د. لميس جابر

يوم المرأة المصرية.. بين الحقيقة والفيس بوك

لا أعرف إلى متى يستمر استسهال اللغو التاريخى وتأليف أحداث لم تحدث، وكتابة أسماء وهمية، بل وانتشار المعلومة على أوسع نطاق فى وسائل الخراب والجهل الاجتماعى لتنقلها المواقع ويرددها الإعلام ويرسلها الناس لبعضهم البعض وهى فى الأول والآخر بعيدة تماماً عن حقائق التاريخ.

كان يوم 16 مارس 2019 هو يوم المرأة المصرية رقم 100 حيث إن الحدث وقع فى مارس 1919 وقيل الآتى: «زى النهارده من 100 سنة سقطت نعيمة محمد عبدالحميد، وحميدة خليل، وفاطمة محمود، ونعمات محمد، وحميدة سليمان، ويمنى صبيح، شهيدات فى أول مظاهرة نسائية تطالب باستقلال الوطن ورحيل المحتل عن أراضينا، وأصبح هذا اليوم عيداً للمرأة المصرية».. كان هذا ما قيل وانتشر وتوغل وطغى ولكن للأسف الحقيقة شىء آخر.

أولاً: الاسم الوحيد الحقيقى فى أسماء الشهيدات الستة هو «حميدة خليل»، وهى أول شهيدة فى ثورة 1919 وقد سقطت فى مظاهرة فى السيدة زينب يوم الجمعة الموافق 14 مارس 19 وهى من كفر الزغارى بالجمالية وهذه المعلومة من دفاتر أقسام العاصمة (عبدالرحمن الرافعى).

ثانياً: الأحد 16 مارس كانت مظاهرة النساء هى أول مشاركة من المرأة المصرية فى أحداث الثورة وكان الغرض منها الاحتجاج على ما أصاب الأبرياء من القتل والتنكيل فى المظاهرات السابقة وخرجت سيدات وآنسات مصر وعددهن يزيد على الثلثمائة من كرام العائلات وأعددن احتجاجاً مكتوباً ليقدمنه إلى معتمدى الدول باللغتين الإنجليزية والفرنسية، وهذا تعريبه: «جناب المعتمد.. ترفع لجنابكم السيدات المصريات أمهات وأخوات وزوجات من ذهبوا ضحية المطامع البريطانية، احتجاجهن على الأعمال الوحشية التى قوبلت بها الأمة المصرية الهادئة لا لذنب ارتكبته سوى المطالبة بحرية البلاد واستقلالها تطبيقاً للمبادئ التى أعلنها الدكتور ويلسن -رئيس الولايات المتحدة فى ذلك الوقت- وقبلتها جميع الدول محاربة كانت أو محايدة. ونرجو أن ترفعوا هذا لدولتكم التى أخذت على عاتقها تنفيذ هذه المبادئ وإبلاغها ما شاهده رعاياكم من أعمال وحشية وإطلاق رصاص على الأبناء والأطفال والأولاد والرجال العزل لمجرد احتجاجهم بالمظاهرات السلمية على منع ممثلى الأمة من السفر للخارج لعرض قضية مصر على مؤتمر الصلح أسوة بباقى الأمم بل واعتقالهم وتسفيرهم إلى جزيرة مالطا». وسارت السيدات فى صفين متوازيين يحملن الأعلام الصغيرة وطفن فى الشوارع الرئيسية فى موكب كبير، هاتفات بحياة الحرية والاستقلال وسقوط الحماية وقوبلن فى كل مكان بتصفيق الناس وهتافهم، وأخذت النساء من شرفات ونوافذ المنازل يقابلنهن بالهتاف والزغاريد، ومررن بدور القنصليات ومعتمدى الدول الأجنبية لتقديم الاحتجاج المكتوب. وعندما وصلت المتظاهرات إلى شارع سعد زغلول فى محاولة للوصول إلى بيت الأمة ضرب الإنجليز حولهن حصاراً وسددوا البنادق والحراب تجاههن مهددين، وبقيت السيدات هكذا ساعتين تحت وهج الشمس فلم يخفن من التهديد بل تقدمت واحدة منهن تحمل العلم إلى جندى وجه إليها البندقية وقالت له بالإنجليزية، ما ترجمته: «نحن لا نهاب الموت.. أطلق بندقيتك إلى صدرى لتجعلوا فى مصر مس كافل ثانية».

و«مس كافل» هذه هى الممرضة الإنجليزية الشهيرة التى أسرها الألمان فى الحرب العالمية الأولى -والتى سبقت هذه الأيام بخمسة أعوام فقط- واتهموها بالجاسوسية وأعدموها رمياً بالرصاص وكان لمقتلها ضجة كبيرة فى العالم كله وأصبحت رمزاً وطنياً للإنجليز.. فخجل الجندى وفتح الطريق للسيدات، وعدن فكتبن احتجاجاً ثانياً على هذه المعاملة الغاشمة وألحقنه بالاحتجاج الأول.. وغير ذلك.

وبعد أربعة أيام، وفى 20 مارس 1919، خرجت المتظاهرات للمرة الثانية من جاردن سيتى لقصر العينى إلى شارع سعد وبيت الأمة هاتفات حاملات الأعلام المكتوب عليها:

«1» إننا نحتج على سفك دماء الأبرياء العزل من السلاح.

«2» نحتج على قتل الأبرياء.

«3» نطلب الاستقلال التام..

وغيرها من المطالب مترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية، وحوصرن مرة أخرى أمام منزل «سعد» نحو ساعتين فى الشمس، وأرسلن الاحتجاجات إلى سفارات الدول، وجاء القنصل الأمريكى وشاهد الحصار فأسرع إلى القيادة البريطانية واحتج على هذه الفظاعة فصدر الأمر برفع الحصار.

هذه هى حكاية يوم المرأة المصرية.. إذن، هو ذكرى أول مشاركة نسائية فى الثورة المصرية. وكتب عبدالرحمن الرافعى أسماء السيدات والآنسات من التوقيع فى أصل وثيقة الاحتجاج، وهن على سبيل المثال: حرم سعد باشا زغلول «أم المصريين» هدى هانم شعراوى- حرم محمد سعيد باشا «خال الملكة فريدة بعد ذلك»- حرم إسماعيل صدقى باشا- حرم إسماعيل سرى باشا- حرم محمود سامى البارودى، كريمة محمود سامى البارودى- كريمة حنا بك مسيحة- حرم على بك مبارك- حرم ويصا واصف- كريمة إسماعيل باشا أباظة وكريمة محمود أباظة والسيد أباظة وعبدالله بك أباظة- حرم بهى الدين بركات «وهم عائلة والدة سعد زغلول»- حرم قاسم أمين، وكتب فى هذا الحدث الشاعر حافظ إبراهيم قصيدة رائعة فى مظاهرة السيدات يقول مطلعها:

«خرج الغوانى يحتججن.. ورُحت أرقب جمعهنه

فإذا بهن تخذن من سود الثياب شعارهنه

فطلعن مثل كواكب يسطعن فى وسط الدجنة

وأخذن يجتزن الطريق ودار «سعد» قصدهنه

وإذا بجيشٍ مقبل والخيل مطلقة الأعنة

وإذا الجنود سيوفها قد صُوّبت لنحورهنه».

وأى فرق بين اللغو والتاريخ.. والله حرام.

القسم: 
المصدر: 

اليهود وادعاء الاضطهاد

قامت القيامة حول موضوع عقيم، وهو اضطهاد اليهود فى مصر، وأنهم مصريون لحماً ودماً، فقط يدينون باليهودية، وأنهم قد لوحقوا وطردوا من وطنهم، و«هُجروا قسراً» من ديارهم، وأُحرقت مؤسساتهم ومصانعهم وذاقوا صنوف الويل، حتى أوشكوا على الفناء من أرض مصر...!! قيل هذا، ولأننا فقدنا كيفية الحوار الهادئ ورد الرأى بالرأى والحجة بالحجة، فقد تحول النقاش إلى سباب وشتائم واتهام سهل وسريع بالخيانة والعمالة. ولأن التاريخ المأسوف على شبابه بعيد جداً عن عقول المتشابكين، رغم وجود الكتب، فنحن إذن فى حوار الطرشان. والمسألة سهلة جداً، فالتاريخ يقول:

أولاً: بداية من عام 1945 وحتى عام 1949 اجتاحت البلاد سلسلة من موجات القتل والاغتيال، بدأت بالدكتور أحمد ماهر فى فبراير 1945 فى البرلمان، وكان القاتل إخوانياً، ثم المستشار الخازندار عام 1948، وسليم زكى، حكمدار القاهرة. ومنذ عام 1946 تعددت الحوادث، وفى عام 1947 فى شهر مايو وُضعت قنبلة شديدة الانفجار فى دار سينما مترو، وانفجرت وأودت بحياة خمسة من المواطنين وأصابت الكثيرين، وتكررت كذلك فى الإسكندرية ضد الجنود الإنجليز، وقام الإخوان بنسف منزل النحاس باشا بجاردن سيتى بعربة مفخخة. وفى يوليو 1948 أُلقيت القنابل على محل شيكوريل ومحل أوريكو بشارع فؤاد (26 يوليو)، وانفجرت قنبلة أخرى فى محل عدس بشارع عماد الدين، وفى أغسطس وقع انفجاران شديدان أمام محل بنزايون بميدان مصطفى كامل، ومحال جاتينيو بشارع محمد فريد، وانفجار آخر بالمعادى فى مبنى شركة أراضى المعادى، وكان الإخوان وراء كل هذه الاغتيالات والانفجارات، خاصة بعد عودتهم من حرب فلسطين وقد تدربوا على حرب العصابات والتفجير وسفك الدماء.

والغريب أن الدولة المصرية أيامها رأت أن أغلب المحلات التى تم تفجيرها هى محال يهودية، فوضعت عليها حراسة مشددة، حماية لها من إعادة الاعتداء. ورغم ذلك، وفى سبتمبر من نفس العام، حدث انفجار هائل فى حارة اليهود أودى بحياة عشرين قتيلاً وأدى إلى إصابة 61 شخصاً وانهيار أربعة منازل، وبعدها فى نوفمبر أُطلقت النيران على النحاس باشا أثناء دخوله إلى منزله، وفى نفس الشهر حدث انفجار مروع فى مبنى شركة الإعلانات الشرقية أدى إلى تخريب المبنى وإصابة بعض المبانى القريبة، وفى 15 من نفس الشهر ضُبطت سيارة جيب فى حى الوايلى مملوءة بالمواد الناسفة والمفرقعات والأسلحة والذخائر، وعُرفت بقضية «العربة الجيب». وانتهت هذه السلسلة بحل جماعة الإخوان ثم اغتيال النقراشى باشا فى 28 ديسمبر من عام 1948. إذن كان الحرق والتدمير والتفجير من صنع الإخوان المسلمين، حتى انفجار حى اليهود نفسه كان من تدبيرهم، وفى قول آخر أنه كان من بينهم بعض الصهاينة الإرهابيين أعضاء جماعة «شتيرن» الإرهابية ودبروا هذه الهجمات لإجبار العائلات اليهودية المصرية على الهجرة إلى إسرائيل، نظراً لرفضهم الهجرة بالدعوة الحسنة والترغيب.

ثانياً: مسألة التأميم والمصادرة، فيقول التاريخ إنه فى 26 يوليو 1956، وبعد تأميم القنال بساعات، جمّدت إنجلترا وفرنسا أرصدة مصر وودائعها لديها، وأرسلت تعليمات لعملائها وللبنوك الأجنبية فى مصر بعدم مسايرة الاقتصاد المصرى، فامتنعت البنوك عن تمويل محصول القطن وعن التمويل الصناعى والتجارى، لشل حركة المعاملات التجارية وهو ما عُرف، ونحن صغار، بـ«الحصار الاقتصادى». لذلك فى نوفمبر 1956، بعد العدوان الثلاثى على مصر، صدرت قرارات فرض الحراسة على مؤسسات وأموال الرعايا الإنجليز والفرنسيين، وبلغ عدد المؤسسات ألفاً وخمسمائة مؤسسة وُضعت كلها تحت الحراسة، منها شركات تأمين وبترول وتعدين وخلافه. وفى 14 يناير 1957 صدر قانون تمصير البنوك، وكانت هذه البنوك تتحكم فى نحو 158 مليون جنيه من ودائع المصريين، مع أن هذه البنوك لا يزيد رأس مالها المستثمر فى مصر عن 2 مليون جنيه، وفى نفس اليوم صدر قانون تمصير شركات التأمين، وكان فى مصر وقتها 135 شركة تأمين، منها 123 شركة غير مصرية، ثم تم تمصير تسعة بنوك والوكالات الأجنبية. إذن كانت قرارات التمصير والتأميم موجهة بالأساس للإنجليز والفرنسيين، وبالطبع كان من بين هذه الشركات، خاصة شركات التأمين، شركات يهودية يمتلكها يهود مصريون، لهذا لم يكن التأميم موجهاً لليهود بشكل خاص، ولم نسمع ونحن صغار حتى بعد حرب 1956 -رغم أن إسرائيل هى التى بدأت علينا الحرب- بأنه قد تم طرد يهود مصر قسراً وعدواناً، ولم يسجل التاريخ واقعة واحدة، وأنا شخصاً لست من دراويش عبدالناصر الذين انبروا يطلقون الحنجورى دون حجة ولا واقعة تاريخية، ولكن التاريخ يؤكد أن عبدالناصر لم يتخذ قراراً خاصاً بممتلكات اليهود بغرض الاضطهاد، ولكن كان التمصير على كل الجنسيات الأجنبية بشكل عام بعد محاولاتهم فرض حصار اقتصادى على مصر بعد تأميم القنال.

ولست هنا بصدد تقييم هذه القرارات، ولكنى أقر واقعة تاريخية.. وإذا كان بعض الصهاينة يروجون هذا الأمر ليكسبوا تعاطف البعض عندنا ليطالبوا بتعويضات فأنا شخصياً أول من يوافق، بشرط أن تكون المعاملة بالمثل، ولنأخذ أولاً تعويضاً عن استغلال سيناء وخاماتها الطبيعية لمدة ست سنوات، ولنأخذ تعويضاً عن شبابنا الذين دُفنوا أحياء فى 1967، وتعويضاً عن مدن السويس وبورسعيد والإسماعيلية التى هُدمت وهاجر أهلها إلى أنحاء البلاد قسرياً خوفاً من الهلاك.. وكذلك تعويض للفلسطينيين عن كل منزل وكل حقل من حقول الزيتون وعن كل طفل وامرأة وشاب وشيخ قُتلوا منذ عام 1947 وحتى يومنا هذا، ولتكن حادثة «دير ياسين» ماثلة فى الأذهان، لأنها مثال يدرس لما يسمى «التهجير القسرى» بعد القتل والسحل وشق البطون والحرق والذى منه. التاريخ دائماً يقول الحقيقة، دعونا نفتح الكتب لنقرأ قبل أن نشن الحروب الكلامية ونطلق السباب والاتهامات التى تجعل اليهود يشاهدوننا الآن ويضحكون بعد أن نجحوا فى استمالة البعض بالمسكنة والنحنحة والكذب وادعاء الظلم البيِّن وهم خبراء محنكون فى هذا الأمر يمارسونه على مختلف دول العالم.

القسم: 
المصدر: 

الفرق كبير يا مسكين

فرح السيد محمد ناصر بمقالى السابق عن الإعلام وما حدث له.. فرح لأننى حذرت، وبشدة، من أن إعلام الصوت الواحد لدينا يدفع الناس دفعاً لمشاهدته هو وأمثاله. وبعد أن سبَّنى سباً شخصياً رخيصاً، وبعد ما سب الدولة والرئيس والقضاء والمجتمع والناس، قال بكل فخر إنه وأمثاله هم الأحرار والثوار.. هم أصحاب الأصوات المعارضة. تخيل المسكين أن ما يفعله هو الحرية، وأن ما يقوله هو الحق، وأنه يستطيع هو وزملاؤه فى القنوات المشابهة ما لم يستطعه أحد. ظن، وصدَّق ظنونه، بأنه حر، وأننا لسنا كذلك.. اعتبر أن ما كتبته أنا فى الأسبوع الماضى هو انتصار له ولأشباهه من أصحاب المهمات السهلة، فما أسهل خيانة الوطن، وما أحلى الثمن وما أبخسه. ظن أننى أشهد بنجاحه، بينما أنا أحذر من فيروس مرضى خطير، وأدق ناقوس الحذر من سم قاتل يعبث بالعقول.. وشتان بين الظن والحقيقة.

قال بكل حماس: نحن المعارضة، ونحن أصحاب السقف العالى، وليس لدينا محاذير. وقال بالطبع إننا هنا فى مصر لسنا كذلك. الفرق يا مسكين كبير جداً.. إذا كنت أنا وغيرى نكتب بحرية فى صحف مصرية، ولا يصادَر لنا مقال، ولا تُمنع لنا كلمات، فنحن الأحرار ولست أنت.. إذا كنت وغيرى قادرين -حتى فى ظروف الإعلام هذه الأيام- أن ننقد ما يحدث بحرية وجرأة، بل و«حدّة»، وأن ندين المسئولين عما حدث، وعلى صفحات الصحف المصرية، فنحن الأحرار ولست أنت.. نحن هنا على أرض مصر نكتب فى صحف مصرية، ونتحدث بكل ذلك فى إعلام مصرى.. نحن هنا نتكلم ونعارض ونختلف ونخالف ونحذر بكل حرية من مغبة الأمور.. نحن هنا فى مصر، على أرضها وبين ناسها وعلى أوراق صحفها.. الفرق كبير يا مسكين، فأنا أسير فى الشوارع وبين الناس، يحيطوننى بكل الحب والود والاحترام، يقدِّرون ما أكتب، ويهنئوننى على مقالاتى.. يطلقون علىَّ أجمل وصف يمكن لمصرى أن يحصل عليه: «يا ست يا وطنية».. أعيش بينهم.. أشعر معهم بالأمان والطمأنينة.. فأنا أحب الوطن، وأعارض من أجل رفعته وكماله.. أعارض لأننى لا أريد أن أرى نقيصة تلطخ الثوب.. نحن، المعارضين من هنا، من فوق أرضها، نعارض حباً، ونهيم شوقاً إلى وطن زاهٍ حر قوى، وهو ما سوف يحدث بإذن الله، رغم العثرات. أما سيادتك وزملاؤك المنتشرون فى قطر وتركيا، فتعملون كالمرتزقة العبيد لدى حكومات خرقاء تحركها أصابع الغرب والصهاينة.. تحشو أفواهكم بالدولار والريال لتناصبوا بلدكم العداء. وهى مهنة سهلة جداً، لا تحتاج لمقومات أكثر من ضمير غائب ولسان سليط، وبعد ذلك تظن بأنك أنت الحر؟!

ومع ذلك أدعوك بإخلاص إلى أن تحاول ممارسة الحرية.. تعال.. تعال إلى مصر.. اهبط فى مطار القاهرة، وسر على بركة الله فى الشوارع، وحاول أن تجلس على مقهى، حتى لو كان يعرض برنامجك على شاشته، وحاول أن تتحمل رد فعل الناس.. لا تنخدع فى من يشاهدونك على الشاشة، لأنهم لو شاهدوك فى الحقيقة ستكون كارثة.. حاول أن تغامر.. تشجع وانزل إلى أرض مصر، وقل ما تقوله الآن وسط ناسها وعلى أراضيها.. هذه هى الحرية فعلاً.. ولكنك هناك بعيداً على أرض غريبة تجلس فى التكييف وتحت الإضاءة، حيث السباب سهل.. تقبض وتتحدث حسب هواء من اشتروك. يحركونك كما يريدون.. يضعون الكلمات على لسانك بالأوامر، وإذا تخاذلت يوماً كانت نهايتك.. لذلك ستظل حبيساً فى مهمتك المشينة هناك، بينما نحن هنا -ورغم الظرف الصعبة- نستمتع ببلدنا.. نسير على شاطئ النيل.. تحت شمسها، فوق ترابها، نأكل من خيرها، حتى لو كان قليلاً، نلقى النكات على المسئولين وعلى أنفسنا، ونتبادلها ونضحك من القلب.. نشكو همومنا لبعضنا البعض، ونثور ونعترض، ثم نقول بكل الحب: «بس خير بإذن الله».. تعال يا مسكين -إن استطعت- إلى أرض مصر، واسأل البسطاء المطحونين: كيف الأحوال؟ ستسمع جملة عبقرية يقولها كل أولاد البلد: «الحمد لله، فى نعمة والله». هؤلاء هم المصريون حتى لو كانوا يشاهدونك من باب الملل، ومن باب «الفرجة اللى ببلاش»، لأنهم بعد أن يفرغوا من سلاطة لسانك، سيحولون المحطة قائلين: «بس راجل خاين».. هكذا بكل بساطة.

فى السبعينات ذهب فنان مصرى إلى بلد عربى يناصب السادات العداء، وعمل لديهم فى الإذاعة، وأخذ يسب مصر ويشكك فيها، ويسب السادات، ويقبض من حاكم الدولة «الشجيجة» بالدولار والدينار، وظل هناك، وانتهت المهمة، لكنه لم يستطع أن يعود، بل لم يجرؤ على مواجهة الناس حتى لو كانوا معارضين للسادات نفسه.. انتقل إلى دولة «شجيجة» أخرى، وظل يقبض ويسب، إلى أن مات فى المنفى وحيداً ملوَّثاً.. وهذا مصير كل خائن.

أما أنا، وعندما يأتينى الأجل، فسوف يشيعنى المئات من المحبين إلى مثواى الأخير، وستنهمر كلمات الرثاء خلفى.. سيقولون، حتى لو اختلفوا معى: عاشت محبة للوطن، وماتت وقلبها معلق بمستقبله وأرضه وناسه.. صدِّقنى، الفرق كبير يا مسكين.

القسم: 
المصدر: 

الرحلة من «البيت بيتك» إلى «مكملين»

لا أدرى، ولا أعتقد أن أحداً يدرى، ماذا يحدث فى الإعلام المصرى.. فقط شعرنا جميعاً أن القنوات كلها قد تم «ضربها فى الخلاط» مع بعض وخرجت النتيجة كما نرى الآن وكما نحاول أن نفهم.. بعض البرامج تحركت بحالها واسمها وديكورها إلى قنوات أخرى مثل لعبة الكراسى الموسيقية، والبعض الآخر تم تغيير المحطة واستبدال المذيع بمذيع ومذيعة بلا داعٍ.. الموضوعات أصبحت مسطحة شبه تافهة متشابهة.. يتوجه الأغلب إلى الغناء والفن والطبيخ والكبدة والفشة.. ثم يعود المناضل القديم بتوجه غريب ويسب الفن والفنانين ويتهمهم بالسرقة العلنية ويدق على وتر صراع طبقى بين مبيض المحارة وممثلة مشهورة لتأليب فئات الشعب على بعضها البعض.. البعض الآخر يتولى تربية وتهذيب وإصلاح من يخالفهم فى الرأى أو من يخالف توجهاتهم والتى لا أعلم من أين تأتى!!

لا يهم الآن أن أعرف ما يجرى أو ما قد جرى بالفعل.. المهم هو النتيجة التى وصلنا إليها نحن مشاهدى التلفاز والقنوات والتوك شو الذى أصبح نسخاً متشابهة لا يمكن تفرقة مواضيعها إلا بشكل المذيع واسمه وديكور البرنامج.

الرحلة من زمن بدأت عام 2004 فى برنامج توك شو يعتبر معارضاً داخل أروقة مبنى التليفزيون المصرى وفى نفس العام حدثنى رئيس تحرير البرنامج يطلب استضافتى فتحججت بأننى لا أحب حديث زوجات النجوم والفنانين وهل يحبون المكرونة أم المحشى وهل هو عصبى أم هادئ، ولكن فاجأنى رئيس التحرير المحترم بشىء مختلف تماماً.. وقال لى: «إحنا هنناقش معاكى أهم مقالاتك وقد أعددنا الموضوع جيداً».. وذهبت وبالفعل تحدثت عن مقال لى نُشر فى الكواكب فى 2004 بعنوان «أنا بنت الثورة.. والثورة بنت مين؟»، وكان مقالاً شديد اللهجة فى هجومه على ثورة يوليو.. ومنذ هذا اليوم وإلى أن توقف برنامج «البيت بيتك» عام 2010 كنت وكنا جميعاً نتابعه لأنه يعتبر توك شو معارضاً وكنت أنا شخصياً ضيفة على هذا البرنامج عدة مرات وكنت أتحدث بكل صراحة وبلا أى محظورات، وأعود لأقول كان برنامجاً داخل تليفزيون الدولة الذى يحاول الآن الإفاقة من الاحتضار دون جدوى.. ثم جاءت يناير وانهمرت القنوات وسالت على رؤوسنا البرامج من كل فج عميق حتى أغرقتنا وكان الانفتاح فى الكلام والسباب والاتهامات والتأييدات والقوائم السوداء والبيضاء والسبوبة والملايين من قطر وغيرها، وانزوى التليفزيون العربى المصرى، الذى ولد عملاقاً، فى غفلة من الزمان بلا رجعة.. وجاء «مرسى» واحتلت الذقون على كل أطوالها صدارة الشاشات وتسابق السادة الإعلاميون فى التزلف والتملق والحب والطبطبة وواجبات الضيافة إلى أن هلت بشاير 30 يونيو فانقلب ظهر المجن وانبرى الأحبة فى الهجاء ثم السباب وركب الجميع طائرة القوات المسلحة التى رفرفت فوق رؤوس الشعب الصادق الذكى. والحمد لله زالت الغمة ولكن زاغ معها الإعلام يبحث عن هوى الناس فى الشارع حتى لا يضل الطريق.. واستعاد الإعلام بعض التوازن واحتفظ ببعض الاختلاف وإلى ذلك الوقت كانت الفوارق موجودة.. البعض يقف مع الوطن بوعى وعقل والبعض الآخر يمسك بمنتصف العصا والبعض «يضرب ويلاقى ويلاعب»، والبعض هرب إلى تركيا وقطر وأطل علينا من قناة «مكملين» و«الشرق» المولودتين من جوف «الجزيرة» العفن.. وظل الحال هكذا يحمل قدراً ولو ضئيلاً من الاختلاف وبعض الرؤى المعارضة على استحياء والتى تجعل للناس متنفساً ولو ضئيلاً للشكوى من الظروف الطاحنة التى لا يستطيع أحد إنكارها.. ولكن.. بعد الأحداث الأخيرة، والتى ما زلت لا أفهمها، تسطح الإعلام كله تماماً.. اختفى مذيعون ومذيعات على قدر من الجودة والمهنية وجىء بآخرين أقل كثيراً فى كل شىء.. هرب من هرب لقناة أجنبية مؤثراً السلامة واستمر من استمر بنفس الحنجورى القديم والصراخ، حتى أصحاب الكلمة الهادئة العاقلة خفتت أصواتهم إلى حد الهمس العقيم.. وعدنا إلى أيام الإعلام الشمولى الذى يُسبح ويصفق ويهلل ويتشاجر ويتعارض فى كرة القدم فقط.. وابتعد الناس فى الشارع عن الجميع وأعطوا ظهورهم للتليفزيون المصرى والخاص والميديا بحالها، وتوجهوا بالخطى السريعة وبمنتهى النشاط والإقبال على درر الإعلام وتيجانها الغراء.. إلى «محمد ناصر» فى قناة «مكملين» و«هشام عبدالله» فى قناة «الشرق».. وإن كنت عزيزى القارئ لا تصدق فقط اسأل من حولك فى الشوارع أو اجلس عند الحلاق أو على المقاهى فى غير أوقات الكرة ستجد أن هذه الوجوه البشعة تطل عليك من الشاشة بكل وقاحة وإذا لم تصدق أنا أقول إننى صدقت عندما جاءتنى ابنة عزيزة تخبرنى ببساطة أنها بدأت تحب «محمد ناصر»، وعلى فكرة بيتكلم صح والله العظيم!!

عموماً، كنت أتوقع هذه الصدمة وجاءتنى أسرع مما كنت أتصور.. للأسف تسبب من بيده الأمر فى تسليم الشعب المصرى تسليماً مغلفاً بورق السوليفان ومربوطاً بشريط ذهبى رائع، هدية للموتورين من أعداء مصر، والغريب والعجيب أن كل هذا يحدث وأيضاً فى الصحافة الورقية فى نفس الوقت الذى يتحدث فيه الرئيس السيسى عن الوعى وأهمية الوعى عندما وضح الفارق العظيم بين «هشام عشماوى» السفاح و«أحمد المنسى» البطل وكلاهما مصرى وكلاهما ضابط.. ولكن شتان بين وعى.. وغفلة.. وشتان ما بين الطريق إلى الوعى والطريق إلى الغفلة.. لن يكون هناك وعى بالضجيج والترهيب والتكرار والهتاف والعزف على وتر واحد.. لا يمكن أن ينمو الوعى بالرأى الواحد والجملة الواحدة.. بعد إعلام يوليو وإلى 2004 إلى أن جاء «البيت بيتك» رحلة لا يمكن أن تعود إلى الوراء مرة أخرى.

القسم: 
المصدر: 

الدفاتر التى لم تقرأها «صفاء»

كالطفل الساذج الغر، وقفت المدعوة صفاء الهاشم، تفرز من جوفها حبات رفيعة من الحصى لتقذف بها الهرم الأكبر، فى رغبة طاغية لهدمه، كما صور لها خيالها الطفولى الصغير.. لن أتحدث عن إهانتها وزيرتنا الهادئة الخلوقة العظيمة نبيلة مكرم، فمن يستطيع إهانتها لا بد أن يكون قدر قامتها، والإهانة من الصغير تثير الشفقة، ولا تثير الغضب.. ولن أتحدث عن فهمها وجود العمالة المصرية على أرض الكويت، وكأنها تتحدث عن متسولين يهرولون خلف الأشقاء، طلباً لمعونة أو طمعاً فى صدقة، وكأن المصريين العاملين فى دولة الكويت، ليسوا أطباء ومهندسين ومعلمين وقضاة ومستشارين.. لن أتحدث عن معايرتك للمصريين بسبب وفاة الفتاة المصرية، نتيجة حادث عنصرى كريه، حدث فى لندن، وأنت تقطرين فى حديثك حقداً وعنصرية.. لن أتحدث عن تفاخرك بعضويتك للبرلمان الكويتى، وكذبك فى أنك تتحدثين باسم الشعب الكويتى، بينما الذين أدانوا حديثك المعتوه من الأشقاء فى الكويت أكثر كثيراً من المصريين وأشد وأعنف.

وقفت أمام منصة من الخشب والبلاستيك، تتحدثين لتوهمى الجميع بأنك تتحدثين من أمام منصة البرلمان، وهو زيف وخداع يقترب من العبط.

يا صفاء، كرامة المصريين، وبخاصة المرأة المصرية خط أحمر رغماً عن أنفك، وهذا الحديث صريح وواضح، لا هو غمز ولا لمز يا صاحبة الحديث الذى تتخيلينه سياسياً، وهو لا يعدو أن يكون «ردح» و«فرش ملاية»، وأظنك تفهمين ما أعنى، بما أنك ملمة بالأمثال العامية المصرية القديمة قدم التاريخ الطويل.. تتحدثين عن الصحافة غير الموجهة فى الكويت، غمزاً ولمزاً على نظيرتها الموجّهة فى مصر!!

يا مسكينة، ألا تعلمين أن الصحافة وُلدت فى مصر قبل أن يولد أجداد أجدادك على أرض فلسطين، وأن كاتبة هذه السطور تكتب فى الصحافة المصرية منذ عشرين عاماً سطوراً معارضة، ولم يُمنع لها مقال، ولم يحذف لها سطر واحد؟

لن أتحدث بصفتى نائبة فى البرلمان المصرى الذى بلغ من العمر مائة وخمسين عاماً فى عام 2016.. لكنى سأتحدث «بحرية شخصية»، كما قال رئيس البرلمان الكويتى، مدافعاً عنك، بأن حديثك يعتبر «حرية شخصية».. لن أتحدث عن كل هذا اللغو الفارغ، لكنى سأتحدث فقط عن الدفاتر.. اسألى الكبار من شعب الكويت المخلص العظيم كيف كان أمراء الكويت يحبون ويجلون سعد باشا زغلول أيام ثورة 1919.. وكيف كانوا يقيمون الاحتفالات على أرض الكويت فرحاً بفوز «الوفد» فى الانتخابات، وبتولى النحاس باشا الوزارة المصرية، وكيف كانوا يعيشون مع أحداث مصر الوطنية يوماً بيوم.. الدفاتر يا صفاء تقول إنه فى عام 1944، وكنا فى أيام الحرب العالمية الثانية، والوطن مثقل بويلات الحرب وبمئات الآلاف من جنود الحلفاء على أرضه.. أرسلت الحكومة المصرية المدرسين والمدرسات والنظار والناظرات لتعليم أبناء الكويت، حاملين معهم الكتب والكراسات والأقلام هبة من شعب مصر، وكانت تكلفة السفر على الحكومة المصرية، وتكلفة الأجور والإقامة، مناصفة بين حكومة الكويت والحكومة المصرية.. الدفاتر يا صفاء تقول إنه فى عام 1954، ذهب إلى الكويت العلامة القانونى العظيم الدكتور عبدالرزاق السنهورى، ليضع لدولة الكويت دستور الدولة الذى تتفاخرين به الآن.. ووضع القانون التجارى والقانون الجنائى والإجراءات الجنائية والمرافعات وقانون الشركات وقوانين عقود المقاولة والوكالة عن المسئولية التقصيرية وعن كل الفروع، وهى التى جُمعت فى ما بعد فى القانون المدنى الكويتى.. وهذه القوانين هى التى ستأتى بحق الفتاة المصرية، التى أشارك بشدة فى الدفاع عنها وعن كرامتها.

الدفاتر يا صفاء تقول إنه فى عام 1961، ذهب الفنان الأستاذ زكى طليمات، ليؤسس فرقة المسرح العربى الكويتى، ومعهد التمثيل الكويتى، وتولى من بعده العمل الأستاذ أحمد عبدالحليم المخرج المصرى العظيم.. الدفاتر يا صفاء تقول إنه فى عام 1990، عندما تخاذل العرب فى الدفاع عن الكويت، وأظنك وقتها كنت هاربة إلى السعودية، أو إلى مصر فى الأغلب، كان الجيش المصرى يحرر أرض الكويت برياً، وبدمائه تحررت وعادت إلى حضن الأشقاء، واحتفلت أنت وأهلك من الوافدين عندما جاءوا إلينا واحتضنتهم مصر فى قلبها الذى يسع الجميع بكل الود والمحبة.. هذه حكاية لن تقرأيها فى أى دفاتر.. فى عام 2012، ذهبنا إلى الشارقة، وشرفنا بمقابلة الرجل الرائع والوطنى العربى المخلص سلطان القاسمى، حاكم الشارقة، واستقبلنا فى قصره الجديد، وكان بجواره رجل أسمر اللون لا يفارقه.. عرّفنا عليه، وقال إنه من أسوان.. وقال كيف يحب المصريين، خاصة أهل أسوان، وقص علينا حكايات كثيرة عن شبابه الذى قضاه فى مصر أيام الدراسة الجامعية، وعن أصدقائه الذين ما زال على اتصال بهم، وأشار إلى قصره الجديد الرائع، وقال بكل إعزاز وفخر: لم تدخل لبناء هذا القصر أيادٍ غير مصرية قط.. وفى أيام السواد، وبعد حرق المجمع العلمى، أرسل إلى مصر أربعة آلاف كتاب نادر ومخطوط، بما فيها كتاب «وصف مصر» كاملاً، وبحالة ممتازة، وعندما جاء إلى مصر فى آخر زيارة، بحث عن بواب العمارة التى كان يقطنها أيام الجامعة، وقابله، ورد له الجميل، لأنه فى أيام الدراسة تأخرت النقود التى كانت تأتيه من الأهل، ولاحظ الرجل، فذهب إليه وعرض عليه تحويشة أيامه، وقدرها مائتا جنيه حتى تأتيه النقود من الأهل.. لم ينسَ هذا الفعل الذى قصه علينا وعيناه تدمعان.. هذا هو الرجل العربى، وكثير من مثله من أهل الكويت، ومنهم أصدقاء أعتز بهم كثيراً.. لكنك يا صفاء كالبذرة الشيطانية تبحث عن الأضواء والشهرة، على رأى المثل المصرى «الغجرية ست جيرانها».

القسم: 
المصدر: 

الفلاح الفصيح.. أقدم معارض فى التاريخ

فى نهاية الألف الثالثة قبل الميلاد، وفى عهد الملك «خيتى»، أحد ملوك أهناسيا، كُتبت قصة أدبية عُرفت بالفلاح الفصيح أو «ساكن الحقل».. وبطل هذه القصة أحد سكان وادى النطرون، أو «حقل الملح». وكان يسافر كل حين إلى مصر ليبيع محصول أرضه محملاً على الحمير، وذات مرة اعترضه أحد الموظفين، واغتصب منه حميره وما عليها بحيلة دنيئة، فذهب الفلاح إلى عاصمة المقاطعة، ليشكو الموظف إلى رئيسه «رينزى»، فجمع مجلس الأشراف ليفصل فى القضية، ولكن أعضاء هذا المجلس لم ينصفوا الفلاح على موظف من الكبار.. فصاغ الفلاح شكواه إلى رينزى فى أسلوب بليغ وفصيح أبهره وأثار إعجابه، فرأى أن الأمر جدير بأن يُعرض على جلالة الملك نفسه، نظراً للبلاغة النادرة والأسلوب الأخاذ الذى لم يعهده من قبل. أمر الملك أن يُترك هذا الفلاح دون أن يُبتّ فى شكواه حتى لا يتوقف عن الكلام الذى سيكون مادة أدبية ممتعة، وأمر بإحضار كاتب ليدون هذه الشكاوى، وأمر كذلك بإرسال المئونة لزوجته وأطفاله، وأن يُصرف له الطعام بشكل يومى. وتحدّث الفلاح الفصيح، فى تسع شكاوى متصاعدة فى حدتها، مع ازدياد شعوره بالظلم. وهذه مقتطفات بسيطة من رسائل ساكن الحقل: «يا مدير البيت العظيم، يا أعظم العظماء، إنك أب لليتيم، وزوج للأرملة، وأخ لتلك التى نُبذت، وغطاء لذلك الذى لا أم له.. دعنى أجعل اسمك فى هذه الأرض يتفق مع كل قانون عادل، فتكون حاكماً شريفاً مشجعاً للعدل يلبى نداء المستغيث. إنى أتكلم، فهل لك أن تسمع؟.. يا مثقال الميزان، لا تمل، ويا خيط الميزان لا تتذبذب. إن الإنسان سيموت مع خدمه، وهل ستكون رجلاً مخلداً؟ إن العدل يفلت، والقضاة ينحازون إلى جانب اللص.. إن الذى يجب عليه أن يحكم بالقانون يأمر بالسرقة، فمن ذا الذى يكبح الباطل إذن؟ وذلك الذى يجب عليه أن يقضى على الفقر يعمل على العكس، والذى يسير فى الطريق المستقيم يتعثر، والآخر ينال الشهرة بالضرر.. والحكمة تقول: عامل الناس بما تحب أن تعامَل به.. يا أيها السيد العظيم، اكبح جماح السارق.. دافع عن الفقير، واحذر من قرب الآخرة.. وقِّع العقاب على من يستحق العقاب.. إنك قيِّم على الميزان، اقبض على حبل الدفة.. أنت أيها السامع، إنك لا تصغى، ولماذا لا تصغى؟».

عندئذ أمر «رينزى» بضرب الفلاح بالسياط، فصاح متهماً إياه بالانحراف والسرقة والإجرام.. ثم استمر فى شكواه: «يا أيها العظيم، كن صبوراً حتى يمكن للإنسان أن يستغيث بك لقضيته العادلة.. لا تجعل قلبك يقسو، فذلك لا يليق بك. إن الحكام قد نُصِّبوا ليدرأوا السوء، وليكبحوا الكذب.. أقم العدل لرب العدل، والذى عدل عدالته دائمة، وأنت أيها القلم، وأنت أيتها البردية، ويا أيتها الدواة، ابتعدوا عن عمل السوء.. إن العدل سيكون إلى الأبد، ويذهب مع صاحبه إلى القبر، ويُدفن ويواريه التراب. أما اسمه فلن يُمحى من الأرض، بل سيُذكر للخير، وهكذا القانون فى كلمة الله، فهو ميزان لا يميل».

وأحضر «رينزى» السيد العظيم اثنين من الحجاب، ليذهبا ويُحضرا الفلاح، فظن أنه ذاهب للعقاب، ولكن السيد العظيم قال له: جهز نفسك لتسكن معى، وانتظر هنا لتسمع شكاواك. ثم أمر بقراءتها، كل شكوى على حسب محتوياتها، وأمر بإرسالها إلى جلالة الملك الذى سُرَّ بها أكثر من أى شىء فى الأرض.. وأمر الملك «رينزى» بأن يقضى فى أمر شكوى الفلاح، فأحضر الموظف المغتصب السارق، وأحصيت أملاكه وماشيته، وأخذ منه بيته وأعطاه للفلاح ساكن الحقل.. انتهت القصة.

كانت هذه الشكاوى من أبلغ وأروع ما كُتب فى الأدب المصرى القديم، حتى إنها كانت تُدرس فى عهد الدولة الحديثة للتلاميذ.. وقال «برستيد» عن هذه القصة «إن خطب هذا الفلاح هى حرب أشهرها ضد ما يرتكبه الموظفون من الفوضى والظلم والعبث بصغار الفلاحين، فكان بخطبته من حمَلة الأقلام الذين طلبوا العدالة الاجتماعية.. وفيها، ولأول مرة فى تاريخ أدب العالم، تشبيه العدالة بالميزان، وهو التشبيه الذى يزين أغلب محاكم العالم الآن.

يرى علماء المصريات هذه الشكاوى عملاً أدبياً رائعاً يدل على حضارة متفردة فى الرقى، متفوقة على حضارات العالم القديم كلها.. ويراها «برستيد» أول نداء بالعدالة الاجتماعية.. وأراها أنا أول صرخة معارضة فى التاريخ القديم، بل والمعارضة الجريئة من فلاح فقير لسيد عظيم بيده الأمر والقوة والسلطة، لأن المعارضة الحقة دائماً تبحث عن الصواب وتصرخ من أجل الإنصاف وإقامة العدل وترسيخ الوعى والحكمة.. والمعارض الحق هو أكثر المواطنين إخلاصاً لوطنه ولدولته.. هو عين الدولة التى لا ترى كل شىء، ولا تتحلى بكل الحكمة المطلوبة.. المعارض الحق هو قلب الحاكم الذى لا يمكنه الإلمام بكل ما يدور ويحدث على أرض الواقع، ولا يقبل نقيصة أو اعوجاجاً أو خطأ.

أكتب هذا الآن لأننى أرى بعض أصوات الصحافة قد أصبحت أسواطاً يجلد بعضها البعض، حتى صارت الأصوات صوتاً واحداً، وصارت الأقلام تسطر فى اتجاه واحد بلا أى اختلاف أو تباين.. وكلها تتجنب الواقع، وتسير بجوار الحوائط.. أخشى على وطنى من غياب الكلمة الحقة، ومن خوف القلم الصادق، وارتعاش القلب المخلص. وأصدق القول بأن الحكام دائماً فى حاجة إلى شكاوى الفلاح الفصيح الذى تجرأ وعارض وجاهر بالقول منذ أكثر من أربعة آلاف عام.

القسم: 
المصدر: 

الاختفاء القسرى لحقوق الإنسان

يبدو أننا لا نعلم كل شىء عن إسرائيل، ويبدو أنها قد أخذت استثناء دولياً موثقاً، بإمضاء كل دول الغرب وأمريكا، بإعفائها تماماً، وحتى نهاية العالم، من المدعوة «حقوق الإنسان».. ويبدو أيضاً أننا ما زلنا لا نفهم من هو الإنسان المقصود بالحقوق، لأنه من الواضح أننا شعوب لا يتمتع إنسانها بأى حقوق، بينما تطاردنا دكاكين المنظمات التى تأكل علينا «عيش» تحت راية حقوق الإنسان. وفى النهاية، كدول عربية وأفريقية وعالم ثالث، يستباح الإنسان لدينا على أرض الغرب وإسرائيل، بينما يعطون أنفسهم الحق فى محاسبتنا على أفراد مخبولين هاجروا إلى الدواعش وتحولوا إلى مجرمين، ويطلقون عليهم أنهم اختفوا اختفاء قسرياً، على رأى المدعو «البرادعى»، وباتت هذه الدكاكين تباع وتشترى بالأموال، وتكون دائماً فى خدمة أسيادها الذين يدفعون بالدولار واليورو.

نعيش عصراً من العنصرية الشديدة التى تمارسها الدول والحكومات وليس الأفراد.. إسرائيل من حقها أن تسحل وتضرب وتقتل وتعتقل من تريد، ولا حس ولا خبر عن أى حقوق.. من حقها أن تغتصب أرضاً، وتطرد شعباً، وتستولى على بلد بأكمله، بكل عجرفة وبلطجة وإجرام، ويكون رد الفعل أنها أرض الميعاد بأمر وعد الرب.. من حقها أن تهشم عظام الأطفال لأنهم يواجهون الدبابات بالحجارة، وتقتل النساء وتعتقل الرجال، ويكون رد الفعل أن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها.. من حق إسرائيل أن تبنى المستوطنات على أرض فلسطينية، حتى تقلصت مساحة الضفة الغربية وغزة، ويكون رد الفعل أن من حق إسرائيل أن تحافظ على أمنها.. منذ أيام قليلة كانت آخر أحداث الهمجية الإسرائيلية عند اقتحام الدير المصرى الشهير بدير السلطان، والذى يعود إلى أيام السلطان صلاح الدين الأيوبى، وذلك لأن عدداً، لا يتجاوز العشرة أفراد، من الرهبان المصريين وقفوا وقفة احتجاجية ضد محاولة ترميم الدير رغماً عنهم، خوفاً من العبث به وطمس هويته لصالح الأحباش، وهى مشكلة قديمة دامت سنوات طويلة.. مجرد وقفة احتجاجية من رهبان مسالمين لا يحملون سلاحاً ولا «مولوتوف» ولا قذائف حارقة.. عوملوا مثل المجرمين، وسُحلوا على الأرض بكل قسوة وسفالة. وهذا الفعل ليس غريباً على إسرائيل وشرطتها وقادتها، وهم فى الأساس كانوا زعماء لجماعة إرهابية تسمى «شتيرن»، وكان شامير وبن جوريون ومناحم بيجين -رؤساء إسرائيل- من زعماء هذه الجماعة. لذلك لا يختلف لديهم مفهوم الدولة عن مفهوم العصابة إلى يومنا هذا.. لم أتعجب من الحدث، ولكنى تعجبت من حالة الصمت العالمى الرهيب تجاه ما حدث، والذى يقترب من الموافقة والتأييد.. وهكذا الحال منذ عام 1947، وبعد مذابح اليهود الشهيرة فى «دير ياسين» عندما بقروا بطون الحوامل وألقوا بكبار السن من أعلى المنازل، ووضعوا الرضع فى الأفران، لم تهتز للرأى العالمى شعرة، بل وتم بعدها عقد مؤتمر المائدة المستديرة لتقسيم فلسطين بين اليهود والفلسطينيين، وفى قلب نيويورك تم المؤتمر تحت رعاية مؤامرة أمريكية، ومُنعت بعض وفود الدول التى توقعوا أنها ستصوت ضد القرار من دخول مبنى الأمم المتحدة، وصدر القرار. وفى عام 1967 استولوا على سيناء، وأعلنوا أنها أرضهم، ودفنوا الأسرى المصريين أحياء، ولم يتحرك العالم المتحرر المتحضر الديمقراطى أبوحقوق إنسان. ولولا الضربة القاصمة التى أخذوها عام 1973 لما رضخوا، أو وافقوا على اتفاق سلام مرغمين حتى يتجنبوا الحرب مع مصر مرة أخرى، فهم لا يفهمون إلا منطق القوة.

والحقيقة أن أمريكا وإسرائيل -رعاة الإرهاب فى العالم- تتفقان وتتشابهان فى تاريخ النشأة، فقد قامت أمريكا العظمى على أرض الهنود الحمر، بعد أن شنوا عليهم حرب إبادة شاملة، ولكنهم -والحق يقال- احتفظوا بعدد قليل منهم ليعرضوهم فى متحف خاص للسياح، ولاستعمالهم فى السينما أيضاً. وقد سطروا بأنفسهم هذا الواقع المفزع فى فيلم شهير اسمه «العسكرى الأزرق»، وكان من أقسى الأفلام وأكثرها رعباً، وكذلك دولة إسرائيل التى قامت بأكبر عملية سطو فى التاريخ، سرقت أرضاً، وشرّدت شعباً، بحماية العسكرى الأزرق، فكيف لنا أن نطلب منهم الآن أن يحافظوا على حقوق الإنسان العربى. لقد قسموا شعوب العالم إلى «شعوب بحقوق إنسان»، و«شعوب أخرى بلا أى حقوق»، ووضعونا نحن العرب على رأس القائمة التى لا يتساوى إنسانها مع إنسانهم، خاصة وأمريكا ما زالت تهتف كل يوم أن دعمها لإسرائيل يأتى لكونها الدولة الوحيدة الديمقراطية فى المنطقة.. وهل كان غزو العراق وسرق ثرواته وما حدث فى سجن أبوغريب إلا رغبة أمريكية لصناعة دولة ديمقراطية سوف تحسدها عليها بقية الدول العربية، كما قال بوش الصغير يوماً ما، وما زلنا نشاهد الحراك الديمقراطى فى العراق ولكن بلا حسد.. وهل ما حدث بعد ذلك فى سلسلة الرعب والخراب الشهيرة بالربيع العربى التى استباحوا فيها ثروات المنطقة بكل همجية وكذب وإجرام إلا هتاف أمريكى بصنع ديمقراطية فى العالم العربى؟ متى تفيق الدول العربية وترفض هذا التسلط الكاذب بحجة حقوق الإنسان؟، متى نرفض التدخل فى شئوننا الداخلية، ونرفض الوصاية البغيضة والصلف والغطرسة ونعلن الاختفاء القسرى لحقوق الإنسان؟.

القسم: 
المصدر: