فهمي هويدي

فهمي هويدي يكتب: مصر ذات يوم

نشر فى : السبت 6 يونيو 2015 - 9:45 ص | آخر تحديث : السبت 6 يونيو 2015 - 9:45 ص

أغلب الظن أن المصادفة وحدها هى التى جمعت تلك الأحداث فى يوم واحد. كانت صحيفة الصباح قد ذكرت أن محكمة جنايات سوهاج أوقفت تنفيذ عقوبة حبس عقيد شرطة ٣ سنوات بعد إدانته فى التعدى على السلطة القضائية واقتحام مقر نيابة مركز «ساقلتة» وسب أعضائها. وهى القضية التى حكم فيها أيضا على نقيب شرطة هارب وأمينى شرطة بالسجن المؤبد، كما حكم بالسجن ١٠ سنوات على ٨ أمناء وآخرين من الشرطة. وكان مفهوما أن ضغوطا مورست على المجنى عليهم اضطرتهم إلى التنازل عن الدعوى. الأمر الذى دفع المحكمة إلى اتخاذ قرارها بوقف تنفيذ العقوبة. فى الوقت ذاته كان المحامون ثائرين وغاضبين، بعدما تلقوا أنباء اعتداء نائب رئيس شرطة فارسكور (محافظة دمياط) فى اليوم السابق على الأستاذ عماد فهمى المحامى بالنقض، وضربه بالحذاء على وجهه (بعض الصحف نشرت صور المحامى والدماء تسيل من رأسه). أساتذة الجامعات كانوا بدورهم غاضبين بعد نشر الخبر الخاص بضرورة أخذ موافقة ٣ جهات أمنية قبل سفر الأساتذة والمبعوثين والمتدربين إلى الخارج. وهو ما وصف بأنه نكسة وعودة لنظام ما قبل ٢٥ يناير. أما مواقع التواصل الاجتماعى فقد كانت تردد السؤال: أين إسراء الطويل؟ وهى الفتاة الجامعية التى خرجت للعشاء مع زميلين لها بالمعادى، ولم يعد أحد منهم إلى بيته منذ ثلاثة أيام ولم يعرف أين اختفوا. تحدثت أيضا عن البلاغ الذى قدمته إلى النائب العام المحامية صباح حمزة حسن وطلبت فيه الكشف عن المكان الذى يحتجز فيها زوجها المدرس بالمعاش أسامة أحمد أنور الذى اختطف أثناء سيره فى أحد شوارع منطقة المرج (ذكر البلاغ اسم ضابط الجهاز الأمنى الذى اعتقله) ولم يعثر له على أثر بعد ذلك. فى الوقت ذاته فإن مواقع «الحرية للجدعان» و«جبنا آخرنا» رفعت الصوت عاليا وهى تتساءل عن تنامى ظاهرة الاختفاء القسرى للمواطنين فى الآونة الأخيرة. فى هذا السياق ذكرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان أنه خلال الأيام العشرة التى سبقت ٣ يونيو شملت حالات الاعتقال العشوائى ١٢٠ مواطنا، وثقت الشبكة بينها ١٢ حالة اختفاء قسرى.

كانت تلك بعض الأخبار التى تلاحقت طوال نهار الأربعاء الماضى ٣ يونيو. وشاءت المقادير أن يكون هو اليوم الذى انتخب فيه «الفريق» عبدالفتاح السيسى رئيسا للجمهورية، الأمر الذى سوغ لجريدة «المصرى اليوم» أن تتخير لصفحتها الأولى العنوان الرئيسى التالى «سنة أولى سيسى». كانت هناك أخبار أخرى بطبيعة الحال. لكن ما أثار انتباهى أن تلك الحصيلة دارت حول موضوع واحد، وأن دلالتها لها أهميتها فى المناسبة. صحيح أنها لا تصلح معيارا للتقييم، ومن التعسف اعتبارها كذلك، إلا أن دلالتها تمثل صفحة فى السجل لا يمكن تجاهلها. وأزعم أنها بمثابة البقعة السوداء ــ أو الحمراء إن شئت الدقة نظرا لخطورتها ــ التى تستوقف من تقع عيناه على الثوب، ذلك أننى قرأت فى ثنايا تلك «النشرة» رسائل مؤرقة عدة تتمثل فيما يلى:

* أن الجهاز الأمنى عاد إلى سيرته الأولى قبل ٢٥ يناير، ولكن بصورة أكثر شراسة. وهذا هو رأى نقيب المحامين الأستاذ سامح عاشور، فى تعليقه على واقعة اعتداء ضابط الشرطة بحذائه على محامى النقض فى فارسكور. وقد عبرت عن ذلك بصورة أكثر تفصيلا الدكتورة عايدة سيف الدولة الناشطة الحقوقية التى ذكرت فى مؤتمر نظم بمقر نقابة الصحفيين المصريين أنها تعمل فى المجال الحقوقى منذ ٢٢ عاما، وأن العام الأخير هو الأسوأ فى انتهاكاته لحقوق الإنسان.

* أن مؤشر الانتهاكات يتزايد بمضى الوقت. وطبقا لبيانات الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان فإن عدد المحبوسين والسجناء منذ صدور قانون التظاهر (فى سبتمبر ٢٠٠٣) عددهم نحو ١٨ ألف مسجون، بينهم ١٢ ألفا محبوسون احتياطيا لآجال مطولة قد تصل إلى عامين. وإلى جانب هؤلاء فقد وصل عدد الصحفيين المسجونين إلى ٦٢ شخصا وهو أكبر رقم عرفه التاريخ المصرى.
وفضلا عن انتشار التعذيب فى مراكز الشرطة والسجون، الذى أدى إلى القتل فى بعض الحالات، فقد لجأت الأجهزة الأمنية فى الآونة الأخيرة إلى استخدام أسلوب الاختطاف القسرى.

* أنه باسم مواجهة الإرهاب أطلقت أيدى الأجهزة الأمنية على نحو جعلها تستخدم القسوة المفرطة، الأمر الذى أدى إلى قتل المحامية شيماء الصباغ أثناء اشتراكها فى مسيرة سلمية، وإلقاء القبض على محام آخر هو كريم حمدى وطالب الهندسة إسلام عطيتو ثم العثور على كل منهما مقتولا بسبب التعذيب فى اليوم التالى مباشرة.

* أن الشرطة تتصرف باطمئنان كامل إلى أنها لن تخضع للحساب أمام القانون. آية ذلك أنه تمت تبرئة رجالها فى أكثر من ٤٠ قضية تعذيب وقتل. والذين أدانهم القضاء فى مرحلة، تمت تبرئتهم فى مرحلة تالية. ناهيك عن أنه لم يحاسب أحد على قتل نحو ألف شخص أثناء أحداث الثورة عام ٢٠١١. ومعروف أن مسئولية الشرطة عن القتل أثبتها صراحة تقرير تقصى الحقائق الذى أعدته آنذاك لجنة قضائية مستقلة رأسها المستشار عادل قورة، الرئيس السابق لمجلس القضاء الأعلى ومحكمة النقض ــ ومن المفارقات الصادمة أنه تمت تبرئة حبيب العادلى وزير الداخلية فى تلك المرحلة ومعاونيه بمقتضى حكم أصدرته محكمة النقض أمس الأول (الخميس ٤ يونيو). ولكى تكتمل الصورة فإن صحف الجمعة (أمس) نقلت عن محامى العادلى قوله إنه سوف يطالب ــ بعد البراءة ــ برد اعتبار الرجل والاعتذار له عن الإساءة التى لحقت به جراء اتهامه فى قضية قتل متظاهرى الثورة.

إن لقطة الأربعاء الثالث من يونيو تفتح أعيننا على صورة مسكوت عنها للمدى الذى ذهب إليه تغول وشراسة الأجهزة الأمنية، وهو ما أعاد إلى الأذهان صفحة تمنينا تجاوزها ونسيانها مستصحبة معها أجواء زمن الخوف والأفق المسدود. وحين ندق الأجراس محذرين ومنبهين فإننا لا نعرف ما إذا كان علينا أن نطالب المؤسسة الأمنية بإصلاح ذاتها، أم نطالب المؤسسة السياسية بتبنى موقف حازم لوقف تلك الانتهاكات، إن لم يكن حفاظا على كرامة الإنسان المصرى فعلى الأقل حفاظا على رصيد النظام من الثقة والاحترام.

القسم: 
المصدر: 

فهمي هويدي يكتب: وفودنا «الشعبية»

نشر فى : الخميس 4 يونيو 2015 - 8:15 ص | آخر تحديث : الخميس 4 يونيو 2015 - 8:15 ص

تقديرنا لبعض الذين دعوا للاشتراك فى زفَّة برلين شىء، والادعاء بأنهم يمثلون الشعب المصرى شىء آخر. ثم إنهم حين يصدقون ذلك الادعاء ويسرفون فى الحديث بناء على ذلك بمثابة شىء ثالث. أما الشىء الرابع فهو أن تنطلى القصة على الألمان فيتصورون أن هؤلاء حقا هم الممثلون الشرعيون للشعب المصرى.

أقول ذلك بمناسبة التصريحات التى نشرتها الصحف المصرية عن تمثيل الوفد الشعبى لطوائف المصريين وأطيافهم المختلفة. وتلك التى صدرت عن بعض المسافرين الذين اعتبروا انتقاد سفرهم هو عمل «ضد الشعب». بل إن منهم من تصور أنه يقوم بمهمة رسالية من قبيل قول إحدى الفنانات إنها ذاهبة لمحاربة «خفافيش الظلام فى برلين». حتى خطر لى أنها تصورت خفافيش الظلام طيورا حقيقية يمكن ملاحقتها واصطيادها خلال الثمانى والأربعين ساعة التى تستغرقها الزيارة!

أكثر ما همنى فى الموضوع هو ابتذال مصطلح تمثيل الشعب فى ظل الفراغ الحاصل، حيث لا توجد أية جهة تمثيلية يمكن أن يدعى أحد أنها منتخبة من الشعب ولها الحق فى التعبير عنه (استثنى النقابات المهنية التى تمثل العاملين فيها). إذ ليس لدينا مجلس نيابى ولا مجالس محلية حقيقية، بل لم يعد لدينا مؤسسة نص القانون على استقلالها وأتيح لها أن تمارس ذلك الاستقلال على أرض الواقع. فى هذه الأجواء انفتح المجال واسعا لتزوير إرادة الشعب. وصار المسئولون والأبواق الإعلامية الخاضعة لتوجيههم يمارسون حريتهم فى التمسح بالشعب، فيتحدثون تارة أنه قرر كذا أو أمر بكذا أو فوض فى كذا أو أنه أجمع على كذا وكيت.. إلخ. وفى هذا السياق قرأنا فى مناسبات عدة عن أن وفودا شعبية ذهبت إلى هذا البلد أو ذاك، دون أن يعرف أحد أى شعب يمثلون ومن الذى نصبهم أو تخيرهم ليكونوا وكلاء عن المصريين. وإذا كان مستقرا أن الذى يمثل الشعب لابد أن يكون منتخبا منه (هل لابد أن نذكر أن الانتخابات يجب أن تكون حرة ونزيهة؟!)، فقد درج العمل على أن الوفود التى تقدم بحسبانها شعبية تكون فى حقيقة الأمر انتخاب الأجهزة الأمنية وشبكة المصالح غير المرئية. لذلك فإن التسمية الحقيقية لها هى أنها وفود أمنية تشكلت وأجيزت ورتب سفرها بواسطة الأجهزة الأمنية. فى حين أن أصحاب المصالح من رجال الأعمال جاهزون لتغطية النفقات لأسباب وطموحات مفهومة.

هذا الأسلوب يمثل تطورا فى فقه الاحتكار والهيمنة. ذلك أننا إذا كنا قد عرفنا احتكار السلطة حينا من الدهر، فإن أبالسة السياسة بعدما اطمأنوا إلى ذلك فإنهم لم يتورعوا عن احتكار الشعب أيضا. والديمقراطيات الشعبية نموذج فج لذلك، ذلك أنها لا كانت ديمقراطية ولا كانت شعبية، وإنما أصبحت نموذجا للاستبداد الصريح وليس المقنع.

أما النموذج الذى كان أكثر فجاجة فقد قدمه الرئيس الليبى السابق معمر القذافى من خلال بدعة «الجماهيرية» التى جعلها عنوانا لبلده. وادعى آنذاك أن الجماهير هى التى تقرر فى حين لم يكن يتحرك شىء فى البلد أو يتخذ قرار إلا بإشارة منه. ربما لهذا السبب فقد نحت بعض اللغويين مصطلح الشعبوية للتمييز بينها وبين الشعبية. وحين رجعت فى ذلك إلى الأستاذ فاروق شوشة أمين مجمع اللغة العربية قال إن الشعبوية تخريج واجتهاد لجأ إليه الشوام للتفرقة بين الحقيقة والادعاء. فكلمة الشعب أصدق فى التعبير عن عامة الناس. أما الشعبوية فهى تطلق على كل ادعاء يراد نسبته إلى الشعب دون أن يكون تعبيرا أصيلا عنه.

قلت إنها مشكلة أن يصدق الذين تنتخبهم المؤسسة الأمنية أنهم يمثلون الشعب حقا. لأن تلك مشكلة الذين يتم اختيارهم فقط، لأن الشعب الفاهم والواعى لا يأخذ الأمر على محمل الجد. والتعليقات المقذعة التى تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعى خلال اليومين الماضيين على الوفد المسافر إلى ألمانيا دليل على أن الأمر تحول إلى نكتبة وموضوعا للسخرية والتندر. بنفس القدر فإننى أشك كثيرا فى أن الألمان اقتنعوا بأن الوفد المذكور يمثل الشعب المصرى لأن المثقفين والسياسيين على الأقل يعرفون جيدا أن الكلام عن تمثيل الشعب فى مصر لا محل له، لأنه لا توجد مؤسسة تستطيع أن تدعى ذلك. بالتالى فالأمر بالنسبة إليهم لم يكن أكثر من لقطة فولكلورية أريد بها إثارة بعض الضجيج فى برلين للتغطية على نقد بعض سياسييها للأوضاع الداخلية فى مصر. ولست أستبعد أن يكون المراد بها أيضا الاحتفاء بالرئيس السيسى وطمأنته إلى قيام الأجهزة المعنية بالواجب، بأكثر من مخاطبة الألمان وتوجيه رسالة إليهم. وفى كل الأحوال فإن الشعب لم تكن له علاقة بالموضوع. فلا هو انتدب أحدا لكى يسافر نيابة عنه، ولا كان مخاطبا بالترتيبات التى جرى الزج باسمه فيها.

القسم: 
المصدر: 

فهمى هويدى يكتب: قوة مصر الحقيقية

نشر فى : الأربعاء 3 يونيو 2015 - 8:50 ص | آخر تحديث : الأربعاء 3 يونيو 2015 - 8:50 ص

تغطية وسائل الإعلام المصرية لرحلة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى ألمانيا بدا فيها الاهتمام بالإخراج دون الإنتاج، على نحو يوحى بأن الاهتمام بالزَفَّة مقدم على الاهتمام بالحصيلة. وكنت قد فهمت أن للرحلة هدفين أحدهما سياسى والآخر اقتصادى. والشق الأخير ــ الاقتصادى والاستثمارى ــ يبدو أنه الأهم، بدليل حضور الرئيس اجتماعا للملتقى الاقتصادى المصرى الألمانى والاتفاقات الاقتصادية الأربعة التى ينتظر توقيعها فى المناسبة، إضافة إلى اجتماعه فى لقاء آخر مع رجال الأعمال الألمان. وإذ يتوقع المرء والأمر كذلك أن يصحب الرئيس وفد من رجال الأعمال المصريين فى مختلف المجالات المرشحة للتعاون مع الجانب الألمانى، فإن التركيز فى وسائل الإعلام المصرية كان على وفد الفنانين والإعلاميين والشخصيات العامة المكون من ١٥٠ شخصا. الذين استأجر لهم أحد رجال الأعمال طائرة خاصة للاشتراك بالحفاوة بالرئيس فى ألمانيا. ولم نعرف عن الذين اختارهم ولا من الذى سيتولى نفقات إقامتهم، وإن وصف صاحبنا الذى استأجر الطائرة بأنه أصبح مقاول الرحلات الرئاسية.

وفى حين أثارت الأسماء التى سافرت سيلا من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعى، فإن الصحافة القومية تحدثت عن أن مصر حرصت فى المناسبة على أن تخاطب الألمان بقوتها الناعمة، التى فهمت أنها تمثلت فى بعض الفنانين والفنانات، كما تحدثت عن ست مظاهرات للجالية المصرية قامت السفارة المصرية بترتيبها لاستقبال الرئيس عند وصوله، ولتحيته وإظهار التأييد الشعبى له فى مقر إقامته، ثم فى وداعه بعد انتهاء زيارته. وقرأنا ما نشر عن الهتافات التى أعدت سلفا باللغتين العربية والألمانية، وعن الخمسين حافلة التى خصصت لنقل المصريين من أنحاء ألمانيا. واستوقفنى فى برنامج السفارة المنشور حديثه عن احتشاد الجاليات المصرية والجالية القبطية الأرثوذكسية، التى تصورت أنها جزء طبيعى من الجالية المصرية وليست كيانا منفصلا عنها.

الشاهد ان عناصر الزفة كانت مكتملة. من الفنانين والجمهور والفرق الموسيقية والهتيفة. أما العرس الذى هو جوهر المناسبة فلم ينل حظه من الاهتمام والأضواء. وهو ما يجعلنى أستنتج ان المبالغة فى الزفة كانت مقصودة للرد على رئيس البرلمان الألمانى الذى رفض مقابلة الرئيس السيسى فى تعبير له عن الاحتجاج على انتهاكات حقوق الإنسان فى مصر، وانتقاد المحاكمات الجارية فيها لضمانات العدالة. وكأن من رتب أمر الزفة أراد إبهار الألمان إلى جانب توجيه رسالة ضمنية إلى السياسى الألمانى الكبير من خلال الوفد الشعبى القادم من القاهرة والحشد الذى نظم لعناصر الجاليات المصرية وهتافات الترحيب التى ترددت أصداؤها فى سماء برلين خلاصتها ان ادعاءه غير صحيح، وان الشعب المصرى بمختلف طوائفه يلتف حول رئيسه فى داخل البلاد وخارجها.

هذا التحليل إذا صح فإنه ينم عن تفكير بيروقراطى يتسم بالتبسيط الشديد. صحيح أن عملية الإبهار قد تثير فضول الألمان وربما نالت اعجاب بعضهم. لكنها لا تغير قيد أنملة فى الرؤية السياسية. فالطبقة السياسية هناك تشكل مواقفها فى ضوء ما تتلقاه من معلومات وما تتحراه من مصالح أو تدافع عنه من قيم، لذلك فإن المظاهرات والهتافات ومشاركة نجوم السينما فى المشهد، إما أنها تخاطب الشارع الألمانى، أو تخاطب الشعب المصرى، أما السياسى أو المستثمر فإنه ليس معنيا بكل ذلك. والزفة بالنسبة إليه مجرد ضجيج فى الفضاء لا يقدم ولا يؤخر.

إن البعض عندنا ينسون ان المسئولين الأجانب، والغربيون منهم بوجه أخص، يعرفون عن حقائق الأوضاع فى مصر أكثر بكثير مما يعرفه المثقفون والإعلاميون وربما بعض المسئولين. ذلك أن لهم فى القاهرة سفارات وعيونا وآذان ترى وتسمع وتتحرى. ووسائل الإعلام بالنسبة إليهم أحد المصادر وليست المصدر الوحيد. ومحاولة التأثير عليهم بما نسميه قوة مصر الناعمة هو نموذج للتبسيط والتسطيح، لان تلك القوة الناعمة قد تثير فضول الجماهير والرأى العام. لكنها منعدمة التأثير فى القرار السياسى أو الاقتصادى. وأى دبلوماسى أو سياسى أجنبى عاقل يعرف أن مصدر القوة الحقيقية لأى دولة يكمن فى ديمقراطيتها وأمنها واستقرارها وقوة اقتصادها واستقلال قرارها الوطنى.

الحشد الذى أقمناه فى ألمانيا ذكرنى بالزفة التى استقبلنا بها فى عام ٢٠٠٤ وفد «الفيفا» حين رشحت مصر لتستضيف مونديال ٢٠١٠ الذى تقررت إقامته فى أفريقيا. إذ ظننا أننا يمكن أن نكسب الجولة عبر إبهار الوفد من خلال الفهلوة والمهرجانات الموسيقية والعروض الفرعونية، ولاننا اعتنينا بإخراج الاستقبال وصرفنا لأجل ذلك أكثر من ٤٠ مليون جنيه، فى حين أن المنتج لم يكن جاهزا، فقد خسرنا ونالت مصر صفرا فى التصويت، وفازت جنوب أفريقيا بالمونديال حين حصدت ١٤ صوتا وحصلت المغرب على عشرة أصوات.

لست أشك فى أن النتائج ستكون مختلفة هذه المرة مع ألمانيا، لأن مصر تظل جاذبة للاستثمار فضلا عن ان للشركات الألمانية مصلحة حقيقية فى دخول السوق المصرية، لكننى تمنيت أن نخاطب المجتمع الألمانى وساسته بقوة مصر الحقيقية وليس بالفهلوة أو بقوتها الناعمة التى لا تعنى الألمان فى شىء يتجاوز حدود الفضول. ذلك أن الموظفين المعنيين إذا كانوا قد نجحوا فى تنظيم الزَفَّة ، فإن المجتمع تهمه نتيجة العُرس.

 

القسم: 
المصدر: 

فهمي هويدي يكتب: إشكالية الأيدى الملوثة بدماء المصريين

نشر فى : الثلاثاء 2 يونيو 2015 - 9:00 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 2 يونيو 2015 - 9:00 ص

التحدى أكبر مما نظن. فلئن كانت الحقيقة شرطا للمصالحة إلا أن الديمقراطية تمثل الضمان الوحيد لإدراك الحقيقة، وتلك مشكلة أخرى.

(١)
قال المهندس إبراهيم محلب فى لقائه مع الجالية المصرية بعمان ردا على سؤال وجه إليه عن الأوضاع الداخلية فى مصر انه لا مصالحة مع من تلوثت أيديهم بالدماء. فى نفس اليوم (الخميس ٢٨/٥) أصدرت إحدى محاكم الاسكندرية حكما بتبرئة ضابط «المباحث» الذى سبق أن حكم عليه بالسجن ١٥ عاما بعد إدانته فى تعذيب وقتل سيد بلال المتهم بالضلوع فى تفجير كنيسة القديسين عام ٢٠١١، حدث ذلك فى حين لم يتوقف اللغط حول مسئولية الأمن عن قتل طالب هندسة عين شمس إسلام عطيتو. وبسبب حظر النشر ظل الغموض محيطا بمصير ضابط الشرطة الذى اتهم بقتل المحامية شيماء الصباغ. وهو ذات الغموض الذى أحاط بمصير التحقيق فى قتل اثنين من المحامين بعد تعذيبهما فى قسم المطرية بالقاهرة، هما كريم حمدى وإمام عفيفى.
هذه الوقائع التى حدثت فى الآونة الأخيرة لا تجيب على السؤال من الذين تلوثت أيديهم بدماء المصريين. لكنها على الأقل تبين أمرين أساسيين هما: ان السؤال ليست له إجابة واحدة كما تروج وسائل الإعلام، وان التعرف على الحقيقة فى هذا الموضوع بالذات أمر بالغ الصعوبة فى ظل الأوضاع الراهنة، التى تتحكم فيها السلطة فى كل مفاصل وخيوط الموضوع.

من ناحية أخرى فإن السؤال يقلب علينا كما هائلا من المواجع التى تعاقبت علينا فى مصر منذ قامت ثورة ٢٠١١، ذلك ان كم الدماء التى سالت منذ ذلك التاريخ أكبر مما يتصور كثيرون، ومازلنا حتى الآن ــ بعد ٤ سنوات ــ لا نعرف حقيقة الذين تلوثت أيديهم بدماء المصريين. ورغم ان المنظمات الحقوقية المستقلة لديها اجتهاداتها فى الإجابة على التساؤلات المتعلقة بذلك الملف، إلا أن الخطاب السياسى والإعلامى إما ساكت على بعضها أو أنه يوظف الإجابات المتعلقة بالبعض الآخر فى اتجاه واحد أريد به خدمة الصراع السياسى القائم فى مصر. وفى الحالتين فإن الحقيقة هى الضحية، حيث يجرى التعتيم على جانب منها، فى حين يتم التلاعب بالبعض الآخر واستغلاله لتصفية الحسابات السياسية.

(٢)
ذكرت فى مقال الأسبوع الماضى (الثلاثاء ٢٦/٥) ان لدينا تاريخين لأحداث السنوات الأربع الماضية. واحد أهلى مستقل اجتهد فى تحرى الحقيقة، والثانى أمنى أعاد صياغة الأحداث فى ضوء متطلبات الصراع الحاصل وحسابات ومصالح المؤسسة الأمنية. وفى حين تبنى الخطاب السياسى الصياغة الجديدة للأحداث، لأسباب مفهومة، فإن وسائل الإعلام وأجهزة التوجيه المعنوى تولت تسويقها من خلال كل المنابر المتاحة المرئية والمقروءة والمسموعة. وهى فى ذلك أدت بهمة مشهودة ذات الدور الذى نهضت به «وزارة الحقيقة» فى رواية جورج أورويل الشهيرة (١٩٨٤). إذ أعيد تشكيل المعلومات واللعب فى المعانى والمفردات، للتحكم فى الوعى والإدراك بحيث يتطابق مع الهوى السياسى ويحقق ذوبان المجتمع فى السلطة وخضوعه التام لإرادتها.

ثمة بيان متاح على الإنترنت يتحدث عن دماء المصريين التى سالت منذ ثورة ٢٠١١، تحت اسم «خريطة ويكى ثورة». وهو مركز حقوقى مستقل يتمتع بصدقية عالية، ومعلوماته لا يختلف عليها فى الجوهر المراكز الحقوقية المماثلة، رغم ان الأمر لا يخلو من قدر من التباين فى التفاصيل. الخريطة التى أوردها خبراء المركز ونشطاؤه خلصت إلى النتائج التالية فى تقدير وحصر الضحايا الذين سقطوا من ثورة يناير:

• فى فترة الـ١٨ يوما الأولى من الثورة التى امتدت من ٢٥ يناير حتى ١١ فبراير ٢٠١١ تم حصر ١٠٧٥ قتيلا.

• فى ظل إدارة المجلس العسكرى، من ١١ فبراير ٢٠١١ إلى أول يوليو ٢٠١٢، وصل عدد القتلى إلى ٤٣٨ قتيلا وتم حصر ١٦.٨٠٦ مصاب.

• فى عهد الدكتور محمد مرسى الممتد من أول يوليو ٢٠١٢ حتى ٣ يوليو ٢٠١٣، سقط ٤٧٠ قتيلا، فى حين تم حصر ٩٢٢٨ مصابا ــ وألقى القبض على ٤٨٠٩ أشخاص.

• منذ ٣ يوليو ٢٠١٣ وحتى ٣١ يناير ٢٠١٤ وصل عدد القتلى إلى ٣٢٤٨ شخصا. كما تم حصر ١٨.٥٣٥ مصاب حتى ٢٨ فبراير ٢٠١٤ ووصل عدد المقبوض عليهم والملاحقين قضائيا حتى ١٥ مايو ٢٠١٤ إلى ٤١.١٦٣ شخص.

لا استطيع أن أدعى أن هذه هى الحقيقة، وقد ذكرت انها ضمن الاجتهادات التى سعت إلى تقديم الحقيقة. وأشرت إلى أن المصادر الحقوقية المستقلة ليست لديها اختلافات جوهرية مع النتائج التى توصل إليها خبراء «ويكى ثورة». ولأن التحفظات كثيرة على بيانات وأرقام الأجهزة الأمنية التى تولت إعادة صياغة أحداث ومعلومات تلك المراحل خدمة للنظام وتبرئة لساحتها، فإن الباحث عن الحقيقة يظل فى حيرة من أمره. على الأقل فربما يصبح على يقين من ان دماء غزيرة قد سالت، لكنه يغدو متشككا فى هوية وطبيعة الأيدى التى تلوثت بدماء المصريين.

(٣)
سواء عبرت تلك المعلومات عن الحقيقة أو كانت قريبة منها، فإننا نصبح إزاء ملف متفجر يمكن ان يشكل نقطة تحول فى مسار الاستقرار السياسى والاجتماعى بمصر. وتجاهله أو التهوين من شأنه ان يشكل خطرا لو تعلمون عظيم. وقبل الانتقال إلى نقطة أخرى فى السياق أذكر بأن ذلك العدد الكبير من الضحايا يشمل الجنود والضباط إلى جانب الشريحة الواسعة من المدنيين. أذكر أيضا أن هوية الضحايا وانتماءاتهم ليست محل اعتبار فى الرصد، الذى عنى بتتبع الانتهاكات التى تعرض لها الإنسان المصرى بغض النظر عن أى انتماء له.

ان المرء لا يستطيع أن يخفى شعوره بالقلق حتى يقف على تلك المعلومات وتلج عليه الأسئلة التالية: ما الذى يمكن ان يفرزه أو يستنبته إغراق الفضاء المصرى بذلك الكم من الدماء والتشوهات؟ وما الذى يمكن ان تحدثه المرارات والثأرات فى محيط أهالى الضحايا وذويهم؟ وما هى الرسالة التى تبعث بها إلى الرأى العام فيما خص قيم التسامح والحلول السلمية واحترام الدستور والقانون؟

للأسف فإن مثل هذه الأسئلة لم تعد مطروحة فى مصر على الساحتين الثقافية فضلا عن السياسية. ذلك ان الخطاب التعبوى المهيمن مشغول طول الوقت بتصفية حسابات وصراعات الحاضر، دونما نظر إلى تداعيات المستقبل. وإزاء ذلك لا يسعنى إلا أن أذكر بأن مثل تلك الأجواء كانت بين أهم منابع العنف والإرهاب. فقد خرجت حركة التكفير التى قادها شكرى مصطفى فى ستينيات وسبعينيات القرن الماضى من زنازين السجون المصرية، كما أن حركة داعش كانت مولودا طبيعيا لوحشية وعنف النظام البعثى فى العراق، وقد تشكلت عمليا فى سجن «بوكا» الذى أقامه الأمريكيون فى جنوب العراق بعد احتلاله عام ٢٠٠٣ لقهر وإذلال عناصر المقاومة.

لا أبالغ إذا قلت إن الانتهاكات التى تعاقبت خلال السنوات الأربع الماضية أحدثت جرحا عميقا فى المجتمع المصرى، تراكمت فيه المرارات والأحقاد، التى لا ينبغى أن نستغرب تحولها إلى مخزون كبير للعنف الذى لا يعرف له شكل أو مدى. ولا سبيل لتجنب ذلك السيناريو الكئيب والمخيف إلا بمحاولة تطهير الجرح وتصفية مخزونه من المرارات والأحقاد والثأرات. ويعد إعلان الحقيقة مفتاحا أساسيا لإنجاح تلك المحاولة للتطهير المنشود.

(٤)
لا ننفرد بذلك التحدى. إذ سبقنا آخرون فى محاولة انجاز التطهير المنشود. فقد قامت بالمهمة محاكم حقوق الإنسان التى تشكلت فى اليونان فى سبعينيات القرن الماضى. وتصدت لها لجان تقصى الحقائق فى جنوب أمريكا اللاتينية (فى الأرجنتين عام ١٩٨٣ وشيلى عام ١٩٩٠) وفعلتها لجنة الحقيقة والانصاف التى تشكلت فى جنوب أفريقيا عام ١٩٩٥. ويعد تشكيل هيئة الانصاف والمصالحة بالمغرب عام ٢٠٠٤ النموذج الأحدث فى ذلك المسار.

التجربة المغربية تقدم نموذجا ليس فقط للسعى إلى محاولة إعلان الحقيقة فى الانتهاكات التى وقعت. ومن ثم انجاز المصالحة الوطنية المنشودة، ولكنها أيضا تكشف عن عمق العقبات التى قد تحول دون ذلك. وقد استفدت فى دراسة هذه التجربة من بحث أعده حول الموضوع الدكتور بلال العشرى أستاذ التعليم العالى فى جامعة محمد الخامس بالرباط، أثار فيه نقاطا عدة فى المقدمة منها ما يلى:

• إن الملك الحسن الثانى فى آخر سنوات حكمه أدرك أن المغرب بصدد مواجهة أزمة كبرى على الصعيدين الاقتصادى والسياسى. فاعترف بأن اقتصاد البلاد يوشك على الإصابة بـ«السكتة القلبية» على حد تعبيره. وفى الوقت ذاته فإن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التى كشفت عنها تقارير منظمة العفو الدولية كانت قد انفضح أمرها حتى شوهت صورة المغرب فى العالم الخارجى.

• لمواجهة الأزمة سعى الملك الراحل إلى محاولة إحداث انفراج نسبى يحسن صورة نظامه، فأصدر قرارا بأحداث المجلس الاستشارى لحقوق الإنسان فى عام ١٩٩٠. وأطلق سراح مئات المعتقلين الذين كانوا فى عداد المختفين فى العام الذى يليه، وأنشأ وزارة لحقوق الإنسان سنة ١٩٩٣ ثم أصدر فى العام التالى عفوا عاما عن المعتقلين السياسيين. كما اعترف فى حديث صحفى بوجود انتهاكات لحقوق الإنسان غلبت مصلحة أمن الدولة والنظام على أمن المواطنين والنشطاء السياسيين. واستكمل الملك المراحل خطواته تلك بتعيين السيد عبدالرحمان اليوسفى المعارض اليسارى الشهير رئيسا للوزراء عام ١٩٩٨.

• بعد وفاة الملك الحسن عام ١٩٩٩ وتولى ابنه الملك محمد السادس جرى الترويج لمفهوم جديد للسلطة وتمت إقالة وزير الداخلية الذى حمل بمسئولية الانتهاكات، وشكلت لجنة للنظر فى تعويض ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التى ظلت تعمل منذ عام عام ١٩٩٩ إلى عام ٢٠٠٣.

• هذا الجهد قوبل برفض من جانب المنظمات الحقوقية التى انتقدت الاكتفاء بمجرد تعويض الضحايا، وتجاهل كشف الحقيقة ومحاسبة المسئولين عن الانتهاكات والاعتذار عن وقوعها، مع إجراء إصلاحات قانونية وسياسية للحيلولة دون الرجوع إلى الماضى. وفى مواجهة هذه الضغوط جرى توسيع اختصاصات مجلس حقوق الإنسان لضمان استقلاله. وبناء على توصيته تم انشاء هيئة الانصاف والمصالحة للبحث فى الانتهاكات الجسيمة التى وقعت إبان حكم الملك الراحل (بين عامى ١٩٥٦ و١٩٩٩).

• باشرت الهيئة مهمتها طوال سنة، لكنها حصرت مهمتها فى تعويض بعض الضحايا، وعقدت جلسات استماع لعدد منهم، ولم تتطرق إلى كشف الحقائق ولا إلى محاسبة المسئولين ناهيك عن عدم اعتذارها عن ممارساتهم. حدث ذلك فى حين ظل الجهاز الأمنى على حاله لم يتغير فيه شىء، ولم تتخذ أى إصلاحات أو خطوات هيكلية تضمن عدم تكرار الانتهاكات مرة أخرى.

ما كشفت عنه الدراسة ان إعلان الحقيقة ليس أمرا هينا، لأنه يتطلب بيئة ديمقراطية ومناخا للحرية يوفر شجاعة الاعتراف بالحقائق ومحاسبة المسئولين عن الانتهاكات. وما لم يحدث ذلك فإن تطهير الجرح من عفونته ومراراته لن يتم، وستصبح المصالحة أملا بعيد المنال. الأمر الذى يوجه رسالة إلى الجميع خلاصتها ان الحرية والديمقراطية شرط لإعلان الحقيقة وأن الحقيقة شرط لإنجاز المصالحة. وما لم يتحقق ذلك فإن دماء الضحايا ستظل موزعة على كل القبائل السياسية والأمنية الفاعلة فى الساحة.

القسم: 
المصدر: 

فهمي هويدي يكتب: «جريمة» هذا الرجل

نشر فى : الإثنين 1 يونيو 2015 - 10:50 ص | آخر تحديث : الإثنين 1 يونيو 2015 - 11:01 ص

ما هى بالضبط الجريمة التى ارتكبها الفريق أحمد شفيق؟ ــ قبل أى كلام فى الموضوع أسجل أننى لست من مؤيديه، ولا تربطنى به أى علاقة، ولم يسبق لى أن التقيت به إلا مرة واحدة بالقاهرة على حفل عشاء بحضور آخرين. وسؤالى عن «جريمته» ليس استنكاريا، ولكنه استفهامى بالدرجة الأولى، ذلك أن المعلومات التى نشرتها جريدة «الشروق» عنه، فى عناوين احتلت رأس الصفحة الأولى، أعطت انطباعا بأن الرجل ضالع فى «مؤامرة» أقلقت النظام القائم فى مصر. الأمر الذى اقتضى تحذيره ومطالبته بأن «يلزم حدوده». وكان محيرا ولايزال يفترض أن يمارس تلك الأنشطة من مقر إقامته بدولة الإمارات، التى تستضيفه منذ عام ٢٠١٢، فى حين أنها الآن على رأس الدول الداعمة للرئيس السيسى ونظامه. ولو أنه كان مقيما فى دولة أخرى لفهمنا ولكانت «الحبكة» أكثر قبولا فى القصة.

معلومات الموضوع انفردت بها جريدة «الشروق» فى تقرير نشرته يوم ٢٥ مايو للزميلة دينا عزت، ثم أكده وأضاف إليه معلومات أخرى زميلنا عماد الدين حسين رئيس التحرير. والاثنان اعتمدا على ما يوصف بأنه مصادر «سيادية»، وهو الاسم الكودى للأجهزة الأمنية المصرية، والمعلومات التى وردت فيما كتبه الزميلان لم تكذب ولم يعلق عليها أحد. الأمر الذى يعد قرينة على صحتها.

فى التقرير الأول الذى نشر فى ٢٥/٥ إشارة واضحة إلى أن الفريق شفق يقوم من خلال عناصر معينة بأنشطة استهدفت البقاء على الساحة السياسية فى مصر، وأن تحركاته هذه تهدف إلى زعزعة شرعية الرئيس عبدالفتاح السيسى، وقد وجهت إليه رسالة صريحة باستحالة عودته ليلعب أى دور سياسى فى المرحلة القادمة.

يوم ٢٨ مايو تحدث الأستاذ عماد حسين فى زاويته اليومية عن أن ملصقات ظهرت فى بعض شوارع القاهرة أخيرا تبنتها حملة باسم «أنت الرئيس» طالبت بعودة الفريق شفيق. ووصف اسم الحملة وفعلها بأنه تجاوز للخطوط الحمراء، وذكر أن أعضاء فى حزبه طالبوا الرجل بأن يصدر بيانا يرفض فيه ممارسات تلك الحملة، إلا أنه رفض إصدار النفى. وفى حين ذكر أن اسم الفريق شفيق لايزال مدرجا على قوائم ترقب الوصول فى مطار القاهرة، وأبدى استغرابه لذلك، فإنه كشف عن أن حزب شفيق قام بتوسيط أحد السياسيين الذى فاتح أحد أركان الحكم فى إنهاء الأزمة وتلقى ردا من شقين: الأول أن الأمر بيد القضاء، والثانى أن عودة شفيق قبل الانتخابات النيابية غير مستحبة. وفى تبرير ذلك رجح أن الحكومة الحالية لا تود أن ترى شفيق رمزا انتخابيا، حتى لا يظن أن عصر مبارك قد عاد مرة أخرى. وهى الخلفية التى كانت وراء عدم الترحيب بترشح أحمد عز القيادى السابق فى الحزب الوطنى.

يوم ٢٩ مايو كتب عماد حسين تقريرا تصدر الصفحة الأولى تحدث فيه عن دور قام به أحد رجال الأعمال المصريين لتشكيل تكتل لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة. وقال ان صاحبنا هذا الذى يحمل الجنسية الأمريكية وغادر يوم الاثنين الماضى ٢٥/٥، أقام فى أحد طوابق فندق كبير فى قلب القاهرة، وسعى إلى تشكيل نواة صلبة من عشرين شخصية عامة تتولى ترشيح القائمة الانتخابية. وسيتولى تمويل الحملة نفر من رجال الأعمال المصريين الذين يقيمون بالخارج عموما وفى دولة الإمارات خصوصا.

المعلومات التى نشرت خلال الأيام الثلاثة تطرح علينا ثلاثة سيناريوهات لمشكلة الفريق شفيق هى: أن الرجل يتصور أن له حقا فى رئاسة الجمهورية التى جرت انتخاباتها فى عام ٢٠١٢ وأعلن فيها فوز الدكتور محمد مرسى ــ وأن له ملفا أمام القضاء لم يحسم أمره بعد ــ وأنه يسعى لتشكيل تكتل من الشخصيات العامة، يخوض به الانتخابات البرلمانية القادمة.

الادعاء الأول يتعذر أن يأخذه المرء على محمل الجد، ذلك أننا لا نعرف أن للرجل تاريخا فى السياسة أو أن له قاعدة شعبية خارج حدود نطاق الخاص. أما الادعاء الثانى إذا صح فأمره موكول إلى القضاء، وفى أسوأ فروضه فإنه لا علاقة له بزعزعة النظام أو استقراره. بقى الاحتمال الثالث المتمثل فى سعيه لإقامة تكتل من الشخصيات العامة لخوض الانتخابات القادمة. وهو ما قد لا يستريح له البعض لسبب أو آخر. لكنه لا يشكل مخالفة للقانون ولا تجاوزا لأية خطوط حمراء، والقول بأن ظهوره قد يوحى بعودة نظام مبارك يتعذر أن يحمل على محمل الجد بدوره، لأن النظام عاد بالفعل (بصورة أكثر شراسة أمنيا على الأقل) وتمت تبرئة أركانه، بحيث لم يعد الانتماء إليه تهمة فضلا عن أن يكون جريمة. وبالمناسبة فإن وزير العدل الجديد كان من رجال مبارك وخصوم الثورة.

إذا كنا نتحدث عن القيم الديمقراطية فإن سعى الرجل لتشكيل تكتل يخوض به الانتخابات القادمة يظل عملا مشروعا، رغم أننى لن أصوت له. أما غير المشروع فأن يمنع من ممارسة ذلك الحق لأن الرئيس السيسى دعا الأحزاب إلى تشكيل قائمة موحدة، وان يعتبر أى جهد يبذل خارج ذلك الإطار مرفوضا ومصنفا بحسبانه تجاوزا للخطوط الحمراء.

أكرر أنه ليس لدى أى دفاع عن الرجل ومشروعه إن وجد، لكن دفاعى الأصلى عن الدستور والقانون، وعن حق الناس فى الاختيار. أخيرا وعلى الهامش فإننى لا أستطيع أن أخفى دهشة إزاء تضخيم الموضوع والمبالغة فى التهديد الذى يمثله، لأن المصادر التى أطلقت الفرقعة جعلت من الحبة قبة كما يقال، فبدت أضعف مما نتصور وأعطت الرجل حجما ووزنا أكبر مما يتوقع.

روابط متعلقة:

الدولة ترد على تحركات شفيق «المريبة»: إنسى

عماد الدين حسين يكتب: ماذا سيفعل شفيق إذا عاد؟

أسرار جديدة عن اجتماعات «تحالف شفيق» في الدور 27 بـ «رمسيس هيلتون»

القسم: 
المصدر: 

فهمي هويدي يكتب: أوجاعنا فى نشرة الأخبار

نشر فى : الأحد 31 مايو 2015 - 8:30 ص | آخر تحديث : الأحد 31 مايو 2015 - 8:30 ص

بعض عناوين أخبار يوم الجمعة ٢٨/٥ مما يقف فى الحلق ويصعب بلعه، والبعض الآخر يورث الهم ويرفع الضغط. سأقتصر على ذكر أربعة فقط من تلك الأخبار، من باب الحرص على صحة القارئ، ومعنوياته. أول تلك الأخبار تمثل فيما نشرته الصحف المصرية عن اللقاءات التى أجراها فى القاهرة ليون بانيتا الذى أبرزت الصحف المصرية صفته كوزير سابق للدفاع فى الولايات المتحدة. إذ اجتمع والوفد المرافق له مع الرئيس عبدالفتاح السيسى ومع وزيرى الدفاع والداخلية. وطبقا لتصريحات السفير علاء يوسف المتحدث باسم الرئاسة فإن الرئىس أشاد بالعلاقات الاستراتيجية بين القاهرة وواشنطن، ونوه إلى أهمية تنمية تلك العلاقات خصوصا فى شقها العسكرى. فى حين ان بانيتا أكد على أن مصر تعد شريكا استراتيجيا للولايات المتحدة فى المنطقة، ويتعين التعامل معها بشكل وثيق من خلال تقديم مختلف صور الدعم التى تحفظ أمنها واستقرارها، لاسيما أن المنطقة تشهد تطورات غير مسبوقة. وعلى عهدة جريدة الأهرام فإن الضيف الأمريكى فى لقاءاته الأخرى أشاد بدور القوات المسلحة المصرية فى دعم استقرار الشرق الأوسط، كما أشاد بالدور الذى تقوم به وزارة الداخلية فى مكافحة الإرهاب.

لا يستطيع المرء أن يمرر الحفاوة بالرجل والتصريحات الدالة على عمق الشركة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والثناء على دور القوات المسلحة ووزارة الداخلية دون ان يقارن تلك الأجواء ويستعرض شريط عناوين العلاقات بين البلدين التى يروج لها الإعلام المصرى. ذلك ان الانطباع الذى يجرى تسويقه فى الداخل حينا بعد آخر كل ان الولايات المتحدة لم توقف مؤامراتها على مصر، وأنها منحازة إلى الإخوان وتسعى لإعادة حكم الدكتور محمد مرسى. وان الأخونة لم تخترق المؤسسات الأمريكية فحسب، ولكنها طالت البيت الأبيض ذاته. إلى غير ذلك من الانطباعات التى تقف على النقيض تماما من التصريحات الوردية التى احتفت بشهر العسل الحاصل بين البلدين. وعلى هامش تلك المقارنة فإن المرء لا تفوته ملاحظة ان الإعلام المصرى أبرز فى العناوين أن الرجل كان وزيرا للدفاع، وهى صفة لا تذكر كثيرا فى سجله، وأخفى فى التفاصيل دوره الأهم كرئيس للمخابرات المركزية يفترض حيث لا يمكن ان يكون بعيدا عن أجواء المؤامرات التى قيل إن واشنطن حاكتها ضد مصر، وللعلم فإن اكتشاف مقر بن لادن وتصفيته تم فى عهده، وله كتاب أخير عن أدواره التى قام بها صدر تحت عنوان «حروب تستحق المجازفة».

خذ أيضا الخبر الذى نشرته جريدة الأهرام فى نفس اليوم تحت عنوان: إسرائيل غير قلقة من امتلاك مصر صواريخ روسية. جوهر الخبر كان تصريحا صدر عن قائد سلاح الجو الإسرائيلى عامير ايشيل تعليقا على المخاوف التى عبر عنها البعض فى إسرائيل إزاء احتمال حصول مصر على الصواريخ الروسية إس ٣٠٠، وهو النظام الذى ذكرت وكالة رويترز انه يمثل تحديا للقوة الجوية الإسرائيلية. ذلك ان الجنرال ايشيل حين سأله عن ذلك بعض الصحفيين فكان رده: هل تمزحون معى؟ فنحن فى سلام معهم، وعلاقتنا بهم مختلفة تماما عن إيران!

لم يعبر الرجل عن ذرة قلق من احتمال تحدى مصر للقوة الجوية الإسرائيلية، واعتبر طرح السؤال عن ذلك الاحتمال نوعا من الهزار الذى لا يمكن ان يؤخذ على محمل الجد من أى باب.

ليس بعيدا عن ذلك الخبر الموجع ما عبر به رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو فى حديثه إلى الصحفيين الإسرائيليين فى اليوم ذاته ــ الجمعة ــ حين تطرق إلى مبادرة السلام العربية المطروحة منذ عام ٢٠٠٢، والتى لايزال المسئولون السعوديون يتحدثون عنها. فقد قال انه يرفضها لأن التطورات تجازوتها، وشرح وجهة نظره قائلا ان إسرائيل تقف الآن مع دول الخليج وبعض الدول العربية فى الشعور بالقلق إزاء البرنامج النووى الإيرانى، والنشاط الذى تقوم به طهران فى المنطقة، وذكر أنه يفكر منذ مدة ويدرس إمكانية دعم الدول العربية ودفع عملية السلام وتحقيق الأمن الإقليمى. وأشار فى هذا الصدد إلى أن ذلك التعاون على الصعيدين الفلسطينى والإقليمى بات أمرا مرغوبا ويستحق العمل لأجله.

كما رأيت فإن السيد نتنياهو لم يعد يرى مشكلة فى فلسطين وأصبح يتطلع ــ فى آخر الزمان ــ إلى إقامة شراكة مع الدول العربية لدعم الاستقرار والتنمية فى الضفة وغزة، والأهم من ذلك من وجهة نظره لمواجهة التطلعات والتمددات الإيرانية فى العالم العربى.

الصفعة الرابعة التى تلقيناها يوم الجمعة جاءتنا من زيوريخ، ومن السيد جبريل الرجوب القيادى الفلسطينى ورئيس الاتحاد الفلسطينى لكرة القدم. ذلك أن الخطاب الفلسطينى طوال الأسابيع الماضية ظل يعبئ الرأى العام مروجا لفكرة مطالبة الجمعية العمومية للفيفا بتجميد عضوية إسرائيل فى الاتحاد الدولى لكرة القدم (الفيفا) إذ ان إسرائيل متهمة باتباع سياسة تعسفية إزاء اللاعبين الفلسطينيين وأنديتهم إلى جانب مشاركة المستوطنات المقامة على الأراضى المحتلة فى الدورى الإسرائيلى. ورغم أن الاقتراح الفلسطينى لقى تأييدا من جانب أغلب الدول المشاركة فى الفيفا، إلا أن السيد الرجوب أعلن سحب الطلب، بدعوى أنه تلقى اتصالات من اتحادات عدة دعته إلى العدول عن ذلك الموقف لإفساح المجال أمام جهود أخرى من خلال اللجنة القانونية بالأمم المتحدة لحل المشكلات العالقة. وانتهى الأمر بإفلات إسرائيل من العقوبة، ومصافحة المندوبين الفلسطينى والإسرائيلى، وكأن شيئا لم يكن! وهو ذات المشهد الذى يذكرنا بعدول السلطة الفلسطينية عن طلب مناقشة تقرير القاضى جولدستون الذى أثبت جرائم الحرب الإسرائيلية أمام مجلس حقوق الإنسان فى جينيف عام ٢٠٠٩.

إن الصفعات الموجعة تنهال على وجوهنا من كل صوب!

القسم: 
المصدر: 

فهمى هويدى يكتب: التصعيد ليس حلا

نشر فى : السبت 30 مايو 2015 - 9:10 ص | آخر تحديث : السبت 30 مايو 2015 - 9:10 ص

حين شغل المصريون بالارتفاع الاستثنائى فى درجة حرارة الطقس خلال الأسبوع الماضى، فإن كثيرين لم ينتبهوا إلى أن ذلك توازى مع تصعيد غير مألوف فى لغة الخطاب الإعلامى.

ورغم أن «التسخين» يعد قاسما مشتركا بين الحالتين إلا أن هناك تمايزا يجعل القلق والتوجس من التسخين الإعلامى أكبر. ذلك أن الارتفاع فى درجة حرارة الجو يظل قدرا مكتوبا، وموجة عارضة ثم إنه مقدور عليه فى نهاية المطاف ووسائل تجنبه أو التخفيف من أثره فى متناول الجميع. ناهيك أن المعاناة فى هذه الحالة تشمل الجميع، بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال.

أما التصعيد فى لغة الخطاب الإعلامى فهو مختلف تماما فى آفاقه وأجله. فهو اختيار وليس قدرا ثم إنه ليس أمرا عارضا وإنما هو تعبير من توجه سياسى مسكون بالإنذار والوعيد وبما هو أكثر من ذلك. ثم إنه موجه ضد جزء من المجتمع وليس كله. والذين يوجه إليهم الخطاب يخيرون بين الانصياع والامتثال أو الاشتباك الذى لا تؤمن عواقبه وقد لا تحتمل كلفته.

فى الأسبوع الماضى سمعت بأذنى أربعة من مقدمى البرامج التليفزيونية يصفون الناقدين للأوضاع الراهنة بأنهم خونة وعملاء يدعون إلى إسقاط الدولة ويعادون الجيش والشرطة. وهى أوصاف جرى تعميمها دون أى تحفظ أو استثناء. ليس ذلك فحسب، وإنما ترددت فى أحاديثهم ومواعظهم عبارات صريحة ذكرت أن هؤلاء الذين ينتقدون ليس لهم مكان فى مصر. وإذا لم يعجبهم الحال فعليهم أن يغادروا، وقد استخدم أحدهم وصفا أكثر صراحة، حيث دعاهم لأن «يغوروا» بعيدا عنها، وهى كلمة مقابلة لمصطلح «فى ستين داهية»!

هذه اللغة جديدة فى الخطاب الإعلامى. لأننا لم نسمع خلال العام الأخير وصفا للناقدين والمعارضين بأنهم «خونة»، ولم يسبق أن دعوا إلى مغادرة البلاد وأن «يغوروا» بعيدا عنا. وفى حدود علمى فإن الرد الذى كان أكثر شيوعا فى مواجهة الناقدين أو المتحفظين كان ينبههم إلى أن الحاصل أيا كان الرأى فيه، فإننا ينبغى أن نحمد الله ونشكره على أن حالنا يظل أفضل مما جرى فى سوريا أو العراق أو ليبيا. ومن ثم فإننا نصبح بإزاء «قضاء» هو أخف كثيرا من أى قضاء آخر حل بغيرنا فى عالمنا العربى.

هذه اللغة التحذيرية التى تلوح بالعين الحمراء كان لها صداها فى بعض الكتابات التى نشرتها عدة صحف. مع فرق أساسى هو أن بعض الصحف احتملت آراء أخرى مقابلة فى حين قنوات التليفزيون مغلقة تماما أمام الرأى الآخر.

هذه الملاحظات إذا صحت فإنها تثير أسئلة عدة منها مثلا: عما يعبر هؤلاء؟ ولماذا التركيز على قنوات التليفزيون فى تعميم حملة التحذير والتخويف؟ وهل هى مصادفة أن تطلق تلك الأصوات فى وقت واحد مروجه للأفكار ذاتها؟ وهل هناك علاقة بين تسريب تقرير جهاز الأمن الوطنى فى الأسبوع الذى سبقه مباشرة الذى حذر من مؤامرة ضد النظام ودعا إلى تشديد القبضة الأمنية وإظهار «العين الحمراء» للجميع مع التوسع فى ملاحقة النشطاء؟ وما علاقة كل ذلك باقتراب مناسبة مرور عام على انتخاب الرئيس السيسى (فى ٣ يونيو ٢٠١٣)، الأمر الذى يفتح الأبواب لعملية الجرد وتقييم ما جرى خلال العام؟

لا أخفى أن الذى دعانى إلى التشكيك فى براءة حملة التخويف والإنذار التى قادها مقدمو بعض البرامج التليفزيونية عدة أمور. منها أن التنسيق بين المؤسسة الأمنية وإدارات التوجيه المعنوى وبين أغلب مقدمى البرامج التليفزيونية لم يعد سرا، وقد كشفته وأثبتته بعض التسريبات التى رآها الجميع. منها أيضا أن الكلام خطير ويتجاوز السقف الذى يتحرك فى حدوده الإعلامى العادى، وحين يتردد الكلام ذاته على أكثر من قناة فى توقيت متقارب فإن احتمال المصادفة فى ذلك التتابع يصبح مستبعدا. منها كذلك أن تلك الحملة أطلقت بعد أيام قليلة من نشر خلاصة تقرير جهاز الأمن الوطنى الذى سبقت الإشارة إليه. منها أيضا أن تحذير الناقدين وتخويفهم جاء بعد تعالى تلك النبرة فى بعض الكتابات، إضافة إلى تململ كثيرين من ثقل الأعباء المعيشية فى ظل تنامى مؤشرات الغلاء واستمرار الركود الاقتصادى.

لا أظن أن عاقلا تصور أن مشكلات الواقع المصرى يمكن أن تحل خلال عام أو اثنين أو ثلاثة، لكننى أفرق بين حل المشكلات وبين الثقة فى إمكان إنجاز ذلك الحل يوما ما. ومن الواضح أن هناك تعويلا كبيرا على القبضة الأمنية وعلى الإعلام التعبوى فى محاولة تعزيز تلك الثقة. إلا أن ذلك ليس كافيا لأن الممارسات التى يلمسها الناس هى التى تزرع الثقة أو تبددها. وبعض تلك الممارسات يسحب من رصيد الثقة ولا يضيف إليه. ورغم الجهد الذى يبذله الإعلام التعبوى فى إشاعة التفاؤل فإن مختلف الأدلة والقرائن تشير إلى أن الأمل فى الانفراج السياسى والاقتصادى لايزال بعيد المنال. إذا سألتنى ما العمل إذن؟ فردى أن غموض الإرادة السياسية هو المشكلة، لأننا حائرون بين الرغبة فى تصديق ما يقال، والتعجب مما يحدث على الأرض. وتلك حيرة تثير من الخوف بأكثر مما تحيى من الأمل.

 

القسم: 
المصدر: 

للتجمل أم للتصدير؟


نشر فى :
الخميس 28 مايو 2015 - 9:50 ص
| آخر تحديث :
الخميس 28 مايو 2015 - 9:50 ص

كلام الجرائد المصرية حمل إلينا أكثر من بشارة هذا الأسبوع. فقد أصدر مؤتمر وزارة الأوقاف وثيقة وطنية لتجديد الخطاب الدينى ونبذ العنف، أهديت إلى الرئيس عبدالفتاح السيسى من باب الأعذار وإبراء الذمة. وقبل ذلك بأيام معدودة عقد مؤتمر وزراء الإعلام العرب اجتماعا نوقشت فيه قضايا نشر التسامح والاعتدال الفكرى والتعبئة لمواجهة الإرهاب. وبإصدار الوثيقة وقبلها توصيات مؤتمر وزراء الإعلام، نكون قد عالجنا أهم مصادر الصداع والتوتر التى تعانى منها مصر والعالم العربى، وعلى من يشك فى ذلك ان يراجع نص الوثيقة وقائمة التوصيات، وسيتأكد بنفسه فى هذه الحالة ان النصوص واضحة وقاطعة فى السعى لحل الإشكال الذى استنزف طاقات الأمة بقدر ما أنه فضح الإسلام والمسلمين وأساء إليهما ايما إساءة.

أيا كان رأيك فى هذا الكلام، فالذى لاشك فيه أن الذين عصروا أذهانهم وأجهدوا أنفسهم فى المناقشات وفى محاولة تدبيج الوثيقة وصياغة التوصيات كانوا جادين فى محاولة إخراج أفصح وأوفى كلام ممكن فى الموضوع. ولست أشك فى أن الذين أعدوا الوثيقة استفادوا من تلال البيانات والأوراق وحصيلة المناقشات التى شهدتها مصر منذ بداية العام، حين أطلق الرئيس السيسى دعوته إلى التجديد والثورة الدينية فى كلمته التى وجهها إلى علماء الأزهر والمصريين فى اليوم الأول من شهر يناير الماضى. وطوال الأشهر الخمسة التالية وسرادق التجديد منصوب ومنصته مفتوحة لكل من هب ودب من المفتين والمزايدين والمتصيدين، إلى أن أقام وزير الأوقاف مهرجانه الذى انتهى بالوثيقة التى اعتبرها إسهاما فى حل الجمود الفكرى والإرهاب والتطرف.

ما فعله وزراء الإعلام العرب لم يذهب بعيدا فى منطلقاته. ذلك انهم عالجوا القضايا المعقدة المطروحة عليهم من خلال بيان أبرأوا به ذمتهم، بعدما أصبح العلاج مشكلة لغوية يستعرض فيها الكاتبون فصاحتهم ومهارتهم فى الانشاء والبيان.

حل مشكلة الجمود والتطرف والإرهاب وإشاعة التسامح والاعتدال من خلال وثيقة أو بيان يتضمن بعض التوصيات هو نموذج للتبسيط والتسطيح الذى تواجه به البيروقراطية الملفات المعقدة. إذ تعمد إلى معالجة مشكلاتها بأسلوب بيانات سد الخانة التى يراد بها التجمل وإبراء الذمة، بحيث يتوقف «الانجاز» عند حدود النشر فى الصحف والبث التليفزيونى. وفى هذه الحالة فإن جوهر المشكلات يظل كما هو لأن المهرجانات الإعلامية لا تتيح فرصة الغوص فى أعماقها أو تجرى جذورها.

لا أبالغ إذا قلت إن ما سبق كان نوعا من الثرثرة فى الموضوع، وان الكلام المهم والجاد صدر عن الرئيس عبدالفتاح السيسى فى كلمته أمام مؤتمر «دافوس» الذى عقد فى الأردن يوم ٢٢ مايو الحالى. ذلك انه أورد فقرة لم تبرزها وسائل الإعلام المصرية قال فيها ما نصه: إن الجمود الفكرى الناجم عن التطرف والغلو الدينى أو المذهبى تزداد حدته جراء اليأس والإحباط وتراجع قيم العدالة بمختلف صورها. وبالتالى فإن جهودنا للقضاء على التطرف والإرهاب لابد أن تتواكب معها مساع نحو مستقبل تملؤه الحرية والمساواة والتعددية، ويخلو من القهر والظلم والإقصاء. لكن تلك المساعى لا يمكن أن تكتمل دون أن تمضى بالتوازى معها خطط مدروسة للقضاء على الفقر تجسد الشق الآخر للحقوق الأساسية للإنسان فى منطقتنا.

هذا الكلام يفاجئنا من أكثر من زاوية. من ناحية لأنه لم يعمد إلى التعامل الإنشائى واللغوى الذى يكتفى بالتنديد بالجمود والإرهاب وإعلان البراءة منه. لكنه انطلق من تحليل اجتماعى عميق ركز على البيئة التى تنشأ فيها تلك السلبيات، بما فيها من إحباط وظلم وقهر يستلزم إحياء لقيم الحرية والعدل واحترام حقوق الإنسان.

من ناحية ثانية لأن ذلك الكلام الرصين أطلق من على منبر محفل دولى صار يؤدى دورا مهما فى السياسات العالمية. والذين استمعوا إليه كانوا نخبة متميزة أغلبهم من الأجانب، الذين لا أشك فى أنهم رحبوا به وصفقوا له، لأنه يعد أفضل ما يمكن أن يقال فى مواجهة الجمود والإرهاب والتطرف.

من ناحية ثالثة فإنه اعتبر تلك المواجهة ليست مسئولية وزارة أو جهة بذاتها وإنما هى مسئولية السياسات العامة للدول، فى التزامها الضرورى بالحرية والمساواة والتعددية والعدل الاجتماعى واحترام حقوق الإنسان، مع نبذها للقهر والظلم والاقصاء.

من ناحية رابعة فإن هذا الكلام الذى يمثل إطارا لخطة عمل ناجحة وبداية لصفحة جديدة فى نهج التعامل مع الجمود والإرهاب والتطرف لا نكاد نلمس له أثرا فى السياسة المصرية الراهنة. بل ان ما دعا إليه الرئيس أمام مستمعيه الأجانب هو ذاته موضوع الخلاف الأساسى بين الوطنيين المصريين والمستقلين وفى المقدمة منهم النشطاء الحقوقيون وبين النظام القائم. وهو ما يسوغ لى أن أقول إن غاية مرادنا الآن ان يطبق الرئيس السيسى ما دعا إليه الرئيس السيسى من فوق منبر «دافوس» بالأردن، كى لا يعد كلامه استهلاكيا وللتصدير فقط.

القسم: 
المصدر: 

فهمى هويدى يكتب: للشعوب رب يحميها

نشر فى : الأربعاء 27 مايو 2015 - 9:45 ص | آخر تحديث : الأربعاء 27 مايو 2015 - 9:45 ص

يفترض أن يكون اجتماع رؤساء أركان الجيوش العربية فى القاهرة حدثا له رنينه الذى يثير درجات متفاوتة من الاهتمام والترقب ــ على الأقل فإن جيلنا يختزن ذكريات تحثه على تهيب اللقاء وأخذه على محمل الجد، باعتباره مؤشرا ينبئ بأن الساحة العربية مقبلة على تطور مهم.

لكن ظهور أولئك الجنرالات فى الصور هذا الأسبوع لم يكن له صدى يذكر فى مختلف الأوساط، حيث لم يستوقف أحدا، وكان الإقبال على مطالعة الصور والتفرس فى الوجوه أكثر من الاهتمام بمتابعة الكلام، لأنها ذكرت الناس بأن ثمة جيوشا عربية لا تزال موجودة على الأرض، وأن على رأس تلك الجيوش رتبا رفيعة ورجالاً يحملون ألقابا طنانة، ويتحركون فى مواكب مهيبة. ورغم أن أحدا لم يلمس أثرا إيجابيا لجهودهم، ولم يستطع أن يجد إجابة شافية ومقنعة على السؤال: ماذا يفعلون؟

منذ حرب عام ١٩٧٣ ضد إسرائيل لم نسمع شيئا عن معركة خاضتها الجيوش العربية ولا عن اجتماع لرؤساء الأركان العرب حتى شحبت صورهم فى الذاكرة بمضى الوقت. إذ ظل الحضور الأقوى لأجهزة الأمن والشرطة. وفى أحيان كثيرة انضمت الجيوش إلى أجهزة الأمن الداخلى، حتى بدا أن أداءها مقصور على مواجهة خصوم السلطة وجماعات المعارضة الداخلية (سوريا والعراق والجزائر مثلا، ولا ننسى أن الجيش اليمنى الآن بموالاته للرئيس السابق على عبدالله صالح أصبح أداة فى يد انقلاب الحوثيين).

لقد نقل الرئيس الأسبق أنور السادات قوله عن حرب عام ١٩٧٣ إنها آخر الحروب. وقد تحققت تلك النبوءة بالنسبة للجيوش العربية فقط، التى لم تدخل فى مواجهة ضد إسرائيل منذ ذلك الحين. بل لا يكاد الباحث يجد إشارة إلى احتمالات تلك المواجهة فى خطاب رؤساء الأركان العرب. وحين تطرق بعضهم إلى احتمالات المواجهة فإن أحاديثهم كانت صريحة فى أن العدو المقصود هو «الإرهاب».

تلك كانت ملاحظة أولى على اجتماع رؤساء الأركان العرب فى القاهرة هذا الأسبوع. الملاحظة الثانية أن الجيوش العربية التى لم تخض معركة حقيقية منذ عام ١٩٧٣ (أى منذ ٤٥ عاما) تراجعت كفاءتها إلى حد كبير، حتى إن بعضها صار ينهزم ويفر أمام الجماعات المسلحة، كما حدث فى الرمادى بالعراق، وفى أدلب وجسر الشغور فى سوريا. وحين دخلت بعض تلك الجيوش فى مواجهات مع الجماعات الإرهابية، فإنها لم تنجح فى القضاء عليها، وهو الحاصل فى دول عربية أخرى.

الملاحظة الثالثة إنه فى حين خرجت الجيوش العربية من ساحة المواجهة مع العدو محتلا كان أم غازيا، فإن المجموعات المسلحة هى التى تولت المهمة وحققت نجاحا فيها، وهو ما فعله حزب الله فى لبنان، وما فعلته حماس والجهاد الإسلامى والقوى الوطنية فى غزة، وما قامت به فصائل المقاومة ضد الأمريكيين فى العراق، وها نحن نجد المقاومة الشعبية فى اليمن هى التى تتولى صد تمدد الحوثيين.

 

بقيت عندى ملاحظات أخرى تتعلق بموضوع القوة العربية التى اجتمع رؤساء الأركان العرب لتشكيلها قبل نهاية شهر يونيو المقبل، طبقا لقرار القمة العربية فى شرم الشيخ. هذه الملاحظات تتلخص فيما يلى:
ستكون مفارقة لا ريب أن تتولى القواعد العسكرية الغربية تأمين، وحراسة مصالحها المفترضة فى كل الدول العربية المهمة، من الناحيتين الاستراتيجية أو الاقتصادية والنفطية، وفى الوقت ذاته تشكل قوة مسلحة عربية، لا يعرف بالضبط الهدف من وراء إنشائها.

تشكيل القوة العربية وتشكيل مجلس أعلى للدفاع يفترض اتفاقا حول العدو وحول الأهداف الاستراتيجية. وحين ذكر أن المشاركة فى تلك القوة اختيارية، فذلك يعنى أن ذلك الاتفاق ليس قائما، وأن الدول التى ستشارك فيها ستحدد موقفها فى ضوء مصالحها وحساباتها الخاصة. فقد تستشعر مصر أنها بحاجة إلى غطاء لتدخلها فى ليبيا، وقد تجد السعودية أن تدخلها فى اليمن يحتاج بدوره إلى غطاء. وقد تتردد الدولتان فى المشاركة فى التحالف المناهض لتمدد تعظيم الدولة الإسلامية (داعش) فى سوريا والعراق. والشىء المؤكد أن مشروع القوة العربية لا علاقة له بالقضية، التى كانت مركزية يوما ما، حيث لم يشر إلى إسرائيل من قريب أو بعيد فى التصريحات والأدبيات ذات الصلة بالمشروع

اتصالا بما سبق، لا مفر من الاعتراف بأن العالم العربى مختلف الآن حول العدو الذى يتعين عليه أن يواجهه، وهل هو إسرائيل أم إيران أم أنه تآمر الأمريكان والغرب، وتلك مسألة فارقة، لأنه فى غياب الاتفاق عليها يبدو الكلام عن القوى العربية مجرد غطاء لتصفية حسابات ضيقة لبعض الأنظمة، لا علاقة له بالمصالح العليا للأمة العربية.

مشروع القوة العربية بصورته تلك إذا أضيف إلى التفاعل الحاصل والمنتظم بين وزراء الداخلية العرب، فإنه يبعث إلى الجميع برسالة خلاصتها أن العمل العربى المشترك بات محصورا على الدفاع عن الأنظمة وأمنها، وأن مصالح الشعوب وتطلعاتها فى التقدم والنمو والحرية والعدل لم تعد مدرجة على جدول الأعمال. وعلى الشعوب أن تدبر حالها من باب آخر.

 

القسم: 
المصدر: 

الحقيقة قبل الإنصاف والمصالحة


نشر فى :
الثلاثاء 26 مايو 2015 - 9:20 ص
| آخر تحديث :
الثلاثاء 26 مايو 2015 - 9:20 ص

-أزمة مصر أعقد مما نتصور. ذلك انه لا أمل فى أى مصالحة أو اصطفاف وطنى ثابت الأركان قبل التعرف على الحقائق كما هى، وتلك عقدة لا سبيل إلى حلها فى الوقت الراهن.

(١)

قال بيان اتحاد طلاب هندسة عين شمس ان الطالب إسلام عطيتو اختطف من على باب الكلية وأن الداخلية قتلته. وقال بيان الداخلية ان الطالب ضبط فى وكر وتبادل إطلاق النار مع الشرطة التى ردت بقتله. وقدم الطلاب أدلتهم التى أثبتت أن الطالب أدى الامتحان واختفى بعد خروجه من باب الكلية. كما ان الداخلية استندت إلى التحقيقات فى إثبات وجهة

نظرها. وفى أجواء الاستقطاب الراهنة، تضامن البعض مع طلاب هندسة عين شمس، ودافع آخرون عن موقف الداخلية. وفى حين عكست وسائل الإعلام ذلك الانقسام، فإنه لم يتح لنا أن نعرف الحقيقة بالضبط، ومن خبراتنا السابقة فإن الحقيقة ستظل تائهة حتى ينساها الناس بمرور الوقت. شىء قريب من ذلك حدث فى حادث قتل شيماء الصباغ، التى كان حظها

أفضل بصورة نسبية، لأن المشاركين فى مسيرة ذكرى ٢٥ يناير التى خرجت فيها شاهدوا قتلها بواسطة خرطوش الشرطة. ومن ثم كان من الصعب اللعب فى أدلة القضية. ولترهيبهم فإن الشهود تحولوا إلى متهمين، ولم تتم تبرئتهم إلا بعد نحو أربعة أشهر، ولم يعرف مصير الضابط المتهم بقتلها.

ما حدث مع إسلام وشيماء نموذج لآلاف الحالات المماثلة التى شهدتها مصر بعد ثورة ٢٠١١. ذلك ان أحدا لم يعرف من الذى قتل ثوار يناير من ذلك العام. كما لم يعرف من المسئول عما جرى فى أحداث ماسبيرو أو فى فض الاعتصامات وصولا إلى قتلى قسم شرطة المطرية وقسم المنصورة أو استاد بورسعيد والدفاع الجوى، مرورا بقتل رجال الجيش والشرطة فى

سيناء وواحة الفرافرة.

ورغم أننا لم نعرف من المسئول عما أصاب شباب الثورة فى عام ٢٠١١ أو حقيقة ما أسفرت عنه المظاهرات والأحداث التى تلت ذلك التاريخ. إلا أن الذى نعرفه ثلاثة أمور. الأول ان التراكم أوصل المجتمع المصرى إلى درجة مقلقة من الاحتقان. الثانى أن العنف لم يتوقف طوال السنوات الأربع الماضية، الأمر الثالث والمهم أن الشرطة عادت إلى سابق عهدها

فى تعاملها مع النشطاء والمجتمع.

(٢)

عدد جريدة «الشروق» الصادر فى ٢٣/٥ الحالى دال على عمق تلك الأزمة. ذلك أنها نشرت على الصفحة الأولى خبرا تحدث عن عرض تقدمت به جهة رسمية للدكتور حلمى الجزار أمين حزب الإخوان (الحرية والعدالة) الذى أطلق سراحه قبل عدة أشهر، لكى يقوم بدور همزة الوصل بين السلطة والجماعة، وهى المهمة التى اعتذر الرجل عن عدم القيام بها.

فى العدد ذاته نشرت الصحيفة حوارا مع الأستاذ عبدالغفار شكر نائب رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان ورئيس حزب التحالف الشعبى اليسارى، تحدث فيه عن مأزق حركة حقوق الإنسان وأزمة الاحتقان المخيم على مصر. وقال إن الداخلية عادت بصورة تدريجية إلى استخدام أساليب ما قبل الثورة. واقترح وقف تنفيذ أحكام الإعدام (١٦٦٥ حكما أيد المفتى تنفيذ

٥٢١ حكما منها)، معتبرا أن ذلك قد يسهم فى تخفيف حالة الاحتقان. فى ذات العدد من «الشروق» كتب الدكتور ناجح إبراهيم القيادى السابق فى الجماعة الإسلامية مقالة كان عنوانها «بين الإعدامات والاغتيالات»، انتقد فيها السلطة والإخوان. ومما قاله انه فى حين لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين فإن الدولة تلدغ من نفس الجحر عدة مرات، والإخوان وحلفاؤهم

يكررون الخطأ الواحد مرات عدة، دون أن يفكر كل منهما فى طريق آخر يجنبه تكرار الأخطاء.

لم يكن ذلك أول كلام فى الموضوع بطبيعة الحال. ذلك ان الموضوع طرح فى كتابات عدة خلال السنة الأخيرة ناقشت فكرة المصالحة الوطنية من زوايا مختلفة. وفى كل مرة أثير الموضوع فإنه استقبل بحسبانه دعوة إلى المصالحة مع الإخوان، ومن ثم قوبل بعاصفة من الاعتراضات والهجوم. وكانت وقائع أحداث السنوات التى أعقبت ثورة يناير ٢٠١١ ذخيرة أساسية

استند عليها المعارضون، ومن ثم كانت الخلاصة انه فى الوقت الراهن لا بديل عن الإبقاء على الوضع كما هو عليه. الأمر الذى يعنى أنه ليس هناك أفق لعلاج الاحتقان فى الأجل المنظور. ويعنى على مستوى آخر ان المعركة ضد «الإرهاب» والتعبئة المستمرة لصالحها ستظل فى موقعها، على رأس أولويات وأجندة «المشروع الوطنى» فى مصر، بما يستصحبه

ذلك من تداعيات تقتضى ترحيل كل ما عدا ذلك.

(٣)

حين نشرت الصحف المصرية فى ١٩/٥ الحالى التصريحات التى أدلى بها السفير الألمانى لدى مصر فى لقائه مع الصحفيين المصريين وقال فيها إن القاهرة لم تقدم دليلا مقنعا على تورط الإخوان فى الإرهاب، فإنه ذكرنى بصيحة الطفل فى القصة الشهيرة: انى أرى الملك عاريا. ذلك ان السفير هانز بورج هابر قال انه لم يكن معجبا بحكم الإخوان، لكنه ذكر

المعلومة التى يتداولها أغلب السفراء الأجانب ولا يجهرون بها لأسباب تتعلق باللياقة والحسابات الدبلوماسية. رغم أنها باتت ضمن ما أصبح الآن من المسلمات فى مصر فى حين أن الدبلوماسيين الذين يتحرون حقائق ما يجرى فى البلد كى ينقلوا الصورة الصحيحة إلى عواصمهم لا يقتنعون بصحتها. وما ذكره السفير الألمانى هو ذاته ما توصلت إليه الحكومة

البريطانية التى شكلت فى عام ٢٠١٤ لجنة خاصة لبحث الموضوع بطلب من مصر والإمارات والسعودية، ولكنها أجلت خمس مرات إعلان نتائج أعمال اللجنة مجاملة للدول الثلاث. إلا أن الفينانشيال تايمز فى ٣٠/١٢/٢٠١٤ والإندبندنت فى ١٦/٣/٢٠١٥ ذكرتا أن التقرير لم ير مبررا لإدراج الإخوان ضمن الجماعات الإرهابية. وهو ما لم يعد يجرؤ أحد على

الجهر به فى مصر، إلا إذا كان فى سذاجة الطفل الذى تحدثت عنه القصة الشهيرة التى كتبها الدنماركى هانز كريستيان أندرسون فى بداية القرن العشرين. وهى تدور حول اثنين من المحتالين اقنعا أحد الملوك بأنهما سيصنعان له ثوبا من خيوط سحرية مذهبة لن يراها سوى الأذكياء ونبهاء القوم، وسيعجز عن رؤيتها الحمقى والأغبياء. وبعد ان حصلا منه على الأموال

وجهزا للمهمة أنوالا وخدعا مبعوثى الملك الذين أوهماهم بأنهما منهمكان فى صناعة الثوب الوهمى، الذى لم يروا له أثرا. ولكنهم أيدوهما فى ادعائهما حتى لا يصنفوا ضمن الأغبياء والحمقى. وذهب المحتلان إلى الملك خاويى الوفاض وأقنعاه بأنه ارتدى الثوب العجيب، لكنه حين خرج إلى قومه فإن أحدا لم يجرؤ على إبلاغه بالحقيقة، سوى ذلك الطفل الذى قالها

بتلقائية معلنا أنه يرى الملك عاريا!

مشكلتنا فى مصر أن حقائق السنوات الأربع الماضية لم تنكشف بعد، وإنما جرت صياغتها ورويت وقائعها على نحو شكل إدراكا أصبح يمثل عائقا أمام أى جهد يبذل لتحقيق الوفاق الوطنى واستعادة الاصطفاف المبهر الذى ظهر فى ميدان التحرير خلال أيام ثورة يناير ٢٠١١. لا أتحدث عن ملف الإخوان الذى هو مجرد نموذج أثاره السفير الألمانى بعدما أصبح

محورا للصراع خلال العامين الأخيرين، لكننى أعنى مجمل الأحداث التى تلاحقت منذ ٢٥ يناير، التى منها قتل المتظاهرين وموقعة الجمل وأحداث محمد محمود وفتح السجون وموقعة ماسبيرو. وهذه كلها لا علاقة لها بالإخوان. وقد سبق أن قلت إن المصالحة الحقيقية المنشودة هى مع ثورة ٢٥ يناير ومع المجتمع الذى حملها وليست فقط مع الإخوان الذين يظلون أحد

عناوين المشكلة وليس صلبها أو جوهرها.

(٤)

إذا حاولنا التدقيق فى النقطة الأخيرة، فسنكتشف أن لدينا تاريخين لسنوات ما بعد الثورة وليس تاريخا واحدا. الأول كتبته جهات مستقلة والثانى رعته السلطة وقام الإعلام بتسويقه. التاريخ الأول له وثائقه ومصادره الموجودة والمحجوبة أو المدفونة، فى المقدمة منها ما يلى: تقرير لجنة تقصى حقائق أحداث الثورة عام ٢٠١١ الذى أعدته لجنة المستشار عادل قورة رئيس

محكمة النقض الأسبق الذى أعد فى أكثر من ٤٠٠ صفحة ــ تقرير لجنة تقصى حقائق مرحلة المجلس العسكرى الذى أعدته لجنة المستشار محمد عزت شرباص نائب رئيس محكمة النقض وصدر فى جزءين من ٧٢٤ صفحة ــ تقارير المنظمات الحقوقية المستقلة التى غطت المرحلة الثالثة التى مثلت فى حكم الدكتور محمد مرسى والإخوان، والتى تابعت المرحلة

الرابعة التى تولى السلطة فيها الرئيس عبدالفتاح السيسى. وكل هذه الوثائق جرى استبعادها ولم يعد لمضمونها أى ذكر.

التاريخ الثانى صاغته المؤسسة الأمنية والدولة العميقة على نحو يختلف بصورة كلية عما سجلته وثائق المصادر المستقلة. وهذا التاريخ هو الذى أدى إلى تبرئة مبارك وأعوانه الذين أفسدوا البلاد وأذلوا العباد طوال ثلاثين عاما. وإلى تبرئة الشرطة من قتل متظاهرى الثورة رغم أن تقرير لجنة تقصى الحقائق الأول أدانهم بعبارات صريحة وقاطعة. وبالصورة التى

قدم بها فإنه كان بمثابة إدانة فعلية للثورة التى وصفها أحدهم فى الأجواء الجديدة بأنها عملية قامت بها «جحافل الرعاع الذين قادهم رهط من العملاء والخونة والجواسيس» (الأهرام ١٢/٤/٢٠١٥).

الوصف الدقيق للتاريخ الجديد الذى نمت صياغته وجرى تعميقه يجد المرء نموذجا له فى رواية جورج أورويل الشهيرة «١٩٨٤» الصادرة عام ١٩٤٩، التى تحدث فيها عن نظام الأخ الكبير والدور الذى قامت به «وزارة الحقيقة» فى عرض الأحداث وصياغة الأخبار بالصورة التى تخدم النظام وتبرر ممارساته. وكيف قامت وزارة الحب (الداخلية) برعاية النظام

العام من خلال شبكات الرصد المبثوثة فى بيوت أعضاء الحزب (التنصت على الهواتف وتسجيل المحادثات يؤدى المهمة الآن)، ولشحن الرأى العام وتعبئة الجماهير فرض على الجميع ان يعبروا عن مشاعر كراهيتهم لعدو النظام خلال دقيقتين كل يوم. مع تنظيم أسبوع للكراهية فى مواسم معينة لتكريس الخصومة وتجديد الولاء للأخ الكبير.

(٥)

الشاهد أننا صرنا بإزاء موقف معقد قلبت فيه الأحداث رأسا على عقب بحيث طمست الحقائق وشكلت المدارك على نحو أصبحت كراهية الآخر من سماته التى أعادت رسم الخرائط بصورة هددت أسس الوفاق والتعايش. وكانت النتيجة أن الأجواء باتت رافضة للتعايش ومرحبة بخطاب كتائب الإقصاء والإبادة. وفى ظل خلفية من ذلك القبيل فإن أى حديث عن

المصالحة والاصطفاف الوطنى يصبح لا معنى له ولا جدوى منه. بل صار نوعا من الثرثرة السياسية التى يريد بها البعض تسجيل مواقفهم وإثبات حسن نواياهم. وهو ما يسوغ لى أن أقول إن الكشف عن الحقائق هو المدخل الوحيد للانتقال إلى الإنصاف والمصالحة. وتلك عقدة لا سبيل إلى حلها فى الأجواء الراهنة ــ للكلام بقية أعرضها فى الأسبوع المقبل بإذن الله.

القسم: 
المصدر: