن على جرى الانفتاح على إيران والترحيب بالمذهب الجعفرى الاثنى عشرى. وفى تلك الأجواء فإن دفاع المجتمع التونسى المتدين والمحافظ عن نفسه تمثل فى ظهور حركة الاتجاه الإسلامى التى حملت اسم «النهضة» لاحقا (جرى إشهارها رسميا فى عام 1981)، كما تمثل فى انتشار الطرق الصوفية والدعوة السلفية. ولأن حركة الاتجاه الإسلامى تبنت مشروعا فكريا بديلا فإن النظام فى عهديه ظل مشتبكا معها طول الوقت. الأمر الذى عرض أعضاءها للاعتقال والاتهام بالشروع فى قلب نظم الحكم (الشيخ راشد الغنوشى رئيس الحركة الحالى حكم عليه بالسجن المؤبد). فمنهم من أودع السجون ومنهم من نفى إلى الخارج، حيث لجأ أغلبهم إلى إنجلترا وفرنسا. وفى غياب حركة النهضة عن المشهد السياسى ووجود قادتها بالخارج طيلة عشرين عاما تقريبا، تمددت الحركة السلفية والطرق الصوفية، ورغم توتر علاقاتهما بالنظام الحاكم إلا أن الاشتباك معه كان أقل شراسة. أغلب الظن لأن الأجهزة الأمنية ارتأت أن نشاطات هؤلاء لا تمثل تهديدا للنظام، فضلا عن ان استمرار وجودها فى الساحة قد يسحب البساط من تحت أقدام حركة النهضة.

(4)

حين عاد قادة حركة النهضة من المنافى بعد الثورة (عام 2011) وتم الاعتراف بها كحزب سياسى له شرعيته، كان السلفيون والمتصوفة قد حققوا انتشارا ملحوظا فى الساحة التونسية، وكان الأولون أكثر نشاطا بين الشباب، خصوصا ان امكانيات كثيرة توفرت لهم نظرا لتعدد مصادر تمويلهم وتنوع أنشطتهم فى المجالين الخدمى والدعوى. ساعدهم على ذلك أنهم استطاعوا السيطرة على عدد غير قليل من المساجد إضافة إلى اهتمام عناصرهم بالانتشار عبر شبكة التواصل الاجتماعى ذات الحضور القوى فى المجتمع التونسى.

لم يكن ذلك هو التغير الوحيد. لأن الجغرافيا شاءت ان تحشر تونس بين أكبر مصدرين للعنف والتطرف فى المغرب العربى، أعنى بذلك الجزائر التى تعشش فيها الجماعات المسلحة منذ التسعينيات، حين ألغى الجيش المسار الديمقراطى، فظهر العنف بديلا للتغيير. أعنى أيضا ليبيا التى أغرق القذافى صحراءها الممتدة بالسلاح أثناء الثورة التى انفجرت ضده. والبلدان مفتوحان على مناطق مسكونة بالتوتر والتمرد. فى مقدمتها تشاد والنيجر ومالى.

هذه الأجواء شكلت بيئة مواتية لاستقبال أفكار السلفية الجهادية والقاعدة فى بلاد المغرب الغربى وجماعة داعش، الذين شكلوا أحدث نسخة فى ثقافة العنف وبشاعته. يساعد على ذلك ان حزام العنف الذى يحيط بتونس من الجانبين الليبى والجزائرى يمتد بطول آلاف الكيلومترات التى تتخللها مساحات هائلة من الصحارى المليئة بالدروب التى يتعذر ضبطها أو السيطرة عليها، خصوصا فى ظل القدرات العسكرية المحدودة لدى تونس التى لم تضع فى الحسبان مواجهة من ذلك القبيل مع جماعات العنف والإرهاب.

هذا الذى ذكرت أخلص منه إلى نتيجتين. الأولى ان الإشارات التى كررها البعض فى وسائل الإعلام المصرى وتحدثت عن العنف والإرهاب فى تونس خرج من عباءة حركة النهضة والإسلام السياسى، لا أصل لها ولا دليل عليها. لأن المسارين يختلفان تماما ولا وجه للالتقاء بينهما. وإذا أراد البعض ان يبنى على ذلك الادعاء بأن الجميع إرهابيون وليس هناك معتدل يراهن عليه وإرهابى نخاصمه، فذلك لا يعنى سوى إنكار حقائق الواقع ودفن الرءوس فى الرمال وليس أمام الشباب الناشط سوى أن يلتحق بالقاعدة أو داعش إذا أراد أن يكون ايجابيا وفاعلا.

النتيجة الثانية ان الإرهاب لا مستقبل له فى تونس. أولا لأن أمام الإسلاميين الراغبين فى التغيير بديلا سلميا وشرعيا يمكن ان يطرقوا بابه، ويبلغوا المجتمع من خلاله وان يحصدوا ثمار جهدهم عبر صناديق الانتخاب. وثانيا لأن هناك إجماعا وطنيا على نبذ الإرهاب، رغم كل الخلافات الفكرية بين القوى والتيارات الفاعلة. وهذه الخلافات مهما بلغت فإنها لم تبلغ حد الدعوة إلى الإقصاء وانما جرى الاتفاق بينها على الاحتكام إلى الصندوق فى نهاية المطاف. ثالثا وأخيرا لأن البلد تديره السياسة وليس الأمن، ولأن فيه أحزابا وبرلمانا وانتخابات حرة فالسياسة فيه لم تمت، والأمل فى المستقبل لم يمت أيضا.

القسم: 
المصدر: 

فهمى هويدى يكتب : مبادرة العينى لإنقاذ اليمن

المذبحة التى شهدتها صنعاء يوم الجمعة الماضى (٢٠/٣) إما أن تكون جرس إنذار ينبه اليمنيين إلى طريق السلامة، وإما أن تكون منزلقا يورط الجميع فى أوحال طريق الندامة. ستكون شرا أفضى إلى خير إذا أيقظ الغافلين والغاضبين وحذرهم من الاستمرار فى الخصام والمكايدة. وستكون بابا لشرور أكبر إذا ما كانت بداية لحرب أهلية تضيف اليمن إلى قائمة الدول الفاشلة، التى انشغلت بالانتحار الذى ينهزم فيه الجميع وانصرفت عن الحوار الذى ينتصر فيه الوطن.

غرقت صنعاء فى الدم يوم الجمعة حين قتل أكثر من ١٤٠ شخصا وجرح أكثر من ٣٥٠ وامتلأت المستشفيات بضحايا تفجير المسجدين التابعين للحوثيين. وفى حين كانت الدماء تخضب وجه العاصمة التى أعلنت فيها الطوارئ كانت طائرات الحوثيين تقصف مقر الرئيس عبدربه منصور فى عدن، وتحدثت التقارير الصحفية عن تحرك قوات تابعة للرئيس السابق على عبدالله صالح صوب تعز الرافضة لسيطرة الحوثيين. كما تحدثت عن اشتباكات فى مأرب بين القبائل وبين قوات تابعة للحوثيين. وعن فتح باب التجنيد فى عدن تحسبا لاحتمالات المواجهة العسكرية خصوصا ان الحوثيين بدأوا حشد حشودهم لأجل ذلك.

وفى الوقت الذى كان المبعوث الدولى جمال بن عمر يحاول وقف انفجار الموقف وإعادة الجميع إلى طاولة الحوار. فإن القوى المناهضة للحوثيين فى صنعاء شكلت جبهة عريضة ضمت ٥١ حزبا و١٢ تحالفا مدنيا و١٦ منظمة ونقابة. بالتوازى مع ذلك فإن عدن شهدت جهودا دبلوماسية لتعزيز موقف عبدربه هادى من جانب دول الإقليم وبعض الدول الغربية. وفى الوقت ذاته فإن صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين مابرحت تستقبل وفودا ومساعدات من إيران، الأمر الذى يوحى بأن ثمة تعزيزا لموقف كل من الطرفين المتصارعين. فى غياب أى أفق لدور عربى، فإن الجو فى اليمن يبدو معتما ومفتوحا على جميع الاحتمالات وان بدت كفة الاحتمال الأسوأ أرجح. وهذا الأسوأ يتراوح بين انفصال الجنوب كحد أدنى والحرب الأهلية كحد أقصى. وهو ما يستدعى إلى الأذهان بقوة سيناريو الدولة الفاشلة والانتحار السياسى، الأمر الذى يتعذر تصور مداه بقدر ما يتعذر التنبؤ بالأمد الذى يمكن التعافى منه، حيث أزعم أن الرابح الأكبر فى هذه الحالة سيكون تنظيم القاعدة وجماعة «داعش».

ليست هذه أول أزمة يمر بها اليمن، وإن كانت الأعقد والأكثر خطورة وحدَّة. ذلك أن اليمن منذ ثورة سبتمبر عام ١٩٦٢ التى أنهت حكم الإمامة، واجه سلسلة من الاضطرابات تخللتها ثلاثة انقلابات عسكرية قتل فيها اثنان من الضباط الذين تولوا الرئاسة (إبراهيم الحمدى وأحمد الغشمى)، كذلك فإن دولة اليمن الجنوبى (قبل الوحدة مع الشمال عام ١٩٩٠) واجهت صراعات شرسة على السلطة بين قيادات الحزب الاشتراكى، إلا أن اليمن لم يكن معرضا للتمزق والانهيار، ولا للدخول فى حرب قبلية ومذهبية بمثل ما هو مرشح له الآن، كما أنها المرة الأولى منذ ثلاثين عاما التى تصبح فيها إيران أحد اللاعبين الأساسيين فى الساحة اليمنية، التى لم تغب عنها الدول الغربية الكبرى سواء لأسباب استراتيجية أو بسبب نشاط تنظيم القاعدة فيها.

ولئن تحدث البعض عن جهود لإنقاذ اليمن من سيناريوهات المصير البائس، تبذل من جانب مبعوث الأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجى والسعودية فى القلب منه إلا أننا لم نسمع صوت عقلاء اليمن، الذين دفعت الصدمة أكثرهم إلى إيثار الصمت والانسحاب من المشهد، بعدما وصل فيه العبث إلى مدى لم يخطر على البال. أحد هؤلاء هو الأستاذ محسن العينى رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق، الذى كان له دوره فى التعامل مع العديد من الأزمات والمشكلات التى شهدها اليمن بعد الثورة. ويذكر فى هذا الصدد أنه بعد انقلاب الضباط على حكم الرئىس عبدالله السلال فيما عرف بالحركة التصحيحية التى تمت عام ١٩٦٧، فإن العينى كان من اقترح تشكيل مجلس رئاسى لإدارة اليمن ورشح لرئاسته القاضى عبدالرحمن الإريانى (الذى كان وزيرا للعدل آنذاك)، وهى الفكرة التى أعادت الاستقرار والهدوء إلى اليمن لمدة سبع سنوات لاحقة. وقد عين الإريانى محسن العينى رئيسا للحكومة، وفى عهده (عام ١٩٧٠) طويت صفحة الصراع بين الملكيين المؤيدين من السعودية وبين الجمهوريين وتحققت الوحدة الوطنية بعدما استمر التجاذب بين الطرفين طوال ثمانى سنوات تقريبا.

محسن العينى الذى سكت خلال الفترة الماضية واعتزل الجميع فى حين ظل يراقب المشهد من مسكنه الذى اعتكف فيه مبتعدا عن ضجيج القاهرة، لديه أفكار يقترح فيها حلا يخرج اليمن من مأزقه يتمثل فى الخطوات التالية:

• تشكيل مجلس رئاسى يضم كلا من عبدربه منصور ــ على عبدالله صالح ــ على سالم البيض (القيادى الجنوبى) ــ ممثل لقيادة الحوثيين. وهذا المجلس يقود اليمن لفترة انتقالية، يتولى خلالها كل عضو رئاسة اليمن لستة أشهر بالتناوب.

• يرأس الحكومة على ناصر محمد القيادى الجنوبى، وله نائبان هما حيدر العطاس وعبدالكريم الإريانى (من رؤساء الوزارات السابقين)، وتشكل الحكومة من ممثلى الأحزاب والقوى السياسية المشاركة فى الحوار.

• تجرى انتخابات عامة فى البلاد لاختيار النواب الذين يمثلون الشعب اليمنى. وهؤلاء النواب يضعون الدستور وينتخبون رئيس الجمهورية.

• إعلان العفو العام الشامل عن جميع المعتقلين وتفتح الأبواب لعودة اليمنيين الذين غادروا البلاد واختاروا اللجوء إلى الخارج بسبب الاضطرابات التى شهدتها البلاد منذ شهر سبتمبر من العام الماضى.

• هذه الخطوات تتم برعاية من جانب مجلس التعاون الخليجى وإيران. وهى لا تحقق المصالحة بين اليمنيين فحسب، ولكنها تسهم أيضا فى تحقيق المصالحة الإقليمية.
أيا كان الرأى فى هذه الأفكار، فالأهم أن يتنادى الجميع لإحياء سيناريو الأمل، قبل أن ينفجر الموقف ويطرح على الجميع سيناريو الانتحار.

القسم: 
المصدر: 

فهمي هويدي يكتب: حقنا أن نعرف

صرنا بحاجة إلى «فهامة» تفسر لنا بعض ما يجرى فى مصر هذه الأيام، ذلك أننا نقرأ فى الصحف طوال العشرة أيام الأخيرة على الأقل عن اجتماعات شبه يومية للجان سياسية وأمنية وفنية لبحث أمور تتعلق بسد النهضة الإثيوبى الذى سمعنا الكثير عما يمثله من خطر على مستقبل مصر، وتم حتى الآن بناء ٤٢٪ منه.

لكن أحدا لم يفسر لنا ما هى الحكاية بالضبط. وغاية ما فهمناه أن هناك خلافات حول إعلان المبادئ الذى يفترض أن يصدر عن الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) لكن أحدا لم يعن بشرح موضوع تلك الخلافات وهل هى كل ما فى الأمر أم أن هناك أمورا أخرى لا نعرفها.

صحيح أن المعلومات التى تسربت تحدثت عن مكتب استشارى سيبدى رأيا فى مشروع السد، وعن الاستعانة بخبير بريطانى لمراجعة وثيقة إعلان المبادئ وذكرت صحف الجمعة ان بعضا من أساتذة القانون الدولى فى جامعة القاهرة، وعين شمس اشتركوا فى فحص الوثيقة، وان جهدا خاصا بذلك للتدقيق فى النصوص والمصطلحات القانونية المتعلقة بالتزامات الجانب الإثيوبى فى حالة تعرض مصر لأى ضرر يترتب على إنشاء السد.

الشاهد أننا أخبرنا أن ثمة مسائل عالقة بين الدول الثلاث لم تحسم، وان مصر لها تحفظاتها التى ظللنا لبعض الوقت لا نعرف طبيعتها، إلا أن صحيفة «المصرى اليوم» ذكرت يوم ١٩/٣ أنها تتعلق بضمان حقوق مصر التاريخية وحصتها من مياه النيل (٥٥.٥ مليار متر مكعب)، كما أنها تتعلق بمطالبة إثيوبيا بتخفيض سعة خزان سد النهضة التى أرادوا لها ان تكون فى حدود ٧٤ مليار متر مكعب.

كما نشرت الجريدة خلاصة لبيان أصدره وزير الموارد المالية السودانى الأسبق المهندس كمال على محمد ذكر فيه أن المشروع الإثيوبى بصورته الراهنة يسبب ١١ ضررا للسودان، وان تدخل الرؤساء لتجنب أضرار السد جاءت متأخرة كثيرا، وطالب الوزير الأسبق بتخفيض سعة تخزين الخزان من ٧٤ مليار إلى ١١ مليار متر مكعب فقط.

بالكاد التقطنا بعض الإشارات مع اقتراب موعد زيارة الرئيس السيسى للخرطوم وأديس أبابا، لكن الرأى العام ظل مغيبا تماما عن متابعة تطورات الموضوع الذى يتعلق بمستقبل الزراعة والرى والكهرباء ومجمل الحياة فى وادى النيل، وظللنا طول الوقت نتمثل التقاليد التى تحصر المعرفة فى دائرة السلطة ورجالها، ولا نرى أهمية لإحاطة الرأى العام علما بجوانب المشكلة الخطرة التى تهدد نمط حياتهم فى المستقبل.

قل مثل ذلك على الزيارة التى فوجئنا بها، حين نشرت صحف الجمعة صورة استقبال الرئيس السيسى للأمير فيصل بن عبدالرحمن آل سعود. وتحت الصورة تحدث الخبر عن ان الأمير أكد حرص السعودية على المساهمة فى مسيرة التنمية بمصر وأشاد بالإصلاحات التى تتخذها لإزالة العقبات أمام المستثمرين العرب، كما ان الرئيس السيسى عبر عن تقديره لدور المملكة وشكره للملك سلمان بن عبدالعزيز على مواقفه المشرفة إزاء مصر.

كل ما ذكر لم يكن فيه خبر حقيقى، لأن تبادل المشاعر الطيبة بين الأشقاء ليس خبرا. وحين حاولت ان أفهم خلفيات اللقاء خطرت لى أمرر عدة يتعلق بعضها بالتباينات بين مواقف القاهرة والرياض فيما خص الموقف من النظام السورى والعلاقة مع تركيا وقطر، ويتعلق البعض الآخر باجتماعات القمة العربية التى يفترض أن تعقد فى نهاية الشهر الحالى، خصوصا ان ثمة لغطا حول مقترحات سعودية لإعادة النظر فى الأوضاع المالية لجامعة الدول العربية.

إلا أنه تبين ان الأمير المذكور الذى فهمت انه شاب فى مقتبل العمر، لا دور له فى السلطة ولا يقوم بأى مهام سياسية، ولكن أباه الأمير عبدالرحمن بن عبدالعزيز من كبار أثرياء المملكة، وأبناؤه لهم نشاطهم الاقتصادى والاستثمارى بأكثر مما لهم دور فى الشأن السياسى لذلك رجحت معه ان يكون الأمير الشاب قد جاء فى مهمة تتعلق بآفاق وفرص الاستثمار فى مصر.

وهو ما يضم الحدث إلى قائمة الأخبار التى نقرؤها فنعرف ولا نفهم، وتظل السلطة وحدها هى التى تحتكر المعرفة.

الغموض ذاته كان واضحا أيضا فى الخبر الذى نشر عن الإلغاء المفاجئ لزيارة وزير الخارجية المصرى إلى روما، حيث كان يفترض أن يبحث الشأن الليبى مع وزيرى الخارجية الإيطالى والجزائرى.

وقد قيل لنا إن الإلغاء تم بسبب ارتباطات للوزير سامح شكرى فى القاهرة، إلا أننى فهمت من بعض الاتصالات أن سببه كان الاختلاف فى وجهات النظر بين مصر والجزائر حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية فى ليبيا. ففى حين أن مصر أرادت أن يكون لجماعة الفريق حفتر المتحالف مع القاهرة حصة أكبر فى الحكومة، فإن الجزائر رأت أن تكون للفرقاء حصص متساوية لا ترجح كفة على أخرى، وذلك مجرد استنتاج يحتمل الصواب أو الخطأ. لكنه يظل محاولة لتفسير الغموض الذى اكتنف الخبر.
قائمة الأخبار الغامضة طويلة، لكننى أخلص مما ذكرت إلى ملاحظتين، الأولى تخص السلطة ومفادها أنه لا يكفى أن تشير فى كل مناسبة إلى امتداح «الشعب العظيم»، لأن الأهم من ذلك هو احترامها لحق الشعب فى معرفة ما يجرى فى بلده.

الثانية تخص وسائل الإعلام عندنا التى باتت أغلب منابرها ان لم تكن كلها تسهم فى الهتاف والتصفيق بأكثر ما تقدم للقارئ، خدمة الإخبار والتحليل، فتخالطب انفعالاته وغرائزه بأكثر مما تخاطب وعيه وعقله.

القسم: 
المصدر: 

فهمى هويدى يكتب :فى اختبار العدالة

الرسالة التى وصلتنا حتى الآن فى قضية قتل الناشطة المصرية شيماء الصباغ توفر لنا بعض التفاؤل وكثيرا من الحيرة. إذ حين يوجه الاتهام إلى ضابط شرطة فى القضية فذلك أمر مهم لا ريب، وأن يحال إلى القضاء لواء شرطة بتهمة تضليل العدالة والإدلاء بمعلومات كاذبة فتلك أيضا خطوة غير مسبوقة. وفى الحالتين فإننا نستطيع القول بأننا صرنا إزاء حالة استثنائية وفريدة، تحمل فى ثناياها إشارة إلى أننا خطونا الخطوات الأولى على طريق العدالة.

ولمن نسى فإن المحامية السكندرية شيماء الصباغ، عضو حزب التحالف الاشتراكى، قتلت حين كانت ضمن مسيرة سلمية دعا إليها الحزب يوم ٢٤ يناير الماضى لوضع الزهور على النصب التذكارى لثورة ٢٥ يناير بميدان التحرير فى مناسبة الذكرى الرابعة للثورة، ضمن آخرين من أعضاء الحزب. وقبل أن تبلغ المسيرة مرادها، تصدت لها الشرطة، وكان نصيب شيماء طلقات خرطوش أردتها قتيلة. وشاءت المقادير أن يقع الحادث بعد ٢٤ ساعة من قتل فتاة أخرى فى السادسة عشرة من عمرها (بالصف الأول الثانوى) اسمها سندس رضا، كانت قد شاركت فى تظاهرة لأنصار الإخوان بالاسكندرية، قام خلالها أحد رجال الشرطة بما فعله نظيره فى القاهرة. الأمر الذى انتهى بسقوط سندس قتيلة من جراء الخرطوش الذى تلقته فى صدرها ووجهها. إلا أن قتل سندس لم يحظ بأى اهتمام، فى حين أن قتل شيماء أثار صخبا وضجيجا فى وسائل الإعلام، ومن ثم نال القدر الأكبر من الانتباه والاهتمام. صحيح أن الجغرافيا كان لها دورها فى ذلك، إلا أن عوامل أخرى رفعت درجة الاهتمام بقضيتها. ذلك أن مسيرة حزب التحالف الاشتراكى كانت فى بؤرة الضوء بالقاهرة، الأمر الذى وفر لها تغطية إعلامية تليفزيونية جيدة، سواء من جانب الإعلاميين المصريين أو المراسلين الأجانب. وهو ما لم يتوافر لتظاهرة الاسكندرية. ثم لا تنس أن المسيرة كانت لحزب يسارى فى حين أن تظاهرة الاسكندرية نسبت إلى الإخوان. وليس خافيا أن الأولين من المحظوظين المرضى عنهم فى حين أن الآخرين من المحظورين الذين لا بواكى لهم. وإذ تعالت الأصوات معربة عن الغضب لقتل شيماء، وأشارت أصابع الاتهام إلى دور الشرطة فيما جرى. معززة بصور الإعلاميين واللقطات التليفزيونية. فإن ذلك أحرج الداخلية. وضاعف من الحرج أن الأصوات العالية وصلت إلى مسامع الرئيس عبدالفتاح السيسى الذى أعلن اهتمامه بالموضوع فى إحدى المناسبات. كما أن رئيس الوزراء تحدث عن ضرورة أن يأخذ العدل مجراه فى القضية. وكان ذلك كافيا لتوجيه الاهتمام لقضية شيماء الصباغ، ونسيان قضية سندس رضا. رغم أن الملابسات واحدة، والنهاية كذلك.

كانت وزارة الداخلية قد أعلنت أن الشرطة لم تستخدم الخرطوش فى المسيرة التى قتلت فيها شيماء. وحاولت تلبيس التهمة للأمين العام لحزب التحالف الاشتراكى. وفى الوقت نفسه فإن الطب الشرعى أثبت أنها قتلت بالخرطوش. إلا أننا لم نستطع أن نتابع التحقيق بسبب قرار النائب العام بحظر النشر فى القضية. وبعد نحو شهر ونصف الشهر من التحقيقات والمناظرات وغير ذلك. لم يكن هناك مفر من توجيه الاتهام إلى الداخلية على النحو الذى أشرت إليه فى البداية. وإذ عبرت عن الترحيب بذلك التوجه، إلا أننى لم أستطع أن أخفى شعورا بالحيرة إزاءه.. لماذا؟
لأن الضابط الذى دلت القرائن والصور والشهادات على أنه الذى أطلق الخرطوش الذى قتل شيماء وجهت إليه تهمة الضرب الذى أفضى إلى الموت. وذلك توصيف تفوح منه رائحة غير مطمئنة، ذكرتنى بالتلاعب فى قضية عبارة السلام التى قتل فيها ١٣٠٠ شخص غرقا وحدث تلاعب فى تكييف القضية حولها إلى مجرد «جنحة» الحد الأقصى للعقوبة فيها ٣ سنوات. وكما يقول المحامون فإن وصف الضرب المفضى إلى الموت يستخدم عادة فى حالة المشاجرات بين الأطراف المتعددة. صحيح أن بوسع المحكمة أن تعيد توصيف القضية، إلا أن الإحالة بحد ذاتها تشى بالرغبة فى الإفلات من العقاب، لأن الضابط الذى وجه الخرطوش إلى وجه شيماء وأصابها فى رقبتها لا يمكن أن يوصف فعله بأنه ضرب أفضى إلى الموت. وهناك تخوف آخر يعبر عنه المحامون هو أنه إذا أقحم آخرون مع الضابط فى جريمة الضرب المفضى إلى الموت فإن ذلك يمهد لتمييع التهمة وتبرئة الضابط، حيث يتعذر فى هذه الحالة تحديد الشخص الذى وجه الضربة التى أدت إلى الوفاة. وقائمة الشكوك التى يعبر عنها المحامون طويلة، ذلك أنهم يستبعدون احتمال إدانة الضابط لأن ذلك له عواقبه التى تفتح الأبواب لتداعيات لا قبل لأحد فى السلطة بها، خصوصا أن القاعدة المتعارف عليها أن الضباط لا يحاسبون عما يرتكبونه من انتهاكات. وقد أثبتت التجربة ذلك لأنهم برئوا فى الأغلبية الساحقة من القضايا التى حوكموا فيها بسبب القتل أو التعذيب.

الملاحظة الأخرى تتعلق باتهام لواء الشرطة بتضليل العدالة وتقديم معلومات مغلوطة لجهة التحقيق. وفى رأى المحامين أن الأصل فى المعلومات التى تقدمها الداخلية فى مختلف القضايا هو إنكار الحقائق وتضليل العدالة. وأقرب مثل على ذلك أن وزير الداخلية السابق نفى إطلاق الخرطوش على المسيرة فى حين أثبت تقرير الطب الشرعى وتحقيقات النيابة أن شيماء قتلت بخرطوش الشرطة.

وإذا وضعنا فى الاعتبار أن أغلب القضايا التى قدمت حتى الآن اعتمدت على تحريات الشرطة. رغم أن محكمة النقض لا تعترف بها كشهادات فى أى قضية، فإن اتهام لواء الشرطة بتضليل العدالة يفتح الباب للدعوة إلى إعادة النظر فى عديد من القضايا التى صدرت فيها الأحكام بناء على شهادات مطعون فى صحتها. وقد رأينا فى قضية خلية الماريوت التى اتهم فيها بعض صحفيى قناة الجزيرة أن ضابط الأمن الوطنى الذى قامت القضية على تحرياته حين سئل عن مضمونها فى جلسة الخميس الماضى (١٩/٣) فإنه رد على ٢٧ سؤالا بخصوص تحرياته قائلا إنه «مش فاكر»! ـ (الخبر نشرته جريدة التحرير على صفحتها الأولى أمس ـ الجمعة ١٩/٣).

لا أريد أن أقلل من أهمية الخطوات التى تمت. ولا أريد أن أعزى نفسى بمقولة شىء من العدالة خير من لا شىء على الإطلاق، فذلك مما لا يليق ببلد مثل مصر، لكننى أتمنى أن يكون المضى على درب العدالة فى القضايا السياسية قاعدة وليس استثناء.

القسم: 
المصدر: 

فهمى هويدى يكتب:فى فراغنا تمددوا

ما الذى يتعين على العرب أن يفعلوه حين يعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية أنه طالما بقى فى السلطة فلن تكون هناك دولة فلسطينية؟ وماذا يكون رد فعلهم إذا فوجئوا بمسئول فى طهران يتحدث عن عودة الامبراطورية الإيرانية وعاصمتها بغداد؟. السؤالان ليسا افتراضيين وإنما يتحدثان عما حدث بالفعل. فالمقولة الأولى أطلقها بنيامين نتنياهو أثناء حملته الانتخابية التى أتت به رئيسا للحكومة الإسرائيلية للمرة الرابعة. إذ نقل عنه موقع إن. آر. جى الإخبارى فى ١٦/٣ قوله إنه إذا ما انتخب فلن تكون هناك فى عهده دولة فلسطينية. مضيفا أن كل من يخطط لإقامة دولة فلسطينية ويطالب بإجلاء الفلسطينيين عن الأراضى التى «يقطنونها» يعطى للإسلام المتطرف أراضى ليشن منها هجماته على الدولة الإسرائيلية. لا أشك فى أن أحدا فى العالم العربى لم يكن يحسن الظن به ولا يتوقع منه خيرا من أى باب. كما أن الرجل التزم بذلك الموقف الذى أعلنه طول حكمه. صحيح أيضا أن الموضوع الفلسطينى والاستيطان لم يكن من القضايا المثارة أثناء المعركة الانتخابية، لأن تركيز الأحزاب على القضايا الاجتماعية والاقتصادية من أزمة الغلاء إلى الإسكان إلى تردى خدمات التعليم والصحة، مع ذلك فإن نتنياهو حرص على أن يجهر برأيه بهذه الصراحة والفجاجة، أغلب الظن لانه كان يخاطب المستوطنين والمتطرفين الإسرائيليين لكى يكسب أصواتهم، غير عابئ ولا متوقع أى رد فعل من جانب السلطة الفلسطينية فى رام الله أو من جانب الأنظمة العربية.

من الناحية السياسية فإن الرجل بما قاله أغلق أبواب الحلول السلمية. وأسكت أصوات الحكومات العربية التى ما برحت تراهن على مبادرة السلام ولاتزال تتعلق بوهم إقامة الدولة الفلسطينية من خلال المفاوضات. ومع ذلك فإننا لم نلحظ أى رد فعل من جانب السلطة أو من جانب أى دولة عربية. ومرر الجميع كلام نتنياهو باعتباره أمرا عاديا. وفى حين سكت الجميع عن ذلك الكلام الخطير، فإننا وجدنا ان الجامعة العربية اهتمت بالانتخابات الإسرائيلية، وصدر تصريح باسمها أيد القائمة الموحدة التى شكلتها بعض الأحزاب العربية والشخصيات الفلسطينية وشاركت بها فى انتخابات الكنيسيت. وحث البيان عرب ٤٨ على التصويت فى الانتخابات ودعم تلك القائمة بكل قوة. كما وجدنا أن زعيما لبنانيا هو السيد وليد جنبلاط انضم إلى المحبذين وخاطب الدروز فى إسرائيل داعيا اياهم إلى التصويت لصالح القائمة العربية ذاتها.

المفارقة بدت محزنة ومخيبة للآمال. إذ لم نلمح غضبا أو شجبا لكلام نتنياهو، فى حين وجدنا اهتماما سياسيا وإعلاميا ملحوظا بالانتخابات وبالقائمة العربية الموحدة المشاركة فيها.

الفرقعة الثانية جاءتنا من طهران، إذ عقد فى ٨ مارس منتدى كانت الهوية الإيرانية موضوعا له، وكان أحد المتحدثين فيه مستشار رئيس الجمهورية لشئون الأقليات على يونسى. ونقلت وكالة أنباء «ايسنا» للطلبة الإيرانيين عنه قوله أن جغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة، وثقافتنا غير قابلة للتفكيك. فإما أن نتحد معا أو نتقاتل معا. مضيفا أن إيران أصبحت الآن امبراطورية كما كانت فى السابق وعاصمتها بغداد، التى هى مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا عبر التاريخ. والعراق ليس جزءا من نفوذنا الثقافى فحسب، بل هى جزء من هويتنا اليوم كما كانت عبر التاريخ.

هذا الكلام الخطير أحدث دويا فى العراق وأثار ردود أفعال مختلفة داخل إيران، لكن أحدا لم يأبه به فى بقية أنحاء العالم العربى. فقد سارع وزير خارجية العراق إلى التأكيد على تمسك بلاده باستقلالها وهويتها الوطنية. وقبله قال متحدث باسم المرجع الدينى آية الله على السيستانى فى خطبة الجمعة بكربلاء «إننا نعتز بوطننا وبهويتنا واستقلالنا وسيادتنا. وإذا كنا نرحب بأى مساعدة تقدم إلينا اليوم من إخواننا وأصدقائنا لمحاربة الإرهاب.. فإن ذلك لا يعنى فى أى حال من الأحوال أن نغض الطرف عن هويتنا واستقلالنا كما ذهب إليه بعض المسئولين فى تصوراتهم». فى ذات الوقت فإن المتحدثة باسم الخارجية الإيرانية تحدثت عن احترام بلادها لسيادة العراق وحرصها على عدم التدخل فى شئون الدول الأخرى. وقدم أكثر من مائة عضو بمجلس الشورى طلبا إلى الرئيس الإيرانى حسن روحانى بإقالة يونسى لسوء تصرفه، كما استدعته محكمة رجال الدين لمساءلته عما بدر منه. رغم أنه حاول تخفيف وقع كلامه حين صرح لاحقا بأنه فى حديثه كان يتحدث عن الامبراطوريات الفارسية القديمة وليس عن الوضع الراهن.

ما قاله السيد يونسى ذهب فيه إلى أبعد مما ذكره الدكتور على ولايتى مستشار المرشد فى ١٦ ديسمبر من العام الماضى، حين تحدث عن تمدد نفوذ إيران الذى وصل إلى اليمن بعدما مر بالعراق وسوريا ولبنان. إلا أن التصريحين يعبران عن الشعور بالنشوة فى طهران إزاء ما حققته إيران من حضور فى العالم العربى خلال السنوات الأخيرة.

من الملاحظات فى هذا الصدد أن الحكومة العراقية استدعت السفير المصرى فى بغداد وسلمته مذكرة احتجاج رسمية على انتقاد شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب لممارسات الميليشيات الشيعية المتطرفة (يقصد الجيش الشعبى) التى أدت إلى ارتكابها «جرائم بربرية نكراء» بحق سكان مناطق أهل السنة. وطالبت المذكرة الحكومة المصرية بالتعبير عن موقفها الرسمى إزاء ما صرح به الإمام الأكبر.

لم يتحرك شىء فى العالم العربى تعبيرا عن الاستياء والغضب مما قاله مستشار الرئيس روحانى والوزير السابق على يونسى. ولم تطالب طهران بتحديد موقفها الرسمى من كلامه الخطير عن عودة الامبراطورية الإيرانية واعتبار بغداد عاصمة لها. علما بأن بيان وزارة الخارجية لم يكن كافيا ولم يكن بمستوى الفرقعة التى أحدثها السيد يونسى.

الخلاصة التى يخرج بها المرء من التدقيق فيما صدر عن نتنياهو أو السيد يونسى أن الرجلين تعاملا بازدراء شديد مع العالم العربى، وتصرفا باعتباره عالما عاجزا ومنزوع الإرادة، وفى فراغه عربد الأول وتمدد الثانى، الأمر الذى يعنى اننا ينبغى أن نوسع من دائرة الاستهجان، ليشمل أيضا الذين أحدثوا الفراغ وأصبحوا عاجزين حتى عن إعلان الغضب إزاء ذلك الازدراء.

القسم: 
المصدر: 

فهمى هويدى يكتب: رسالة إلى الآخر

تعليق عالم الفضاء المصرى الدكتور عصام حجى على مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادى كان كالتالى: تمنيت طرح استثمارات لبناء مدينة تعليمية تحتضن أحلام وطموحات الشباب وتكون مركزا للفكر والاستثمار فى البشر. خصوصا فى مجالى التعليم والصحة. ذلك ان شباب مصر هم أكبر رأس مال للوطن. والاستثمار الحقيقى هو الذى يستهدف عقول وأحلام جيل الشباب. فالدولة إذا ملكت الحاضر فالشباب يملك المستقبل.

هذه الملاحظة الرصينة أقلقت البعض وأثارت غضب آخرين. حتى ان أحدهم حذر العالم الذى يعمل بوكالة ناسا الأمريكية، وقال فى تعليقه على رأى الدكتر حجى أنه حين يبدى رأيا مخالفا لما أعلنه الرئيس السيسى، فإن ذلك سيعد مزايدة من جانبه تعرضه للاتهام بالخيانة. إلا أن أحد الغاضبين استفزته كلمات صاحبنا فعاتبه قائلا: اتق الله يا رجل. وكأنه أراد أن ينبهه إلى أنه أخطأ بما ذكره، معتبرا أنه ليس من اللائق أن يبدى هذا الرأى فى أجواء العرس المقام.

مثل هذه الملاحظة تحفل بها مواقع التواصل الاجتماعى، التى أتاحت لكل صاحب رأى أن يسجله ويجهر به بالاسلوب الذى يراه. ولاننى أحد الذين يتلقون مثل هذه الرسائل كل يوم تقريبا، فإننى أزعم أن أصداء ملاحظة الدكتور حجى كان فيها قدر كبير من الترفق به، فضلا عن أنها خلت من سوء الأدب والابتذال، خصوصا انه لم يتعرض للاتهام بالأخونة الذى طال الرئيس أوباما ومحطة تليفزيون سى. ان. ان وصحيفة واشنطن بوست. مع ذلك فأصداء ملاحظته تثير عندى أربع ملاحظات هى:

• إن طغيان أصوات التهليل والتصفيق أفسدت الحس العام بحيث إن شرائح واسعة من الناس فى مصر باتت تستغرب وتستنكر بشدة سماع أى صوت آخر لاينخرط فى العرس المقام، ليس ذلك فحسب وإنما أصبح سوء الظن هو أول ما يخطر على البال فى هذه الحالة. وقائمة الاتهامات فى هذه الحالة طويلة وبلا نهاية. فالآخر إما «إخوانجى» أو خائن وطابور خامس، وإذا لم يكن كذلك فهو يسعى إلى إسقاط الدولة والنيل من هيبتها. أو يتهم بإهانة القوات المسلحة والشرطة. وإذا كانت وسائل الإعلام قد تولت مهمة التهليل طول الوقت، فينبغى ألا ينسى فى هذا الصدد دور أجهزة التوجيه المعنوى التى تحدثت التسريبات عن الجهد الكبير الذى تبذله فى الشحن والتعبئة ورفع منسوب تهييج الرأى العام فى بعض الحالات.

• إن ثقافة التهليل هذه تجاوزت بكثير ثقافة «السمع والطاعة» التى شاعت فى أوساط الإخوان فى وقت سابق، ولاتزال محل تنديد واستهجان. ورغم ان التنديد فى محله، إلا أن دائرة «السمع والطاعة» ظلت فى محيط أعضاء الجماعة لم تتجاوزه فضلا عن أن استنكارها كان محتملا ومقبولا. أما فى الوقت الراهن فثقافة التهليل والتصفيق التى تروج لها وسائل الإعلام على مدى الساعة شوهت عقول وضمائر أعداد غفيرة من البشر، أصبحت شديدة الحساسية إزاء أى اختلاف. وهو ما أوصل الاختلاف فى الرأى إلى حدود الخصومة والقطيعة وإثارة الضغائن ليس بين المشتغلين بين العمل العام فحسب، ولكن سمومها قطعت الأواصر فى إطار العائلة الواحدة، والبيت الواحد فى حالات عدة. وهو أمر له خطره الذى يتعين الحذر منه سواء على النسيج الاجتماعى، أو على البيئة السياسية التى ينكبها ويقتلها الرأى الواحد.

• إن هذه الأجواء أفردت شرائح من «الشبيحة» الجدد الذين يؤدون ذات الوظيفة التى يمارسها أقرانهم فى سوريا، فالأخيرون يعذبون ويتولون اغتيال المعارضين ماديا، والأولون يشوهون ويتفننون فى الاغتيال المعنوى لأصحاب الرأى الآخر حتى إذا لم يكونوا من المعارضين سياسيا. وإذا كان هؤلاء الأخيرون قد أصبحوا ضحايا تصفيات الشبيحة الجدد، إلا أن الوطن يظل الخاسر الأكبر جراء انتشار ميليشياتهم فى وسائل الإعلام ومواقع التأثير على الرأى العام. ولأن تلك المهمة لاتتطلب معرفة أو ثقافة، ولاتحتاج لأكثر من الصفاقة والبذاءة والجرأة على الكذب والتغليط، فإنها تلقى رواجا فى أوساط بذاتها باتت وفيرة فى زماننا.

• إن الملاحظة التى أبداها الدكتور عصام حجى غاية فى الأهمية، وتستحق دراسة بأكثر مما تستحق عتابا أو اتهاما، ذلك ان النجاحات الاقتصادية التى حققها مؤتمر شرم الشيخ، إذا تحققت، فإنها ربما أضافت الكثير إلى مجالى الإعمار والإدارة، وهو أمر لابأس به لاريب. لكن غياب أى استثمار فى مجالى التعليم والصحة لايخدم المستقبل بأى حال. ولا تفوتنى فى هذا الصدد مقارنة تجربة النهضة فى ماليزيا بالحاصل فى مصر، ذلك انهم هناك يخصصون للتعليم فى الموازنة العامة نسبة تتجاوز ٢٥٪ من الموارد. وهذه النسبة توفر للتعليم نصيبا من الموازنة يعادل ما بين اثنين أو ثلاثة أضعاف ميزانية الجيش والدفاع.

(فى عام ٢٠٠٧ كانت ميزانية التعليم تعادل أكثر من ١٠ مليارات دولار وميزانية الجيش أقل من ٤ مليارات، وفى عام ٢٠١١ خصص للتعليم ١٣ مليار دولار وللجيش ٤.٥٦ مليار دولار) أما فى مصر، فإن دستور ٢٠١٤ تمنى أن تخصص الحكومة المصرية للتعليم ٧٪ من الموازنة العامة، وهى نسبة لاتقارن بما يخص الجيش أو الشرطة.

كان حريا بنا أن نستمع إلى رأى الدكتور حجى ونناقشه، بدلا من ان نتهمه ونحذره، ونبعث إليه برسالة تدعوه لان يلتزم الصمت ولا يتكلم إلا إذا أراد أن يشارك فى التهليل والتصفيق. وهى ذات الرسالة التى يتلقاها أمثالى من حين لآخر.

القسم: 
المصدر: 

بانتظار اختراق الانسداد السياسى

لو أن الجهد الذى بذل لتحقيق الانطلاق الاقتصادى استكمل بسعى مماثل لاختراق الانسداد السياسى لفازت مصر بالحسنيين.

(١)

فأنت إذا نظرت إلى مصر من خلال ثمار مؤتمر شرم الشيخ سترى الأفق الاقتصادى رحبا ومسكونا بطموحات لا حدود لها، وستحلق بك تلك الطموحات عاليا. لكن الأمر سوف يختلف إذا يممت وجهك شطر خرائط الواقع فى مصر، إذ ستلمح فيها من الأشواك والألغام ما قد يسحب بعضا من رصيد التفاؤل الذى أشاعه «العرس» الأول. علما بأننا مازلنا عند مرحلة «عقد القران»، ولئن كان التفاوت بين الحلم والواقع مفهوما، إلا أنه يصبح خطرا إذا كان من شأن الواقع أن ينال من الحلم أو يهدد بإجهاضه.

فى هذا الصدد، لا مفر من استعادة بعض البديهيات التى لا يختلف عليها أهل النظر ممن ربطوا بين التقدم الاقتصادى والاستقرار والسلم الأهلى ذلك أن، هؤلاء اعتبروا أن الاستقرار لا يشكل فقط عنصر الجذب الأساسى لأى مستثمر وإنما هو الحصان الذى يجر عربة الاقتصاد والتنمية بشكل عام. لذلك لابد أن يتقدمها وإلا صرنا نقلب الآية وتوقعنا من العربة أن تجر الحصان!

عند الحد الأدنى، فالحصان المصرى يفتقد إلى اللياقة التى تؤهله لأن يجر عربة الاقتصاد. إذ ليس صحيحا أن البلد يتوفر له الاستقرار والأمان الذى يمكنه من تحقيق الانطلاق الاقتصادى المنشود. وإذا قال قائل بأن القوات المسلحة انضمت إلى الشرطة فى تأمين كل الأماكن العامة، وإن الأعين مفتوحة والمدرعات جاهزة ونقاط التمركز الأمنى بمقدورها أن تجهض أى إخلال بالأمن، فلن اختلف معه فى فيض معلوماته، لكن ذلك كله لا يكفى لتوفير الاستقرار والأمن. بل أزعم أن هذه الإجراءات دالة على أن الأمن غير مستتب وانه لن يتوفر إلا إذا ظلت القوات المسلحة مستنفرة للاحتشاد على جبهة الداخل، وإذا بقيت المدرعات والعربات المصفحة فى الشوارع وحول الأماكن العامة. ذلك أن الأمن الحقيقى لن يطمئن إليه الناس إلا إذا أدركوه دون الحاجة إلى تلك الحشود والإجراءات. ثم إن هناك فرقا بين أمن المرافق والمبانى الذى يمكن أن تحرسه المدرعات وبين أمن الناس الذى لا تراه العين لأنه شعور كامن فى الأعماق.

(٢)

حين أصدر المركز الألمانى لدراسات السياسة والأمن تقريره بمناسبة انعقاد مؤتمر شرم الشيخ، فإنه اعتبر أن الاستثمار فى مصر فى الوقت الراهن محفوف بالمخاطر، بسبب عدم استقرار الأوضاع السياسية فى البلاد. وهذا ليس رأيا شاذا، لأنه متداول فى أوساط الدبلوماسيين الغربيين المقيمين فى مصر، الذين يشكلون انطباعاتهم ويحصلون معلوماتهم من خلال الاحتكاك المباشر بالواقع. وقد سمعت من أحدهم أن الإعلام المصرى يعتبر مصدرا غير موثوق به فى تصوير ذلك الواقع. وذلك كلام لا مبالغة فيه، لأن من يدقق فى الواقع المصرى لا تفوته ملاحظة تزايد إرهاصات العنف ومؤشراته. ومن جانبى أزعم أن تلك المؤشرات تتوزع على ثلاثة مصادر هى: النشطاء والحركيون ــ والمزاج العام للمجتمع ــ والسلطة.

فيما يتعلق بالمجموعة الأولى لن أتحدث عن أنصار بيت المقدس ولا عن أجناد مصر أو غيرهما من الجماعات الصغيرة التى انزلقت فى مسار العنف لسبب أو آخر. لكن ما يعنينى فى اللحظة الراهنة هو العنف الذى بدأ يظهر بين بعض شباب الإخوان، والعنف الذى بدأ يمارسه أفراد ليسوا من الإخوان ولكنهم من أهالى الذين تحالفوا معهم وأصبحوا من ضحايات الاعتصامات أو المظاهرات.

كنت قد أشرت فى مقام سابق إلى أن الإخوان لم يعودوا شيئا واحدا. وكان لى رأى سابق تحدثت فيه عن جماعات الإخوان الذين خرجوا من عباءة الجماعة الواحدة. ويفيدنا فى ذلك التحليل ان ننبه إلى الاختلاف الفكرى التقليدى بين المحافظين والقطبيين والسلفيين داخل الجماعة، وهؤلاء تعايشوا جنبا إلى جنب خلال العقود الأربعة الأخيرة. ورغم أن التباينات بينهم لم تظهر إلى العلن. إلا أن كتاب «دعاة لا قضاة» الذى صدر فى ستينيات القرن الماضى باسم المرشد الثانى للإخوان المستشار حسن الهضيبى يعد علامة فى هذا الصدد. ذلك انه كان ردا على أفكار الأستاذ سيد قطب فى كتابه «معالم فى الطريق»، الشاهد ان تباينات التيارات الفكرية ظلت تتفاعل فى محيط الجماعة بصورة أو أخرى، لكنها ظلت تحت السيطرة فى وجود القيادة بتشكيلاتها المختلفة. وبعد عزل الدكتور محمد مرسى من الرئاسة، والزج بقيادات الجماعة العليا والوسيطة فى السجون والمعتقلات انفرط عقدها وعادت التباينات إلى الظهور مرة أخرى. وهذا التباين حدث أيضا فى محيط الإخوان المصريين الذين لجأوا إلى الخارج. وذلك واضح فى التصريحات والبيانات التى تصدر عنهم. وهو ملاحظ فى أداء القنوات الفضائية الثلاث أو الأربع التى تبث باسم الإخوان من تركيا. إذ كان منطقيا أن يكون للجماعة قناة واحدة فى البلد الواحد على الأقل، ولكن التعدد كان انعكاسا لتباين الآراء والمواقف.

ما يثير الانتباه فى تحرى مسار الجماعة ليس فقط ان الجهات المعنية لم تحاول الفرز بين مكوناتها، ولكن أيضا ان السنوات الأخيرة أفرزت جيلا من الشباب خرج عن طوعها وبدأ يتصرف من واقع رؤيته وقناعاته الخاصة. والمقلق فى الأمر أن هذا الجيل بدا رافضا للديمقراطية ودفعته التجربة إلى عدم الوثوق فى آلياتها، ومن ثم أصبح أكثر استعدادا لممارسة العنف والانخراط فى العمل السرى. وهذه الانطباعات تشكل نقاط التقاء بينهم وبين أهالى الضحايا من غير الإخوان. ومشكلة هذه الشريحة من الشباب انهم لا يرون أى أفق للحل فى المستقبل المنظور. وهذا الانسداد يشكل حافزا لها للثأر والانخراط فى العنف، الذى يمكن ان يتزايد مع تزايد الشعور باليأس واستمرار الانسداد، وهذا تحليل إذا صح فإنه يعنى أن العنف القادم لن يكون مقصورا على أنصار بيت المقدس وأجناد مصر وأية كيانات أخرى مماثلة، ولكن دائرته مرشحة للاتساع بسبب أنشطة تلك الشريحة من الشباب اليائس والمحبط.

(٣)

فى الشق الخاص بالمجتمع لا يستطيع الباحث أن يتجاهل تنامى مشاعر النفور والتشفى مشفوعة بجاذبية القبول بالعنف فى أوساط الرأى العام المصرى. ولكى أشرح هذه النقطة فإننى أذكر بما حدث فى فرنسا فى أعقاب نجاح الحلفاء فى هزيمة النازيين وإسقاط حكومة نيشى الموالية لها عام ١٩٤٥، إذ رغم أن الفضل فى تحرير فرنسا راجع إلى الدور الذى قام به الحلفاء وليس إلى المقاومة الفرنسية. فإن الشعب الفرنسى كان معبأ ضد النازيين إلى الحد الذى دفع جماهيره إلى الإقدام والحفاوة بإعدام ميليشيات النظام السابق ومخبريه مع تجار السوق السوداء دون محاكمة. كما تم إعدام ثمانين شخصا من المسئولين الذين شاركوا فى النظام السابق. وتجلى التلذذ بالانتقام الجماعى فى الحملة التى نظمها البعض وأدت إلى سوق مئات وربما آلاف النساء المتعاونات فى الشوارع كالسبايا، وحلق شعورهن أمام الجمهور، وسط التهليل والتصفيق.

رغم التباين بين حكم النازيين لفرنسا وبين تجربة الإخوان فى السلطة، فالشاهد اننا فى مصر صرنا بإزاء حالة من النزوع إلى الانتقام والتشفى دفعت كثيرين إلى الترحيب بالمذبحة التى وقعت أثناء فض الاعتصامات، وإلى الاستهانة بخنق وإحراق ٣٧ شخصا فى عربة الترحيلات أمام سجن أبوزعبل وصولا إلى تبرير قتل المحامية شيماء وقبلها سندس فتاة الإسكندرية، ذلك فضلا عن المطالبة بتعليق المشانق للمعارضين باعتبارهم خونة ومجرمين. وقل مثل ذلك بالنسبة لعمليات التعذيب والزج بأكثر من ٤٠ ألف شخص فى السجون.

لقد قام الإعلام التعبوى بدور لا ينكر فى إذكاء ظاهرة التشفى والقابلية بالعنف. وهو ما أحدث تراكما خطرا لا أظن أنه يشكل عنصرا مساعدا على التعايش والاستقرار فى المستقبل القريب.

ليس الأمر مقصورا على تسميم مشاعر وضمائر قطاعات من الرأى العام، لأن الأخطر من ذلك أن الظاهرة شملت بعض عناصر النخبة التى احتلت منابر الرأى العام وسبق أن وصفتها بأنها كتائب الإبادة، وكان لها دورها فى تعميم وتأصيل الكراهية والنزوع إلى التشفى والانتقام. وهو عامل له أثره الذى ينكر فى تسويغ العنف وتبريره.

(٤)

لست بحاجة لأن نستفيض فى عرض العنف الذى تمارسه السلطة من زاويتين، الأولى تتمثل فى التعويل على الأمن فى التعامل مع مختلف مظاهر الحراك الاجتماعى، الأمر الذى أغلق الأبواب أمام الحلول السياسية. والحاصل مع الجامعات والمظاهرات السلمية والشباب الذين عارضوا المحاكمات العسكرية خير شاهد على ان التفكير السياسى ليس مطروحا، وان الحلول الأمنية وحدها المعتمدة. كما يتمثل عنف السلطة أيضا فى سلسلة القوانين والإجراءات المقيدة للحريات بدءا من قانون التظاهر وانتهاء بقانون الكيانات الإرهابية ومرورا بتعديل قانون تنظيم الجامعات الذى أطلق يد الأمن فى فصل الأساتذة إلى جانب قانون محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية. ولا تسأل عن مشروع قانون الاستغناء عن الشهود فى القضايا المنظورة.

فى تقديم أحدث كتبه (جهاز الدولة وإدارة الحكم فى مصر) ذكر المستشار طارق البشرى «إننا خلال ثلاثة أرباع القرن الأخير، عشنا فى مصر طوارئ ثابتة اعتاد عليها جهاز إدارة الدولة، وتشكلت فى إطارها تجاربه ومهاراته وأساليب إدارته.. بمعنى أنه «ثقافته» الإدارية وبحكم تجاربه وخبراته لم يعد يستطيع الحكم ولا ممارسة مهام عمله فى التعامل مع المواطنين إلا فى ظل ما تنتجه «حالة الطوارئ» من سلطات وقدرات غير مقيدة. أى فى إطار سلطات طليقة من القيود. وخلص المستشار البشرى من ذلك إلى ان امكانية الحكم وإدارته فى مصر لم تعد تنفصل عن خبرة الاستبداد ومعارفه وعادات تعامله. وهو ما يمثل أحد أبرز مشكلات مصر فى الوقت الراهن.

ربما تصور البعض انه يمكن تجاهل كل ما سبق من أشواك وألغام، محتجا فى ذلك بأن العوامل التى ذكرتها يمكن امتصاصها والسيطرة عليها بإجراءات السلطة وقبضتها القوية. وهى حجة تردنا إلى جوهر المشكلة لأن اختزان الأحزان وكتمان الغضب يخدع الناظرين. وهذا الاختزان ذاته هو الذى نحذر منه، لأنه لا يعنى سوى تأجيل الانفجار وترحيله إلى غدٍ مجهول، والعاقل من عالج أسباب الانفجار وليس من أجله. ووحده الاختراق السياسى كفيل بتحقيق ذلك. ولا تسألنى عن طبيعة الاختراق المطلوب، لأن الأمر يحتاج إلى حوار سياسى قبل الدخول فى أية تفاصيل، وهذا القرار لم يتوفر بعد.

القسم: 
المصدر: 

فهمى هويدى يكتب:أسئلة العاصمة الجديدة

النتائج التى حققها مؤتمر شرم الشيخ تستحق الحفاوة لاريب، إلا أننى لم أستطع أن أبلع مسألة العاصمة الجديدة التى قيل إنها ستقام على بعد ٤٥ كيلومترا من القاهرة وستتكلف ٤٥ مليار دولار. وإذا كنت قد تساءلت أمس عن حظوظ الفقراء من مشروعات المؤتمر وصفقاته، فلدى اليوم أسئلة أخرى بخصوص مشروع العاصمة الجديدة منها ما يلى: ما هى المشكلة التى ستحلها؟ وما هى جدوى المشروع؟ وإذا ثبتت الجدوى فما هو ترتيب العاصمة الجديدة بين أولويات جدول أعمال النهوض بالواقع فى مصر؟ ثم ما هو الموقع الأنسب لإقامة تلك العاصمة؟ أخيرا ما هى الجهة أو الجهات التى عليها أن تدرس المشروع وتجيب عن أسئلته؟

أدرى أن فكرة العاصمة الإدارية مطروحة فى أروقة السلطة منذ نحو أربعين عاما، حين وضع الرئيس الأسبق أنور السادات فى عام ١٩٧٦ حجر الأساس لمشروع تلك العاصمة التى أعطاها اسمه، لكن الفكرة أجهضت حينذاك وأصبحت مدينة السادات تجمعا سكانيا عاديا على هامش التاريخ. ومرت الفكرة بأطوار عدة كان بينها أن حكومة الدكتور أحمد نظيف أرسلت فى عام ٢٠٠٧ خطابا إلى مجلس الشورى بخصوص إقامة العاصمة الجديدة، لكن المشروع لم ير النور وتوقف عند ذلك الحد. ومن الواضح أن المشروع تأجل ولم يمت، لأنه طرح مرة أخرى فى عام ٢٠١٠ فى إطار مخطط كان عنوانه «مصر ٢٠٥٠»، ولكنه بدوره ظل مشروعا على الورق، إلى أن تبنته وأخذته على محمل الجد حكومة المهندس إبراهيم محلب الحالية، وكان الرئيس عبدالفتاح السيسى قد أشار إليه فى حديث له أشار فيه إلى تمدد القاهرة إلى منطقة العين السخنة. وحين أعلنت التفاصيل فى مؤتمر شرم الشيخ تبين أن موقع العاصمة الجديدة على بعد ٤٥ كيلو مترا من القاهرة، فى الطريق إلى العين السخنة. أى أنها ستكون بمثابة ضاحية متطرفة للعاصمة الأصلية.

التفاصيل حملت أكثر من مفاجأة أخرى. إذ طبقا لما أعلنه وزير الإسكان الدكتور مصطفى مدبولى ستقام العاصمة الجديدة على مساحة ١٦٠ ألف فدان. وهى بذلك تعادل مساحة سنغافورة وثلاثة أضعاف مساحة واشنطن و١٢ ضعفا لمساحة مانهاتن. وستضم العاصمة المنشآت التالية: مليونا ومائة ألف وحدة سكنية تستوعب خمسة ملايين شخص ــ ٢١ منطقة سكنية تحتوى على ١٠٠ حى ــ ٢٠٠٠ مدرسة ــ ٦٦٣ مرفقا للرعاية الصحية تضم ١٨ مستشفى إقليميا ــ ٤٠ ألف غرفة فندقية ــ أكبر حديقة على مستوى العالم ــ مدينة ملاه على مساحة تعادل أربعة أضعاف ديزنى لاند ــ ٩٠ كيلو مترا مربعا مزارع للطاقة الشمسية ــ مطار أكبر من «هيثرو» فى لندن ـ جامعات على أحدث طراز وأرقى مستوى ــ شبكة طرق جديدة تصل إلى ستة آلاف ميل ــ قطار كهربائى وآخر فائق السرعة إلى جانب وسائل النقل الحديثة ــ ذلك كله إضافة إلى حى حكومى على مساحة ألف فدان ــ وحى دبلوماسى للبعثات والسفارات الأجنبية.. الخ. مما أعلن أيضا أن العاصمة الجديدة سيتم إنشاؤها خلال فترة تتراوح بين خمس وسبع سنوات. وسيكون الشريك الأساسى فى تنفيذ مشروعها إحدى شركات الإعمار الإماراتية. أما الطريق المؤدى إليها فسوف يحمل اسم ولى عهد أبوظبى.

لاحظت فى عرض المشروع الذى قدمه وزير الإسكان المصرى أمام المؤتمر أنه حرص على أن يشير إلى المدينة الجديدة باعتبارها «عاصمة عالمية». وأن كل شىء فيها من جنس الأفضل والأحدث فى العالم، وأن منشآتها تجاوزت نظيرتها فى الدول المتقدمة من حيث الشكل والتصميم، الأمر الذى كان واضحا فيه النَّفَس الخليجى المعنى بالثراء والتفوق العمرانى الذى باتت دبى رمزا له.

الملحوظة الأساسية على المشروع أنه يعبر عن الطموح البعيد بأكثر مما يعبر عن الواقع المعيش. صحيح أن أى تفكير مستقبلى لابد أن يهتدى بالطموح. ولكن ليس إلى الحد الذى يدعونا إلى إقامة مدينة بها ٤٠ ألف غرفة فندقية فى بلد يقيم فيه عدة ملايين فى العشوائيات والمقابر. أو ننشئ مدرسة على أحدث طراز فى حين أن فى الصعيد مدارس آيلة للسقوط وفصول يتكدس فيها التلاميذ حتى يجلس بعضهم على الأرض. ثم إن المليارات التى ستنفق على التنافس فى الوجاهة ومحاولة التفوق على معمار المنشآت الخليجية يفضل لها أن توجه إلى الارتقاء بالخدمات المنهارة فى مختلف المحافظات وتوصيل الصرف الصحى والمياه النقية إلى المناطق المحرومة منها، وعلاج كارثة الصرف التى باتت تهدد الدلتا، بعدما تسببت فى رفع مستوى المياه الجوفية وأدت إلى ملوحة الأراضى، الأمر الذى شكل تهديدا مباشرا للثروة الزراعية. وهذه مجرد نماذج فقط لأن القائمة طويلة وأوجاع مصر أكثر من أى تحصى.

الشاهد أن الموضوع كله يحتاج إلى مناقشة موسعة للاتفاق على مضمونه وأولويته ووظيفته الحقيقية، وليت المناقشة لاتتطرق فقط إلى البحث عن حل لمشكلة تضخم عدد السكان فى القاهرة الكبرى الذى ذكرت التقارير أنه وصل إلى ١٨ مليونا، وإنما من المهم للغاية أن تثار أيضا مشكلة تركيز السلطة فى القاهرة، مع تحول المحافظات الأخرى إلى كيانات طاردة لسكانها والشباب على رأسهم.

من المفارقات أن صحف الأحد تحدثت عن أن اسم المدينة الجديدة سيطرح للحوار المجتمعى، فى حين أن المشروع كله لم يطرح لأى حوار من ذلك القبيل. ولهذا فإنه جاء محيرا وله ثغراته العديدة. صحيح أن عقد إنشاء المدينة تم توقيعه ــ وتلك مفاجأة أخرى ــ لكننى أتمنى ألا يحول التوقيع دون المراجعة والترشيد، خصوصا أن أمامنا فسحة من الوقت لذلك. وما لم يحدث ذلك فإن المشروع قد يصبح خصما من رصيد المؤتمر الكبير وليس إضافة إليه.

القسم: 
المصدر: