عبدالعظيم درويش

لـ «الخيانة» وجوه عدة..!

حقيقة لا أدرى أى خديعة انزلق فيها ومعه عدد من شباب العشرين.. ولا أدرى إلى أى مدى تعرضوا جميعاً لعمليات «غسيل المخ» ليتحولوا هم وغيرهم إلى مجرد «عرائس ماريونيت» قاتلة تحركها أيادٍ تقطر دماء الضحايا الأبرياء.. ربما يكون قد وقع ضحية هو وشركاؤه من المغدور بهم لبعض كتب التراث المظلمة التى تحمل بين دفتيها قصصاً عن الجاهلية ودار الحرب والجهاد ضد المجتمع الكافر.. وربما كان من بين هؤلاء الذين «سحقهم الفقر» فألقت له «جماعة إخوان الأبالسة» حفنة من المال لتطفئ ظمأه للمال.. وربما يكون قد استسلم لتلك «الخرافات» التى كانت ترددها قيادات الإرهاب وقت احتلالهم ميدانى رابعة العدوية ونهضة مصر بأن «سيدنا جبريل» عليه السلام لم يتأخر ليلة واحدة -طوال مدة احتلال الميدانين- عن الاطمئنان على هؤلاء السذج الذين كدستهم فيهما «جماعة الضلال والتضليل» ليؤمهم فى الصلاة «تكبير».. وربما أيضاً يكون «أباطرة الدم» قد استغلوا فوران شبابه وأغروه بلقاء «حور العين» فى الجنة.. غير أن المهم أنه و8 غيره من الشباب قد دفعوا حياتهم ثمناً لتنفيذ هذه العملية الغادرة التى استشهد فيها النائب العام هشام بركات محامى الشعب.

هو أبوبكر السيد عبدالمجيد على، طالب بكلية الهندسة جامعة الزقازيق، وثمانية غيره من شباب الجامعات المنفذ بحقهم حكم الإعدام قبل نحو 10 أيام «قصاصاً عادلاً» نطق به رجال القضاء بعد استنفادهم جميع مراحل التقاضى واعترفوا خلالها بتفاصيل لوقائع ثابتة مدعومة بأدلة وبراهين قطعية ثابتة الدلالة واليقين عن كل خطوة قاموا بها منذ لحظة الاتفاق والتحضير حتى لحظة التنفيذ.

نحن إذن أمام نماذج جديدة من الإرهابيين المتعلمين جامعياً المختطفين ذهنياً مغايرين تماماً لأولئك الذين دفعتهم الحاجة إلى الاصطفاف خلف «جماعة الإرهاب» -بحثاً عن وجبة عشاء أو 100 جنيه كل ليلة- ليكونوا وقوداً لعملياتهم الإجرامية الدنيئة فى مواجهة الأمن ورموز الدولة، انتقاماً من دولة وملايين المواطنين الذين أجهضوا «وهم» الجماعة فى اختطاف الوطن كـ«نواة» لتحقيق حلمها فى إعادة تأسيس دولة الخلافة الإسلامية مجدداً بينما الإسلام منها براء.

وقتها لم يدرك هؤلاء المجبرون على اتباع الجماعة أن «تجار الدم» دفعوهم إلى هذا المستنقع، فربما تنفعهم زيادة أعدادهم فى تحسين موقفهم التفاوضى إن جرى التفاوض معهم فى أى يوم من الأيام -كما كانوا يتوهمون- غير أن هذه الجماعة الغادرة التى تتمسك واهمة فى بياناتها المتلاحقة بما تسميه «عودة الشرعية» وتدعى ضرورة إعادة مندوبها الرئاسى إلى موقعه السابق هى أول من سيضحى بهذا المندوب إذا تعارض «وهم عودته المستحيلة» مع مستقبلها - إن كان لها مستقبل بيننا.

ما كشفت عنه أحداث استشهاد محامى الشعب وتنفيذ حكم القصاص العادل فى مجرميها يدفعنا إلى ضرورة الإسراع بتطوير الخطاب الدينى -الذى جفت حلوق الكثيرين وفى مقدمتهم الرئيس السيسى- فى مطالبة أئمة الدعاة وقيادات الأزهر الدينية باعتبارهم يمثلون وسطية الإسلام المعتدلة لتحقيقه، إذ إن الدولة حتى الآن تكتفى بمقاومة الإرهابيين الذين يحملون السلاح دون أن تحارب منابع الإرهاب ذاتها.. فالإرهاب -إلى جانب أنه عمل يعتمد على القنبلة والبندقية فى قتل الأبرياء- إلا أنه فى أساسه «فكرة خائنة خادعة» تسكن العقل ويجب أن نواجهها بفكرة مناهضة لها.. نعم فلا تزال «كتب الضلال» فى أيدى البعض ولم تصل إليها جهود الدولة أو إلى المعلم الطائفى الذى يلقن الأطفال الكراهية والنبذ، ولا تزال «منابر الزوايا» تصرخ بالدعاء فى مكبرات الصوت على المجتمع بأسره، وتحرض على مسيحيى الوطن، إلى جانب تلك الأحزاب القائمة على الفكرة الدينية -على الرغم من أن الدستور يحظر تشكيلها- على الساحة مما أدى إلى أن كثيراً من جيل الشباب المصرى أصبح أسيراً لهذا الفكر المهلك ومجنياً عليه.

اللافت للنظر أن عدداً من الخائنين يشكلون «الطابور الخامس» ويقودون بعض مؤسسات اصطلح على تسميتها حقوق الإنسان -والصحيح أنها عقوق الإنسان- يشككون فيما توصلت إليه مراحل محاكمة مجرمى اغتيال النائب العام من الوقائع الثابتة غير القابلة للطعن عليها، ويسعون إلى دفع البعض إلى عدم الاعتراف بها..!.. والأغرب أن فريقاً من هؤلاء الخائنين يلقون باللوم على الدولة لتنفيذها حكم الإعدام على هؤلاء المجرمين قصاصاً عادلاً لأرواح أُزهقت ودماء أبرياء أسيلت ويطالبونها بالإبقاء على حياتهم داخل السجون كما لو كانت هذه السجون عنابر لتربية «عجول الإرهاب»..!

الأكثر لفتاً للانتباه أن والد أحد مجرمى تنفيذ اغتيال الشهيد هشام بركات ووالدة مجرم آخر كشفا عن مفاجأتين تثبتان أن ابنيهما ليسا وحدهما قد خدعا.. إذ إن والد الأول قال إن ابنه ترك وصية لوالدته فى آخر زيارة لها قبل تنفيذ العملية، وطلب منها ألا تفتحها إلا بعد تلقيهم ما وصفه بأنه «نبأ استشهاده».. فأى استشهاد كان يرغب فيه هذا المجرم؟!.. ومضى هذا القاتل فى وصيته: «فيا أمى لا تحزنى لفراقى فإنى مضيت لأرض الجهاد.. فامسحى عنك دمع المآسى فما سرت إلا لدحر اليهود.. فعذراً أبى قد عشقت الجهاد.. ودينى دعانى لأحمى العباد».. فأى أرض للجهاد مضى فيها هذا القاتل؟! بينما للحق أنه مضى فى طريق «الإرهاب والضلال».. وأى يهود قد سار لدحرهم؟!.. فربما كان قد اختلط عليه الأمر وظن أنه يقف وسط معسكر للصهاينة وقت أن نفذ جريمته فى حى مصر الجديدة بالقاهرة.. وأى دين طالبه بقتل أهل الكتاب من أتباع الدين اليهودى.. وأى شريعة فرضت القتل لحماية العباد؟!..

أما «والدة المجرم الآخر» فقد كشفت عن أن دور ابنها كان «مجرد الإرشاد عن منزل النائب العام فقط، وبشهادة ضابط المباحث»، كما لو كان ابنها المجرم لم يكن يرصد خط سير الشهيد لإتمام الجريمة الغادرة فى نهار شهر رمضان الكريم وإنما كان يرشد أحد الأشخاص التائهين إلى عنوان لا يعرفه..!.. وبثقة كاملة كما لو كانت من أساطين القانونيين تابعت والدة الإرهابى «إن اللى يرشد عن البيت مياخدش إعدام.. معروفة يعنى لكن عملوا معاه كده علشان كان راجل!» فإلى أى صنف من الرجال ينتمى هذا القاتل؟!!.. فى النهاية فإن للخيانة وجوهاً عدة فلننتبه.. ولك يا أحلى اسم فى الوجود ولمواطنيك السلامة دائماً ولجميع شهدائك الأبرار جنة الخلود.

القسم: 
المصدر: 

«خليها تصدى».. ومعركة «معجون الأسنان»..!

أن تتهاون فى أداء دورك المكلف به يعنى اعترافاً واضحاً وصريحاً بتنازلك عن موقعك الذى تشغله، مما يفرض عليك أن تهجره.. فما يحدث فى «سوق السيارات» منذ فترة ليست طويلة أمر أشبه بـ«حرب تكسير العظام» بين شباب نظموا حملة «خليها تصدى زيرو جمارك» ورابطة تجار السيارات، بينما اكتفت أجهزة الدولة الرقابية المختلفة بموقف «المتفرج» بصورة جاءت أشبه بـ«طاقم حكام» لمباراة لكرة القدم هجروا مواقعهم المكلفين بالتزامها لإدارة المباراة وضبط سيرها ضماناً لانتظامها وانضموا إلى جمهور المشاهدين فى المدرجات ليشجع كل منهم فريقه..!!

لدينا ترسانة من القوانين.. وتمتلك الدولة العديد من أدواتها.. وجهاز لحماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية.. وآخر لحماية المستهلك.. ورقابة تابعة لوزارة التموين.. وأخرى للرقابة الإدارية، وخامسة للصناعة، غير أن جميعها التزمت الصمت -«فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ»-انتظاراً لانتهاء معركة «النفس الطويل» التى تدور منذ مطلع يناير الماضى فى السوق المحلية، كما ولو كان ليس هناك «رجل رشيد» يتدخل لفض هذه المعركة التى تدور بلا هوادة وستترك بالتأكيد آثارها على الاقتصاد الوطنى.

لا أحد يجادل فى أن كل طرف من طرفى هذه الحرب يسعى جاهداً للخروج منها منتصراً.. فـ«جمهور خليها تصدى» يستهدف تخفيض أسعار السيارات إلى أقصى درجة ممكنة، باعتبار أن «اتفاقية إلغاء الرسوم الجمركية» على السيارات الأوروبية كفيل بتحقيق ذلك، بينما يصر التجار وأصحاب التوكيلات على فرض كلمتهم على الجميع دون منازع، والاحتفاظ بمكاسبهم التى بالغوا فى تقديرها بدرجة كبيرة خلال الفترة الماضية التى شهدت فيها السيارات ما يشبه «مزاداً فقد اتزانه كلياً» دون أن يلتفت إلى أن البيع بـ«سعر عادل» يحقق مصلحة «الوكيل والمستهلك»، فضلاً عن تشجيع الاستثمار فى صناعة السيارات، لنبدأها بداية حقيقية لتنضم إلى غيرها من الصناعات لتصبح رافداً جديداً لتنمية الدخل القومى وتوفير فرص العمل المنتجة لشباب الحرفيين والخريجين الذين لا يزال جزء كبير منهم بـ«شحم الفابريكة»..!

اللافت للنظر فى هذه القضية أن لا أحد يلتقى على ذات الأرض التى يقف عليها الطرف الآخر، كما لو كانا لا يرغبان أساساً فى تفكيك هذه الأزمة وإنهائها، بل إن الطرفين تماديا كثيراً فى إدارتها بأسلوب يقترب من نظرية «معجون الأسنان» -التى اكتسب المواطنون خبرة واضحة خلال 18 يوماً ظلوا خلالها فى ميدان التحرير من 25 يناير 2011 إلى أن «خلعوا رأس الدولة»- فكل «ضغطة» تحقق مكسباً، فى حين أن «أصحاب التوكيلات» أبدلوا مواقعهم مع من كان يسكن وقتها «قصر الاتحادية» وراهنوا بذات رهانه على «عدم قدرة» هؤلاء المستهلكين على الصبر شهراً وثلاثة حتى يُجبر التجار على تخفيض الأسعار، ليظل الوضع على ما هو عليه انتظاراً لصاحب «النفس الطويل»، فى حين أنه يمكن إنهاء «الأزمة» بشكل يسير إذا توافرت الشفافية بدلاً من تمترس التجار خلف العناد ومحاولة بث روح اليأس داخل نفوس المستهلكين، على حين أن «تتبع التكاليف الحقيقية لاستيراد السيارات» منذ الوصول للجمارك وحتى تحديد سعرها النهائى يعد مطلباً ضرورياً خلال المرحلة الراهنة يمكن البناء عليه للاتفاق حول «سعر عادل للبيع»، وهو أمر من السهل على وزارة المالية -التى تتبعها مصلحة الجمارك- إعلانه بعد إضافة تكلفة نقل السيارات من الميناء إلى الوكيل، فضلاً عن تكلفة قطع الغيار، وأرباح التاجر، وقيمة الضريبة المضافة وغيرها من التكاليف من أجور عمال وموظفى الوكالات والمعارض والكهرباء وغيرها.. إلا أن وزارة المالية التزمت الصمت حتى الآن!!

بالتأكيد فإن الوصول إلى سعر عادل لبيع السيارة أمر منصف للطرفين، غير أنه يبدو أن الوصول إلى هذا الهدف أمر صعب حتى الآن -على الأقل- بالرغم من أن مرور الوقت يُحسب لصالح أعضاء الحملة، نظراً لحالة الركود التى تعانى منها السوق وتؤدى إلى تحمل الوكالات خسائر بملايين الجنيهات، إلى جانب اقتراب موسم طرح الموديلات الجديدة وهو ما دفعهم إلى تخفيض جزئى من الأسعار.. غير أن أعضاء الحملة يرصدون مبالغات واضحة فى إصرار التجار على تحقيق هامش ربح كبير، إضافة إلى ما يحققونه من مكاسب كبيرة من أعمال الصيانة الدورية للسيارات وهو ما أدى إلى أن أسعار السيارات بمصر أصبحت الأعلى عالمياً.. ولأن الأزمة لا تزال دائرة - ويبدو أنها ستستمر لفترة طويلة بعض الشىء- فإن طرفين جديدين قد دخلا إلى الساحة ليقف كل منهما إلى جانب أحد الطرفين الأساسيين لـ«الأزمة»، إذ يرى ذلك المقبل الجديد «خبير جمارك» أنه يمكن للفرد استيراد السيارة بنفسه، إلا أنه سيتحمل ما يتراوح ما بين 800 إلى 1000 دولار زيادة كمصاريف للشحن، إضافة إلى 12% زيادة تمثل عمولة الوكيل «ضمان وخدمات ما بعد البيع»، رغم أن السعر الذى يتعامل عليه الفرد جمركياً سيكون نفس السعر الذى يطبق على المستوردين، إلى جانب مشاكل إدارية أخرى لن يستطيع المستهلك مواجهتها تتعلق بـ«شهادة معينة» قاصرة على الشركات أو الوكلاء فقط..!

من جانب الطرف الآخر فإن «تجربة» جديدة بدأت فى التطبيق فى محافظة المنوفية من جانب بعض المستهلكين إذ تشارك مجموعة منهم فى جمع أموال وتكليف أحدهم بالسفر إلى دول «زيرو جمارك» لاستيراد سيارات تأتى باسم كل من شارك فى هذه المجموعات، بما يضمن الوصول إلى سعر أقل بكثير مما تعرضه الوكالات بالداخل.

ولأن المواطن اعتاد دائماً أن يكون «سجيناً للاختيار بين السيئ والأسوأ» -منذ ثمانينات القرن الماضى عندما كان يشكو من انتشار الفساد «بأننا أفضل من دول عدة أكثر فساداً»- فإن أصواتاً بدأت تعلو لتحميله مسئولية الإضرار بالاقتصاد الوطنى على المديين القصير والطويل، باعتبار أن ركود سوق السيارات سيصيب الاقتصاد بأضرار كبيرة.. دون أن تشير هذه الأصوات من قريب أو بعيد إلى مسئولية التجار فى الوصول إلى هذه النتيجة لإصرارهم على تحقيق أكبر مكسب لهم دون وجه حق..!

بقى شىء أخير يتعلق بمؤشر أن «حملة خليها تصدى» بدأت تثمر لصالح المستهلك بالفعل، وهو ما دفع «جمعية مواطنون ضد الغلاء» إلى إعلان اعتزامها إطلاق مبادرة شعبية جديدة، لاستيراد السيارات الأوروبية، والاستفادة من الإعفاء الجمركى من خلال تجميع مجموعة من المواطنين الراغبين فى الاستيراد للإقلال من تكلفة النقل البحرى باعتبار أنه لا يوجد مانع قانونى يعيق ذلك.

وفى النهاية فإنه من المنطقى أن يرحب كل مواطن بالانضمام إلى أى مبادرة إيجابية إذا كانت تستهدف تخفيف المعاناة عنه وتيسير سبل الحياة الكريمة عليه وتحسين معيشته.. فإلى متى ستظل أجهزة الدولة الرقابية تتظاهر بأنها «من بنها»؟!! ولك يا أحلى اسم فى الوجود ولمواطنيك «منتجين ومستهلكين» ولاقتصادك السلامة دائماً.

القسم: 
المصدر: 

عندما اقتنعت بتأجيل «تمردها»..!

كأنه كان قد نجح، قبل فترة، فى عقد اتفاق مسبق معها بأن تؤجل قرارها ولا تبدأ «تمردها» احتجاجاً على سوء أحوال من «يترقبونها» فى كل لحظة، خوفاً من «غدرها» المفاجئ قبل أن يكتمل نقل أغلبهم إلى مساكنهم الجديدة، فلقد سبق لها إعلان «انفصالها الفجائى» ذات صباح قبل ما يقرب من 10 سنوات، وكان «أغلبهم» نياماً، فرحل من رحل، وفُرض على المئات من بقيتهم أسفلها أن يكملوا «حياتهم الأبدية» فى ذات المكان دون أن يكون لهم أى رأى فى ذلك!

فى المرة السابقة كانت كل الألوان قد توحدت فى اللون الأسود، وكان الحزن يشق الصدور، ويُدمى قلوباً شرخها القلق.. وكان الصراخ والعويل هو الصوت السائد فى المكان.. وكانت الدموع تحفر مجرى لها على وجوه الجميع.. وكانت العيون تفتش فى ملامح ذلك المقبل، فربما يكون هو من لم يظهر منذ ذلك الصباح.. وكان الطريق إلى ذلك المبنى الكئيب «مشرحة زينهم» -الذى يبعد عن موقعهم كيلومترات لا تتعدى الخمسة- هو الطريق الوحيد المسموح فيه بالمرور لإنهاء كافة الإجراءات للتعرف على بقايا أشلاء من انتشل رجال الدفاع المدنى «بقاياه»، لتبصم الزوجة بإبهامها على أوراق لتتسلم تصريحاً بـ«دفن بقايا» من كانت تحمل بوجوده لقب «الزوجة» فى البطاقة العائلية، إذ إنها اكتسبت قبل ساعات لقب «أرملة»، لتنظر فى عيون ابنتها التى أصبحت هى الأخرى «يتيمة»!.. فقد فرضت «صخور المقطم» قرارها وأعلنت تمردها وأسقطت كتلاً منها وصل وزن بعضها 500 طن، ليستيقظ سكان الدويقة وقتها على هزة عنيفة تزلزل جدران «العشش والأكشاك الصاج» التى كانت تؤوى أهالى المنطقة، لينتشل رجال الدفاع المدنى 40 جثة و50 مصاباً، وتُدفن عائلات بكاملها تحت الصخور المنهارة، بينما ينجو البعض جرياً فى العراء ويعودون مرة أخرى إلى المكان لتمتد أياديهم لاستخراج بقايا أشلاء أهاليهم.. ليسود مصر فى النهاية إحساس بالإحباط‏ وحالة من الذهول بسبب ما جرى.. ويجتاح الجميع شعور بالدونية والانكسار، بينما يسيطر الفزع مما قد يكون مقبلاً‏ على الأحياء الباقين!

فى يوم الأربعاء الماضى اختلف المشهد تماماً.. بعد أن أعلنت الصخور انتهاء الاتفاق وأعادت تمردها. وعلى الرغم من أن ذات «الهزة» التى جرت كانت هى ذاتها التى حدثت فى سبتمبر من عام 2008، فإنها لم تجد أحداً لتدفنه تحتها من أهالى الدويقة هذه المرة.. فكل ما أحدثته هو تضرر منازل 28 أسرة فقط من بين من كانوا يتزاحمون فى هذا المكان قبل سنوات.. فقد انتهى قبل فترة مشروع «الأسمرات» بمراحله الثلاث، الذى كان الرئيس السيسى -من خلال إحساسه بالمسئولية تجاه أى مواطن يحمل سمرة النيل على ملامح وجهه- قد أصدر توجيهاته المشددة بنقل كافة المواطنين الذين كانوا يقيمون فى المناطق العشوائية الأكثر خطورة، حفاظاً على حياتهم، وتوفير مسكن إنسانى لائق بالمواطنين من خلال مشروع حضارى للقضاء على هذه العشوائيات «التى كانوا يعايروننا بها»، على حد تعبيره فى إحدى خطبه!!

ففى مساء نفس اليوم (الأربعاء) كانت الابتسامة هى السائدة على كافة الوجوه بدلاً من تلك الدموع. وبدأ التهليل والزغاريد تنطلق هناك فى «الأسمرات»، فقد تسلمت «الأسر» مساكنها الجديدة مكتملة الأثاث والأجهزة المنزلية الحديثة التى تكفّل «صندوق تحيا مصر» بكافة تكاليف تجهيزها، دون أن يتحمل أى مواطن جنيهاً واحداً للانتقال إليها..! ولم لا؟!.. فـ«الحياد» تعبير هجرت حروفه الستة قاموس السيسى منذ توليه مسئولية شعب خرج فى 30 يونيو يطالبه بها، فأبدله إلى «الانحياز» لحقوق المواطن، وتعويضه عن المعاناة التى غرق فيها نتيجة الإهمال الذى عانى منه سنوات طوالاً امتدت إلى عقود لم يكن أحد من المسئولين وقتها يشعر حتى بوجوده.. ليصبح «الانحياز» لرد اعتبار المواطن البسيط الذى كان ذبيحاً طوال عمره هو «الأرض المحايدة» الوحيدة التى يقف عليها السيسى..!

فى كارثة 2008 السوداء ظل بقايا أهالى الدويقة الذين نجوا بالصدفة من الكارثة نياماً بصورة مؤقتة فى المخيمات التى سمحت لهم حكومة الدكتور أحمد نظيف، رئيس الوزراء وقتها، بالدخول إليها.. لتتوالى شكاواهم من احتمالات تعرضهم للأمراض الوبائية، نتيجة التلوث البيئى الذى يلف مخيماتهم.. غير أن حلم الانتقال إلى الشقق السكنية ظل يراودهم بعد أن وعدتهم بذلك السيدة سوزان، الملقبة بـ«سيدة مصر الأولى» وقتها.. وفجأة وجد الأهالى أنفسهم مطرودين حتى من خيام الإيواء، بينما لم يبقَ أمامهم سوى «العراء» للإقامة فيه!

لم يكن باقياً أمام الأهالى وقتها سوى أمل وحيد يتعلق باللجنة التى شكلها رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات المستشار جودت الملط، لبحث مشاكل «تسكينهم» فى شقق تقيمها الحكومة لمن يتعرضون لمثل هذه الكوارث، غير أن تقرير اللجنة صدر فى نهاية الأمر مبرزاً التجاوزات فى حق هؤلاء الأهالى فى التسكين، ومُديناً تباطؤ الحكومة فى حلها على الرغم من تلك الوعود التى توالت بسرعة توفير الشقق لهم!

فى تناقض واضح لما جرى فى ذلك الوقت انتقل الأهالى يوم الأربعاء الماضى بكل سهولة إلى شققهم الجديدة فى «الأسمرات» دون أى معاناة بعد أن سبقتهم إليها «المواد التموينية» لإعاشتهم.. ولم تكن هذه «النقلة» مجرد تعويض للمتضررين بتوفير 4 جدران لـ«سترهم» فقط وحمايتهم من صقيع الشتاء القارس، بل نقلة نوعية فى مستوى معيشى لائق لا يقارن بتلك العشش التى أمضوا حياتهم فيها.. فـ«الأسمرات» ليست مجرد وحدات سكنية فقط وشقق، بل مجتمع متكامل بمدارس وحضانات ومستشفيات ووحدات صحية، وملاعب رياضية وساحات انتظار، إضافة إلى وحدات شرطة ومطافى وإسعاف وبريد وأسواق حضارية ومخابز ومركز تدريب وصيانة لخدمة وتأهيل شباب وأهالى المناطق المنقولين إليه.

و«الأسمرات» يتضمن 3 مراحل، تضم الأولى منه 6200 وحدة سكنية مقامة على 65 فداناً، بينما تضم المرحلة الثانية 4000 وحدة مقامة على 61 فداناً، وجرى افتتاحهما قبل 3 أعوام، وتحديداً فى عام 2016.. أما المرحلة الثالثة فهى مصممة لتكون العمارة السكنية بها مكونة من 10 طوابق، وبها 2 مصعد «أسانسير» وشبكة إطفاء، وهى تُعد أكبر مشروع لتسكين العشوائيات، وتتسع لـ7400 أسرة.. الوحدات مجهزة بالكامل، وهناك حضانات وملاعب ووحدات صحية ومسجد وكنيسة لخدمة الأهالى المنقولين إليها..!

نعم.. وعدت ونجحت وأوفيت.. فلك يا سيسى ولأحلى اسم فى الوجود ولجميع أبنائها السلامة دائماً!

 

 

القسم: 
المصدر: 

أحزاب أتلفها «الهوى»..!

بمقاله المعنون «أحزاب تائهة»، الذى نشره جارى فى صفحة «نافذة رأى» بجريدة «الوطن» يوم السبت الماضى، أنعش صديقى الكاتب الصحفى حازم منير ذاكرتى لأنتبه أن هناك 104 أحزاب سياسية، لكن للأسف أتلف «الهوى» معظمها، وليس «الهواء»..!

و«الهوى» هنا هو «هوى وعشق» المقاعد القيادية، أو على الأقل الصفوف الأولى منها، إذ إن هذه الأحزاب قد أوصدت أبوابها على قياداتها، ليتفرغوا لإدارة صراعاتهم على هذه المواقع، دون أن ينتبهوا إلى الشارع ليلتحموا بمواطنيه، حتى أصبحت هذه الأحزاب أشبه «بقطع الفلين» على سطح الحياة السياسية دون أن تلامس قاعها..!

فهل من المنطق أن يمضى ما يقرب من ‏43 ‏عاماً منذ أن فُرضت علينا التعددية الحزبية بقرار رئاسى فى سبعينات القرن الماضى، وتظل هذه الكيانات دون أى فاعلية تُذكر سوى بعض اللافتات الصمّاء فى مواسم الانتخابات العامة، كما لو كانت هذه الأحزاب تطالب المواطنين «برد الجميل» الذى لم تقدمه لهم..! فيما خاصم المواطنون الانخراط فى عضويتها اقتناعاً بعدم جدواها فى إحداث الحراك السياسى المطلوب فى المجتمع..! ‏

جميعنا يعلم أن أسباباً كثيرة حالت دون انخراط المواطنين فى عضوية الأحزاب السياسية حتى بعد يناير 2011، وفى مقدمتها إيمان المواطن بأن هذه الأحزاب إنما جاءت مجرد ديكور لتجميل واجهة الحكم أمام الغرب، بينما اعتبرها المواطن مجرد وسيلة لظهور البعض أملاً فى التقرب للقصر الجمهورى، ظناً ‏من جانبهم دوام ما كان يجرى خلال العقود الماضية!‏

الصديق حازم منير حاول إيجاد مبرر لحالة الفراغ السياسى، إذ قال: «كنت، وما زلت، من المؤمنين بأن ضعف الحياة الحزبية وتراجع دور الأحزاب ليس مبرراً لمهاجمتها واتهامها وحدها بالمسئولية عن الفراغ الحاصل فى المشهد السياسى، كما أن لحظات تاريخية معينة فرضت على الأحزاب التخلى عن دور جوهرى من أدوارها لدعم الدولة الوطنية فى مواجهة أخطار محيطة بها، فسجلت بذلك موقفاً وطنياً محترماً». وهو هنا يتجاوز عن السبب الحقيقى الذى أدى إلى هذا الغياب، ألا وهو «الجفاف الجماهيرى»، بعد أن حادت التعددية الحزبية عن طريقها وأصبحت مجرد صراعات محمومة على مصالح ونفوذ، وفى أحيان كثيرة «المقار».. ‏ وبعدت كل البعد عن المواطن، وفشلت فى أن تجذبه إليها.

وأبرز دليل على عدم قناعة المواطن بمدى مصداقية الأحزاب فى التعبير عن آماله وآلامه وطموحاته أن حجم العضوية فى ‏21‏ حزباً فى سنوات الثمانينات وحتى العام 2011 لم يتجاوز بضع مئات الآلاف من المواطنين، فيما لم تتجاوز العضوية بالحزب الحاكم وقتها (الوطنى) مليوناً و‏900‏ ألف مواطن فقط، إذ إن «تركة النفور» التى ورثها المواطن قد حالت دون إقدامه على عضوية الحزب، باعتباره امتداداً للتنظيم الواحد بعد إبدال لافتته، بدءاً من الاتحاد القومى، ثم الاشتراكى، فحزب مصر، ثم الحزب الوطنى. ورغم العضوية المتواضعة، كان يحلو لقيادييه التشدق دائماً بأنه الحزب صاحب الأغلبية المطلقة والمعبر عن جماهير المواطنين وراعيهم الأول والأخير‏، وهو فى الواقع لم يكن سوى تجمع لأصحاب المصالح لتيسير مصالحهم دون النظر إلى إثراء الحياة السياسية أو رعاية مصالح المواطنين!!

وللحق، ففيما يتعلق بأحزاب الأقلية فإن محاولات التضييق التى كانت تمارسها عليها الأجهزة الأمنية بلا أى معنى جاءت كما تشتهى هذه الأحزاب، إذ وجدتها فرصة لتبرير غيابها عن الشارع وتقصيرها فى الوصول إلى المواطن‏!!

وإلى جانب هذه الممارسات الأمنية فإن لجنة الأحزاب السياسية -الموكل إليها قانوناً وقتها الترخيص للأحزاب السياسية- قصرت هذا الترخيص على أحزاب «ممسوخة»، بينما كانت تحظر على القوى السياسية الحقيقية الانتظام فى حزب رسمى، وهو ما أدى إلى زيادة اقتناع المواطن بأن هذه الأحزاب مجرد شكل لـ«الديكور الديمقراطى»، إن صح التعبير، فانصرف عنها‏. إضافة إلى أن بعضاً من هذه الكيانات التى كانت أحزاباً قد تحولت إلى مؤسسات وإقطاعيات عائلية صرفة، بعد أن هبطت الزعامة السياسية بصورة فجائية على الزوجة والأبناء بل والأحفاد فى كثير من الأحيان، فأصبحوا فجأة قيادات وكوادر حزبية!!

وحتى العام 2005 فرض التقييد الأمنى على الأحزاب المضىّ فى اتجاه واحد فى الشارع السياسى‏: من لجنة الأحزاب إلى المحكمة‏.. من حزب واحد إلى عدة أحزاب.‏. ومن رئيس أو قيادة إلى رؤساء وقيادات‏.. ومن حوار إلى نزاع‏.. ومن الصفحات السياسية بالصحف إلى صفحات الحوادث بها‏!!

لم ينجح أى حزب فى أن يحيد عن الطريق المرسوم له، إذ إن بداية عمله كانت محددة من جانب السادات وقتها، الذى كانت قراراته الشفوية المعلنة توزع القيادات على مختلف الأحزاب: هذا للمعارضة الدينية، وذاك ليمين الوسط، مما أدى إلى تفاقم الأزمات الداخلية للأحزاب، فمن حزب العمل فى ثمانينات القرن الماضى، إلى الوفد فى نهاية ‏2005‏، مروراً بأحزاب مصر الفتاة والأحرار والعدالة الاجتماعية والشعب الديمقراطى والناصرى والغد‏، ‏كان الاتجاه نحو التفكيك أو الانشطار هو الاتجاه الإجبارى لها.. إذ كان مصيرها يتحدد على أساس مدى قرب أو بعد رؤساء هذه الأحزاب أو المتنازعين على رئاستها من أصحاب الكلمة فى الحزب الحاكم‏.. وكأن هذه الانشقاقات كان يجب أن تُدمغ بخاتم الحزب الوطنى، خصماً من حصيلة التعددية السياسية،‏ وهو ما أدى إلى اختفاء عدد منها!!‏

عدد غير كبير من هذه الأحزاب نجح فى تجاوز الأزمة، واكتفى بالانشطار أو خروج قوى رئيسية منها لتشكيل حزب جديد، وهو ما حدث بالنسبة للناصرى والغد، فيما ابتلعت دوامة الخلاف بقيتها، وتلاشت بقاياها، وسقطت من ذاكرة المواطن الذى أصبح يجد صعوبة بالغة فى إحصاء ‏7 أو 6‏ أحزاب على الأكثر من بين نحو ‏20‏ حزباً كانت لجنة الأحزاب رخصت لها العمل الرسمى‏!‏ وهو ذات المصير الذى انتظر الوفد فى ذات العام بسبب محاولات قياداته الاستئثار بالسلطة، إلا أن الوفديين رفضوا ذلك، وتحول إلى صراع على مقر الحزب وقتها‏!!

لكل هذه الأسباب أعلن المواطنون «كفرهم» بجدوى المشاركة، فاختار أغلبيتهم الوقوف متفرجاً أو مقاطعاً لأى أنشطة حزبية،‏ وشكلوا فيما بينهم -وبدون اتفاق- ما اصطلح على تسميته «حزب الكنبة»، حتى تخلى أعضاؤه عن سلبيتهم حينما شعروا بالخطر الذى يحيط بوطننا وقت أن اختطفه الإخوان الإرهابيون، فخرجوا فى ثورة يونيو!!

وإذا كانت الممارسات الأمنية الباطشة وتدخلات الحزب الحاكم قد اختفت تماماً الآن، فهل ستشارك الأحزاب فى سد الفراغ الحاصل فى المشهد السياسى؟! لا أظن..!

فى النهاية يبقى السؤال‏: هل حقاً نرغب فى حوار تعددى‏.. فى مشاركة شعبية تحترم مختلف وجهات النظر‏.. فى صياغة قرار يترجم رأى الأغلبية ويحترم ما تراه الأقلية‏‏؟‏!‏ إذا كانت الإجابة نعم فإن الواجب يحتم استثمار ما جرى فى ثورة 30 يونيو وبناء مصداقية حقيقية للكيانات الحزبية، بشرط أن تتخلى قياداتها عن «هواها وولعها بالمناصب».. ولك يا أحلى اسم فى الوجود ولمواطنيك كل السلامة.

القسم: 
المصدر: 

عندما أعادتنا «آلة الزمن» 100 عام..!

لم يكن يوم الأحد الماضى يوماً عادياً -سواء فى صباحه أو مسائه- تسقطه نتيجة الحائط من بين أوراقها دون أى مجهود، بل كان أشبه بـ«آلة الزمن» أعادتنا 100 عام بالتمام والكمال، وتحديداً إلى عام 1919 وقت أن وُلد شعار «يحيا الهلال مع الصليب» ليعبر عن تلك الروح التى تسود مصر منذ قديم الأزل، ففى هذا الوقت اعتلى «الشيخ حسن القاياتى والأب سرجيوس» معاً منبر الجامع الأزهر، فى سابقة هى الأولى فى تفردها خلال ثورة 1919 ليعلن، متحدياً الإنجليز قائلاً قوله المأثور «إذا كان الاستقلال موقوفاً على الاتحاد، وكان الأقباط فى مصر حائلاً دون ذلك، فإنى مستعد لأن أضع يدى فى يد إخوانى المسلمين للقضاء على الأقباط لتبقى مصر أمة متحدة مجتمعة الكلمة» ليُنفَى الاثنان «سرجيوس والقاياتى» بعدها إلى رفح لمدة 80 يوماً..!! لم تكن مقولة سرجيوس غريبة عن مواطنى مصر، إذ أعاد البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية -وقت أن أحرق الإخوان الإرهابيون عدداً من الكنائس المصرية- صياغة تلك المقولة بشكل آخر وإن كان يحمل ذات معنى التضحية من أجل مصر «وطن بغير كنائس أفضل من كنائس بلا وطن».

يوم الأحد صباحاً اختلطت «العمائم» -سواء «الحمراء التى يحيطها شريط أبيض أو تلك كاحلة السواد»، وتعانق الهلال مع الصليب، واختلطت فيه الابتهالات مع الترانيم - وقت أن شارك البابا تواضروس - ومعه قساوسة وكهنة الكنائس - لأول مرة فى افتتاح «مسجد الفتاح العليم» بالعاصمة الإدارية، ليلقى كلمة من داخله أثناء افتتاحه وبجواره فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر ليُرفع الأذان وتقرع أجراس «كنيسة ميلاد المسيح».. وفى المساء شارك الطرفان فى افتتاح كنيسة «ميلاد المسيح» التى تُعانق مسجد «الفتاح العليم» فى ذات الموقع، وهما ثمرة وفاء من جانب الرئيس السيسى لمبادرته قبل نحو عامين.

فى احتفالى افتتاح المسجد والكنيسة شدد السيسى على ما يربط المواطن المسلم بأخيه المسيحى «لن نسمح لأحد بأن يؤثر على علاقة الأقباط بالمسلمين، إحنا هنفضل طول عمرنا واحد، وبيننا شجرة محبة غرسناها مع بعض».. وفيما قال البابا تواضروس: «إن الكنيسة تقف شامخة بجانب المسجد الجديد، فى صمود ورمز يتصديان لكل محاولات العبث واستقرار الوطن»، بينما أوضح الإمام الأكبر الطيب «أن الإسلام ضامن شرعاً لكنائس المسيحيين ومعابد اليهود وإذا كان الشرع يكلف المسلمين بحماية المساجد، فالشريعة الإسلامية تكلف المسلمين أيضاً بحماية الكنائس»، ولم يكن السيسى مبالغاً عندما اعتبر أن مشاركة المسلم والمسيحى فى افتتاح بيتى الله سبحانه وتعالى رسالة سلام ومحبة كبيرة من مصر للمصريين والمنطقة والعالم أجمع، و«بفضل الله بنقدم نموذج للمحبة والسلام بيننا وستخرج المحبة والسلام لتعم العالم كله»..! إذ سرعان ما تجاوب معها البابا فرانسيس بابا الفاتيكان واعتبرها «حدث تاريخى يستحق التحية والتقدير للرئيس وللحكومة المصرية نظراً لهذا المزج الرائع»، هكذا أثبتت مصر أنها لا تفرق بين من يحمل فى يده «مسبحة» ومن يرسم على ساعده «صليباً».. من يسجد لله سبحانه وتعالى 5 مرات يومياً ومن يرسم على صدره بيمينه صليب عيسى عليه السلام.. مصر المحبة والتعايش السلمى بين مواطنيها.. مصر التى تطبق مدنية الدولة وحقوق المواطنة قبل أن يتضمنهما بنود الدستور.. مصر التى ستظل «تعيش فينا ولا نعيش فيها» كما قال قداسة البابا شنودة نيّح الله روحه، وهكذا كنا وهكذا سنستمر..!

أبداً لن تتحقق أوهام «أثرياء الدم» من جماعة الإخوان وفروعها من الإرهابيين بأن بإمكانهم أن يصبح الوطن كله «مصلوباً» وأن يتحول مواطنوه جميعاً إلى «معتقلين» داخل جدران الخوف على مستقبل وطن سعت أياديهم المحمومة كثيراً إلى محاولة تشويه ملامحه التى ارتسمت فى وجداننا عبر عشرات بل مئات السنين.. أبداً لن يشكل أبناؤه ميليشيات تواجه بعضها بعضاً من خلف متاريس الكراهية والحقد أو الثأر.. فنحن أبعد من أن ننزلق فى هاوية الفتنة الطائفية بل إننا سنصبّ جام غضبنا على جماعات العنف، وسنطلق رصاصات القصاص على من اختار أن يواجه إرادة شعب واحد.. إذ إن «قابيل وهابيل» كانا فصلاً فى تاريخ مضى ولن يعود، ولن يجد أحد من «شيوخ الفتنة» أى «غراب» ليلقن أحداً كيف يدارى «سوءة أخيه»..!!

عندما ارتفع الأذان من فوق مئذنة «مسجد الفتاح العليم» ودُقت أجراس «كنيسة مولد المسيح» يوم الأحد الماضى لم تكن إيذاناً باحتفال مصر بمسلميها ومسيحييها بافتتاح أكبر مسجد وكنيسة فى أفريقيا بجميع دولها، بقدر ما حملت تجديداً للمحبة والسلام والتسامح بين أبناء وطن واحد اعتاد ألا يفرق بين من يسجد لله فى صلاته أو من يشعل شمعة أمام تمثال مريم البتول العذراء.

فى كل يوم عندما يرتفع الأذان من فوق المآذن وتدق أجراس الكنائس صباح الأحد ليدعو للصلاة يؤكد مسلمو الوطن ومسيحيوه أنهم شعب واحد تربى وتعايش على أرض الوطن على فطرة الله وأوامره، سبحانه وتعالى، التى تدعو البشر جميعاً للتعايش السلمى بينهم إذ إن الجميع -عدا قلة حاقدة- يعلم أن الله هو الرب الواحد الذى بعث الأنبياء جميعهم برسالة واحدة تحمل نفس القيم الإنسانية.. فـ«دين الله واحد فى جميع الأمم» .. وعندما تتقاطع أصوات المساجد مع بعضها بـ«الأذان».. وتتردد رنات الكنائس يبدأ الجميع فى التوجه إلى الله سبحانه وتعالى كل وفق ما تفرضه عليه تعاليم دينه دون أن تلفت نظر الآخر..!

قبل يوم السبت الماضى تجمع العمال والمهندسون «مسلمين ومسيحيين» ليرفعوا «الصليب المعدنى» الضخم لأول مرة فوق مبنى كنيسة «ميلاد المسيح» بعد أن كانوا قد تجمعوا لبناء مسجد «الفتاح العليم» فى نفس الموقع..! وقبل هذه الأيام ومنذ عشرات السنين جدد الشاعر أحمد شوقى تبجيل الإسلام للسيد المسيح وأمه البتول مريم بقصيدة جاء مطلعها: «وُلِدَ الرفقُ يَوْمَ مولدِ عيسى والمروءاتُ والهدى والحياء»، ليختمها، بقوله: «إنما ينكرُ الدياناتِ قومٌ هم بما ينكرونه أشقياءُ» هكذا كانت مصر وستظل رغم أنف الحاقدين.

وإذا كان القرآن كتاب الله العزيز يقول: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِى عَزِيزٌ» صدق الله العظيم، فإن الإنجيل يضم فى آياته رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية التى تنص على: فَمَاذَا نَقُولُ لِهذَا؟ إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟.. ولك يا أغلى اسم فى الوجود ولمواطنيك مسلمين ومسيحيين السلامة دائماً.

القسم: 
المصدر: 

2 مليون و600 ألف «قاتل مأجور» بالشوارع..!

كلمات العنوان التى تعلو هذه السطور «صادمة» لكل من يقرأها غير أنها حقيقة واقعة، فهم بالفعل طلقاء أحرار فى جميع أنحاء مصر، سواء فى قراها أو عزبها أو حتى الشوارع الرئيسية والميادين المحظور عليهم الاقتراب منها.. يمارسون «البلطجة» على نحو 24 مليون مواطن على الأقل يومياً دون أن يلاحقهم أحد، بعد أن كنا على وشك السيطرة عليهم وتجنب شرورهم..!

فى قرار مفاجئ وجه رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولى، المحافظين خلال اجتماعه بهم بمقر وزارة التنمية المحلية قبل نحو شهر ونصف الشهر، بوقف إصدار تراخيص جديدة لـ«التوك توك» لفترة مؤقتة حتى يتسنى الحد من الظواهر السلبية التى نتجت عن الانتشار غير المنضبط له، مع التوجيه بالتعامل الحاسم مع أى تجاوزات يقوم بها أصحابها أو قائدوها بما فى ذلك مصادرة التكاتك المخالفة..!

الغريب أن هذا القرار يأتى مناقضاً تماماً لسابق السماح لأصحابه باستيراده من الخارج أو تصنيعه ببعض الورش بالداخل على مرأى ومسمع من الجميع، ليصبح بذلك «التوك توك» آلة قتل متحركة، بعد أن فرض نفسه على أنظمة المرور التى هى أصلاً فى غير حاجة للمزيد من العشوائية التى تربك الحركة، إذ إن المراكب الشراعية هى الوسيلة الوحيدة غير المسموح لها «التنطع» بكامل الحرية فى الشوارع والميادين الرئيسية حتى فى وسط المدينة التى خضعت مجبرة لـ«إمبراطورية التوك توك»..!

«قتل.. سرقة.. اختطاف.. اغتصاب» جرائم اعتدنا سماعها نتيجة «التساهل» مع قائدى هذه المركبة، الذين لا يتعدى عمر بعضهم 15 عاماً فى كثير من الأحيان، بعد أن استقطب «التوك توك» أطفالاً للعمل فى هذه الوسيلة والحصول على أموال ينفقونها -بشكل غير منضبط نظراً لحداثة سنهم- وتذهب معظمها إلى شراء أنواع عدة من المخدرات، ما فاقم من ظاهرة الإدمان بين هؤلاء الأطفال، إضافة إلى استسهال شباب المهن الحرفية -التى أصبحت تعانى من الندرة فى تخصصاتهم- العمل على الـ«التوك توك» وانصرافهم عن فرص العمل الجادة التى تحقق التنمية وتبنى الوطن، أملاً فى الحصول على نحو 150 جنيهاً يومياً فى المتوسط مقابل عدة ساعات وراء عجلة قيادة هذا «التوك توك»..!

هذا على الجانب الأمنى وهو الشق المهم فى قرار وقف الترخيص، الذى يتعلق بتحقيق أمن المواطن على حياته وحياة أبنائه وماله، أما بالنسبة للشق الاقتصادى -وهو بالتأكيد أقل أهمية من أمن المواطن على الرغم من أهميته أيضاً- فإن عدم ترخيص التوك توك يهدر ملياراً و150 مليون جنيه قيمة رسوم الترخيص إضافة إلى مليار و650 مليون جنيه سنوياً قيمة المخالفات المرورية الضائعة ضد أصحاب التكاتك المخالفين..!

انفلات أمنى وأخلاقى واجتماعى كلها نتيجة طبيعية لتجوال «التوك توك» بكامل حريته فى كل المواقع دون التأكد من شخصية سائقه أو مالكه، وبخاصة أنه لا يحمل لوحة معدنية بأرقامه صادرة من المرور.. بينما بلغت حالات «الخطف والاغتصاب والتحرش والبلطجة» ذروتها فى المناطق النائية بالمدن إلى جانب الريف، خاصة فى القرى والعزب التى تقدر بـ4726 قرية و26757 كفراً ونجعاً وعزبة من خلال التوك توك، فضلاً على استخدامه أيضاً فى الترويج للمخدرات والسطو والسرقة والأعمال المنافية للآداب، لأن أعداداً كبيرة من سائقيه مسجلون خطر ولم يسلم من خطورتهم أحد بمن فيهم ضباط الشرطة أنفسهم..!.. إضافة إلى المشادات اليومية العديدة بين قائدى السيارات وسائقى التوك توك على أولوية المرور أو نتيجة الرعونة فى قيادته..!

قرار رئيس مجلس الوزراء بوقف ترخيص «التوك توك» أهدر جهوداً سابقة فى محاولة السيطرة عليه وتجنب مخاطره وشروره الصارخة، إذ كان اللواء محمود شعراوى، وزير التنمية المحلية، قد أصدر -قبل فترة- كتاباً دورياً للمحافظات بشأن تذليل معوقات تراخيص مركبات «التوك توك»، وتحديد خطوط سير لها، وذلك فى إطار حرص الدولة على تسهيل جميع الإجراءات المطلوبة لترخيص هذه المركبات..!

وتضمن الكتاب الدورى، ضرورة موافاة الوزارة بإجمالى عدد مركبات «التوك توك» على مستوى المحافظة وعدد المركبات التى تم ترخيصها حتى تاريخ إرسال الرد، وأسباب التأخير فى استخراج التراخيص لباقى المركبات.

كما طالب وزير التنمية المحلية المحافظات بتحديد خطوط سير هذه المركبات لتكون فى المناطق غير المخططة وبين القرى وبعضها البعض فقط لا غير، مشيراً إلى ضرورة عدم سيره فى المناطق الحضرية المخططة أو الطرق الرئيسية أو الطرق السريعة أو بين المدن وبعضها البعض، داعياً المحافظات لموافاة الوزارة بتقرير نصف شهرى يتضمن إجمالى ما تم إنجازه فى هذا الشأن.. وللملاحظة فإن 27 محافظاً أصبحوا مكتوفى الأيدى حالياً بسبب قرار رئيس مجلس الوزراء، بينما تتجول هذه المركبات بكل حرية حتى بالقرب من مكاتب الأغلبية العظمى من المحافظين ومن العواصم فى المحافظات بدون أى ردع!!

ما يحدث من جرائم من جانب سائقى التوك توك يحتم -على الأقل- تنفيذ اقتراح الدكتور حمدى عرفة، أستاذ الإدارة المحلية وخبير استشارى البلديات الدولية، باستكمال منظومة أخذ عينات الكشف عن المخدرات بعد نجاحها على سائقى الميكروباصات وسيارات النقل الثقيل، للتأكد من انضباط المراكب بصفة عامة، خاصة سائقى «التوك توك» فى المناطق العشوائية التى تمثل مناطق خصبة لارتكاب الجرائم..!

واقعياً أصبحت هذه المركبات التى يبلغ عددها الملايين، واقعاً مريراً يعانى منه المجتمع، وكانت هناك توصيات للجنة الدفاع بالبرلمان بشأن تقنينها ووضع اشتراطات لترخيصها ومنع استيراد قطع غيارها أو تجميعها داخل مصر، خاصة بعدما أوجدت فئة من المستفيدين من وراء انتشارها نتيجة أن بعض رجال الأعمال فتحوا خطوط إنتاج داخل مصر، وهناك شركات ومستوردون بالمحافظات، وأصبح ثمن بيع المركبة منها نحو 40 ألف جنيه، بينما سعرها الحقيقى لا يتجاوز 15 ألف جنيه، ومن الطبيعى أن أصحاب المصالح يتجاوزون عن خطورتها، الأمر الذى يتطلب وقفة جادة من الدولة والحكومة، نظراً لخطورتها على الأمن القومى، غير أن كل ذلك لا يمنع من وجود شباب ملتزمين يتكسبون رزقهم من قيادة هذه المركبات..!

سيادة رئيس الوزراء أعتقد أن أمن المواطن قضية محورية فى ملف اهتماماتك، ولذا فلا بد أن تراجع قرارك بوقف ترخيص «التوك توك» والسماح بمنح المركبات الموجودة حالياً ترخيصاً لمدة 5 سنوات لا تجدد بعدها، خاصة أن عمره الافتراضى لا يتجاوز 3 سنوات، وبالتالى فإن منع استيراد قطع غياره، سيؤدى بالتالى إلى إلغاء هذه المركبة تدريجياً.. ولك يا أغلى اسم فى الوجود ولأبنائك السلامة دائماً..!

القسم: 
المصدر: 

قصة الأمس.. واليوم.. وربما غداً..!

فى بلاد بعيدة‏ عنا تماماً.. ومنذ آلاف السنين‏.. وجد آلاف المزارعين أنفسهم يعيشون فى «وادٍ ضيق» لا تزيد مساحته على 7% من مجمل مساحة أراضيهم.. يحدهم بحر من الشمال يفصلهم عن شعوب أخرى يعيشون فى ظلام دامس.. ويحدهم من الشرق بحر آخر يحول بينهم وبين رمال صحراء جرداء لا زرع ولا ماء فيها، بينما تمتلئ أرضهم بالعديد من البحيرات، فزرعوا‏.. وحصدوا‏.. وأحالوا‏ «واديهم» ‏إلى سلة لتقديم الغذاء للعالم‏.. وقدموا نموذجاً لحضارة أبهرت العالم ولا تزال‏.. وأناروا أراضى جيرانهم الشماليين بعلوم عدة وتفوقوا فى الطب والفلسفة والزراعة وأصبح واديهم منارة للعالم.. غير أن كل ما كان يؤرقهم أن «أبواب‏ واديهم»‏ كانت مفتوحة على مصراعيها أمام الغرباء من كل جنس ولون، مثل أبواب دور السينما فى العصر الحديث تفتح لمن يمسك بيده‏ «تذكرة‏ للدخول»..!

مئات السنوات تمر وهم فى سلام.. راضون تماماً عن حالهم، غير أن الحال لم يبق على ما كان عليه، إذ أفاقوا فجأة واكتشفوا أن كل من كان يأتيهم من الخارج مجرد مغامرين «غزاة» تتملكهم أطماع غير محدودة فى واديهم فتواكبوا عليه لينهبوا منه كل خيراته.. غير أن الشىء الغريب أنهم عشقوا كل هؤلاء «الغزاة»، والأغرب أنهم صنعوا لهم تماثيل باستثناء سفاح البشرية «هولاكو»، ويبدو أنهم كرهوه باعتباره الوحيد الذى فشل فى احتلال واديهم‏!

تمر الأيام ويتغير كل شىء‏.. أقنعوا أنفسهم بأنهم يسكنون وادياً مؤهلاً للتصنيع، فتوقفوا عن الزراعة وألقوا بالسلة بعيداً.. وتولى أمرهم مستبدون وسخروهم للعمل فى خدمتهم فانحدر بهم الحال إلى الأسوأ، فبدأوا يسألون الأجانب عن‏ مجرد «لقمة عيش‏».. ‏غير أنهم حافظوا على إعجابهم بأنفسهم الذى يصل إلى درجة‏ «‏التقديس‏» ولكل من يتولى أمرهم دون أن يكون لهم أى يد فى اختياره‏..!!

فجأة رفض هؤلاء المزارعون ما وصل بهم الحال، فخرج بعض من أبنائهم فى ثورة واختاروا من بينهم أول زعيم من بنى جلدتهم.. وعلى مدى سنوات لم تطل طويلاً حاول «الزعيم» إصلاح كل ما أفسده الغزاة وتحسين أوضاع أهله من السكان، غير أن «أهل الثقة» التفوا حوله ما أدى فى النهاية إلى تعرضهم لـ«نكسة».. سرعان ما أفاق منها الزعيم وحاول جاهداً مواجهة آثارها هذه إلا أن القدر لم يمهله طويلاً لإصلاح كل شىء فرحل فجأة مساء يوم من أيام القرن الماضى.

وتقلب الزعماء على الحكم واكتشف المزارعون أن من بينهم من «ورث الحكم» ونجح فى خداعهم وأحالهم إلى مجرد رعايا ليس لهم أى حقوق، وأن كل الخيرات كانت تذهب إلى «إله» والمحيطين بقصره، ووجد المزارعون أنفسهم مرة أخرى يسددون حياتهم ثمناً لـ«فاتورة الفساد» الذى ساد على مدى عقود ثلاثة.. وأُهمل كل شىء وانتشرت «رائحة شواء» أجسادهم فى قطارات وتناثرت أشلاؤهم تحت عجلاتها وغرق المئات فى «عبارات الموت» وتحولت أجساد شبابهم بسبب «سماسرة الموت» إلى ولائم لأسماك البحار خلال محاولتهم الهجرة للخارج.. وتحولت «خلايا أجساد» مئات الآلاف منهم سنوياً إلى «خبيثة»، ورفعت «كُلى» الملايين منهم «الراية البيضاء» أمام «الفشل»، وداوم فيروس «سى» نهش أكبادهم بسبب التلوث والمبيدات المسرطنة دون أن يتحرك من «ورث» الحكم.

واستمر سكان الوادى فى غفلتهم وعاشوا «أحلاماً» وتفاخروا بأنهم أصحاب حضارة لا مثيل لها، واكتفوا بترديد شعارات‏ «الريادة‏.. القدوة‏.. القدرة‏.. والتفرد» وغيرها من التعبيرات التى‏ «تدغدغ‏» مشاعرهم وتغذى «روح‏ الغرور‏» فيهم، ولم لا فهم أصحاب أول حضارة عرفها التاريخ.. ؟! وتوقفوا عن كل شىء ليصدموا فى النهاية بحقائق يدركها العالم كله عدا هم، كما لو كانوا «أزواجاً‏ ‏آخر من يعلم‏» !!غير أنهم اكتشفوا فجأة وبعد فوات الأوان أنها كانت‏ «أوهاماً‏».. ‏!!

وذات صباح خرج الملايين ليعلنوا رفضهم لما جرى لهم، وأزاحوا من أمامهم ذلك الذى أحالهم إلى مجرد «فاتورة لفساده وأهله».. غير أنه للأسف نجحت «عصابة من القتلة» فى خداعهم بأنهم «يحملون الخير لهم» بعد أن اختبأوا وراء لحية وأمسكوا بأيديهم مسبحة وأوهموا البسطاء أنهم يحملون توكيلاً إلهياً، وأن «الجنة» هى نهاية المطاف الموعود لمن يتبعهم ولكنهم كانوا فى الحقيقة يضمرون لهم كل شر.. وحاولت هذه العصابة إحداث انقلاب فى طبيعة سكان الوادى.. ولم يكتفوا بكل ذلك بل تآمروا عليهم مع الغرباء ليحكموا قبضتهم على هذا الوادى..!

لم تمض سوى أيام لم تتجاوز أوراقها عاماً واحداً إلا واكتشف مواطنو الوادى أى خدعة وقعوا فيها، فخرج الملايين منهم ثائرين على هؤلاء المخادعين وركلوهم خارج مقارهم وأبدلوا قصورهم إلى زنازين فى السجون.. وناشد المواطنون «قائداً» من بينهم ليتولى قيادتهم وعاهدوه بالعمل معه يداً بيد لإعادة إصلاح ما أصابهم من خراب فى بلادهم.. وبدأ القائد بنفسه ليقدم لمواطنيه القدوة فى العمل والإنجاز، إلا أن «عصابة المخادعين» لم تستسلم، على الرغم من بقايا زعمائها فى السجون فى انتظار القصاص.. وبدأوا فى تخريب كل شىء وإطلاق الشائعات لإحداث البلبلة والانشقاق، مستغلين حزمة من الإجراءات الاقتصادية غير الجماهيرية أقرها القائد لتحقيق الإصلاح.. ودفعوا بالعديد من الإرهابيين إلى الوادى للانتقام..!

لم تكتف قيادات العصابة الإرهابية بهذه المؤامرة، بل أخذت تسعى -بالتعاون مع قياداتها الهاربة بالخارج- لتوفير «الدعم اللوجيستى» للإنفاق على الأنشطة والعمليات الإرهابية التى ينفذها عناصر الحراك المسلح لهم وأذرعها الذين دفعتهم إلى الداخل.. وتوالت ملايين الجنيهات لشراء الأسلحة وإعداد متفجرات لتفجير دور العبادة «مسجد أو كنيسة» لإسقاط ضحايا من المدنيين المسالمين، بمن فيهم النساء والأطفال..!

لم يأبه القائد بكل ذلك وأدار معهم حرباً شاملة لم تشغله فى يوم من الأيام عن هدفه بتحقيق الإصلاح وراهن بجماهيريته الكاسحة، وكان يمكن له أن يوفر كل هذه الجهود ويحاول «نفاق جماهيره» بتخفيض الأسعار، ووقتها كان شعب الوادى سيخرج ليل نهار للهتاف بحياته، غير أن ذلك كان سيؤدى إلى محو الوادى وسكانه من خريطة العالم، ولن تقوم لهم قامة مرة أخرى.. ونجح القائد وأعاد الأمن لسكانه مرة أخرى واستمر فى البناء وما يزال وتحمل انتقادات عديدة وجهها له أصحاب المصالح..!!

كانت هذه هى قصة الأمس واليوم، غير أن شعب الوادى لا يزال ينتظر الغد الذى سيُنفذ فيه القصاص العادل من قيادات هذه العصابة، لينهى أحزان أسر فقدت عائلها واستشهد أبناؤها وترملت زوجات وتيتم أبناء من أجل أن تحصد أجيال مقبلة نتاج جهود مضنية من الإصلاح.. ولك يا أغلى اسم فى الوجود ولأجيالك المقبلة السلامة دائماً.

القسم: 
المصدر: 

رانيا و«حفل بلاى بوى».. وسام و«تقنين الدعارة»!

لم تكن سوى أيام قليلة بعد أن أفاق الرأى العام من تلك «الصدمة» التى تلقاها من «مهرجان اللانجيرى» -الذى اصطلح البعض على تسميته «مهرجان الجونة السينمائى الثانى»- حتى تلقى صدمتين أخريين هدمتا كل القيم الأخلاقية ومنظومة التقاليد التى ظل المجتمع متمسكاً بها طوال تاريخه بعد أن اختلط الأمر على الممثلة «رانيا يوسف» وتصورت أنها مدعوة إلى حفل تنظمه مجلة «بلاى بوى» الأمريكية الشهيرة، وليس «مهرجان القاهرة السينمائى»، وهو ما مثل الصدمة الأولى.

أما الصدمة الثانية التى أحالت كل القيم الأخلاقية إلى مجرد «أشلاء» فقد فوجئ مشاهدو التليفزيون بمطالبة وسام نوح «مدير المركز المصرى للقانون» الدولة بـ«تقنين الدعارة»..!

فى بداية الأمر لم تجد رانيا يوسف و«أخواتها» أى مبرر لتلك الضجة التى أثارها الرأى العام بسبب ما سمته «فستاناً»، إذ لمحت إلى رضائها التام عن مظهرها بمقارنتها بمظهر إحدى شهيرات هوليوود «ليدى جاجا».. بينما قال مصمم الفستان ويُدعى سوشا: «ينبغى علينا أن نتطور فى قرارة أنفسنا كما فعلت لبنان»..!

وأعلن «سوشا» -الذى كان يتحدث فى مداخلة تليفونية فى برنامج «صباح الورد»- رفضه لحملة الهجوم على الممثلة بسبب ارتدائها الفستان، موضحاً «نفسى الناس تتطور، وأى فنانة تطلع على السجادة الحمراء هى عارفة بتعمل إيه».

وأعرب عن رضائه التام عن «فستان» الممثلة: «الصحفيون والجميع يتحدثون عنها»، وللغرابة رأى المصمم أن الممثلة «عملت الصح بارتدائها الفستان بالمهرجان، شابوه رانيا يوسف والله».

على النقيض من اندهاش رانيا يوسف ولا مبالاة «سوشا» وقبعته التى رفعها تقديراً لمظهر الممثلة، خرجت نقابة المهن التمثيلية ببيان لم تُقصر بدايته على واقعة «رانيا» وحدها بل جمعت معها بعض الممثلات: «إن المظهر الذى بدت عليه بعض ضيفات المهرجان لا يتوافق مع تقاليد المجتمع وقيمه وطبائعه الأخلاقية، الأمر الذى أساء لدور المهرجان والنقابة المسئولة عن سلوك أعضائها» على حد تعبير البيان.

وفى صياغة تستهدف تهدئة الرأى العام قالت النقابة فى بيانها: «إننا نهيب بالفنانين إدراك مسئوليتهم العامة تجاه جماهير تقدر فنهم، ولذلك سوف تقوم النقابة بالتنسيق مع الإدارة العليا للمهرجانات واتحاد النقابات الفنية بالتحقيق مع من تراه قد تجاوز فى حق المجتمع، وسيلقى الجزاء المناسب، حتى تضمن عدم تكرار ذلك».

ومع تطور الأحداث لم تجد الممثلة «رانيا» سوى التراجع عن «عنتريتها» بتحدى تقاليد المجتمع وقيمه الأخلاقية خاصة بعد تحديد جلسة لمحاكمتها يوم 12 يناير المقبل، إلا أن أصحاب البلاغات قد تنازلوا عنها، وحاولت أن تجد مبرراً لما جرى «المشكلة كانت فى خامة الفستان لأنه كان مطرزاً، ومع الحركة أزاح التطريز البطانة.. وأنا لست صغيرة أو طائشة كى أضيع مجهود السنين واسمى الذى بنيته على مدار 25 عاماً من العمل، بظهورى بشكل غير لائق».

أما على جانب كارثة «تقنين الدعارة» فقد قالت صاحبتها، خلال حلقة بأحد برامج «التوك شو» مخصصة للحديث عن طرح «فياجرا السيدات» بالأسواق المصرية، «إن نسبة الدعارة فى مصر عالية للغاية، ويجب على الدولة تقنينها»..!

وعللت مديرة المركز مطالبتها هذه -التى تتناقض مع الدين ومنظومة الأخلاق- بأن هذا التقنين سيؤدى إلى اكتشاف مرضى الإيدز وسرعة علاجهم..! ولم تكتف مدير المركز المصرى للقانون بذلك بل إنها أبدت أسفها لرفض دور النشر العديدة نشر كتاب «الدعارة بين التقنين والتجريم» الذى ألفته.. وهو ما جعل منها هدفاً للعديد من البلاغات ضدها لمحاكمتها على نشر الفسق والفجور!

وإذا كان مهرجان «الجونة» قد أثمر واقعتين أثارتا جدلاً غاضباً بين أوساط المواطنين بظهور الإعلامية ياسمين عز، بفستان «مكشوف الصدر»، خلال إجرائها حواراً مع اللواء خالد فودة محافظ جنوب سيناء على هامش الاحتفال بذكرى انتصارات أكتوبر.. إضافة إلى خروج إحدى الفتيات من سقف إحدى السيارات بملابس مثيرة لترقص فوق سطح السيارة التى يمتلكها «صديق لها» دون أن تأبه لنظرات المارة وقائدى السيارات فى الطريق العام، فماذا سيفعله مظهر الممثلة «رانيا» ومطالبة مدير المركز القانونى، فى الفتيات ضعيفات النفوس..؟!

على كل حال فإنه يبدو أننا نتعرض كل فترة لمشاهد أو دعوات شاذة تخاصم كل القيم المجتمعية، فمنذ ما يقرب من 4 سنوات خرج علينا رئيس رابطة تجار السجائر بالقاهرة والجيزة باقتراح يتصادم مع القانون عندما طالب المهندس إبراهيم محلب الذى كان يشغل وقتها منصب رئيس مجلس الوزراء بـ«تقنين زراعة وتعاطى وتجارة الحشيش» وفرض ضرائب عليه ووضع ضوابط لتداوله لتعزيز إيرادات الدولة وسد عجز الموازنة!.

وفى محاولة لـ«إغراء» الحكومة بالإقدام على هذه الخطوة قال رئيس الرابطة إن حجم تجارة الحشيش يقدر بنحو 42 مليار جنيه سنوياً، بالإضافة إلى مليار جنيه تنفقه الدولة لمكافحتها لكنها تفشل بنسبة 85%، حيث إن ما يتم ضبطه لا يتجاوز 15% مما يدخل السوق أو ما ينتج محلياً!

وعلى غرار الرائعة الراحلة «هند رستم» فى أفلامها القديمة إغراء بطل الفيلم بالكشف عن ساقيها بعد أن تدّعى أنها قد «اِلْتوَت»، قال رئيس الرابطة إنه بتقنين زراعة وتجارة وتعاطى الحشيش يُمكن للدولة جمع 4.2 مليار جنيه بحساب قيمة ضريبة تبلغ 10% على أن يجرى زيادتها تدريجياً على مدار 10 سنوات لتصل إلى 50% وفق ضوابط استراتيجية بعيدة المدى فضلاً عن توفير المليار جنيه التى تتحملها الدولة لمكافحة هذه التجارة.

وإمعاناً فى زيادة إغراء «الزبون» قال رئيس الرابطة إن مدخنى الحشيش فى مصر يمثلون نصف الشعب، إذ تتراوح أعدادهم بين 40 و45 مليون مواطن بخلاف العرب والأجانب الموجودين فى مصر «وقتها».. وهو ما ينبئ بزيادة الإنتاج وبالتالى حصيلة الضرائب!

فى النهاية لا أجد ما أقوله سوى أن هناك حديثاً عن النبى محمد صلى الله عليه وسلم «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»، غير أن هذه التصرفات الشاذة التى تعرضنا لها خلال أيام الأسبوع الماضى قد أعادت صياغة هذا الحديث إلى: «إن لم تستحِ.. فتعرَّ وقل ما شئت» وأستغفر الله العظيم.. ولك يا أغلى اسم فى الوجود ولمواطنيك الله.

القسم: 
المصدر: 

نحن نزرع القنابل الموقوتة..!

منذ النصف الثانى من خمسينات القرن الماضى وحتى الآن، وحكوماتنا المتعاقبة فى حيرة من أمرها لإيجاد وسيلة عملية للسيطرة على زيادة أعداد السكان أو بالأصح «الانفجار السكانى» الذى أوصل تعدادنا إلى أكثر من 104 ملايين مواطن -«قبل أن تنتهى من قراءة السطور التالية»- إذ سيضاف إلى هذا التعداد عدد من المواليد الجدد خلال وقت قراءتك لها..! باعتبار أن كل 15 ثانية تعلن «صرخات مولود» أن وافداً جديداً قد قدُم إلى الحياة ليشكل رقماً ضمن 2٫5 مليون طفل يولد سنوياً، ليقارب هذا الرقم من تعداد «دولة كاملة»..!

من «حسنين ومحمدين».. وشعار تحديد النسل وبعده «تنظيمه» بعد أن أثار الأول حفيظة العقل الجمعى للمواطنين وقتها.. وبين إضافة تعبير «والسكان» إلى اختصاصات وزارة الصحة.. واعتبار أن هذه القضية تمثل أمناً قومياً لمصر.. فشلت كل جهود الحكومات المتتالية طوال هذه السنوات وحتى الآن فى تحجيم المخاطر التى نواجهها بسبب ارتفاع معدلات زيادة المواليد، التى تعادل مخاطر الإرهاب وربما تفوقها بعد أن تحولت إلى «غول» يلتهم كل جهود الدولة، وتنعكس تأثيراتها السلبية على مواردها وتشكل تهديداً مرعباً للجهود المبذولة لاستكمال برنامج الإصلاح الاقتصادى والاجتماعى فى المرحلة المقبلة، وهو ما يمكن إعادتنا للمربع صفر، الأمر الذى دفع الرئيس السيسى إلى تكرار تحذيراته بأن الزيادة السكانية تمثل تحدياً كبيراً أمام الدولة المصرية، وإنه إذا استمر هذا الوضع لن يكون هناك أمل أو أى تحسن للواقع الذى نعيشه.

كثيرة هى تلك المخاطر التى تتفرع عن الزيادة السكانية ولعل أخطرها يتمثل فى أننا وبأيدينا نزرع «قنابل موقوتة» أسفل كبارى القاهرة الكبرى‏.. ‏وفى حدائقها العامة إن وجدت‏.. وفى مداخل عماراتها تحت الإنشاء‏.. ومخازن متاحفها التى تسمى محطات القطارات،‏ بعد أن فرضت ظروف ما كانت تسمى أسرهم على أكثر من 3 أو 4 ملايين طفل الإقامة الجبرية فى كل هذه المواقع، ليمثلوا بؤرة تهديد لمجتمع أصبح فى غير حاجة لمزيد من أسباب تهديده‏!!‏

قبل عدة سنوات خرج علينا المجلس القومى للطفولة والأمومة -وقتها- بدراسة فجرت الأزمة‏.. زلزلت كيان المجتمع‏.. صرخة انطلقت بأن هناك أكثر من مليونى طفل مشرد -وبالتأكيد فقد تضاعف هذا العدد الآن- يهيمون على وجوههم فى الشوارع ويعيش -إذا كان هذا التعبير يطابق الحالة التى يعانى منها- 60% ‏ منهم فى محافظات القاهرة الكبرى‏.. ‏ويبدو من ذلك الوقت أن المجلس قد اقتنع بأنه قد أدى دوره كاملاً بمجرد عقد مؤتمر صحفى أو ندوة لإعلان هذا الإحصاء واكتفى بتفجير تلك المأساة دون أن يتحرك بفاعلية لإعادتهم إلى المجتمع مرة أخرى، على الرغم من أن تلك الظاهرة كانت ملحوظة فى الشوارع وعند إشارات المرور لتفضح مأساة هؤلاء الأطفال الذين يعتبرون ضحايا إقدام البعض على إنجاب أطفال لا تستوعب إمكانياتهم الاقتصادية تربيتهم، فيدفعونهم إلى الشوارع ليمدوا أيديهم للعابرين فى الشوارع أو لقائدى السيارات فى إشارات المرور باعتبار أن ذلك أسهل الطرق للحصول على المال..! ‏

شظايا هذه المأساة ترتشق فى صدور العديد من الجهات‏.. ‏رجال أعمال اكتفوا بما يحققونه من أرباح دون أن يلتفتوا إلى حقيقة دورهم الاجتماعى فى مواجهة قضايا المجتمع‏.. ‏جمعيات ومؤسسات عدة ارتاحت لموضة تسميتها مؤسسات المجتمع المدنى واكتفت بصورة تنشر فى صفحات الاجتماعيات بالصحف لندوة أو اجتماع يضم سيدات أعمال وصفوة المجتمع‏..‏ كيانات حزبية غرقت فى مشاكل وراثة الزعماء واقتسام المناصب القيادية‏.. ‏جهاز قومى للشباب حصر اهتماماته على شريحة واحدة‏.. فقطاع الشباب لا يقتصر فقط على هؤلاء المنتظمين فى الجامعات والمعاهد العليا‏.. وقطاع الطلائع ليسوا هم فقط أطفال المدارس فكل هؤلاء لديهم الحد الأدنى من الحياة: أربعة جدران حتى وإن كانت آيلة للسقوط فى مبان أطلق عليها تجاوزاً مدارس‏.. ‏أو قاعات مكتظة بالآلاف من الطلاب سميت بمدرجات جامعية‏..‏ وأسرة وإن كان مفردات قاموس الحياة اليومية لأفرادها لا تعرف سوى كلمة المعاناة‏.

وإذا كان مجلس النواب قد بدأ فى التحرك لمواجهة الأزمة من خلال إعداد عدد من التشريعات التى تسهم فى خفض معدلات الزيادة السكانية غير أن هذه التشريعات يجب ألا تغفل صياغة عقوبات واضحة لمن يسمى نفسه «أباً» وهو يلقى بطفله فى الطريق‏، خاصة إننا كمجتمع نعاقب من يخالف إشارة للمرور بينما نقف مكتوفى الأيدى أمام من يلقى طفله فى الطريق العام؟‏!‏.. فأطفال الشوارع ظاهرة تستوجب علينا جميعاً البحث عن أسلوب جديد للتعامل معها بعيداً عن تخشيبة الأحداث فى أقسام الشرطة أو إصلاحية للأحداث تكاد تقترب من أن تكون مدرسة لتعليم فنون الإجرام حتى بعد أن أبدلت اسمها إلى دار التربية.!!

وإذا كانت بعض الأصوات يحلو لها التشدق بأن الزيادة السكانية التى نشكو من تفاقمها تمثل ثروة قومية إذا أحسن استخدامها ويشيرون إلى الصين، فإن الرد على ذلك أن ذلك التنين الأصفر ذاته قد اضطر خلال الفترة من عام 1978 وحتى عام 2015 إلى اتباع سياسة لحرمان الطفل الثانى من كافة الخدمات التى تقدمها الدولة من تعليم ورعاية صحية بل وحتى من كافة حقوقه السياسية سواء الترشح أو التصويت فى أى انتخابات..! فهل ننجح هذه المرة؟!

اعتباراً من الغد ولمدة يومين كاملين سيتوج العالم المصرى الدكتور جمال مصطفى السعيد، أستاذ الجراحة وجراحة الأورام بكلية طب قصر العينى، بأعلى تقدير علمى فى مجمل دول الاتحاد الأوروبى بإلقاء الكلمة الافتتاحية للمؤتمر الدولى الثانى للأمراض السارية فى العالم الذى يعقد بالعاصمة الإسبانية «مدريد» ورئاسة جلسات المؤتمر فى يومه الثانى والأخير وتقييم الأبحاث العلمية التى ستقدم للمؤتمر لاختيار أفضلها والتوقيع على شهادات التقدير التى ستمنح للفائزين.. ليرتفع علم واسم أغلى اسم فى الوجود أمام دول الاتحاد الأوروبى.. ولك يا أحلى اسم فى الوجود ولأبنائك ولمستقبلك السلامة والازدهار.

القسم: 
المصدر: 

ذبح البراءة فى 60 ثانية..!

مثلما لم يستغرق سوى 60 ثانية فقط لتنفيذ «جريمته الشنعاء» -التى هزت المجتمع وذبحت كل القيم الأخلاقية وكل معانى الإنسانية وقتها قبل نحو العام والنصف وتحديداً فى بداية مارس من العام الماضى- لم تستغرق محكمة النقض فى جلستها -قبل نحو أسبوع- أكثر من هذه الثوانى لإعلان رفضها الطعن على حكم الإعدام الذى كانت قد أصدرته محكمة جنايات المنصورة بعد جريمته بنحو شهرين ليصبح الحكم واجب النفاذ غير قابل للطعن عليه ليتبقى فقط موعد تنفيذ الإعدام «قصاصاً عادلاً» لهذه الجريمة التى لم تكتسب فيها هذه البريئة وحدها لقب «الضحية» بل انعكست آثارها على مجمل أهلها ليصبح جميعهم «ضحايا» لـ«كائن» لا ينتمى للبشرية بأى شكل من الأشكال!.

فى جريمته البشعة لم يغتصب هذا الكائن «رضيعة» -لم يشفع لها رصيدها فى الحياة الذى لم يتجاوز العام وثمانية أشهر وقتها- بل اغتصب المجتمع كله.. فكل معانى الرحمة تبخرت من عقله -إن كان له عقل- ليتحول إلى شيطان آثم لينهى جريمته وليضيف عشرات السنوات على عمر ضحيته لتحيلها إلى سيدة تعانى الهزيمة والانكسار.. تخشى الحياة التى هزمتها حتى قبل أن تبدأها.. وكلما تقدم بها العمر ستجتر ذكريات أليمة بعد أن تعيش سنوات من الرعب يطاردها ذلك «الكابوس المرعب» الذى تعرضت له دون أى ذنب ارتكبته.

وقتها لم تدرك هذه البريئة حقيقة ما جرى لها ولكنها ودون أن تدرى ظلت أياماً طوالاً تعلن احتجاجها على ما جرى لها برفض تناول الطعام، بعد معاناتها من ارتفاع مستمر فى درجة حرارة جسدها الذى انتُهك رغم عدم اكتماله بما يغرى ضعاف النفوس على انتهاكه.. تدخل دائماً فى نوبات بكاء هيستيرى بمجرد أن يلمس جسدها أحد، متأثرة بما تعرضت له وكأنها تلعن تلك الظروف التى أوقعتها فى طريق ذلك السفاح، فالجريمة البشعة التى أقدم عليها ذلك «الكائن» ستبقى محفورة فى ذاكرة «جنا» مهما باعدت بينهما السنون والأيام!! بأى ذنب ذُبحت براءتها.. وشُقت قلوب كل من تجمعها معهم بيانات بطاقة الهوية..؟!.. وأى جريمة ارتكبتها حتى يكون مصيرها بين يدى «مخلوق أو كائن» لا يرقى أبداً لأن يكون إنساناً..؟!.. وأى انحراف فى سلوكها سمحت بها أيامها القليلة فى الدنيا جعلها «نهباً» لمن يتربص لـ«ضحاياه» حتى ولو كانوا مجرد «رضَّع» كى يتصيدهم بدم بارد بعد أن يتوهم بأن ما يفعله إنما هو يُعد جزاء عادلاً لمن اختارت «الانحراف» منهجاً لحياتها كما يصوره له عقله المريض..؟!

بين يدى من لا يخاف الله سبحانه وتعالى تحولت «جنا، رضيعة البامبرز» إلى فريسة نشب فيها أنيابه، وغرس مخالبه، واعتصر لحمها، ولم يرقّ قلبه -إن كان له قلب- لصراخها وأنّاتها، ولم تشفع لها براءة طفولتها فى أن يتركها دون أن يخنق تلك البراءة، ودون أن يئد الحلم‏ حتى قبل أن يبدأ وأن يغرس سكيناً فى قلوبنا ويبكينا جميعاً..!

وإذا كان أهالى «دملاش» وهى القرية التى تضمها خريطة محافظة الدقهلية والتى شهدت الجريمة البشعة، قد تجمعوا وقتها لإحراق منزل ذلك الجانى لولا تدخل الأمن وإقناعهم بضرورة الالتزام بالقانون بعد أن بدأت محاكمته بعد 4 أيام فقط من جريمته وقد بدأ بالفعل العد التنازلى لتُكتب النهاية لتلك الجريمة بـ«قصاص عادل» يتدلى به جسد «إبراهيم. م، 35 عاماً» من مشنقة الإعدام؛ جزاء على ما ارتكبه من جرم، ولتنتهى حياة ذلك الغول السفاح الذى تخفى فى صورة بشر -والبشر منه براء- والذى وجد ضالته فى «براءة تجسدت فى صورة رضيعة» ليرتوى من دمائها ودماء أهلها دون أن يرفق بحالها أو حالهم ودون أن يرشق أنيابه فى جسدها الصغير ولم يهتز له «رمش» بعد أن تجسد فى صورة «دفتر أحوال» ليضيف سطراً جديداً إلى سوابقه الإجرامية.

السطور السابقة جرى نشرها يوم 31 مارس من العام الماضى فى جريدة «الوطن» وقد أعدت نشرها بعد إجراء بعض التعديلات على بعض تفاصيلها احتجاجاً على ذبح كل القيم الأخلاقية والإنسانية ووأد الرحمة التى ابتلينا بها مؤخراً، خاصة أن ذات الجريمة قد تكررت مع طفلة أخرى بقرية أوسيم بالجيزة بعد أن نشب «غول» آخر مخالبه فى طفلة صغيرة لم يكتف باغتصابها فى مسجد هناك -نعم فى مسجد- بل وقتلها متوهماً أنه لن يُكتشف أمره غير أن محكمة جنوب الجيزة هذه المرة حددت جلسة 12 ديسمبر المقبل لإصدار حكمها النهائى فى ضوء الرأى الشرعى فى إعدامه بعد أن أحالت يوم الاثنين الماضى أوراقه إلى مفتى الديار المصرية.

قبل هاتين الجريمتين بسنوات قليلة اهتز الرأى العام بجريمة مماثلة راحت ضحيتها طفلة السنوات الخمس من عمرها.. «زينة» طفلة بورسعيد التى راحت ضحية لاثنين من «غير البشر» ألقياها من الدور الحادى عشر للعمارة التى كانت تسكن فيها مع أهلها بعد أن فشلا فى اغتصابها، لتسقط على الأرض وتسقط معها كل «قيم الرحمة والإنسانية» ليحكم عليهما فى النهاية بالسجن 15 عاماً باعتبارهما «حدثين» لم يصلا بعد إلى سن الرشد «21 سنة» أى أن القانون اعتبرهما غير مسئولين عن أفعالهما، وبالتالى أفلتا من حكم الإعدام أو المؤبد ليخرجا بعد سنوات قليلة -إذ إن سنة السجن لا تزيد على 9 أشهر- ليبحثا عن طفلة أخرى لتصبح ضحيتهما الثانية..!

ربما تثير هذه الجرائم انتباه مجلس النواب ليسارع بتعديل القانون وتغليظ العقوبة لتصل إلى الإعدام الفورى حال الاعتداء على طفل -سواء قتله الجانى أو تركه ليعانى آثار الاغتصاب وحده هو وأهله- من أجل حماية أطفالنا وأحفادنا جميعاً حتى لا تتكرر مأساة «رضيعة البامبرز أو ضحية المسجد أو زينة بورسعيد» وندخل فى نوبة بكاء وتعصرنا دوامة الألم ووقتها لن ينفع الندم أو «مصمصة شفاه جارة» بعد أن تدق صدرها بكفها إشفاقاً على حال أم انخلع قلبها من مكانه رعباً على ابن أو ابنة اختفى من أمام أعينها مجرد دقائق قليلة!‏

القسم: 
المصدر: