د. محمود خليل

يريدونه «إسلامياً»!

التقيت بعمر التلمسانى -رحمه الله- مرة أخرى عام 1984، وسألته عن نية الإخوان دخول انتخابات مجلس الشعب، التى أزمعت الدولة تنظيمها فى العام نفسه، وهل ستخوضها بالتحالف مع حزب الوفد أم لا؟. أذكر أنه لم يُجبنى إجابة واضحة، بل وظّف قدراته الخاصة فى المراوغة، وقال إن قيادات الجماعة تتّخذ القرارات التى ترى أنها تفيد الدعوة، فإذا كان دخول الانتخابات مفيداً على هذا المستوى، فسوف تنافس الجماعة فيها، وإذا لم يكن فلن تشارك. سألته أيضاً عن تمسّك شباب الإخوان بالسنن الشكلية، مثل اللحية والجلباب، فأجابنى بأن المهم بالنسبة للمسلم دائماً أن يكون نظيفاً، حسن الهيئة، وأن النبى، صلى الله عليه وسلم، كان شديد الحرص على مظهره، وكان يحمل معه دائماً «المكحلة» و«المسواك». سألته عما تريده الجماعة من المجتمع المصرى، فقال: نريده «إسلامياً!»، والمجتمع المسلم يقوم على الفرد المسلم والأسرة المسلمة، وكانت تلك هى المعادلة الخالدة التى يستند إليها الإخوان فى إحداث التغيير.

وهى معادلة قد تبدو براقة فى ظاهرها، لكننا إذا أخضعناها للفحص والتمحيص فسوف تجد الفراغ يسكن العديد من نواحيها، فعبارة (الأخ المسلم.. فالأسرة المسلمة.. فالمجتمع المسلم) تفترض ابتداءً أن المجتمع المصرى غير مسلم، ولو أنك قلت لواحد من الإخوان إن تلك هى نظرتهم للمجتمع، فسوف ينفى ذلك بشدة، فالجماعة تُشدّد باستمرار على أنها لا تكفّر مخالفيها، وقد تكون هذه الفكرة صحيحة وهى تتسكع فوق سطح عقل قائلها، لكنك إذا تعمّقت أكثر فى هذا العقل، فسوف تجد أنه يكفر من عداه، بسبب وجود خلط أساسى داخل الإخوان بين مفهوم الدعوة ومفهوم الإسلام. فالإسلام فى عقول هؤلاء يتم اختزاله فى الدعوة الإخوانية والفكر الإخوانى، لأن الفهم الذى قدّمه «البنا» للإسلام هو الفهم الحقيقى، وما عداه باطل، وبالتالى ينظر العقل العميق لأفراد الإخوان إلى من ينكر عليهم أفكارهم أو مجموعة المرتكزات التى قامت عليها دعوتهم، على أنه منكر للإسلام، وإلا فكيف نفهم معادلة الجماعة فى بناء ما يُطلق عليه «الأخ المسلم» داخل أسرها وشعبها، إلا من خلال تقييمه كشخص مارق أو عبد آبق تعيده «الإخوان» ثانية إلى حظيرة الدين.

أما جانب السذاجة فى هذه المعادلة الإخوانية الخالدة، فيرتبط بالنظرة الحسابية إلى مسألة التغيير، فالفرد المسلم هو أصغر قيمة فى المعادلة، ومن مجموع الأفراد تتكون الأسر، ومن مجموع الأسر يتكون المجتمع. كلام قد يبدو جيداً على المستوى النظرى، لكنه متهافت على مستوى الواقع. ولعل أسطع دليل على ذلك هو فشل بعض كبار القيادات الإخوانية حالياً فى دفع أبنائهم الذين خرجوا من أصلابهم إلى تمثُّل سلوكهم أو الإيمان بمعتقداتهم وأفكارهم. فها هو فلان لا يستطيع أن يقنع ابنته أو زوجة ولده بالحجاب، وها هو «علان» لا يستطيع إقناع أبنائه بإطلاق اللحية. وعندما تكون عاجزاً عن تربية ابنك الذى نبت من جسدك على ما تريد من تصورات، فمؤكد أنك سوف تكون أعجز عن تلقين سواه هذه التصورات.

القسم: 
المصدر: 

المرشد يحاور «السادات»

عمر التلمسانى (مرشد الإخوان من 1973 - 1986) هو مهندس إعادة بناء جماعة الإخوان بعد أن مزّقوا كل ممزق خلال فترة حكم الرئيس جمال عبدالناصر. خلافاً لغيره من مرشدى الجماعة تمتع «التلمسانى» بمجموعة من السمات الفردية التى مكّنته من جمع شتات الجماعة بعد رحلة التيه خلال فترة الستينات، ووضع الخطط ووفر الأدوات التى مكنت الجماعة من التمدّد بصورة ربما تكون قد فاقت توقعاته خلال فترتى السبعينات والثمانينات. وفر له الرئيس السادات فرصة نادرة لكى يطل منها على المصريين عبر شاشة التليفزيون عندما دخل معه فى حوار بثته قناة التليفزيون المصرى الأولى (حينذاك لم يكن هناك سوى قناتين للبث التليفزيونى: الأولى والثانية).

بدأ المشهد بالرئيس السادات، وهو يعاتب «التلمسانى» على ما يكتبه فى مجلة الدعوة حول التأكيد على شرعية جماعة الإخوان، وأن المخابرات الأمريكية تحرّض النظام فى مصر على التخلص من الإخوان والجماعات الإسلامية، ثم أعطى «السادات» الكلمة لـ«التلمسانى»، يومها نفى عمر التلمسانى وجود أى علاقة أو تعاون من أى نوع بين الإخوان والشيوعيين، مؤكداً أن الإخوان لا يتآمرون على الدولة، وقال يومها عبارته الشهيرة: «سيادتك اتهمتنى وأنت رئيس الدولة.. لو أن غيرك اتهمنى لرفعت الأمر إليك.. إنما اليوم إلى من أرفعه؟.. أرفع أمرى إلى الله»!. وهى عبارة حفظها المصريون وردّدوها حينذاك وتعرّفوا من خلالها على شخصية «التلمسانى»، والفضل فى ذلك يعود إلى «السادات»!. امتاز «التلمسانى» بمجموعة من الخصال ميّزته عن غيره من مرشدى الجماعة، خصوصاً ممن أعقبوه. كان هادئ الطباع، قليل الكلام، يتمتع بقدر واضح من الثبات الانفعالى، وكان ماهراً فى بناء حججه -حتى لو بدت شكلية- وبمقدوره أن يُقنع بها خصمه. استفاد من خبرته كمحامٍ، فعرف كيف يصيب أهدافه بسهولة ويسر. كما استفاد أيضاً من تجربته فى العمل داخل الجماعة، وكان أمهر الإخوان قدرة على المراوغة والالتفاف حين يريد، استغل فرصة الظهور التى منحها له السادات واستثمرها فى دعم شعبيته الشخصية وشعبية الجماعة. ومن اللافت أن «التلمسانى» ليس مصرياً صرفاً، بل ينتمى بأصوله إلى مدينة «تلمسان» الجزائرية. وكثيراً ما كان الإخوان يذكرون هذه المعلومة لتأكيد رؤيتهم الشاملة للإسلام، وللتبيان العملى لإيمانهم بالمقولة الشاذة التى سكها سيد قطب: «جنسية المسلم عقيدته». أذكر أننى التقيت فى حوارات صحفية متنوعة مع عمر التلمسانى فى بواكير تجربتى المهنية (أوائل الثمانينات). وكان ذلك فى مقر مجلة «الدعوة» بميدان التوفيقية. وكان يجلس حينها فى غرفة متواضعة بسيطة الأثاث، وتؤكد ملامحه جذوره الجزائرية، وتتصدّر وجهه لحية بيضاء خفيفة، بالغ فى تهذيبها.

كان أول سؤال سألته له يتعلق بعنف وتشدّد الإسلاميين فى التعامل مع المجتمع، خصوصاً أن دم الشهيد السادات لم يكن قد برد فى قبره بعد، فأجابنى -كعادته- بتأكيد أن الإسلام يرفض العنف تماماً، وأن الجماعة تركت العنف منذ سنين طويلة، وأن الدعوة الحقة لا بد أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، كما يقول القرآن الكريم، وأن العذر الوحيد للعنف الذى يتبناه البعض هو عمليات التعذيب التى وقعت للإسلاميين فى سجون الستينات، وإهدار حقوق الإنسان بصورة لم يعرفها التاريخ من قبل، وقال إن الإخوان لا يؤمنون بالعنف، بل بالعمل السياسى السلمى!.

القسم: 
المصدر: 

التعليم و«التعليب العقلى»

لعلك تلاحظ أن أغلب الأسماء البارزة داخل جماعة الإخوان حالياً، تنتمى إلى طوائف: الأطباء أو المهندسين، أو أساتذة الجامعات. هذا الأمر يعود إلى سنين أعمق من السنين المعيشة اتجهت فيها الجماعة إلى الاحتكام لتصورات مختلفة فى تشكيل تركيبة عضويتها، بحيث يكثر أعضاؤها من أبناء هذه المهن. ولو أنك راجعت التركيبة المهنية لأعضاء الجماعة فى العقود الأولى لنشأتها، فسوف تلاحظ صعوداً واضحاً للعمال والحرفيين، وبعض أصحاب المهن الأخرى، مثل المحامين والعاملين فى سلك القضاء والمعلمين بالمدارس، ولم يكن هناك ظهور واضح للعاملين بمهن الطب أو الهندسة أو التدريس الجامعى، إلا فى حدود ضيقة للغاية. ويبدو أن تحولاً من نوع ما أصاب التركيبة المهنية لأعضاء الجماعة، جعلها تتوجّه نحو المهندسين والأطباء وأساتذة الجامعات بدرجة أكبر، ويكاد هذا التحول يرتبط بعمليات إعادة هيكلة الجماعة التى تمّت بعد خروج الإخوان من السجون على يد الرئيس «السادات»، وتواصلت طوال فترة السبعينات.

قد يبدو أمر الاحتشاد الطبى والهندسى والجامعى بين صفوف الجماعة أمراً إيجابياً فى ظاهره، لكننا لو تأملناه بعمق فسوف ندرك أنه يعبر عن مأساة كبرى. فلو أخذنا الأمور بظاهرها يمكن أن نقول إن الجماعة كانت تنتقى أفضل العناصر، وأكثرها «شطارة» فى الدراسة لتنخرط فى عضويتها، بل تحرض أشبالها على التفوق الدراسى، أما لو أخذنا الأمور بعمق أكثر فسوف نكتشف أن الأكثر تفوقاً فى التعليم، خلال العقود الماضية هو الأقل ذكاءً والأكثر نضوباً على مستوى القدرة على الإبداع والابتكار، مع استثناءات بالطبع تؤكد القاعدة ولا تنفيها، فعلينا أن نعترف بأن التعليم المصرى الجامعى وما قبل الجامعى تعرّض لهزة عنيفة بعد قيام ثورة يوليو 1952، وقد أخذ منحنى التعليم فى الانحدار من أعلى نقطة له فى الستينات، ليسير بشكل حثيث نحو الأدنى فى السبعينات لينكفئ أرضاً بصورة كاملة، بداية من الثمانينات، وما تلاها.

وارتبط التراجع أو الانحدار فى التعليم بجناحيه الجامعى وما قبل الجامعى، بالتركيز على أسلوب التعليب العقلى للدارس من خلال الدروس الخصوصية، والكتب الخارجية، ونسيان المكتبة كوسيلة للتعلم، وارتفاع قيمة الكتاب المقرر على ما عداه، حتى فى الجامعات. والأخطر من كل ذلك أن التفوق أصبح يعتمد على القدرة على الحفظ والاسترجاع، وتراجعت قيمة الفهم، حتى فى الطب والهندسة، وأصبح سباق التفوق سباقاً نحو الحفظ والاسترجاع، ونسخ المسطور فوق صفحات الكتاب المقرر، أو الدرس الخصوصى، أو الكتاب الخارجى، فى ورقة الإجابة، ورغم ما للحفظ من قيمة، إلا أنه إذا افتقر إلى الفهم، فإنه يربّى العقل على الغباء، ويعجزه عن التفكير الحر، القادر على إيجاد حلول مبتكرة للمشكلات.

لقد خدم نظام التعليم طوال العقود الماضية جماعة الإخوان، أيما خدمة، إذ أنشأ العقليات المتعلمة على فكرة «النصية»، وأسقط قيمة الاجتهاد أو المخالفة، فأصبح العقل يسير على قضبان لا يستطيع أن يحيد عنها، وإلا انقلب وتبعثر فى الهواء، لكن من حيث قدّم النظام التعليمى «النصى» خدمة للإخوان، إذ يسّر لها انضمام طوابير من العقول «النصية» التى تتواءم مع المزاج العام لنمط التفكير السائد فيها، إلا أنه ألقى بالعقليات الإخوانية فى أتون محنة كبرى، عندما اعتلوا سدة الحكم بعد ثورة 25 يناير، إذ وجدوا أنفسهم صفر اليدين من أى قدرة على الاجتهاد، أو ابتكار حلول للمشكلات التى واجهتها البلاد، لأنهم ببساطة «حافظين.. لكنهم غير فاهمين»!.

القسم: 
المصدر: 

أكذوبة «جنسية المسلم عقيدته»

بعد الانفصال عن الأسرة، يبدأ العضو فى الانفصال عن المؤسسة التعليمية، تمهيداً للانفصال الكامل عن المجتمع وفكرة الوطن. وربما تناقضت مسألة انفصال الإخوان عن المؤسسة التعليمية مع عدد الأطباء والمهندسين المنتمين إلى جماعة الإخوان، ما يشهد على كفاءتهم الدراسية، وسوف أوضح لك سر هذا التناقض فى ما بعد. لكن فى سياق ما نتناوله الآن، نستطيع القول إن العضو الداخل إلى الجماعة كان ينخرط -خلال فترة السبعينات وحتى الآن- فى ما يشبه المدرسة التى تشتمل على مقررات تعليمية ومعلمين وأساليب تقويم، وساحة التعليم ليست الفصل، بل «الجلسة»، حيث تدرس المقررات التنظيمية المطلوب من العضو الإلمام بها. وثمة مجموعة محدّدة من الكتابات يتم تناولها داخل الجلسات، من بينها كتابات فتحى يكن، وهو كاتب لبنانى، ومن أبرز كتبه: «ماذا يعنى انتمائى للإسلام؟»، وكتب «سعيد حوى»، وهو كاتب سورى إخوانى معروف، وأبرزها كتب الأصول (الله - الرسول - الإسلام)، بالإضافة إلى كتابه «جند الله ثقافة وأخلاقاً».

وأبرز ما يستوقف المستعرض لهذه الكتب أنها مكتوبة بأقلام غير مصرية، تجد ذلك واضحاً فى النماذج السابقة، وفى مؤلفات الهندى أبوالحسن الندوى، وأبرزها كتاب «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟»، والباكستانى أبوالأعلى المودودى، وأبرزها كتاب «المصطلحات الأربعة»، واللبنانى شكيب أرسلان، وأهمها كتاب «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟». وكل هذه الكتب وغيرها تعكس سياقات المجتمعات التى عاش فيها كتابها. والهدف من ذلك يتحدّد فى ترسيخ مفهوم الأمة داخل العضو، وإعلائه على مفهوم الدولة الوطنية.

وعادة ما يستغل المسئولون داخل الجماعة سمة «فهم الإسلام بأقلام غير مصرية»، لتأكيد عدم وجود حدود فاصلة بين الدول والمجتمعات الإسلامية، وأن المسلمين نسيج واحد مترابط، وأن هذه الحدود هى اختراع استعمارى بحت استهدف تفتيت العالم الإسلامى، بعد أن ظل قروناً طويلة يعيش تحت راية الخلافة، وأنه لا يوجد شىء اسمه مسلم مصرى، ومسلم صينى، ومسلم سورى، ومسلم أمريكى. فكل مسلم مهما بعدت المسافة هو أقرب للعضو من غير المسلم، مهما قربت المسافات بينهما، وأن رسالة الجماعة هى أن تؤسس الأسرة المسلمة، ومن الأسرة المسلمة يتشكل المجتمع المسلم، ثم الدولة الإسلامية، ثم الخلافة التى تجمع المسلمين فى العالم تحت مظلة واحدة، ثم أستاذية العالم!.

ومن اللافت أن جماعة الإخوان تسعى إلى النفى الممنهج لفكرة «الوطنية المصرية» داخل عقل ونفس وتكوين من ينخرط فى عضويتها. وقد كان هذا الأمر محسوماً منذ اللحظة التى أطلق فيها الأستاذ حسن البنا وصف «المسلمين» على «إخوانه»، فسمى جماعته «الإخوان المسلمين»، ليستبعد كل مصرى غير مسلم من دائرته، بالإضافة بالطبع إلى المسلمين غير المؤمنين بتصور الجماعة وفهمها الخاص للإسلام. وقد بلور الأستاذ «سيد قطب» هذا الأمر بصورة صريحة فى عبارته الشهيرة «جنسية المسلم عقيدته»، إذ كان يرى أن فكرة الجنسية المصرية، لا تنهض أمام الرابطة الإسلامية القائمة على أساس الدين. وهى مقولة شديدة الغرابة لا تستطيع أن تجد لها صدى فى سيرة وحياة النبى، صلى الله عليه وسلم، الذى كان يؤمن بفكرة الانتماء إلى الأرض التى أنبتته (مكة)، ويرى أن «حب الوطن من الإيمان»، يضاف إلى ذلك أن هذه الفكرة لا يمكن أن تظفر بتفسير لها فى تاريخ الوطنية المصرية التى تستوعب أن مصر يصعب أن تذوب فى كيان أكبر، لأنها كيان كبير بطبيعته، وحتى فى الثقافة الشعبية التى تؤمن بأن «مصر أم الدنيا»، وأن أى وافد عليها يمكن أن يذوب فيها، أما هى فتستعصى على الذوبان فى أى كيان، لأنها ببساطة كيان مستقل بذاته، أو قُل بالتعبير الشهير للأستاذ عباس العقاد: «نسيج وحدها»!.

القسم: 
المصدر: 

الشجرة الملعونة

الحب لدى «الإخوان» وغيرها من الجماعات المتشدّدة لا بد أن يكون «حباً فى الله». والحب فى الله معناه ببساطة أن تحب إنساناً لأنه يحرص على إرضاء الله، حتى تكون فى الفئات التى يظلها الله تعالى يوم لا ظل إلا ظله، استناداً إلى قول النبى، صلى الله عليه وسلم: «ورجلان تحابا فى الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه»، كما ورد فى الحديث الشريف، وهو الرباط البديل، لمحبة الأهل المفارقين للجماعة، ومحبة الأصدقاء الذين يغرّدون خارج سربها، بل وبديل أيضاً عن الحب بمدلوله العاطفى الذى ينشأ بين شاب وفتاة، أو رجل وامرأة. الضلع الثالث من أضلاع التربية على الكراهية داخل الجماعات المتشدّدة، يرتبط بفكرة «التعالى بالإيمان». فالمسلم لا بد أن يعتز بإسلامه، والمؤمن لا بد أن يعتز بإيمانه، وأن يكون متعالياً على الخارجين عن حظيرة الإسلام والمتفلتين من دائرة الإيمان، إعمالاً -لفهم مجتزأ- لقوله تعالى «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ» (سورة المنافقون - الآية: 8).

وتتطور الفكرة بعد ذلك داخل جماعة مثل «الإخوان» لتصبح معبرة عن نوع من الاستعلاء بـ«الإيمان الإخوانى»، والانتماء إلى الجماعة الناجية التى لولاها لضاع الإسلام، الجماعة التى سوف تعيد إلى الإسلام عزه ومجده، فالوظيفة المنوطة بأعضاء الجماعة عظيمة، وعلى قدر عظمة الوظيفة ينبغى أن يعلو شعور الإنسان بالعظمة والأفضلية على هؤلاء المغردين خارج سربه، وبقدر ما يجب على العضو أن يكون مستعلياً على غيره، لا بد أن يكون طائعاً ذليلاً لإخوانه، خصوصاً إخوانه المسئولين عنه، إعمالاً -لفهم مبتسر- لقوله تعالى «أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ» (سورة المائدة - الآية 54). فهذا الاستعلاء لا بد أن يتحول إلى صورة متكاملة من صور المذلة، وأنت تتعامل مع أمير الجماعة أو أعضائها، فتتراقص معهم مثل بندول الساعة دون تقديم أو تأخير.

ولو أننا تأمّلنا أضلاع مثلث الكراهية (الأول المفاصلة، والثانى الحب فى الله، والثالث التعالى على الآخرين)، الذى يرسم خريطة العقل المتشدّد بقدر من العمق، فسوف ندرك بسهولة أن الهدف الأساسى منه يرتبط بزرع النقمة على الآخر فى النفوس، أياً كان هذا الآخر: أباً أو أماً أو أخاً أو صديقاً أو رفيقاً أو جاراً أو زميلاً أو شريكاً فى الوطن. ولا تستطيع أن تتقبل هذه الأفكار سوى النفوس التى تتمتع بتربة خصبة للعيش على الكراهية واحتقار الآخرين والاستعلاء عليهم. فالزرعة لا تنبت إلا فى التربة المناسبة لها، ولا يقوى على حمل كل هذه الكراهية داخل نفسه إلا من هو مؤهل لذلك، ولديه الاستعداد لمنح بذور الكراهية فرصة أن تكبر وتترعرع حتى تصير أشجاراً كثيفة يصعب اقتلاعها.

شجرة الكراهية هى الشجرة الملعونة التى يجيد المتطرفون -فى كل زمان ومكان وأياً كان موضوع تطرّفهم- زرعها فى النفوس الهشّة المهتزة الرّخوة لتجعل منهم أدوات للقتل -زوراً- باسم الله، لأن الله تعالى خالق الجميع ورازق الجميع وواهب الحياة للجميع. وليس يُعقل أن يدعو دين إلى قتل الآخر لأى سبب أو تحت أى راية، وقتل النفس التى حرم الله قتلها إلا بالحق لا يمكن أن يكون قرباناً لله. وظنى أنك لو حلّلت بعمق وتأنٍّ سيرة وأفعال أى إرهابى يزعم أنه يقتل باسم الله، فسوف تجد أن الدين مجرد يافطة مرفوعة، وأن الأسباب الحقيقية لإراقة الدماء لا تخرج عن دائرتى المطامع أو المطامح.

القسم: 
المصدر: 

ثالوث الكراهية

فكرة «كراهية الآخر» حاضرة بقوة فى الوجدان الإخوانى، فالعضو المنضم إلى الجماعة يتعلّم أن يبذل الحب، كل الحب، لإخوانه من أفراد الجماعة وأميرها، أما الآخر فهو دائماً موضع كراهية، ومن الواجب التعالى عليه. ويتم تكريس مسألة الكراهية داخل الجماعة -كما أشرت سريعاً بالأمس- من خلال ثلاث أفكار تشكل فى ما بينها ثالوثاً، يشتمل على ثلاثة أضلاع. الضلع الأول هو المفاصلة، والثانى الحب فى الله، والثالث التعالى على الآخرين.

فكرة المفاصلة تعنى أن يتبرّأ عضو الجماعة المتشدّدة من أى فكر يخالف فكر التنظيم، وأن يفهم أن الجماعة هى أهله وناسه، وأن من يحاربها حتى لو كان أقرب الناس إليه، لا بد أن يفاصله، وأن يقطع شرايين العلاقة التى تربطه به. وما أكثر ما يردّد المتشدّدون الآية الكريمة -من سورة براءة- التى تقول: «قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (سورة التوبة - الآية: 24). ورغم أن هذه الآية جاءت فى سياق مختلف، لأن الآباء المعاصرين وكذا الأشقاء والأزواج والعشيرة، ليسوا من المشركين على وجه الإطلاق، بل مسلمون بسطاء عاديون يؤمنون بالله ورسوله، ويرون أن «المحبة» جوهر رسالة الإسلام، إلا أن الجماعة لا تتردّد فى إسقاطها على الواقع المعيش وأهله.

تأسيساً على الآية الكريمة السابقة تتسكع فكرة المفاصلة والتبرؤ من كل ما هو مخالف ومختلف مع الجماعة داخل عقل ووجدان أعضائها. فأهل وعشيرة العضو هم إخوانه فى الجماعة الذين يذوبون معاً، وينصهرون فى ما بينهم من أجل تحقيق مشروعها، لذلك لا يقبل بسهولة أن يتزوج عضو الجماعة من خارجها. فالزوجة لا بد أن تكون «ملتزمة»!. ومفردة: «ملتزم»، وكذلك مفردة: «ملتزمة» من الأوصاف التى تتردّد على ألسنة أعضاء الجماعات المتشدّدة فى تصنيف المسلمين من حولهم. فهذا «ملتزم»، وذاك «غير ملتزم»، وهذه «ملتزمة»، وتلك «غير ملتزمة» وهكذا. والالتزام هنا ليس معناه الامتثال لأحكام الدين، بل ينصرف مدلوله إلى الانصياع لفكر الجماعة.

كم من أسر مصرية عانت الأمرين جراء زرع فكرة الكراهية المقيتة هذه فى عقل ووجدان شباب شردوا بعيداً عن آبائهم وأمهاتهم وأشقائهم وعوائلهم. ولو أنك قرأت رواية «الأفيال» للمبدع الراحل فتحى غانم، فستجد أنه عالج هذه المشكلة من خلال شاب شرد عن أسرته بعد أن لغمت الجماعة عقله بفكرة المفاصلة، فاتّهم أباه بالفساد، ونعت أمه بالسفور والتبرج والخروج عن شرع الله، وصبيحة أحد أيام عيد الأضحى، تعارك مع أبيه وترك منزل الأسرة إلى الأبد، فأورثهم هماً وشقاءً لا ينقضى، وتاه هو بعد ذلك فى دروب الجماعة التى لغّمت عقله. وتلغيم العقل هو المقدّمة الطبيعية لتلغيم الجسد، وهو ما تفعله الجماعات المتشدّدة حين تقرر استخدام أعضائها كمجرد وقود فى معارك أطماعها.

القسم: 
المصدر: 

دراويش الهزيمة والنصر

اجتاحت مصر بعد نكسة 1967 موجة عاتية من الدروشة، أخذت المصريين من جهاتهم الأربع. كان الشارع وقتها يموج بالاستغاثات وطلب المدد من أهل بيت النبى وأولياء الله الصالحين. حكاوى ترقى إلى مرتبة الخرافات راجت بين الناس، منها أن السيدة زينب زارت أحد كبار المسئولين وطلبت منه كسوة مقصورتها بالسواد، حزناً على الهزيمة. اشتعلت مستويات المشاركة فى الموالد كجزء من حالة «الزار العام» التى وقع فيها المصريون. انتشرت أحاديث فى الشارع تقول إن السيدة «مريم ابنة عمران» تجلت فوق كنيسة العذراء بحى «الزيتون» وتوافد كبار المسئولين ليشاهدوا التجلى المقدس، وأصدر البابا كيرلس السادس بياناً ذكر فيه «أن ظهور العذراء بكنيسة الزيتون حقيقة». الآلاف الذين شاهدوا الظاهرة العجيبة والملايين التى سمعت بها ربطت بين ظهور العذراء والنكسة، ورددوا أن السماء تُرسل للمصريين برسالة اطمئنان بنصر وشيك على عدوهم.

كانت أنفاس الصوفية تلف المصريين من شتى نواحيهم. وكان لهم عُذرهم فى ذلك، فقد كان بداخلهم ألم مكين وجرح عظيم واهتزاز غير مسبوق بالثقة بالذات والقدرة على الفعل أو المواجهة، بعد سنوات طويلة عاشوها فى ظلال «وهم القوة»، وهو الوهم الذى استيقظوا منه على حقيقة مروّعة. كيف لا نعذر البسطاء الذين ينشدون بركات الأولياء ويطمعون فى كراماتهم، ونحن نجد أرفع المسئولين فى البلاد فى ذلك الوقت يتحدّثون بلسان صوفى مبين. دعنى أسرد لك واقعة تتصل بأهم وأكبر رمز دينى بمصر فى السبعينات، وهو شيخ الأزهر، الشيخ عبدالحليم محمود، رحمه الله. قُبيل حرب أكتوبر، انتشرت حكاية تقول إن الشيخ رأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فى المنام يعبر قناة السويس ومعه علماء المسلمين وقواتنا المسلحة، فاستبشر خيراً وأيقن بالنصر، وأخبر الرئيس السادات بتلك البشارة.

وقد كان الدكتور فؤاد زكريا -رحمه الله- دائب النقد لهذه القصة. وبمناسبة الحديث عن الرئيس «السادات» رحمه الله، ربما يعرف الكثيرون أن «السادات» كان وثيق الصلة وشديد الثقة بالسيد «حسن التهامى»، الذى شغل منصب نائب رئيس الوزراء، خلال هذه الأيام، ولعب دوراً مهماً فى ترتيب التفاوض مع إسرائيل وإبرام معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية، وقد كان «التهامى»، كما يحكى من اقتربوا منه، يتمتّع بنزعة «صوفية» لا تخطئها العين. والواضح أنه كلما انتشرت الروح الصوفية فى مجتمع، هيّأه ذلك لقبول فكرة الإخوان، التى تجعل من التصوّف «عتبة ولوج» إلى الجماعة، ثم تأخذ العضو إلى دروب أخرى بعد ذلك.

بعد نصر أكتوبر 1973، بدأ «السادات» فى تمهيد الأرض، لتشكيل الدولة طبقاً لرؤيته، التى كانت مختلفة فى الكثير من معالمها وتفاصيلها عن رؤية «عبدالناصر»، لكن «السادات» وجد نفسه وهو يجذر معالم رؤيته، فى مواجهة مزلزلة واختبار عسير أمام المصريين، وذلك فى أحداث 18 و19 يناير، التى عبّر فيها الشعب عن رفضه لسياسات الدولة الساداتية الجديدة. كانت لدى «السادات» قناعة راسخة بأن الشعب معه، وأن من تحركوا ضده مجموعة من الرعاع الذين يقف وراءهم الشيوعيون وفلول الناصرية، وبدأ يفكر فى كيفية سحب البساط من تحت أرجلهم. وهداه تفكيره إلى الاستعانة بالإخوان كظهير شعبى يمكن أن يعمل فى خدمته. ولحظتها بدأ الميلاد الثانى للإخوان على يد عمر التلمسانى، وهو واحد من تلامذة المؤسس الأول للجماعة الشيخ حسن البنا.

القسم: 
المصدر: 

التجنيد فى «زوايا الإخوان»

عندما بدأ الإخوان فى الخروج من السجون كانوا فى حالة يُرثى لها، لكنهم سرعان ما استعادوا عافيتهم مدعومين بسلطة رئيس الدولة، وشرعوا فى إعادة بناء التنظيم وتجنيد جيل جديد من الكوادر. ومصطلح «تجنيد» هو اللفظ الذى يُستخدم فى وصف الفعاليات التى تسبق إلحاق العضو الجديد بالجماعة، حتى يصبح «أخاً من الإخوان» برتبة معينة. استغلت الجماعة حالة الوجد الصوفى التى أخذت فى الترسخ داخل الوجدان المصرى بعد نكسة 1967 وبدأت تعزف على وترها وتوضح أن «الصوفية» جزء من الإسلام، لكنها ليست كل الإسلام، وأن المسلم يستطيع أن يجد الدين كاملاً داخل الجماعة. وكان عمر التلمسانى -المرشد العام للجماعة حينذاك- متأثراً فى هذا النهج بخطوات المؤسس الأول «حسن البنا» الذى أنشأ الجماعة فى البداية على نحو صوفى ليسهل عليه التسلل إلى الوجدان المصرى المدموغ بالطابع المملوكى، ثم وسّع قاعدة التحرك بعد ذلك وجعل يردد أن «الإسلام الحقيقى» دين ودولة، عبادة وقيادة، مصحف وسيف.

كانت عبارة «الإسلام الحقيقى» من أكثر العبارات تردداً خلال فترة السبعينات، وكان كل طرف من «المتكلمين» باسم الإسلام يقدم فهمه للدين على أنه «الإسلام الحقيقى»، وأن غيره ينهض فقط بجزء من الإسلام، حتى فصائل الإسلام السياسى يطرح كل منها رؤيته للإسلام على أنه الإسلام الحقيقى، ويسفِّه من رؤية غيره، ويعتبر أنها بعيدة أشد البعد عن المفهوم الحقيقى للدين. دعنا نضرب على ذلك مثلاً يتصل بموضوع «الخروج على الدولة». لقد خرج شكرى مصطفى زعيم «التكفير والهجرة» يكفّر ويقتل، وأطلق على جماعته «جماعة المسلمين»، وخرج الجهاديون حاملين السلاح ضد الحاكم وقتلوا «السادات»، ثم خرجت جماعة الإخوان المسلمين -فى السبعينات- فزعمت أنها تنبذ العنف، وتفضل الانخراط فى العمل السياسى، وبدأت تشارك فى الانتخابات البرلمانية والنقابية طيلة حقبة الثمانينات وما تلاها، كانت ترفض الواقع، لكنها كانت تقدم رؤيتها للإسلام على أنها محاولة للإصلاح بالأساليب السياسية، وترك فكرة حمل السلاح ضد الحاكم، ثم خرج علينا السلفيون رافضين فكرة الخروج على الحكم من الأصل، حتى ولو أخذ الأمر شكل التظاهرات أو الاحتجاج بالصوت. ولعلك تذكر مواقف هؤلاء الفرقاء الذين يعملون تحت يافطة «إسلامى» قبل ثورة 25 يناير 2011.

منذ السبعينات وحتى الآن تتبرأ جماعة الإخوان من العنف وتزعم اللجوء إلى الوسائل السياسية لتحقيق أهدافها، لكن المراقب لأداء الجماعة يجد أنها تميل -منذ عصر السادات- إلى السرية فى المراحل الأولى لتجنيد أعضائها، ولا تقتصر السرية هنا على مجرد العمل مع العضو بعيداً عن الأعين حتى يتم إعداده وتهيئته لقبول فكر الإخوان، بل بتعمية العضو نفسه عن الهدف الأساسى الذى تسعى إليه الجماعة وهى تقدم له «الإسلام الحقيقى»، لذلك لا تحرص الجماعة على تربية العضو الجديد داخل المساجد الكبرى، بل تميل أكثر إلى الاعتماد على الزوايا. والزوايا جمع «زاوية» وهى عبارة عن حجرة صغيرة قد تكون ملحقة ببناية، وقد تكون مبنى مستقلاً، لا تزيد مساحتها على عدة أمتار، وتتسع فى العادة للعشرات من الأفراد، وتتيح لهم فرصة ممارسة شعيرة الصلاة فيها.

وتنتشر الزوايا عادة فى القرى والنجوع داخل الأرياف وبالمناطق العشوائية داخل المدن، حيث يهب أحد أهل الخير هذه الأمتار المعدودة من الأرض لتقام عليها الصلوات. وربما فسر لك انتشار هذه الزوايا داخل القرى والمناطق العشوائية رسوخ دعوة الإخوان داخل الريف المصرى من ناحية وداخل الأحياء العشوائية من ناحية أخرى. ولك أن تعلم أن كافة الدعوات السرية فى تاريخ الإسلام اعتمدت على «زوايا التعبد» كأداة من الأدوات التى تُستخدم فى إعداد وتجهيز الأتباع والكوادر. ولعلك تذكر حديث الرئيس الدكتور «محمد مرسى» عن «الحوارى المزنوقة» وهو يشير إلى من يتآمرون ضده. وهو حديث يعكس خلفية تفكير «كادر إخوانى» ريفى، يستوعب خطورة العمل فى شقوق الحوارى والأزقة التى تتحدد فى العقل الإخوانى فيما يطلق عليه «الزاوية».

القسم: 
المصدر: 

خلطة كشك

حتى تكتمل خلفية المشهد الذى مكّن جماعة الإخوان من الدخول إلى مرحلة «الميلاد الثانى» فى السبعينات، من المهم أن نتوقف أمام واحدة من الظواهر اللافتة التى هيّأت المناخ لنشر أفكار الجماعة، (بالإضافة إلى ثقافة النكسة، وحالة الدروشة الصوفية التى ضربت المصريين)، وتتمثّل فى الخطب المنبرية التى كان يلقيها عدد من الخطباء المشاهير ويتم تداولها حينذاك عبر شرائط الكاسيت، من هؤلاء الخطباء على سبيل المثال الشيخ إبراهيم عزت، والشيخ محمد الغزالى، والدكتور عبدالصبور شاهين، والشيخ عبدالحميد كشك.

وكان الأخير «كشك» أخطر هذه الأسماء على الإطلاق، وأكثرها قدرة على التغلغل والتأثير فى آذان البسطاء من المصريين.

الشيخ «كشك» ظاهرة تشهد على عصر، فقد كان الجمهور الذى يحرص على حضور خطبته للجمعة، وأحاديثه بمسجد دير الملاك -أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات- يُعد بالآلاف الذين يتزاحم بهم المسجد، والشوارع المحيطة به من كل الاتجاهات، وكانت خطبه تتميز بالطول، وكان بارعاً فى تأسيسها على خلطة -يصح أن تصفها بالخلطة الصوتية- تتفاعل فيها الآيات القرآنية، مع الأحاديث النبوية، مع الأبيات الشعرية، ويختلط فيها الدينى بالدنيوى، وفى الدرس الذى اعتاد أن يعطيه لمُريديه بعد الخطبة كانت تختلط الفُصحى بالعامية، والجاد بالهزل، والهجوم الحاد على رجال السياسة والفن، بالنكات والقفشات المضحكة. خلطة كانت تعجب الكثيرين، ودفعت الكثير من الخطباء إلى تقليده.

وأتصور أن الشيخ «عبدالحميد كشك» أنشأ ملمحاً جديداً فى خطب الجمعة، وهو ذلك الملمح الذى تتحول فيه الخطبة إلى حالة من حالات الدروشة الجماعية، حين كان يُردّد: مَن الواحد؟ فيرد الحاضرون: «الله»، مَن الأحد؟: «الله»، مَن القادر؟: «الله»، وهكذا يُعدّد أسماء الله الحسنى والناس تصرخ من ورائه «الله.. الله.. الله»، ثم يصرخ فيهم «وحّدوا الواحد»، فيرد الحاضرون «لا إله إلا الله»، ثم يصمت بعض الوقت نتيجة ارتفاع أصوات البعض بالنشيج والبكاء!.

استطاع الشيخ «كشك» أن يخلق حالة بين المصريين يمكن وصفها بـ«الحالة الصوتية»، فجمله كانت ذات إيقاع صوتى خاص جداً، خصوصاً عندما كان يوجّه سهام نقده إلى رجال السياسة والشخصيات العامة، لكنك إذا فكّرت فيها فسوف تشعر بأنها تعانى «فقر دم» مفزعاً على مستوى المضمون.

فزع الشيخ «كشك» من الطريقة التى يستهلّ بها «السادات» خطاباته «بسم الله»، فكان يلومه، قائلاً: «أثقلت عليك الرحمن الرحيم يا فاجر»؟!.

والجملة لا تحمل أى معنى، إذا أخذنا فى الاعتبار أن «السادات» لم يكن يتلو سورة من سور القرآن الكريم، وعندما كان يذكر السادات آية من آيات الذكر الحكيم -وكثيراً ما كان يفعل- كان يسبقها دائماً بالبسملة كاملة، وبالتالى فالجملة الصوتية اللافتة التى كان يرددها الشيخ «كشك» فى ذم «السادات» لم تكن تحمل معنى ذا بال، ومع ذلك فقد كانت تتردد على ألسنة الناس وقتها.

كان عداء الشيخ «كشك» لأم كلثوم مستحكماً، حتى بعد وفاتها، رحمها الله، فقد كان يردّد: «أم كلثوم تقول: كل نار تصبح رماد مهما تقيد.. طيب أخبار نار جهنم إيه يا ست؟!». كان الشيخ يردّد تلك العبارات فتعلو ضحكات الحاضرين، وترتسم على وجوههم أمارات الإعجاب به. ومن بين هؤلاء الضاحكين من كان يوصف فى الستينات بأنه «يفطر فول ويتغدّى كورة ويتعشى أم كلثوم»!.

والعجيب أن الشيخ كان يلهب «أم كلثوم» بهذه السياط الكلامية، فى الوقت الذى لا يخجل فيه من ترديد أبيات شعرية من قصائد غنّتها، خصوصاً القصائد الدينية، التى كان لها دور خطير -حين شدت بها- فى الارتقاء بفكر وأحاسيس وذوق المستمع المصرى.

القسم: 
المصدر: 

أحزان شعب.. وشماتة جماعة

خيوط فجر الخامس من يونيو 1967 تتسلل بضوئها بين ثنايا الظلام لتحيل خيوطه السوداء إلى بيضاء تسر الناظرين من أهالى المحروسة. على الجانب الآخر كان العدو يعد العدة ويضع اللمسات الأخيرة للهجوم على مصر، مرت ساعات الصباح ووصلنا إلى الضحى ومنه إلى الظهيرة. ساعتها كان كل شىء قد انتهى واحتُلت سيناء. فى التاسع من يونيو خرج جمال عبدالناصر بوجه غير الوجه الذى تعود أن يواجه به الناس. وبصوت كسير وكلمات حزينة واجه المصريين بالحقيقة المرة. لقد هُزمنا واحتُلت الأرض.

حزن عظيم اعتصر قلوب المصريين، بل قل لم يحزن المصريون فى تاريخهم المعاصر كما حزنوا وهم يسمعون كلام «عبدالناصر» الناطق بالهزيمة والانكسار. الإخوان وحدهم كانوا استثناءً داخل المشهد العام، ربما يكون بعضهم قد شارك غيره الأحزان على الهزيمة وضياع الأرض، لكن أغلبهم استسلم لإحساس عميق بالشماتة فى عبدالناصر ونظامه. إحساسهم كان كذلك وهم يسمعون أخبار الشهداء من الجنود والضباط فى حرب اليمن. فى ذلك التوقيت وتحديداً عام 1962 (وهو أيضاً عام اندلاع حرب اليمن) شدت أم كلثوم بأغنية «حسيبك للزمن» فحوّلها الإخوان إلى نكتة غيرت الأغنية إلى «حسيبك لليمن»، وأخذوا يتندرون بها على عبدالناصر، كما سجّل نجيب محفوظ فى روايته «الباقى من الزمن ساعة». وكلنا يعلم أن «محفوظ» كان مستمعاً جيداً لما يدور فى الشارع المصرى وينقله طازجاً إلى رواياته.

نفوس المصريين كانت تطحنها الهزيمة، عاشوا حالة اضطراب وارتباك وجلد للذات غير مسبوقة. ولم يكن لـ«الإخوان» أن تفوت هذه الفرصة فعندما تهتز نفس الإنسان ويرتبك عقله يسهل اختراقه. أخذت الجماعة تروج بأن البعد عن الله هو السر فى هزيمتنا فى الحرب. أحد الكتاب حينذاك أنشأ يقول: «الهزيمة وقعت بسبب بعدنا عن الله، وأننا كنا نظن أن النصر بأيدينا، ولم نفهم أن النصر من عند الله، فكانت النتيجة أن تكسرت أسلحتنا، ومات جنودنا فى صحراء لا ترحم، وتسممت معيشتنا فى كل الاتجاهات». بدأ الإخوان يرددون فيما بينهم أن «الله لا ينصر قاتل سيد قطب فى معركة يدخلها». لعلك تعلم أن الشيخ «الشعراوى» قال ذات يوم إنه صلى لله ركعتى شكر بعد هزيمة 67. الله تعالى يُحمد ويُشكر فى السراء والضراء، لكن الشيخ كثيراً ما كان يعبر عن عدم رضائه عن ارتماء مصر فى أحضان الاتحاد السوفيتى الذى لا يؤمن أهله بإله.

فى سبتمبر 1970 توفى الرئيس جمال عبدالناصر، وتدفقت جموع المصريين إلى الشوارع فى وداعه، وعاشت مصر فصلاً جديداً من فصول الحزن والانكسار. تولى الرئيس أنور السادات حكم مصر واختلفت وقتها ردود فعل الناس نحوه، ما بين مرحب به، وكاره له وشاعر بالفرق بينه وبين الرئيس السابق. وخرج «السادات» فى خطابه الأول الذى وجهه للشعب يشكر من قال له «نعم»، ومن قال له «لا»، فتناقلت ألسنة المصريين نكتة تقول: «عندما خطب السادات وجه الشكر لمن قال له نعم ومن قال لا.. ووجه شكراً خاصاً إلى (أمّه نعيمة) التى قالت له نعمين»!. و«أمه نعيمة.. نعمين» كانت أغنية شهيرة لليلى نظمى تذاع فى الراديو ليل نهار فى ذلك الوقت.

القسم: 
المصدر: