عبدالعظيم درويش

رانيا و«حفل بلاى بوى».. وسام و«تقنين الدعارة»!

لم تكن سوى أيام قليلة بعد أن أفاق الرأى العام من تلك «الصدمة» التى تلقاها من «مهرجان اللانجيرى» -الذى اصطلح البعض على تسميته «مهرجان الجونة السينمائى الثانى»- حتى تلقى صدمتين أخريين هدمتا كل القيم الأخلاقية ومنظومة التقاليد التى ظل المجتمع متمسكاً بها طوال تاريخه بعد أن اختلط الأمر على الممثلة «رانيا يوسف» وتصورت أنها مدعوة إلى حفل تنظمه مجلة «بلاى بوى» الأمريكية الشهيرة، وليس «مهرجان القاهرة السينمائى»، وهو ما مثل الصدمة الأولى.

أما الصدمة الثانية التى أحالت كل القيم الأخلاقية إلى مجرد «أشلاء» فقد فوجئ مشاهدو التليفزيون بمطالبة وسام نوح «مدير المركز المصرى للقانون» الدولة بـ«تقنين الدعارة»..!

فى بداية الأمر لم تجد رانيا يوسف و«أخواتها» أى مبرر لتلك الضجة التى أثارها الرأى العام بسبب ما سمته «فستاناً»، إذ لمحت إلى رضائها التام عن مظهرها بمقارنتها بمظهر إحدى شهيرات هوليوود «ليدى جاجا».. بينما قال مصمم الفستان ويُدعى سوشا: «ينبغى علينا أن نتطور فى قرارة أنفسنا كما فعلت لبنان»..!

وأعلن «سوشا» -الذى كان يتحدث فى مداخلة تليفونية فى برنامج «صباح الورد»- رفضه لحملة الهجوم على الممثلة بسبب ارتدائها الفستان، موضحاً «نفسى الناس تتطور، وأى فنانة تطلع على السجادة الحمراء هى عارفة بتعمل إيه».

وأعرب عن رضائه التام عن «فستان» الممثلة: «الصحفيون والجميع يتحدثون عنها»، وللغرابة رأى المصمم أن الممثلة «عملت الصح بارتدائها الفستان بالمهرجان، شابوه رانيا يوسف والله».

على النقيض من اندهاش رانيا يوسف ولا مبالاة «سوشا» وقبعته التى رفعها تقديراً لمظهر الممثلة، خرجت نقابة المهن التمثيلية ببيان لم تُقصر بدايته على واقعة «رانيا» وحدها بل جمعت معها بعض الممثلات: «إن المظهر الذى بدت عليه بعض ضيفات المهرجان لا يتوافق مع تقاليد المجتمع وقيمه وطبائعه الأخلاقية، الأمر الذى أساء لدور المهرجان والنقابة المسئولة عن سلوك أعضائها» على حد تعبير البيان.

وفى صياغة تستهدف تهدئة الرأى العام قالت النقابة فى بيانها: «إننا نهيب بالفنانين إدراك مسئوليتهم العامة تجاه جماهير تقدر فنهم، ولذلك سوف تقوم النقابة بالتنسيق مع الإدارة العليا للمهرجانات واتحاد النقابات الفنية بالتحقيق مع من تراه قد تجاوز فى حق المجتمع، وسيلقى الجزاء المناسب، حتى تضمن عدم تكرار ذلك».

ومع تطور الأحداث لم تجد الممثلة «رانيا» سوى التراجع عن «عنتريتها» بتحدى تقاليد المجتمع وقيمه الأخلاقية خاصة بعد تحديد جلسة لمحاكمتها يوم 12 يناير المقبل، إلا أن أصحاب البلاغات قد تنازلوا عنها، وحاولت أن تجد مبرراً لما جرى «المشكلة كانت فى خامة الفستان لأنه كان مطرزاً، ومع الحركة أزاح التطريز البطانة.. وأنا لست صغيرة أو طائشة كى أضيع مجهود السنين واسمى الذى بنيته على مدار 25 عاماً من العمل، بظهورى بشكل غير لائق».

أما على جانب كارثة «تقنين الدعارة» فقد قالت صاحبتها، خلال حلقة بأحد برامج «التوك شو» مخصصة للحديث عن طرح «فياجرا السيدات» بالأسواق المصرية، «إن نسبة الدعارة فى مصر عالية للغاية، ويجب على الدولة تقنينها»..!

وعللت مديرة المركز مطالبتها هذه -التى تتناقض مع الدين ومنظومة الأخلاق- بأن هذا التقنين سيؤدى إلى اكتشاف مرضى الإيدز وسرعة علاجهم..! ولم تكتف مدير المركز المصرى للقانون بذلك بل إنها أبدت أسفها لرفض دور النشر العديدة نشر كتاب «الدعارة بين التقنين والتجريم» الذى ألفته.. وهو ما جعل منها هدفاً للعديد من البلاغات ضدها لمحاكمتها على نشر الفسق والفجور!

وإذا كان مهرجان «الجونة» قد أثمر واقعتين أثارتا جدلاً غاضباً بين أوساط المواطنين بظهور الإعلامية ياسمين عز، بفستان «مكشوف الصدر»، خلال إجرائها حواراً مع اللواء خالد فودة محافظ جنوب سيناء على هامش الاحتفال بذكرى انتصارات أكتوبر.. إضافة إلى خروج إحدى الفتيات من سقف إحدى السيارات بملابس مثيرة لترقص فوق سطح السيارة التى يمتلكها «صديق لها» دون أن تأبه لنظرات المارة وقائدى السيارات فى الطريق العام، فماذا سيفعله مظهر الممثلة «رانيا» ومطالبة مدير المركز القانونى، فى الفتيات ضعيفات النفوس..؟!

على كل حال فإنه يبدو أننا نتعرض كل فترة لمشاهد أو دعوات شاذة تخاصم كل القيم المجتمعية، فمنذ ما يقرب من 4 سنوات خرج علينا رئيس رابطة تجار السجائر بالقاهرة والجيزة باقتراح يتصادم مع القانون عندما طالب المهندس إبراهيم محلب الذى كان يشغل وقتها منصب رئيس مجلس الوزراء بـ«تقنين زراعة وتعاطى وتجارة الحشيش» وفرض ضرائب عليه ووضع ضوابط لتداوله لتعزيز إيرادات الدولة وسد عجز الموازنة!.

وفى محاولة لـ«إغراء» الحكومة بالإقدام على هذه الخطوة قال رئيس الرابطة إن حجم تجارة الحشيش يقدر بنحو 42 مليار جنيه سنوياً، بالإضافة إلى مليار جنيه تنفقه الدولة لمكافحتها لكنها تفشل بنسبة 85%، حيث إن ما يتم ضبطه لا يتجاوز 15% مما يدخل السوق أو ما ينتج محلياً!

وعلى غرار الرائعة الراحلة «هند رستم» فى أفلامها القديمة إغراء بطل الفيلم بالكشف عن ساقيها بعد أن تدّعى أنها قد «اِلْتوَت»، قال رئيس الرابطة إنه بتقنين زراعة وتجارة وتعاطى الحشيش يُمكن للدولة جمع 4.2 مليار جنيه بحساب قيمة ضريبة تبلغ 10% على أن يجرى زيادتها تدريجياً على مدار 10 سنوات لتصل إلى 50% وفق ضوابط استراتيجية بعيدة المدى فضلاً عن توفير المليار جنيه التى تتحملها الدولة لمكافحة هذه التجارة.

وإمعاناً فى زيادة إغراء «الزبون» قال رئيس الرابطة إن مدخنى الحشيش فى مصر يمثلون نصف الشعب، إذ تتراوح أعدادهم بين 40 و45 مليون مواطن بخلاف العرب والأجانب الموجودين فى مصر «وقتها».. وهو ما ينبئ بزيادة الإنتاج وبالتالى حصيلة الضرائب!

فى النهاية لا أجد ما أقوله سوى أن هناك حديثاً عن النبى محمد صلى الله عليه وسلم «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»، غير أن هذه التصرفات الشاذة التى تعرضنا لها خلال أيام الأسبوع الماضى قد أعادت صياغة هذا الحديث إلى: «إن لم تستحِ.. فتعرَّ وقل ما شئت» وأستغفر الله العظيم.. ولك يا أغلى اسم فى الوجود ولمواطنيك الله.

القسم: 
المصدر: 

نحن نزرع القنابل الموقوتة..!

منذ النصف الثانى من خمسينات القرن الماضى وحتى الآن، وحكوماتنا المتعاقبة فى حيرة من أمرها لإيجاد وسيلة عملية للسيطرة على زيادة أعداد السكان أو بالأصح «الانفجار السكانى» الذى أوصل تعدادنا إلى أكثر من 104 ملايين مواطن -«قبل أن تنتهى من قراءة السطور التالية»- إذ سيضاف إلى هذا التعداد عدد من المواليد الجدد خلال وقت قراءتك لها..! باعتبار أن كل 15 ثانية تعلن «صرخات مولود» أن وافداً جديداً قد قدُم إلى الحياة ليشكل رقماً ضمن 2٫5 مليون طفل يولد سنوياً، ليقارب هذا الرقم من تعداد «دولة كاملة»..!

من «حسنين ومحمدين».. وشعار تحديد النسل وبعده «تنظيمه» بعد أن أثار الأول حفيظة العقل الجمعى للمواطنين وقتها.. وبين إضافة تعبير «والسكان» إلى اختصاصات وزارة الصحة.. واعتبار أن هذه القضية تمثل أمناً قومياً لمصر.. فشلت كل جهود الحكومات المتتالية طوال هذه السنوات وحتى الآن فى تحجيم المخاطر التى نواجهها بسبب ارتفاع معدلات زيادة المواليد، التى تعادل مخاطر الإرهاب وربما تفوقها بعد أن تحولت إلى «غول» يلتهم كل جهود الدولة، وتنعكس تأثيراتها السلبية على مواردها وتشكل تهديداً مرعباً للجهود المبذولة لاستكمال برنامج الإصلاح الاقتصادى والاجتماعى فى المرحلة المقبلة، وهو ما يمكن إعادتنا للمربع صفر، الأمر الذى دفع الرئيس السيسى إلى تكرار تحذيراته بأن الزيادة السكانية تمثل تحدياً كبيراً أمام الدولة المصرية، وإنه إذا استمر هذا الوضع لن يكون هناك أمل أو أى تحسن للواقع الذى نعيشه.

كثيرة هى تلك المخاطر التى تتفرع عن الزيادة السكانية ولعل أخطرها يتمثل فى أننا وبأيدينا نزرع «قنابل موقوتة» أسفل كبارى القاهرة الكبرى‏.. ‏وفى حدائقها العامة إن وجدت‏.. وفى مداخل عماراتها تحت الإنشاء‏.. ومخازن متاحفها التى تسمى محطات القطارات،‏ بعد أن فرضت ظروف ما كانت تسمى أسرهم على أكثر من 3 أو 4 ملايين طفل الإقامة الجبرية فى كل هذه المواقع، ليمثلوا بؤرة تهديد لمجتمع أصبح فى غير حاجة لمزيد من أسباب تهديده‏!!‏

قبل عدة سنوات خرج علينا المجلس القومى للطفولة والأمومة -وقتها- بدراسة فجرت الأزمة‏.. زلزلت كيان المجتمع‏.. صرخة انطلقت بأن هناك أكثر من مليونى طفل مشرد -وبالتأكيد فقد تضاعف هذا العدد الآن- يهيمون على وجوههم فى الشوارع ويعيش -إذا كان هذا التعبير يطابق الحالة التى يعانى منها- 60% ‏ منهم فى محافظات القاهرة الكبرى‏.. ‏ويبدو من ذلك الوقت أن المجلس قد اقتنع بأنه قد أدى دوره كاملاً بمجرد عقد مؤتمر صحفى أو ندوة لإعلان هذا الإحصاء واكتفى بتفجير تلك المأساة دون أن يتحرك بفاعلية لإعادتهم إلى المجتمع مرة أخرى، على الرغم من أن تلك الظاهرة كانت ملحوظة فى الشوارع وعند إشارات المرور لتفضح مأساة هؤلاء الأطفال الذين يعتبرون ضحايا إقدام البعض على إنجاب أطفال لا تستوعب إمكانياتهم الاقتصادية تربيتهم، فيدفعونهم إلى الشوارع ليمدوا أيديهم للعابرين فى الشوارع أو لقائدى السيارات فى إشارات المرور باعتبار أن ذلك أسهل الطرق للحصول على المال..! ‏

شظايا هذه المأساة ترتشق فى صدور العديد من الجهات‏.. ‏رجال أعمال اكتفوا بما يحققونه من أرباح دون أن يلتفتوا إلى حقيقة دورهم الاجتماعى فى مواجهة قضايا المجتمع‏.. ‏جمعيات ومؤسسات عدة ارتاحت لموضة تسميتها مؤسسات المجتمع المدنى واكتفت بصورة تنشر فى صفحات الاجتماعيات بالصحف لندوة أو اجتماع يضم سيدات أعمال وصفوة المجتمع‏..‏ كيانات حزبية غرقت فى مشاكل وراثة الزعماء واقتسام المناصب القيادية‏.. ‏جهاز قومى للشباب حصر اهتماماته على شريحة واحدة‏.. فقطاع الشباب لا يقتصر فقط على هؤلاء المنتظمين فى الجامعات والمعاهد العليا‏.. وقطاع الطلائع ليسوا هم فقط أطفال المدارس فكل هؤلاء لديهم الحد الأدنى من الحياة: أربعة جدران حتى وإن كانت آيلة للسقوط فى مبان أطلق عليها تجاوزاً مدارس‏.. ‏أو قاعات مكتظة بالآلاف من الطلاب سميت بمدرجات جامعية‏..‏ وأسرة وإن كان مفردات قاموس الحياة اليومية لأفرادها لا تعرف سوى كلمة المعاناة‏.

وإذا كان مجلس النواب قد بدأ فى التحرك لمواجهة الأزمة من خلال إعداد عدد من التشريعات التى تسهم فى خفض معدلات الزيادة السكانية غير أن هذه التشريعات يجب ألا تغفل صياغة عقوبات واضحة لمن يسمى نفسه «أباً» وهو يلقى بطفله فى الطريق‏، خاصة إننا كمجتمع نعاقب من يخالف إشارة للمرور بينما نقف مكتوفى الأيدى أمام من يلقى طفله فى الطريق العام؟‏!‏.. فأطفال الشوارع ظاهرة تستوجب علينا جميعاً البحث عن أسلوب جديد للتعامل معها بعيداً عن تخشيبة الأحداث فى أقسام الشرطة أو إصلاحية للأحداث تكاد تقترب من أن تكون مدرسة لتعليم فنون الإجرام حتى بعد أن أبدلت اسمها إلى دار التربية.!!

وإذا كانت بعض الأصوات يحلو لها التشدق بأن الزيادة السكانية التى نشكو من تفاقمها تمثل ثروة قومية إذا أحسن استخدامها ويشيرون إلى الصين، فإن الرد على ذلك أن ذلك التنين الأصفر ذاته قد اضطر خلال الفترة من عام 1978 وحتى عام 2015 إلى اتباع سياسة لحرمان الطفل الثانى من كافة الخدمات التى تقدمها الدولة من تعليم ورعاية صحية بل وحتى من كافة حقوقه السياسية سواء الترشح أو التصويت فى أى انتخابات..! فهل ننجح هذه المرة؟!

اعتباراً من الغد ولمدة يومين كاملين سيتوج العالم المصرى الدكتور جمال مصطفى السعيد، أستاذ الجراحة وجراحة الأورام بكلية طب قصر العينى، بأعلى تقدير علمى فى مجمل دول الاتحاد الأوروبى بإلقاء الكلمة الافتتاحية للمؤتمر الدولى الثانى للأمراض السارية فى العالم الذى يعقد بالعاصمة الإسبانية «مدريد» ورئاسة جلسات المؤتمر فى يومه الثانى والأخير وتقييم الأبحاث العلمية التى ستقدم للمؤتمر لاختيار أفضلها والتوقيع على شهادات التقدير التى ستمنح للفائزين.. ليرتفع علم واسم أغلى اسم فى الوجود أمام دول الاتحاد الأوروبى.. ولك يا أحلى اسم فى الوجود ولأبنائك ولمستقبلك السلامة والازدهار.

القسم: 
المصدر: 

ذبح البراءة فى 60 ثانية..!

مثلما لم يستغرق سوى 60 ثانية فقط لتنفيذ «جريمته الشنعاء» -التى هزت المجتمع وذبحت كل القيم الأخلاقية وكل معانى الإنسانية وقتها قبل نحو العام والنصف وتحديداً فى بداية مارس من العام الماضى- لم تستغرق محكمة النقض فى جلستها -قبل نحو أسبوع- أكثر من هذه الثوانى لإعلان رفضها الطعن على حكم الإعدام الذى كانت قد أصدرته محكمة جنايات المنصورة بعد جريمته بنحو شهرين ليصبح الحكم واجب النفاذ غير قابل للطعن عليه ليتبقى فقط موعد تنفيذ الإعدام «قصاصاً عادلاً» لهذه الجريمة التى لم تكتسب فيها هذه البريئة وحدها لقب «الضحية» بل انعكست آثارها على مجمل أهلها ليصبح جميعهم «ضحايا» لـ«كائن» لا ينتمى للبشرية بأى شكل من الأشكال!.

فى جريمته البشعة لم يغتصب هذا الكائن «رضيعة» -لم يشفع لها رصيدها فى الحياة الذى لم يتجاوز العام وثمانية أشهر وقتها- بل اغتصب المجتمع كله.. فكل معانى الرحمة تبخرت من عقله -إن كان له عقل- ليتحول إلى شيطان آثم لينهى جريمته وليضيف عشرات السنوات على عمر ضحيته لتحيلها إلى سيدة تعانى الهزيمة والانكسار.. تخشى الحياة التى هزمتها حتى قبل أن تبدأها.. وكلما تقدم بها العمر ستجتر ذكريات أليمة بعد أن تعيش سنوات من الرعب يطاردها ذلك «الكابوس المرعب» الذى تعرضت له دون أى ذنب ارتكبته.

وقتها لم تدرك هذه البريئة حقيقة ما جرى لها ولكنها ودون أن تدرى ظلت أياماً طوالاً تعلن احتجاجها على ما جرى لها برفض تناول الطعام، بعد معاناتها من ارتفاع مستمر فى درجة حرارة جسدها الذى انتُهك رغم عدم اكتماله بما يغرى ضعاف النفوس على انتهاكه.. تدخل دائماً فى نوبات بكاء هيستيرى بمجرد أن يلمس جسدها أحد، متأثرة بما تعرضت له وكأنها تلعن تلك الظروف التى أوقعتها فى طريق ذلك السفاح، فالجريمة البشعة التى أقدم عليها ذلك «الكائن» ستبقى محفورة فى ذاكرة «جنا» مهما باعدت بينهما السنون والأيام!! بأى ذنب ذُبحت براءتها.. وشُقت قلوب كل من تجمعها معهم بيانات بطاقة الهوية..؟!.. وأى جريمة ارتكبتها حتى يكون مصيرها بين يدى «مخلوق أو كائن» لا يرقى أبداً لأن يكون إنساناً..؟!.. وأى انحراف فى سلوكها سمحت بها أيامها القليلة فى الدنيا جعلها «نهباً» لمن يتربص لـ«ضحاياه» حتى ولو كانوا مجرد «رضَّع» كى يتصيدهم بدم بارد بعد أن يتوهم بأن ما يفعله إنما هو يُعد جزاء عادلاً لمن اختارت «الانحراف» منهجاً لحياتها كما يصوره له عقله المريض..؟!

بين يدى من لا يخاف الله سبحانه وتعالى تحولت «جنا، رضيعة البامبرز» إلى فريسة نشب فيها أنيابه، وغرس مخالبه، واعتصر لحمها، ولم يرقّ قلبه -إن كان له قلب- لصراخها وأنّاتها، ولم تشفع لها براءة طفولتها فى أن يتركها دون أن يخنق تلك البراءة، ودون أن يئد الحلم‏ حتى قبل أن يبدأ وأن يغرس سكيناً فى قلوبنا ويبكينا جميعاً..!

وإذا كان أهالى «دملاش» وهى القرية التى تضمها خريطة محافظة الدقهلية والتى شهدت الجريمة البشعة، قد تجمعوا وقتها لإحراق منزل ذلك الجانى لولا تدخل الأمن وإقناعهم بضرورة الالتزام بالقانون بعد أن بدأت محاكمته بعد 4 أيام فقط من جريمته وقد بدأ بالفعل العد التنازلى لتُكتب النهاية لتلك الجريمة بـ«قصاص عادل» يتدلى به جسد «إبراهيم. م، 35 عاماً» من مشنقة الإعدام؛ جزاء على ما ارتكبه من جرم، ولتنتهى حياة ذلك الغول السفاح الذى تخفى فى صورة بشر -والبشر منه براء- والذى وجد ضالته فى «براءة تجسدت فى صورة رضيعة» ليرتوى من دمائها ودماء أهلها دون أن يرفق بحالها أو حالهم ودون أن يرشق أنيابه فى جسدها الصغير ولم يهتز له «رمش» بعد أن تجسد فى صورة «دفتر أحوال» ليضيف سطراً جديداً إلى سوابقه الإجرامية.

السطور السابقة جرى نشرها يوم 31 مارس من العام الماضى فى جريدة «الوطن» وقد أعدت نشرها بعد إجراء بعض التعديلات على بعض تفاصيلها احتجاجاً على ذبح كل القيم الأخلاقية والإنسانية ووأد الرحمة التى ابتلينا بها مؤخراً، خاصة أن ذات الجريمة قد تكررت مع طفلة أخرى بقرية أوسيم بالجيزة بعد أن نشب «غول» آخر مخالبه فى طفلة صغيرة لم يكتف باغتصابها فى مسجد هناك -نعم فى مسجد- بل وقتلها متوهماً أنه لن يُكتشف أمره غير أن محكمة جنوب الجيزة هذه المرة حددت جلسة 12 ديسمبر المقبل لإصدار حكمها النهائى فى ضوء الرأى الشرعى فى إعدامه بعد أن أحالت يوم الاثنين الماضى أوراقه إلى مفتى الديار المصرية.

قبل هاتين الجريمتين بسنوات قليلة اهتز الرأى العام بجريمة مماثلة راحت ضحيتها طفلة السنوات الخمس من عمرها.. «زينة» طفلة بورسعيد التى راحت ضحية لاثنين من «غير البشر» ألقياها من الدور الحادى عشر للعمارة التى كانت تسكن فيها مع أهلها بعد أن فشلا فى اغتصابها، لتسقط على الأرض وتسقط معها كل «قيم الرحمة والإنسانية» ليحكم عليهما فى النهاية بالسجن 15 عاماً باعتبارهما «حدثين» لم يصلا بعد إلى سن الرشد «21 سنة» أى أن القانون اعتبرهما غير مسئولين عن أفعالهما، وبالتالى أفلتا من حكم الإعدام أو المؤبد ليخرجا بعد سنوات قليلة -إذ إن سنة السجن لا تزيد على 9 أشهر- ليبحثا عن طفلة أخرى لتصبح ضحيتهما الثانية..!

ربما تثير هذه الجرائم انتباه مجلس النواب ليسارع بتعديل القانون وتغليظ العقوبة لتصل إلى الإعدام الفورى حال الاعتداء على طفل -سواء قتله الجانى أو تركه ليعانى آثار الاغتصاب وحده هو وأهله- من أجل حماية أطفالنا وأحفادنا جميعاً حتى لا تتكرر مأساة «رضيعة البامبرز أو ضحية المسجد أو زينة بورسعيد» وندخل فى نوبة بكاء وتعصرنا دوامة الألم ووقتها لن ينفع الندم أو «مصمصة شفاه جارة» بعد أن تدق صدرها بكفها إشفاقاً على حال أم انخلع قلبها من مكانه رعباً على ابن أو ابنة اختفى من أمام أعينها مجرد دقائق قليلة!‏

القسم: 
المصدر: 

شهيد «النداهة».. و«كبوة» جواد!

قبل نحو 10 أيام، وتحديداً مساء يوم الأربعاء 31 أكتوبر، ترجل الفارس عن حصانه فى «استراحة محارب» ستطول حتى يشاء الله السميع العليم.. غير أنه قبل هذا الموعد اختار أن يُخفت «أضواء الاستوديو» ليختفى عن الأنظار رويداً رويداً، تاركاً الساحة التى كان أحد فرسانها، ربما احتجاجاً، وربما رافعاً الراية البيضاء استسلاماً للمرض اللعين «الفشل الكلوى»، بعد أن قاومه طوال العامين الأخيرين اللذين ظل خلالهما أسيراً على سرير المرض 6 ساعات كاملة 3 مرات أسبوعياً فى جلسات الغسيل الكلوى التى كان يخضع لها فى أحد المستشفيات القريبة من موقع سكنه.

رحل رجل الكلمة الصادقة، التى كان يجسدها بصوته المميز، ويجعل كل من يستمع إليها كأنه يراها تتحرك أمامه وتتنازل طواعية عن جمودها الذى سجنها فى حروف مطبوعة اختارت طريقها -سواء من اليمين إلى اليسار أو العكس- على صفحات الصحف اليومية أو المجلات الأسبوعية..!

فور أن أغمض الراحل حمدى قنديل عينيه للأبد، تسابق الكثيرون وهم يشرعون أقلامهم لـ«نعيه»، تكريماً لتاريخه الممتد منذ ستينات القرن الماضى لحظة استضافته فى منازل الملايين عبر ذلك الصندوق السحرى الذى كان يطل منه عليهم، مجاوراً زميله صلاح زكى -الذى سبقه إلى الرحيل بهدوء تام قبل سنوات طوال- من خلال البرنامج الشهير «أقوال الصحف» الذى كان ينتظره الملايين وقتها ليدركوا تفاصيل ما يدور حولهم، سواء فى مجتمعهم المحلى أو الإقليمى أو الدولى.. ولم لا، فقد كان للراحل نصيب وافر من اسمه «قنديل»..!

لم ينفرد قنديل بتسارع الأقلام لتكريمه بعد رحيله، فهى «عادة» لم نسقطها يوماً من ثقافتنا المتوارثة منذ عقود طويلة من الزمن، إذ اعتدنا هذا الأمر بمجرد رحيل أى من رموزنا، دون أن نفكر لحظة فى تكريمه وهو لا يزال حياً بيننا، كما لو كنا نخشى لومة لائم إذا ما أقدمنا على ذلك الأمر.. وبالتالى فلم يذكره أحد طوال حياته منذ أن توارى عن أعيننا قبل سنوات!

فى آخر برامجه الناجحة «قلم رصاص» اختار الراحل كلمات الشاعر الراحل أحمد مطر «جسَّ الطبيبُ خافقى وقالَ لى هلْ ها هُنا الألَمْ؟ قُلتُ له نعَمْ، فَشقَّ بالمِشرَطِ جيبَ معطَفى وأخرَجَ القَلَمْ»، مقدمة يبدأ بها برنامجه، ليصف تلك العلاقة التى جمعته بمهنة الصحافة، سواء المسموعة أو المرئية، وهى العلاقة التى أجبرته على أن يهجر «سماعة الطبيب» ليمسك بـ«القلم» يشخص به حال الوطن، فقد كان هذا الإعلامى المبدع رائداً لبرامج «التوك شو» الجادة التى تحول معظمها الآن إلى ما يشبه «سوق الجمعة» فى أى منطقة عشوائية، لا يسود فيها سوى الصراخ والاشتباك الذى يتحول إلى «الأيدى» فى كثير من الأحيان..!

ومثلما أن «لكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة»، فقد كان اصطفاف حمدى قنديل ضمن اجتماع «فيرمونت الشهير» هو «الكبوة» التى أصابته ودفعت به إلى «عاصرى الليمون»، إذ جاء هذا الاجتماع مساء الخميس 21 يونيو 2012، لاحقاً على انتهاء مرحلة التصويت فى الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية بين «سفير جماعة الشياطين» محمد مرسى، والفريق أحمد شفيق «آخر رؤساء مجلس وزراء المخلوع»، وهو الاجتماع الذى جرى وصفه وقتها بـ«صفقة مع الشيطان»، وهى الصفقة التى كان يبحث البعض عن مكسب له فيها، غير أنه وللحق -وليس دفاعاً عن قنديل- أنه ربما كان قلقه من حدوث ردة على ما تحقق فى يناير 2011 -مهما كان الرأى فى حقيقتها- من جانب رموز المخلوع هو الذى دفعه للمشاركة فى هذا الاجتماع، وليس أبداً البحث عن دور أو مكسب كغيره..!

منذ أن كان طالباً فى الثانوية العامة بدأ رحلته مع القلم، وهى الرحلة التى أجبرته على ترك كلية الطب بعد أن انتظم فيها ثلاث سنوات كاملة، لتندهه «نداهة الصحافة» ليحترفها بعد تخرجه فى «قسمها» الذى تضمه كلية الآداب بجامعة القاهرة ليبدأ رحلته المهنية التى تقلّب خلالها فى عدد من الصحف والمجلات «مجلة آخر ساعة، ثم جريدة أخبار اليوم»، لينتهى به المطاف أمام كاميرات التليفزيون فى برامجه «أقوال الصحف، رئيس التحرير، قلم رصاص»، وهى البرامج التى استحوذت على اهتمام المواطنين واكتسبت شهرة واسعة وأيضاً خصومات عدة مع الأنظمة فى مختلف أنحاء الوطن العربى، وأجبرته على أن يطفئ أضواء برامجه مرات عديدة فى حياته التى امتدت 82 عاماً، قضى منها نحو 60 عاماً كاملة مع «حروف الصحافة والطباعة» التى تنقلت به من التليفزيون العربى وقتها، ثم إلى دبى، ليعود إلى القاهرة مرة أخرى بعد أن برئ من «مرض الصحافة» ليشتغل بالسياسة.. وهكذا كانت رحلة الفارس فى عالم الصحافة.. وإن كان رحل عنا بجسده، إلا أنه سيظل باقياً وسط عالمنا بذكراه وبتلاميذه العديدين فى مختلف مجالات الإعلام. رحم الله فارس الكلمة المقروءة والمنطوقة والمسموعة.. ولك السلامة دائماً ولمواطنيك يا أغلى اسم فى الوجود.

يبدو أنه أصبح من الضرورى على وزارة الداخلية مراجعة ترتيب أولويات مفهوم الأمن لدى بعض رجالها وضباطها، إذ إنه من غير المعقول أن يجد طفل لم يتعد عمره 6 سنوات نفسه مهدداً بالسجن 6 أشهر بسبب «مقاومته للسلطات الأمنية»..! وأكرر «مقاومته للسلطات الأمنية»..! كما لو كان أهله يُرضعونه «نابالم»، ويلفونه وهو رضيع بـ«بامبرز ناسف»..!

بداية القصة كانت -وفق ما نشرته صحيفة «الوطن»- عندما اتهم ضابط مباحث القوصية 29 شخصاً بمقاومة السلطات الأمنية، ومن بينهم الطفل محمد أبوالحسن صبرى بخيت، ويبلغ من العمر 6 سنوات.

ولأن أحداً من رجال المباحث لم يكلف نفسه إجراء تحريات للتأكد من هوية المتهمين، فلم يُعرض الطفل على قسم شرطة أو نيابة، ليثبت أنه طفل وليس إرهابياً، ليقدم فى النهاية للمحاكمة ضمن الـ29 متهماً، ويصدر الحكم عليه فى الأسبوع الماضى بوصفه «هارباً»، إذ إن القاضى أصدر حكمه وفق الأوراق والمستندات التى أمامه، وليس بينها بالطبع أى أوراق ثبوتية.

خالص التهنئة لضابط المباحث ورجال القسم الذين نجحوا فى تقديم «المتهم» للمحاكمة ليلقى عقوبته جزاء له على «مقاومته للسلطات الأمنية»..!

القسم: 
المصدر: 

تحويل المدخرات لـ«شيبسى»..!

حالة الارتفاع الجنونى فى الأسعار التى تسود الأسواق منذ فترة ليست بالقصيرة قد أربكت جميع المواطنين وأصبحت لا تطاق بعد أن تجاوزت كل الحدود المنطقية وباتت أسعار السلع والخدمات لا تعبر عن واقع قيمتها الحقيقية، ليصبح الغلاء وارتفاع الأسعار هو الموضوع الوحيد الذى ينجح دوماً فى اختراق الصمت الأبدى بين الأزواج.. والقضية المطروحة دائماً على الحوار سواء فى المقاهى الشعبية أو الكافيهات أو الفنادق..!

الجميع أصبحوا يشكون سواء هؤلاء الذين اعتادوا لظروف خارجة عن إرادتهم الالتفاف حول طبق لتصيد بقايا طعام عالقة بجدرانه الصدئة أو بجسمه البلاستيكى محترق الأطراف وكأنه تعرض لعملية تعذيب وحشية.. أو أولئك الذين ينتقون أصناف طعامهم من قوائم مكتوبة بحروف لاتينية‏ فى أى فندق.. ‏ غير أن شكوى الفئة الأولى قد وصلت حد الصراخ بينما جاءت شكوى أهل الصفوة بصورة عابرة ضمن أحاديث مسائية كدلالة فقط على أنهم لا يزالون ينتمون إلى المجتمع ‏!!

فى كل مناسبة وعند مواجهة أى موجة جديدة من الغلاء يحلو للمسئولين التأكيد على اعتزامهم تطبيق حزمة من الإجراءات للسيطرة على الأسعار والحيلولة دون انفلاتها إلا أن الواقع العملى يؤكد عكس ذلك‏ تماماً، ‏ بدرجة أصبحت معها تأكيدات هؤلاء المسئولين مادة يومية للصحف لا نصيب لها من الحقيقة فى ضوء إصرار الأسعار على اختراق كل الحواجز بلا أى منطق‏.. ‏ ولم يعد هناك أية سيطرة عليها‏.!!

ارتفاع سعر السلع وبخاصة الغذائية منها جاء ليكشف عن ثقافة بدأت تتأصل وتغرس أنيابها فى المجتمع وهى «ثقافة الانتهازية»، إذ سارع أباطرة السوق إلى رفع أسعار كل السلع لتطول حتى «البطاطس» التى كانت الملجأ الوحيد أمام الأسر الفقيرة لسد جوع الأبناء..!

وإذا كنا قد اعتدنا طوال عشرات السنين على دقات ساعة جامعة القاهرة التى تدق كل 15 دقيقة، فإنه يبدو أننا سنعتاد قريباً على أننا سنشهد ارتفاعاً فى الأسعار بذات المعدل: «زيادة جديدة كل ربع ساعة»، بعد أن دخلت الأسعار دائرة المنافسة معها..!! وعلى غرار ما اعتدناه من جانب الحكومة لطمأنة المواطنين فإن الدكتور حامد عبدالدايم، المتحدث باسم وزارة الزراعة واستصلاح الأراضى، أكد أن أسعار البطاطس ستنخفض خلال شهر على الأكثر بعد نزول «العروة الجديدة» إلى السوق.. وهو أمر أستبعد حدوثه، فالأسعار لن تعود إلى سابق عهدها حتى وإن انخفضت بعض الشىء «فدخول الحمام ليس كالخروج منه» كما يقول المثل الشعبى..!

متحدث الزراعة رأى خلال مكالمته الهاتفية مع أحد البرامج التليفزيونية: «أن الارتفاع فى أسعار البطاطس أو أى محصول خضرى فى هذا الوقت من العام أمر طبيعى»، موضحاً أن الكمية المخزنة ليست كبيرة ولهذا قلّ العرض وارتفعت الأسعار، وفى لهجة آملاً منها طمأنة المواطنين قال عبدالدايم: «إن الوزارة بصدد التفتيش على الثلاجات للتأكد من عدم احتكار البطاطس»، ونفى أن يكون بعض التجار قد تسببوا فى ارتفاع أسعار البطاطس بسبب الممارسات الاحتكارية حتى لا يلقى أحد باللوم على الحكومة بسبب عدم تفعيل ما تمتلكه من قانون «منع الاحتكار» غير أنه عاد ليطمئن نفسه هذه المرة ليقول: «مفيش إنسان وطنى عنده ضمير يعمل هذا العمل»، وإذا كنا فى السابق قد اعتدنا على أنه فى كل مناسبة من المناسبات الدينية أو الأعياد أو فى موسم علاوات الموظفين أن ترتفع الأسعار بصورة يتعمد المسئولون تجميلها بوصفها مجرد تحريك للأسعار، إلا أن الواقع يؤكد أن الأسعار أصبحت لا تتحرك بل «تنطلق‏».. وهو ما يحدث بالفعل الآن على الرغم من أننا لا ننتظر أى مناسبات دينية فيما أن الحكومة صامتة لم تُلمّح إلى اعتزامها زيادة المرتبات أو منح أى علاوات للموظفين..!

غير أن السؤال: إذا كانت وزارة الزراعة ترى أن أسعار البطاطس فى هذا الوقت من العام أمر طبيعى فلماذا لا يتم تخزين كميات من هذا المحصول لتدفع به إلى الأسواق كل فترة -وأعتقد أنه غير قابل للفساد بسهولة- للسيطرة على الأسعار أو على الأقل تقصير فترة ارتفاع أسعاره إلى أقل فترة ممكنة وبخاصة أن «هذا الوقت من العام لم يجئ فجأة بل إنه أمر متكرر»؟.. وسؤال آخر: ما فائدة إنشاء «بورصات» للمحاصيل لتوفيرها وهى الإجراءات التى أعادت الحكومة تكرارها أكثر من مرة؟!

واقع الحال يدفعنا إلى ضرورة إيجاد وسائل حاسمة لمواجهة غول الغلاء الذى ينهش معظم المواطنين‏، ‏ وأن نهجر تلك التعبيرات التى اعتدنا أن نسمعها من مسئولى الحكومة «زيادة أسعار أى محصول خضرى أمر طبيعى فى مثل هذا التوقيت من العام»، وأن نتقدم بجرأة إلى إعادة التسعيرة الجبرية دون أن نخشى مزايدات البعض من أن ذلك يمثل عودة إلى الانغلاق وردة عن الاقتصاد الحر‏ وخنق حرية العرض والطلب، باعتبار أن السوق بات مفتوحاً، فأباطرة السوق عادة ما يجدون وسائل عدة للهروب من أى التزام فكل ما يهمهم هو تراكم ثرواتهم على حساب المواطنين..!

وإذا سلمنا مرغمين بمنطق واقع السوق وأن لأصحاب الأعمال الخاصة أسلوباً فى تجاوز أزمة الغلاء لأنفسهم فقط من خلال فرض ما يحلو لهم من أسعار لمنتجاتهم أو بضائعهم الأخرى فإن الأمر لا ينسحب على فئة الموظفين من أصحاب الدخل المحدد ولا أقول أصحاب الدخول المحدودة أو المنعدمة الذين لن يجدوا وسيلة لمواجهة ذلك سوى الاستغناء عن كل ما لا يستطيع المرتب شراءه‏.. غير أنه حتى هذا الحل سيصبح محدوداً أمام مطالب الحياة اليومية وإلا وجد المواطن نفسه مجبراً على العودة إلى عصر الكهوف، لأنه وقتها فقط لن يجد نفسه مطالباً بسداد أية فواتير للكهرباء أو التليفون أو حتى إيجار الكهف‏ ذاته!!

وفى ظل الظروف الاقتصادية التى نعانى منها سواء من ارتفاع أسعار السلع وانخفاض عائد المدخرات فى البنوك إن كانت هناك أى مدخرات ولأننا اعتدنا منذ السبعينات من القرن الماضى على ظاهرة اقتصادية كانت جديدة وقتها وهى ظاهرة «الدوْلرة» -أى تحويل المدخرات إلى الدولار ضماناً للحفاظ على قوتها الشرائية- فإنه يبدو أننا سنعايش فى القريب العاجل ظاهرة جديدة أخرى هى ظاهرة تحويل هذه المدخرات إلى «شيبسى» حفاظاً عليها أيضاً من انخفاض قيمتها..!

القسم: 
المصدر: 

«هنا نصلى معاً».. وفرصة وزارة السياحة الأخيرة..!

عندما ارتفع أذان صلاة الجمعة أمس هناك فى جنوب سيناء دقت أجراس كنيسة سانت كاترين ليتعانق الأذان مع رنات جرس الكنيسة ليعيدا مشهداً ليس غريباً أبداً على مصرنا التى اعتادت ذات السيناريو من مئات السنين، فأذان المسجد: «أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله».. وأجراس الكنيسة: «بسم الأب والابن والروح القدس إله واحد.. آمين»، وحدا الجميع منذ مئات السنين، وهم فى طريقهم إلى أى من المسجد أو الكنيسة دون أن يشغل بال أحدهم ما يفعله الطرف الآخر، فهذا يرفع يديه بالتكبير وذاك يرسم «صليب عيسى» ليبدآ صلاتهما، فالكل يعبد الله سبحانه وتعالى أملاً فى رضوانه وهو العلى العظيم.

فبمشاركة أكثر من 20 سفيراً ونحو 10 وزراء بعثت مصر أمس برسائل سلام ومحبة وأمان لكل العالم من خلال «ملتقى الأديان تحت شعار هنا نصلى معاً»، عبر أقدم دير فى العالم وثانى مزار دينى بعد الفاتيكان، إلى جانب المسجد الفاطمى اللذين يمثلان قطعة من «وادى طوى» أقدس المواقع لدى كافة الأديان السماوية، حيث تجلى الله سبحانه وتعالى على نبيه موسى عليه السلام ليلقنه الوصايا العشر «فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّى آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّى آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِى مِن شَاطِئِ الْوَادِى الأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ».. القصص: 29-30.

وجاء اختيار هذا الموقع لإقامة «ملتقى الأديان» اختياراً ذكياً للغاية، حيث يوجد الدير والمسجد والشجرة المباركة، فربما يعوض هذا الاختيار تلك الفرص التى توالت على مصر خلال الشهور الماضية لتنشيط حركة السياحة، وبخاصة الدينية، التى تبلورت فى زيارة بابا الفاتيكان للقاهرة ودامت نحو 26 ساعة وبعده لاعب الساحرة المستديرة «ليونيل ميسى» فى فبراير من العام الماضى، ويليه بعد شهر واحد الممثل العالمى «ويل سميث»، ثم مبادرة البابا «أيقونة العائلة المقدسة» لدعوة مسيحيى العالم -نحو 2مليار مسيحى- لزيارة مسار العائلة المقدسة.. وهى الفرص التى كانت تكفى واحدة منها لإنعاش حركة السياحة الدولية لمصر، والتى جرى تجميدها منذ سنوات بسبب حادثة الطائرة الروسية التى ما زلنا نعانى من آثارها حتى الآن، ونتعرض بسببها لحالة من المماطلة نتيجة تضاربنا فى مواجهة اتهامنا بالتورط فى هذا الحادث، غير أنه للأسف أضاعتها وزارة السياحة لعدم قدرة مسئوليها -والأصح أن نقول فشلهم- فى استثمارها سياحياً نتيجة البيروقراطية العنكبوتية للقائمين على الملف السياحى..!

واقع الحال يؤكد أننا فشلنا فشلاً ذريعاً فى استثمار هذه الزيارات بدلاً من أن تكون بداية لانفتاح سياحى غير محدود إذا ما كانت وزارة السياحة وهيئة تنشيطها أحسنت استثمار هذه المناسبات، التى كان من الممكن تحقيق نتائج منها لا نستطيع أن نصل إلى أى منها حتى ولو أنفقنا ملايين الدولارات لتسويق المنتج السياحى المصرى، خاصة السياحة الدينية..!

وإذا كانت وزارة السياحة أكدت فى نهايات العام الماضى استعدادها لاستقبال طليعة أفواج مسيحيى أوروبا والعالم بعد نحو 6 أشهر فقط -أى فى شهر مايو الماضى إلا أنه مر دون أن نحقق أى شىء- فإن إقامة الملتقى أمس جاءت فرصة ذهبية للوزارة لإنهاء حالة القلق التى اشتعلت فى ذاكرة المواطنين تجاه إمكان نجاح السياحة فى استثمار الفرص التى تتوالى علينا، إذ إن موقع هذا الملتقى يعد من الأماكن السياحية التى يُقبل عليها الزوار بشكل كبير، حيث يتسلق السياح الوادى المقدس بعبور درج مكون من 3٫750 خطوة تُعرف باسم «خطوات الندم»، وهى منحوتة من الحجر على يد رهبان دير سانت كاترين، وتقع بالقرب من السفح الشمالى الشرقى للجبل، ليصلوا مع بلوغ ذروة شروق الشمس إلى مدرج طبيعى يُطلق عليه اسم «حكماء إسرائيل السبعة» للوصول إلى القمة، حيث توجد «كنيسة الثالوث الأقدس» التى أُنشئت فى عام 1934م، ويُعتقد بأنّ سيدنا موسى انتظر فى هذا المكان لكى يستقبل «الألواح»، وعند الوصول إلى قمة «الوادى المقدس طوى» يطل السائح على السلاسل الجبلية المحيطة بالوادى، والوديان الكثيرة، والعديد من الآثار الموجودة.

هذا من جانب الاستثمار السياحى، أما من جانب استرداد صورة مصر الحقيقية.. مصر التى لا تفرق بين من يحمل فى يده «مسبحة» ومن يرسم على ساعده «صليباً».. مصر المحبة والتعايش السلمى بين مواطنيها.. مصر التى تتبادل فيها «أسرتا محمد وبيشوى» أطباق حلوى رمضان.. مصر التى تتجاور «أم أحمد والخالة دميانة» فى أى قرية أو نجع بالصعيد وقد اعتادتا تبادل ما ينقص الدار من «فصين توم.. أو كباية سكر أو زيت».. مصر التى تطبق «مدنية الدولة وحقوق المواطنة»، قبل أن يتضمنهما بنود الدستور.. مصر التى يمد فيها «بطرس» يده مهنئاً «مصطفى» بعيد الفطر المبارك أو الأضحى ويتبادل أحمد تعبير «كل سنة وأنت طيب» مع «رأفت» فى عيد القيامة وصيام العذراء.. مصر التى ستظل «تعيش فينا ولا نعيش فيها» كما قال قداسة البابا شنودة، وهكذا كنا وهكذا يجب أن نستمر..!

أبداً لن تتحقق أوهام «أثرياء الدم» من جماعة الإخوان وفروعها من الإرهابيين بأن بإمكانهم أن يصبح الوطن كله «مصلوباً» وأن يتحول مواطنوه جميعاً إلى «معتقلين» داخل جدران الخوف على مستقبل وطن سعت أياديهم المحمومة كثيراً إلى محاولة تشويه ملامحه التى ارتسمت فى وجداننا عبر عشرات بل مئات السنين.. أبداً لن يشكل أبناؤه ميليشيات تواجه بعضها بعضاً من خلف متاريس الكراهية والحقد أو الثأر.. فنحن أبعد عن أن ننزلق فى هاوية الفتنة الطائفية بل إننا سنصبّ جامّ غضبنا على جماعات العنف، وسنطلق رصاصات القصاص على من اختار أن يواجه إرادة شعب واحد.. إذ إن «قابيل وهابيل» كانا فصلاً فى تاريخ مضى ولن يعود، ولن يجد أحد من «شيوخ الفتنة» أى «غراب» ليلقن أحداً كيف يدارى «سوءة أخيه».. ولك يا مصر ولمواطنيك السلامة دائماً.

القسم: 
المصدر: 

«مهرجان الجونة».. مناظر بلا قصة.. وأشياء أخرى..!

فى الوقت الذى بدأت كاميرات البرامج الليلية فى النقل المباشر لما يجرى هناك، ظن مشاهدو التليفزيون أنهم سيستمتعون بمشاهدة افتتاح «مهرجان الجونة السينمائى» فى جولته الثانية، إلا أنهم فوجئوا بأن هذه الكاميرات قد أخطأت الطريق وبدأت فى نقل وقائع «مهرجان للأزياء» وإن كان من الأصح وصفه بـ«مهرجان اللانجيرى أو الملابس الداخلية»..!

مذيعات تنازلن طواعية عن المنافسة بينهن فى توجيه الأسئلة لضيوف برامجهن -بصرف النظر عن عمق هذه الأسئلة أو سطحيتها- وتوحدن جميعهن فى توجيه أربعة أسئلة فقط لنجمات السينما كما لو كان فريق واحد للإعداد قد تولى كل هذه البرامج «بالجملة»..!

لم تختلف مذيعة واحدة عن زميلتها لتسأل عن نوعية الأفلام التى ستعرض خلال هذا المهرجان والقضايا التى يعالجها أو نقاط الاختلاف بين هذه الدورة وسابقتها، بل كانت جميع الأسئلة موحدة بدرجة لافتة للانتباه وكلها تدور حول اسم مصمم الأزياء الذى صمم زِىّ النجمة.. و«الكوافير» الذى أبدع تسريحة الشعر.. و«الماكيير» صاحب اللمسة الساحرة على ملامح وجه النجمة.. و«الجواهرجى» الذى «تلمع» منتجاته سواء فى أذن النجمة أو عنقها..!

وبدورهن بدأت النجمات فى الإجابة عن هذه الأسئلة بكل فخر وكان ينقص كل منهن أن «تدندن» بموسيقى تصويرية قبل أن تذكر اسم الكوافير أو مصمم «ما كان مفروضاً أن يكون» فستاناً..! وهكذا انتهت القنوات التليفزيونية من نقل وقائع الافتتاح دون أن تضيف أى من المذيعات أى معلومة حقيقية للمشاهد!

وإذا كان الهدف من إقامة المهرجان أن نؤكد للعالم أن مصر لا تزال «هوليوود الشرق» وبالتالى نسترد ريادة قوتنا الناعمة بين الدول، وأن نؤكد أن مصر دولة آمنة حتى نسترجع نصيبنا العادل من حركة السياحة العالمية الذى فقدنا منه الكثير عبر السنوات الماضية، فإن ذلك لم يتحقق منه شىء، إذ جاء المهرجان أشبه بأفلام المقاولات «مناظر دون أى قصة»!

وإذا كان الأمر قد انتهى بهذه الصورة السلبية، فقد كان أولى بملايين الجنيهات -التى جرى تبديدها فى الإعداد لهذا «المسخ» بصرف النظر عن أنها أموال خاصة وليست عامة- أن تذهب إلى أى مستشفى لعلاج غير القادرين أو إلى صندوق «تحيا مصر» لإنجاز أى مشروع يقدم خدمة للمواطنين..!

وهكذا فإن دفتر أحوالنا يموج بتناقضات حادة‏.. يجمع بين دفتيه الأبيض والأسود فى وقت واحد دون إرهاق‏.. تتقاطع فيه دوائر الألم والأمل دون عناء‏.. ‏ وأخيراً أصبح يسر عدواً فقط ولا يُرضى حبيباً.. بسبب ممارسات بعضنا‏:

‏- نطالب بتحقيق العدالة الاجتماعية ونتشدق بضرورة حماية محدودى الدخل ونصفهم بأنهم خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وفى نفس الوقت نسارع إلى إرهاقهم بكل الأعباء المالية فى حين أننا لا نقترب من الأغنياء، إذ تلجأ الحكومة دائماً إلى التفتيش فى جيوب هذه الفئة التى تكاد تكون الوحيدة التى تسدد ضرائبها بانتظام وتتحمل «سعار الأسعار»!

‏- دين واحد تجمعنا فروض صلواته اليومية الخمس‏.. ويشعل آخرون شمعة أمام تمثال العذراء فى أى كنيسة.. تلفنا أجراس الكنائس وترنيمات الأحد‏ وأذان المساجد.. ‏لغة تشكل حروفها الثمانية والعشرون حدوداً تضمنا معاً‏.. ثقافة واحدة تصوغ كامل وجداننا وترسم آمالنا وتوحد آلامنا‏.. سمرة تصبغ درجاتها المتباينة ملامح وجوهنا فلا تدفع بالآخر لأن يفكر للحظة واحدة إلى أى مكان ينتمى‏.. ومع كل ذلك لا ننجح فى الاتفاق سوى على الاختلاف‏.. وأصبحنا اليوم نختلف حتى على الاختلاف!

- نعانى من إرهاب «جماعة الإخوان» الذين تلطخت أياديهم بدماء الأبرياء من أبنائنا، ونقدمهم إلى المحاكمة وتُصدر أحكاماً نهائية بإدانتهم وإعدامهم ولا نقترب من أى أحد فيهم على الرغم من أن الحكم القضائى هو عنوان الحقيقة دائماً!

- نعانى من الفساد فى مجالات كثيرة وبخاصة فيما يتعلق برغيف الخبز، ونكتشف فساد أصحاب الأفران وبعض مسئوليها، ويكتفى وزير التموين بالاعتراف بأن «هناك غياباً لمواصفات الرغيف وما خفى كان أعظم» كما لو كانت مواصفات الرغيف من مسئوليات المواطن وليست وزارته..!

- نشكو بل نصرخ من ارتفاع الأسعار وتدنى مستوى المعيشة وننافس «بيل جيتس» فى الإنفاق بدرجة دفعت بعضنا إلى ‏إحراق أكثر من أربعة مليارات فى «الرغى» فى التليفونات -المحمول منها أو الأرضى- كل عام‏.. ‏ وأكثر من مليار جنيه تلمع على رؤوس شبابنا قيمة «جيل الشعر»‏.. ونحو ‏17‏ مليار جنيه تتطاير سنوياً مع «دخان المخدرات‏».. كل ذلك ولا نزال نشكو -ومعنا كل الحق- من ارتفاع الأسعار!

- تدمع عيوننا تعاطفاً مع مرضى لا يجدون لهم علاجاً فى المستشفيات الحكومية، ونغرق فى سيل من الإعلانات التليفزيونية للتبرع لهذه المستشفيات أو توفير الطعام للمعدومين وبخاصة فى شهر رمضان، لتلاحقنا بعدها إعلانات عن كومباوندات لا تقل أسعار وحداتها عن الملايين..!

- نعانى من ندرة العملات الأجنبية ونهدر الملايين منها فى استيراد كل ما هو تافه، بدرجة وصلت إلى «أستك» النقود.. ويتسابق البعض منا إلى إحراق نحو 111 ملياراً من الجنيهات فى شراء «فيلات» فى الساحل الشمالى لن يمضى فيها أكثر من أسبوعين سنوياً!

- يهددنا شبح «الموت عطشاً» بسبب ندرة المياه ونهدر ملايين الأمتار المكعبة منها بسبب تسربها من «حنفيات» المدارس والمساجد والمصالح الحكومية، بل وأحياناً فى المنازل!

‏- نستنكر ما نسميه غياب الانتماء أو ضعفه لدى الشباب فى حين نتركه نهباً لغول البطالة‏.. وفى أحيان أخرى نلقى به فى قاع البحر المتوسط بعد أن ندعو أسماكه إلى وليمة من لحمنا‏!‏

- يصرخ بعضنا، وبخاصة ممن لا يرقى إليهم أدنى شك، بحتمية مطاردة الفاسدين وتطهير الدولة منهم بعد أن يكون قد اطمأن على أن «الرشوة» قد استقرت فى حسابه البنكى، بينما يفاجئنا أبطال الرقابة الإدارية بإلقاء القبض عليهم متلبسين بالصوت والصورة خلال اتفاقهم على قيمة الرشوة التالية..!

- نتعهد بأن نبدأ تطويراً شاملاً للتعليم دون أن نراعى البيئة اللازمة لتحقيق ذلك من كثافة الفصول وإعداد البنية التحتية للمدارس لضمان نجاح هذا النظام ونكتفى فقط بـ«التابلت» ونعتبره «عصا موسى» التى ستشق الطريق أمام نجاح هذا التطوير.

ألم أقل من البداية إن دفتر أحوالنا لا يسر سوى «العدو» بعد أن يستثنى كل من هو «حبيب»..!

القسم: 
المصدر: 

«مترو الأنفاق» وسيلة للانتقال أيضاً لـ«الآخرة»..!

هى مجرد ثانية واحدة فقط تفصل بين الحياة، وإنهائها بقرار «أرعن» ربما تكون حالة من الإحباط والانكسار والهزيمة واليأس تقف وراء هذا القرار الذى يدفع صاحبه إلى الإقدام على إنهاء حياته بطريقة اختارها هو بنفسه ولم يدفعه إليها أحد..!

مجرد لحظة لا تترك له أى فرصة لأن يفكر فى انهيار أم ثُكلت.. أو حزن أب ضاع منه سنده.. أو لوعة زوجة فارقها زوجها إلى الأبد.. أو صدمة إخوة أو أخوات فقدوا ثالثهم أو رابعهم.. أو دموع طفل لن تلهيه لعبة عن افتقاد أب ينتظره ليلهو معه بتلك اللعبة.. أو انكسار قلب طفلة لن يحضر لها والدها عروسة وعدها بها فى عيد ميلادها! نعم هى بالفعل ثانية واحدة من التفكير الإيجابى يمكن أن تعيده إلى الحياة بعد أن يتغلب على الألم والمعاناة التى يشعر بها كل شخص واقع تحت تأثير الرغبة فى الانتحار، لعلها توقظه من أوهامه الشيطانية تلك، خاصة من كان فى رأسه عقل، ومن ضم بين جدران صدره قلباً يعيد له ضميراً «يئن» مجدداً لمجرد أن تفكيره ذهب إلى فكرة أن يتخلص من حياته..! بين الاضطراب النفسى والمرور بضائقة مالية أو خوفاً من نتيجة امتحان تنحصر أغلب أسباب الانتحار، الذى زادت نسبته فى مصر أخيراً مقارنة بالسنوات السابقة، وإن لم تشكل بعد ظاهرة، ومع ذلك فلا بد أن يشعر المجتمع بالقلق..!

حوادث عدة من محاولات الانتحار شهدتها الفترة الماضية إلى درجة أن شهور الصيف الحالى شهدت عدداً من حوادث الانتحار المتتالية ولعل آخرها حتى الآن تلك الفتاة التى ألقت بنفسها أمام مترو الأنفاق بمحطة عزبة النخل إلا أنها لحسن الحظ وقعت بعيدة عن عجلات القطار..!

فى عام 2015، وفقاً لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء -وهو الجهة الوحيدة المخول لها تجميع البيانات ونشرها- فقد تجاوزت أعداد من حاولوا الانتحار 500 ألف، بعد أن كانت 1160 حالة فى عام 2005، إلا أن الجهاز لم يذكر الحالات التى نجحت فيها عملية الانتحار وبحلول 2016 كانت مصر تحتل المركز 96 على مستوى العالم من حيث عدد المقبلين على الانتحار، وفقاً لإحصائية «منظمة الصحة العالمية».

ومن جهته كشف مركز السموم عن وقوع 2335 حالة انتحار باستخدام العقاقير السامة سنوياً، كان النصيب الأعلى بينهم من الفئة العمرية التى تتراوح بين 22 و25 عاماً، بنسبة تجاوزت فاصل الـ50 بالمائة، حسبما أكدت أيضاً إحصائية «المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية» غير أن الجهتين أيضاً لم تذكرا عدد الحالات التى نجحت فيها هذه المحاولات، الأرقام المزعجة هذه تدفعنا إلى وضع هذه الحالات تحت المجهر، باعتبار أنها تعد مؤشراً خطيراً حول الخريطة المجتمعية فى دولة دينها الرسمى يمنع مثل هذه الجريمة ويعدها «كفراً وخروجاً عن الإسلام»...!

وعلى الرغم من أن الاختناقات الاقتصادية هى القاسم الأعظم لحالات الانتحار فإن الطب النفسى يرى أن الأسباب الاجتماعية للانتحار فى مصر تأتى فى المرتبة الأولى، متنوعة ما بين خلافات ونزاعات أسرية، وشجارات ونزاعات زوجية، ويرتبط الكثير منها بالشعور بالضيق لأسباب مالية التى تعد السبب الثانى والأهم فى زيادة حالات الانتحار بمصر، فى ظل تدنى الرواتب، وتراجع فرص العمل، والارتفاع اليومى فى أسعار السلع والخدمات، ما أصاب المواطن بالاكتئاب والاضطراب النفسى، وإذا كانت وسائل التخلص من الحياة متعددة بين تناول السموم أو القفز من فوق أماكن شاهقة أو إحداث نزيف دموى بقطع شرايين اليد إلا أن القفز أمام قطار مترو الأنفاق أصبح الوسيلة الأولى الآن للانتحار بعد أن كان «برج القاهرة» هو الوسيلة المفضلة أمام محاولى الانتحار فى فترة الستينات والسبعينات، باعتبار أنه كان المبنى الوحيد فى العاصمة ذا الارتفاع الشاهق الذى لن يترك أى فرصة لإنقاذ من قرر فى لحظة جنونية التخلص من حياته..!

ازدياد حالات الانتحار تحت عجلات المترو دفع هيئة الأنفاق إلى مناشدة المنتحرين الابتعاد عن المترو، باعتبار أن حالات الانتحار تعطل حركة المترو لأكثر من 3 ساعات ما يضيف أعباء جديدة على الركاب.. غير أن أحمد عبدالهادى، المتحدث الرسمى باسم شركة مترو الأنفاق، قال إن الشركة ليست مسئولة عن جميع حالات الانتحار أسفل عجلات القطار مؤخراً، وإن هناك صعوبات بالغة تصعب مهمتنا فى القضاء على الظاهرة، وإن مسئولية الشركة تتلخص فى انتظام حركة سير القطارات بالخطوط الثلاثة، والصيانة الكاملة لها، بالإضافة إلى تقديم خدمات مميزة لجموع الركاب المسافرين «وهو هنا له كل الحق»، غير أن المتحدث عاد ليؤكد أن هناك إجراءات أمنية مشددة على مداخل ومخارج وعلى أرصفة المحطات، من قبل أفراد الأمن التابعين لشرطة النقل والمواصلات، لتوفير الحماية الأمنية للركاب، قائلاً: «اللى عاوز ينتحر لو قفلت قدامه المترو هيروح برج القاهرة أو أى مكان.. وهينتحر بأى طريقة مهما كانت الصعوبات».. وهو هنا كما لو كان يسعى لتنشيط ذاكرة المقدمين على الانتحار بأن «البرج لا يزال موجوداً بموقعه وهو الأفضل..!»، مسئول بشركة مترو الأنفاق قال إن حوادث الانتحار بمحطات مترو الأنفاق تسبب خسائر فادحة للشركة، مشيراً إلى أن هناك مقترحاً للقضاء على هذه الظاهرة تماماً وسيكون محل دراسة بالتنسيق مع الهيئة القومية للأنفاق، وهى تركيب حواجز زجاجية آلية على أرصفة المحطات، بحيث تصبح جميع أرصفة المحطات بالخطوط الثلاثة والخطوط الجديدة، التى تتم الأعمال الإنشائية بها حالياً، مغلقة بالحواجز الزجاجية الآلية، وفى حال وصول القطار إلى المحطة يتوقف أمام الحواجز ويفتح أتوماتيكياً، وتكون الحواجز إرشادية، بمعنى أن تكون هناك حواجز زجاجية مخصصة للنزول من القطار وأخرى للصعود، وبالتالى سيتم القضاء تماماً على انتشار ظاهرة الانتحار بمترو الأنفاق غير أنه عاد ليقول: «إن هذا المقترح يصعب تطبيقه خلال الفترة الحالية، لأنه مكلف للغاية، كما يتطلب أيضاً أن تكون قيادة القطار أوتوماتيكية»..!

ويبدو أنه إلى أن يتم تنفيذ هذا المقترح سيظل «مترو الأنفاق» وسيلة للانتقال أيضاً لـ«الآخرة».. ولك يا مصر ولمواطنيك السلامة دائماً..!

القسم: 
المصدر: 

مبارك وكرسيه.. وأموال مصر المنهوبة!

بداية فإننى أعلم يقيناً أن السطور التالية ستثير غضب من يسمون أنفسهم «أبناء مبارك» وغيرهم من محاولى الصيد فى الماء العكر.. ولأننا اعتدنا أن يكون فى كل شىء تعبير «لكن»، فإن «لكن» التى تتعلق بهذه السطور هى ما أثارته صورة مبارك التى تداولها الآلاف على مواقع التواصل الاجتماعى أخيراً، وظهر فيها جالساً على كرسى وثير من نوعية «LAZY Boy» يصل سعره لـ1329 دولاراً، أى ما يعادل 23 ألفاً و855 جنيهاً، وفق البحث الذى أجرته جريدة «الوطن».

وجاءت صورة مبارك وكرسيه لتفتح ملف «استرداد الأموال المنهوبة»، سواء فى الخارج أو الداخل، والمتورط فيها «آل مبارك بأكملهم» وبعض من رجال عهده، خاصة أن محكمة جنايات القاهرة ستنظر، يوم السبت المقبل 15 سبتمبر الحالى، قضية «التلاعب فى أموال البورصة» المتورط فيها نجلاه «علاء وجمال»!

أما فيما يتعلق بالأموال المنهوبة من جانب «آل مبارك ورموز حكمه» وجرى تهريبها إلى الخارج، فقد بلغت ملياراً ونصف المليار جنيه مصرى، بينما لم نسترد منها سوى ما لا يتجاوز الـ100 مليون جنيه فقط على مدى نحو 7 سنوات ومن خلال 5 لجان جرى تشكيلها بقرارات وزارية منذ أبريل 2011 وحتى يونيو قبل نحو 3 سنوات، ولجان أخرى شعبية مارست دورها من أجل استعادتها، غير أنه يبدو أنها كانت مجرد «ضجيج بلا طحن»، إذ جاءت المحصلة بعد مرور 7 سنوات «صفر» مقابل إنفاق ما يزيد على «نصف مليار جنيه» فى نفقات وبدلات للسفر.. ويبدو أنه إذا استمرت هذه اللجان على حالها فإن نفقاتها ستعادل مجمل الأموال التى تسعى إلى استردادها!!

وجاءت تلك الحقيقة الصادمة فيما يتعلق بفشل هذه اللجان ليس فقط فى استرداد الأموال، بل إنها عجزت حتى عن إثبات الحجم الصحيح للأموال التى تم تهريبها، وإثباب تورط رؤوس نظام مبارك فى قضايا الفساد، ما جعل مهمة استعادة الأموال شبه مستحيلة..!! وهو ما أثار النائب مصطفى الجندى الذى طالب -فى بيان قدمه إلى رئيس مجلس النواب للمناقشة العامة- بضرورة إجراء التحقيق مع أعضاء هذه اللجان لتقديم المستندات الدالة على إنفاق كل هذه المبالغ الخيالية، وهى كلها مال عام يمثل إهداره أو تسهيل الاستيلاء عليه جريمة يعاقب عليها القانون، مؤكداً أن اللجنة القضائية أنفقت 34 مليون جنيه، قيمة ترجمة أحكام صادرة ضد المتهمين من رموز مبارك، وأنهى النائب طلبه بأن الهدف من تشكيل هذه اللجان هو «تهدئة المواطنين» أو إهدار أموال جديدة..!

الأمر يجب ألا يتوقف عند هذا الحد، إذ إنه لم يعد هناك أى مبرر أمام كافة أجهزة الدولة، وفى مقدمتها بالطبع «الدبلوماسية»، للتباطؤ فى محاولة إعادة اتخاذ الخطوات اللازمة لاسترداد حق الشعب فى تلك الأموال المنهوبة والتى جرى تهريبها إلى بنوك سويسرا وبريطانيا، خاصة أن النيابة العامة قد أكدت، بصورة قاطعة، عدم صحة الأسباب التى بُنى عليها القرار الصادر من جانب السلطات السويسرية بغلق التعاون القضائى مع مصر فيما يتعلق بالأصول والموجودات والأموال المهربة إلى داخل سويسرا بمعرفة رموز نظام مبارك!

وإذا سلمنا بما يعتقده عدد من «أبناء مبارك» بأنه قدم الكثير للوطن فإن ذلك «العار» الذى لحق باسمه فى أواخر أيامه بالاستيلاء على أموال الشعب كفيل بإزاحة كل شىء، مثلما جرفت دماء شباب الوطن فى ميدان التحرير أى إنجاز له، إذا كان هناك من بيننا من لا يزال يعتقد أنه قدم الكثير!

واقع الحال يؤكد أن حياة المواطن المغلوب على أمره كانت دوماً ثمناً لـ«فاتورة الفساد» الذى ساد على مدى عقود ثلاثة.. فمثلما انتشرت «رائحة شواء» أجساد مواطنين غلابة فى قطار الصعيد، ومثلما اشتعلت النيران فى رواد مسرح بنى سويف،‏ فقد كان لا بد أن تنتحر «عبارة السلام ‏98‏» فى مياه البحر الأحمر وعلى متنها أكثر من ألف و‏400‏ مواطن وأن يظل مالكها ممدوح إسماعيل يتسكع حراً فى شوارع لندن‏ حتى الآن، فـ«الفساد» كان قد سيطر على كل شىء وكل أحد، إلى درجة أن المسئول الأول لم يحرك ساكناً وقتها سوى «موكبه» إلى الاستاد ليتابع مباراة كرة قدم!‏

وكان لا بد أن يدعو «سماسرة الموت» أسماك البحر المتوسط كل فترة على وليمة من أجساد شباب طحنه اليأس والإحباط‏ وقتله الشعور بالغربة داخل وطنه، فراح يبحث عن أى فرصة عمل فيما وراء المتوسط، فابتلعته أمواجه مثلما امتصّته الغربة داخل حدود وطنه‏!

كوارث عديدة بسبب الإهمال سحقت من الأبرياء أكثر مما حصدته حروب أهلية فى قارة أفريقيا، فمثلاً كان لا بد أن تتمرد صخور المقطم على ذلك الواقع الذى يعيشه مهمشون فى «الدويقة» فأنهت حياتهم، وإن كان الأصح أن نقول أنهت «معاناتهم‏»!!

كان لا بد أن تنهار عمارات اكتسبت شهرة واسعة بسقوطها، وكان لا بد أن تبتلع مياه النيل مواطنين غلابة فى صعيد مصر، لنتذكر أن من بيننا مواطنين ظلمهم موقعهم الجغرافى وخرجوا حتى عن هامش الاهتمام‏.. وكان لا بد أن يخرج المئات حاملين الجراكن البلاستيك لننتبه إلى أن هناك قرى ومناطق بالكامل محرومة من مياه الشرب‏، وأن هناك ملايين يعيشون تحت خط الفقر الذى التف حول رقاب العديد منهم فخنق معظمهم‏!! مثلما كان لا بد أن ترقص أشلاء أكثر من ‏60‏ ألف مواطن كل سنة على أسفلت الطرق‏ بسبب سوء حالها!!‏

وكان لا بد أن تتحول «خلايا أجساد» مئات الآلاف سنوياً إلى «خبيثة»، وأن ترفع «كُلى» ملايين المواطنين «الراية البيضاء» أمام «الفشل»، وأن ينهش فيروس «سى» أكباد ملايين غيرهم بسبب التلوث والمبيدات المسرطنة دون أن يتحرك من كان يسكن قصر العروبة على مدى 30 عاماً!

فى النهاية.. إذا لم يكن لنا يد فى منع كل ما حدث باعتباره قد أصبح تاريخاً الآن، فإن على أجهزة الدولة جميعها أن تعيد المحاولة مرة أخرى لنسترد بقايا أموال الشعب المنهوبة، فهى حق له وتعويض بسيط عما جرى له طوال الـ30 عاماً، وحتى لا تصبح هى الأخرى تاريخاً لا يمكن إرجاعه.. ولك يا مصر السلامة.

القسم: 
المصدر: 

قانون «عبدالعال».. وحكومة «جوز الأم»..!

بقلم: عبدالعظيم درويش 

يحتار الكثيرون فى تفسير تصرفات وقرارات بعض رؤساء الهيئات والأجهزة الحكومية، وهو ما ينعكس فى النهاية على إحساس المواطنين سلباً تجاه الحكومة بالكامل والتى يعتبرها غير قليلين منهم أنها تمثل لهم «جوز الأم» فى تصرفاتها معهم وتسعى لاضطهادهم أو معاملتهم بخشونة غير مبررة أو تخاطبهم بكل ما هو غريب ويفتقد إلى «العقلانية والمنطق السليم»..!

فى قرار -احترت فى أن أجد له تفسيراً منطقياً أو سبباً يخاطب العقل- كشف الدكتور أحمد عبدالعال رئيس هيئة الأرصاد الجوية، عن أنه فى القريب العاجل سيتم إرسال مشروع قانون إلى وزير الطيران لحظر الحديث عن الطقس من قِبل غير المتخصصين تمهيداً لدراسته وإرساله بالتالى إلى رئيس الوزراء، المهندس شريف إسماعيل، لعرضه على مجلس النواب..!

ولأن القانون سيتضمن «حظراً» فالمنطق يؤكد أن «اختراقه» سيؤدى بـ«الفاعل» إلى «تخشيبة» أى قسم شرطة تمهيداً لوقوفه فى «قفص الاتهام» فى أى محكمة ليكون مصيره النهائى خلف قضبان إحدى الزنزانات لارتكابه «جريمة الحديث عن الطقس» حال صدور هذا القانون..! باعتبار أن «هيئة الأرصاد الجوية» هى الجهة الوحيدة المخول لها الحديث عنه.

ويبدو أن «عبدالعال» غير مقتنع بعدم كفاية آلاف القضايا المكدسة بالمحاكم بل ويعتقد أن رجال القضاء والنيابة يعانون من «حالة فراغ مملة» وأن «مكاتب المحامين» تشكو من قلة الموكلين فأراد أن يحدث رواجاً قضائياً وأن يشغل القضاة ووكلاء النيابة بقضايا نوعية جديدة ليتكدس المواطنون أمام مكاتب الشهر العقارى لتحرير توكيلات للمحامين بسبب هذه القضايا الناتجة عن «قانون الأرصاد»، وبذلك يضمن «عبدالعال» انتعاش اقتصاد وزارة العدل بسبب رسوم التقاضى التى سيسددها «المتهمون» من المواطنين..!

«عبدالعال» لم يوضح -فى مداخلته الهاتفية مع الإعلامى جابر القرموطى ببرنامج «مانشيت»- الموقف القانونى لأى مواطن يتحدث مع أصدقائه -وهو جالس معهم فى أى مقهى- عن حالة الجو وما إذا كان بارداً أو حاراً.. أو يحدد مصير أى رب أسرة قد يندفع لينصح أفراد أسرته بارتداء ملابس تتناسب مع حالة الجو!.. إضافة إلى أنه فات عليه أيضاً أن يكشف عن كيفية تطبيق «قانونه» على صاحب تصميم «التطبيق» الخاص ببيان حالة الجو على أجهزة الموبايلات، وهو بالتأكيد ليس من بين «خبراء هيئة الأرصاد المصرية»..!

اللافت للنظر أن «عبدالعال» أوضح أن «قانونه» سيتضمن تجريم إقدام أى مواطن على «شراء أو عرض» أى من أجهزة الأرصاد دون الحصول على موافقة الهيئة، كما ولو كانت هذه الأجهزة تباع فى «City Stars» مثلاً أو فى أى «مول تجارى» آخر أو حتى على عربة يد فى الموسكى.. أو أن الهيئة ستوافق لأى مواطن يتقدم إليها بطلب «بورقة دمغة» لشراء جهاز ليصعد به على سطح منزله ليبدأ فى ممارسة عمله الجديد «خبيراً للأرصاد»!

التفسير الوحيد لـ«قانون عبدالعال» هو أن الهيئة تخشى من ظهور «هيئة للأرصاد الجوية قطاع خاص» ربما تنافس هيئة الأرصاد الحكومية، مما يتيح الفرصة لحدوث تصادم فى نشراتهما الجوية، الأمر الذى يصيب المواطن بحالة من الارتباك قد تدفعه إلى الذهاب إلى مقر عمله وهو يحمل معه «شنطة» تضم ملابس شتوية وأخرى صيفية ليستخدمها وفق صحة تنبؤات أى من الهيئتين «القطاع العام أو الخاص»..!

أو ربما يكون «حرص عبدالعال» الشديد على صحة المواطنين وعلى ميزانية الدولة المرهقة بالفعل لتجنب تكاليف علاج مواطنيها مما قد يصيبهم من أمراض أو حوادث حروق نتيجة تضارب «النشرات الجوية» هو الدافع وراء «تجريم شراء أجهزة الرصد» إذ قد يقدم أحد المتهورين من المواطنين -بعد امتلاكه مثل هذه الأجهزة- على إصدار «نشرة أرصاد» خاطئة لأفراد أسرته مما يدفعهم مثلاً إلى تشغيل «مدفأة» فى المنزل فى وقت تكون فيه درجة حرارة الجو خارجه 40 درجة مئوية لتكون النتيجة -لا قدر الله- إصابتهم جميعاً بحروق من الدرجة الثالثة.. أو تشغيل «تكييف هواء بارد» أو مروحة فى وقت تكون الحرارة فى حقيقتها منخفضة ليعودوا جميعاً إلى العصر الجليدى! وهو ما يؤدى فى النهاية إلى تكدس المستشفيات بالمرضى والمصابين من ضحايا «نشرات الأرصاد الخاصة..!».

وبالتأكيد فإن «عبدالعال» يتخوف من أن تعتمد «هيئة الطيران المدنى» -فى تشغيل جدول رحلاتها الجوية- على نشرة أرصاد «مضروبة» مما ينتج عنه كوارث تودى بحياة الآلاف من الأبرياء لا قدر الله، فأراد أن يُجنب المواطنين هذه المخاطر ليصلوا إلى وجهتهم سالمين دون أن تمسهم أى أضرار فتوصل بعد تفكير عميق إلى حتمية صياغة هذا القانون..!

منذ يوم الخميس قبل الماضى الموافق 3 مايو الحالى وقت مداخلة «عبدالعال» الهاتفية فإننى، ومعى بالتأكيد الكثيرون، لا نستطيع أن نخرج من دائرة الدهشة وتلك الحيرة التى دخلنا فيها بحثاً عن السبب المنطقى الذى دفعه إلى إعداد مثل هذا القانون فبالتأكيد لدى «عبدالعال» هذا السبب، غير أنه آثر التكتم عليه فربما يعد مفاجأة ويخصص جائزة لمن يتوصل لحل هذا اللغز..!

فى النهاية فإننا أصبحنا نعانى بالفعل من بعض المسئولين الذين يبدو أنهم لا يفكرون جيداً فيما يقولونه لوسائل الإعلام ذات الجماهيرية العريضة، وبالتالى إلى ملايين المواطنين، وبخاصة أن لدينا «عبدالعال» كثيرين على رأس مؤسسات وكيانات ضخمة، لتفاجأ الحكومة فى النهاية دون أى ذنب بأن عليها أن تعيد تفسير ما يردده هؤلاء المسئولون أو تصحيحه ليصبح «منطقياً أو ذا معنى حقيقى».. ووقتها سنكتشف أننا قد أصبحنا أقرب إلى الحكومة بالفعل بل وسنذوب عشقاً فيها‏.. ونحترق شوقاً إليها‏.. ونعد الثوانى للقياها‏.. ونغفر كل خطاياها‏‏.. ونتمنى رضاها‏.. وسنرى أن الحكومة قد اكتسبت بالفعل رقة وحنان الأم وليس «خشونة جوزها» معنا..!

القسم: 
المصدر: