عماد الدين أديب

قطر ظالمة أم مظلومة؟ (4)

سألت محدِّثى الخليجى رفيع المستوى، والذى يعتبر من كبار الشخصيات العامة فى بلاده وفى منطقة الخليج: هل ترى أن هناك حلاً ممكناً بين قطر والذين يعارضونها الآن فى العالم العربى؟

صمت محدِّثى ليفكر فى الإجابة.. وقبل أن أستمع إليه عُدت واستكملت سؤالى الأول بآخر: «هل يمكن إيجاد حل فى ظل وجود نفس الأنظمة وذات الحكام؟ بمعنى هل يمكن أن نستكمل اللعبة بذات اللاعبين؟»

ابتسم محدِّثى وقال: هذا سؤال شديد الصعوبة وشديد الخبث!

ثم عاد وقال: اسمع يا عزيزى، إن ما حدث بين قطر وجيرانها هو مثل ما يحدث فى آثار الخلافات الزوجية الحادة بين الزوج والزوجة.

تخابثت وسألت: يعنى إيه؟

قال محدثى: أن يؤدى الخلاف إلى تشويه مزمن وجارح يؤدى إلى حالة من الشك وعدم الثقة ويفتح جرحاً أبدياً لا يندمل طالما ظل أصحابه فى مركز القرار.

هنا أدركت أننى وصلت إلى الخط الأحمر فى الحوار وأخذت أسأل 4 أسئلة شريرة ولكن لا غنى عنها فى محاولة البحث عن «حل» أو «مخرج» للمسألة القطرية وهى:

1- ما الذى يرضى قطر كحل فى هذه الأزمة؟

هل يرضيها التوصل إلى حل وسط؟ هل يرضيها أن تخرج بكل سياساتها السابقة دون مساس، بمعنى ألا تضطر إلى الانصياع أو تطبيق الـ 13 شرطاً أو ملاحظة، التى تقدمت بها دول التحالف؟ هنا أيضاً نسأل: هل ما يرضى قطر حقاً وبالفعل هو «نهاية الحكام والأنظمة» التى تعارضها الآن فى كل من القاهرة والرياض وأبوظبى والمنامة؟ بمعنى أن يسقط الجميع ولا يبقى سوى نظام تيار نسل حمد بن خليفة آل ثانى؟! باختصار أن يسقط اللاعبون الحاليون ولا يبقى على مسرح الأحداث سوى اللاعب القطرى؟

2- السؤال الثانى وهو لا يقل خطورة عن الأول وهو «ما الذى يرضى دول التحالف العربى؟»:

هل يرضيها تطبيق الدوحة لكل الـ 13 مطلباً أم الاكتفاء ببعضها؟ أم أن الأمر وصل الآن إلى مرحلة متأخرة، وهى أنه لا إمكانية ولا أمل لأى تقدم طالما هذه المجموعة من البشر هى التى تتحكم فى صناعة القرار فى الدوحة؟

3- نأتى للسؤال الثالث: من هو المستفيد من استطالة وامتداد الخلاف بين قطر ودول التحالف؟ هل هى تركيا؟ هل هى إيران؟ هل هى إسرائيل؟ هل هى أوروبا؟ هل هى الولايات المتحدة؟ هل جميعهم سوف يحاول عمل «بيزنس سياسى» لابتزاز كل الأطراف من خلال معاهدات أمن، وصفقات تجارية، وعمولات سلاح؟ وبيع وهم «أنا معك ضد الآخر».

ليس صحيحاً أن أى قوة من القوى الكبرى من بكين إلى موسكو، ومن واشنطن إلى لندن، ومن باريس إلى أنقرة، ومن طهران إلى دلهى، سوف تلعب لعبة طرف واحد فى الصراع، سوف يحاول الجميع ابتزاز الجميع للخروج بأكبر عائد وتعظيم أكبر فوائد على جثث العالم العربى. ومصالحه العليا، جميعهم تجار، جميعهم يبيع ويشترى.

نأتى للسؤال الرابع: إلى أى مدى يمكن أن يصل سقف الخلاف؟ هل يصل إلى مرحلة الصراع؟ وهل الصراع قد يصل إلى مرحلة الصراع المسلح؟ وهل يمكن أن نرى حرباً إقليمية فى المنطقة تقف فيها قطر فى جانب أعداء العرب ويقف كل جيرانها فى الخندق المضاد؟

نحن هنا نتحدث عن «حدود الصراع».

من هنا أدرك الأمريكان خطورة الأمر، خاصة أن «بومبيو» الذى يحمل حقيبة الدبلوماسية الأمريكية كان يعمل قبل ذلك فى رئاسة المخابرات الأمريكية ويعلم أن المنطقة مضطربة بما فيه الكفاية وتعيش حالة من السيولة المخيفة، وحالة مخيفة من حالات «عدم التيقن» لما يمكن أن يكشف عنه المستقبل القريب، حالة كل شىء فيها ممكن، وكل الاحتمالات فيها مفتوحة.

ويدرك «بومبيو» أن المنطقة تعيش حالة من تأثير دول الجوار غير العربية بالكامل على مستقبل دول الصراع المباشر، بمعنى أن تركيا وإيران وإسرائيل لديهم الكلمة العليا فى صراع أطرافه ومسرحه وأدواته وضحاياه كلهم من العالم العربى.

من هنا وعى بومبيو إلى فكرة اللقاء الاستراتيجى بين مصر والأردن ودول مجلس التعاون الخليجى فى نيويورك «بما فى ذلك قطر» من أجل إبلاغ الجميع أن الخطر الآن هو إيران، والإرهاب التكفيرى.

ما لم يقله بومبيو أن هذا التجمع هو الرد الأمريكى على التحرك الروسى النشط للغاية مع إيران وتركيا.

من هنا تحاول الدوحة التعلق بقشة التحالف الاستراتيجى من أجل إنقاذ ماء الوجه والخروج من دائرة الحصار أو المقاطعة تحت نظرية: «إن التحالف الاستراتيجى لا يتم إلا بين الحلفاء، والحلفاء لا يمكن أن تكون بينهم خصوصة ومقاطعة وحصار».

فى الوقت ذاته تتعامل دول التحالف من منطلق، ليس بيننا وبين قطر مسألة ثأرية بقدر ما هى مسألة ضرورة التزام بـ 13 مطلباً محددة، ولدينا القدرة على التعامل معها مثلما عاملت الولايات المتحدة كوبا وقاطعتها لسنوات طويلة.

ويقوم منطق دول التحالف أن المقاطعة لا تضرهم لكنها بلا شك تضغط بكل الأشكال على مكانة واقتصاد واستقرار الجانب القطرى لذلك فإن الوقت ضد قطر وليس ضد دول التحالف.

فى الاجتماع الأخير بنيويورك جلس رئيس الوفد القطرى منزوياً، مقاطَعاً، لا يتم التحدث إليه من قبل زملائه وزراء خارجية السعودية والإمارات ومصر والأردن والبحرين.

وحدهما وزيرا خارجية الكويت وعمان هما اللذان يتعاملان معه.

لم يكن لدى المندوب القطرى فى الاجتماع ما يمكن أن يقدمه فى مبدأ التعاون الاستراتيجى سوى قاعدة العِديد، فهو ينتمى لدولة ليس لديها العدد الكافى أو اللازم للدفع به فى ميدان قتال، وهو فى وضع خطر للغاية لأنه فى اجتماع يطالب فيه رسمياً بمواجهة إيران بينما هو يرتبط بأوثق العلاقات والمعاهدات مع النظام الإيرانى، الشىء الوحيد الذى يمكن أن تساهم به قطر هو المساهمة فى إعادة إعمار سوريا.

ويعلم الوزير القطرى، وأيضاً الوزير الأمريكى، أنه قد تم منذ أيام اجتماع سرى تنسيقى بين مستشارين فى قطر وإيران بهدف توحيد الجهود الإعلامية ونشاطات التنسيق السياسى والتسويق للسياسات الخارجية بين البلدين.

الجميع الآن فى حالة شراء لبعض الوقت، لذلك جاء موعد قمة زعماء هذا التحالف الاستراتيجى فى يناير المقبل لينزل برداً وسلاماً على معظم الحاضرين.

ماذا سيحدث حتى يناير المقبل؟

بعض العقلاء يقولون إن الدوحة يجب أن تهدئ اللعب، وتخفض النبرة فى العداء، تتوقف عن أى أفعال ضد فريق معارضيها العرب، ولكن العالمين ببواطن الأمور وبمفاتيح ومفاصل صناعة القرار فى قطر يقولون «توقعوا العكس تماماً».

توقعوا ارتفاع منسوب التصعيد، والغلو فى أفعال العداء المادى فى اليمن وليبيا وسيناء وعلى الحدود السعودية اليمنية وفى كافة المحافل والمنظمات الدولية.

توقعوا زيادة حجم السباب والتجريح والتعرض لشخصيات مسئولة فى مصر والسعودية والإمارات والبحرين وكل من يناصرهم.

توقعوا تفعيل نشاط أكثر من 88 وسيلة إعلامية مرتبطة بقطر، وزيادة نشاط الكتائب الإلكترونية على وسائل التواصل الاجتماعى.

توقعوا أموالاً أكثر فى الإعلام الإقليمى والدولى المأجور أو الممول بعقود تسويق سياسى أو عبر شركات «اللوبيات» والعلاقات العامة.

توقعوا التصعيد، ثم التصعيد، ثم التصعيد.

هذا كله سوف يتخذ أشكالاً محددة وستكون له أدوات.

«غداً نشرح ماذا سيحدث حتى يناير».

القسم: 
المصدر: 

قطر.. ظالمة أم مظلومة؟ (3)

«قطر مرشحة لتكون إسرائيل الخليج العربى».. هكذا وصفها البروفيسور الأمريكى «آلان درشوتز»، الأستاذ بجامعة هارفارد، الذى يعمل مستشاراً للإدارة القطرية فى الولايات المتحدة الأمريكية.

دور «إسرائيل الخليج» يتعارض مع دور «عضو فى مجلس التعاون الخليجى العربى».

هذا التناقض الجوهرى، وليس الثانوى، يجعل حالة الاستقطاب عند الدوحة حادة للغاية إذا ما جاءت أزمة إقليمية تضطرها للخيار الواضح بين الخيار الخليجى العربى أو الخيار الإسرائيلى الصهيونى.

من هنا يمكن فهم أن كل خطوط الإدارة والأجهزة فى الدوحة تتم وفق 3 معايير جوهرية:

1- عدم التناقض مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

2- توظيف كل خيوط الاتصالات مع القوى المعادية للمصالح الأمريكية -مؤقتاً- مثل إيران، تركيا، حماس، طالبان، داعش، الحشد الشعبى العراقى، بوكو حرام، من أجل التأثير الإيجابى عليها لمصلحة واشنطن وتل أبيب.

3- أن كل هذه الاتصالات والمواقف التى تبدو متشددة، وكل التصريحات التى تصدر من وسائل إعلامية تابعة مباشرة أو ممولة بالكامل أو جزئياً من الدوحة هى «بالتفاهم والتنسيق المسبق» مع الحلفاء الأمريكان والإسرائيليين بهدف خلق رصيد من المصداقية لدى تيارين شعبويين فى العالم العربى وهما «تيار الإسلام السياسى والتيار القومى العربى».

وقد يقول قائل مُوالٍ للاتجاه والمصالح القطرية «ألا توجد لدى الرياض وأبوظبى مصالح أمريكية؟ وألا تسعيان إلى سلام عربى- إسرائيلى؟ وبالتالى يصبح السؤال: إذن لماذا تلومون قطر؟ وما هو الفارق بين موقف الدوحة وموقف الرياض وأبوظبى من تلك المسألة؟».

الإجابة واضحة ومباشرة ويمكن تحديدها بصراحة دون التباس على النحو التالى:

1- أن كلاً من ولى العهد السعودى محمد بن سلمان، وولى عهد أبوظبى الشيخ محمد بن زايد، يؤمنان إيماناً راسخاً بأهمية العلاقات الاستراتيجية بين بلديهما والولايات المتحدة الأمريكية بوصفها شريكاً استراتيجياً تاريخياً وأقوى دولة فى العالم ودولة لا يمكن تجاهل وزنها النسبى فى سياسة وأمن واقتصاد العالم.

2- ويؤمن كل من الأمير محمد والشيخ محمد بالتعاون العسكرى والتنسيق الأمنى مع واشنطن.

لكن.. هذا يختلف تماماً عن جوهر التعاون القطرى مع واشنطن.

الأمير محمد والشيخ محمد يؤمنان «بالشراكة والتعاون» مع الولايات المتحدة الأمريكية، و«ليس بالعمالة معها».

الأمير محمد والشيخ محمد يؤمنان بالتعاون العسكرى والتنسيق الأمنى مع واشنطن بما يخدم مصالح بلديهما وليس من قبيل تأجير أراضى الوطن كى تتصرف فيها القوات الأمريكية كما تشاء وقتما تشاء كما هو حادث فى اتفاق «قاعدة العديد».

باختصار ومباشرة تامة، هناك هوة لا نهائية بين التعاون والانصياع الكامل لإرادة قوى عظمى.

وحتى لا يكون هذا مجرد دفاع عاطفى بلا دلائل ارجع للتاريخ:

1- قيام الملك فهد بن عبدالعزيز بطرد السفير الأمريكى من ديوانه حينما اعترض الأخير على صفقة السعودية مع الصين لشراء صواريخ صينية.

2- قيام الإمارات بشراء أسلحة من دول متعددة خارج المصالح الأمريكية من روسيا إلى الصين وتوقيعها اتفاقيات تعاون مع الهند وفرنسا.

3- الزيارات المتعددة للمسئولين السعوديين والإماراتيين لموسكو والتعاون العسكرى معها.

4- حجم العلاقات التجارية بين أبوظبى والرياض وجمهورية الصين الشعبية.

5- وقوف الرياض وأبوظبى بقوة وحسم قاطعين ضد واشنطن، وضد الرئيس باراك أوباما فى مسألة موقف الولايات المتحدة من ثورة 2013 فى مصر وإنهاء حكم جماعة الإخوان.

وسوف يذكر التاريخ أنه فى الوقت الذى عرّضت فيه كل من الرياض وأبوظبى مصالحهما الاستراتيجية مع واشنطن للخطر عند هذه الأزمة كانت الدوحة وأنقرة -فى الوقت ذاته- تضغطان بكل قوة على البيت الأبيض لإدانة ثورة 2013 فى مصر، والعمل على عودة حكم الإخوان لمصر.

6- موقف الرياض وأبوظبى من ضرورة الاستمرار فى استعادة الشرعية فى اليمن بالمخالفة مع الموقف الأمريكى.

7- موقف الرياض وأبوظبى والقاهرة وعمان من عدم المشاركة فى الترويج والتسويق لما يعرف بـ«صفقة القرن» إذا كانت لن تؤدى إلى مشروع الدولتين.

إذن، نحن لا نتحدث عن اختلال أو اختلاف فى المزاج السياسى لمن يحكم فى الدوحة تجاه أشقائه العرب، لكننا نتحدث عن خيار صريح وواضح من قطر فى مسائل خلافية جوهرية انفجرت بشدة فى وجه صانعيها حينما أصبحت الخيارات ضرورة لا بديل عنها، وأصبحت صيغة قطر فى الإمساك بالعصى من كل الاتجاهات مستحيلة تماماً ونهائياً.

من أجل ذلك يمكن تفسير الموقف القطرى الحالى على أنه موقف خلاف استراتيجى جوهرى مع القاهرة والرياض وأبوظبى والمنامة، وأن مجمل العمل الدؤوب للسياسة القطرية الآن هو الإضرار بمصالح هذه الدول من أجل إسقاط زعاماتها.

«العدو اليوم» بمفهوم الأمن القومى القطرى موجود فى الرياض وأبوظبى والقاهرة.

والأعداء الآن ليسوا فى إيران أو تركيا أو إسرائيل.

والأعداء من الزعامات الآن ليسوا أردوغان أو خامنئى أو نتنياهو لكنهم عبدالفتاح السيسى ومحمد بن سلمان ومحمد بن زايد.

مما سبق بالأمس واليوم يمكن أن نفهم غداً ماذا تفعل قطر اليوم وغداً وبعد غد؟!

«غداً بإذن الله البقية»

القسم: 
المصدر: 

قطر ظالمة أم مظلومة؟؟ (1)

هل قطر هى الضحية فى الصراع مع دول التحالف العربى (السعودية - الإمارات - مصر - البحرين)؟ هل قطر هى «المفعول به» الذى يدفع ثمن «شرور» القاهرة والرياض وأبوظبى والمنامة؟ هل قطر هى الدولة التى لا تعرف التآمر؟ ولا المال السياسى؟ ولا محاولات قلب الأنظمة؟ ولا احتضان الإرهاب؟ ولا تسخين الرأى العام ضد الأشقاء؟؟.

كدت أصدق ذلك كله وأنا أستمع إلى الكلمة «العاطفية المؤثرة» لمعالى نائب رئيس الوزراء القطرى، والذى يشغل أيضاً منصب وزير الخارجية، والذى يحوز على «رضاء ومباركة» سمو الأمير الشيخ تميم، وهو يتحدث فى نيويورك بمقر القنصلية القطرية عقب اجتماع دول التحالف العربى مع الولايات المتحدة الأمريكية أمس الأول.

قال معالى وزير الخارجية القطرى: «يتعين على التحالف الاستراتيجى الجديد - حتى ينجح - أن يحل الإشكاليات التى بين أعضائه». وكلام معاليه - نظرياً - على صواب، ولكن الحقيقة الكاملة هى شىء آخر، وبالطبع كان معالى الوزير يقصد بذلك خلاف دول التحالف مع النظام فى قطر، وكأن الخلاف ظهر فجأة، وظهر دون مبرر سوى أنهم يتآمرون على دولة قطر. وعاد معاليه أيضاً يفتح ملف «الحصار» ويعطى تلك الرسائل المتناقضة التى تارة تتحدث عن معاناة الشعب القطرى من «الحصار»، بينما الحقيقة أنها عقوبات مقاطعة، وهى مسألة لا ينطبق عليها الوصف العلمى الدقيق لمفهوم الحصار، وتارة يعود الوزير ذاته ليتحدث عن قدرة قطر على التعامل مع «الموقف إلى الأبد» وكأن الأمر لا يؤثر فيها، وهكذا لم نعد نعرف هل «الحصار» يؤثر فى قطر أو لا يعنيها بالمرة!

من كثرة تكرار تلك القصة أصبح الإنسان يحتاج دائماً إلى إنعاش الذاكرة وإعادة فتح الملفات القديمة والجديدة والمتجددة لمعرفة «هل قطر ضحية؟» هل هى نظام سياسى تم تشويه سمعته هكذا بشكل مجانى وبدون أى وجه حق ولأسباب شريرة؟ هل قطر كانت دائماً وأبداً ذلك النظام السياسى المسالم الذى لا يتدخل فى شئون الغير ولا يتآمر على جيرانه ولا يبحث عن دور أكبر من حجمه وأضخم من قدراته الذاتية، وفوق مستوى تركيبته الديموغرافية؟ وأكثر من مساحته الجغرافية؟.

قطر ظالمة أم مظلومة؟ ضحية أم مذنبة؟ متآمرة أم تم التآمر عليها؟ تستخدم أراضيها لخدمة العرب والإسلام أم تستخدم قواعدها رغماً عن إرادتها لأهداف ضد أمن المنطقة؟ صندوقها السيادى لخدمة خير شعبها وشعوب المنطقة أم لتمويل الإرهاب التكفيرى وميليشيات القتل الجماعى؟ تستخدم وسائل إعلامها من أجل التنوير والتسامح والتقارب والإصلاح أم للتمزيق والتآمر ونشر الفكر الظلامى ودعم أقطاب الإرهاب التكفيرى؟

قطر الضحية المظلومة الراغبة فى خدمة البشرية والتى تحترم جيرانها والمعتدَى عليها، كما يتحدث عنها معالى وزير خارجية قطر، بحاجة إلى دراسة فى العمق، وعودة إلى الجذور، وإعادة قراءة التاريخ القريب جداً للإجابة عن السؤال العظيم: النظام القطرى ظالم أم مظلوم؟.

نناقش هذا الملف بدءاً من الغد بإذن الله.

القسم: 
المصدر: 

درس أخلاقيات المنصب العام

حبست الولايات المتحدة الأمريكية أنفاسها وتوقف كل شىء، انصرف مضاربو «وول ستريت» وشيكاغو، ذهب أرباب العمل إلى بيوتهم، تجمع الموظفون أمام شاشات التليفزيون وتركوا أعمالهم، ترك الرئيس «ترامب» ونائبه «بنس» اجتماعات الجمعية العامة من أجل متابعة جلسة استجواب واستماع للاتهام الذى توجهت به سيدة ضد المرشح الأخير لعضوية المحكمة الدستورية العليا.

اتهمت الدكتورة «كريستين فورد» المرشح الجمهورى الذى سماه الرئيس دونالد ترامب للمقعد التاسع فى عضوية المحكمة الدستورية العليا بأنه اغتصبها وهى فى سن الخامسة عشرة أمام صديق له فى أعقاب حفلة سهر وشراب.

وتقول الدكتورة فورد فى شهادتها المكتوبة ثم داخل جلسة الكونجرس الأمريكى الخاصة بالتصديق أو الرفض لتنصيب مرشح الرئيس ترامب، إن هذه الواقعة «رغم مرور 36 عاماً تركت آثارها السلبية عليها حتى هذه اللحظة».

بعد نهاية جلستها، جاء دور المرشح القاضى «كافانا» إلى الجلسة وألقى بياناً مؤثراً نفى فيه تماماً وبشكل قطعى أن يكون قد اقترف هذه الفعلة الشنعاء مع السيدة كريستين فورد أو غيرها.

وفى كلمته التى لم تخلُ من التأثر والدموع الغزيرة قال إنه عاش هو وأسرته طوال الأيام الماضية أسوأ أيام حياته وإن هذه الاتهامات سوف تترك آثارها عليه بشكل سلبى هو وأسرته.

وتعتبر المحكمة الدستورية العليا هى أعلى هيئة قضائية فى النظام الأمريكى وتتكون من 9 قضاة يرشحهم الرئيس ويتعين إقرارهم وموافقة وتصديق اللجنة التشريعية فى الكونجرس.

ووضع وتشكيل لجنة الكونجرس الحالى يتكون من 21 عضواً منهم 11 ينتمون للحزب الجمهورى الحاكم، وعشرة أعضاء ينتمون للحزب الديمقراطى.

ورغم أن المسألة أخلاقية، ذات بعد جنائى، إلا أن جلسة الاستماع هى ليست لجنة تحقيق، ولا تملك سلطات عقابية، إلا أنها تملك 3 احتمالات؛ إما الموافقة أو الرفض على الترشيح أو تأجيل إصدار القرار.

ويتعجل الرئيس ترامب التصويت ويرفض تحويل الملف إلى تحقيق خاص من جهاز المباحث الفيدرالية بسبب خلافه مع قياداته الحالية.

الأمر المؤكد أن القضية خرجت داخل الكونجرس عن قالبها الإنسانى الأخلاقى وتحولت إلى معركة مسيسة بامتياز.

وخلال 13 ساعة من الاستجواب الذى تم أمس الأول كان كل سيناتور ديمقراطى يحاول إثبات تورط القاضى الجمهورى فى الاتهام، بينما يحاول كل سيناتور جمهورى إثبات صدق القاضى ويشكك فى قصة المدعية.

الشىء المذهل أن الرأى العام الأمريكى انقسم إلى 3 فرق بعد الاستماع والمشاهدة للاستجوابين: القطاع الأول تعاطف مع المدعية على أنها ضحية، والقطاع الثانى تعاطف مع المدعى عليه بوصفه ضحية سياسية، أما الأمر المذهل فهو أن الأغلبية حائرة بين الشهادتين لأن كلاً منهما يبدو مقنعاً.

الدرس المستفاد فى هذه «الدراما السياسية» العلنية المذاعة على الهواء مباشرة هو أن النظام الأمريكى نظام مفتوح شفاف لا يعطى حصانة لأى شخص، كائناً من كان، أن يكون فوق القانون.

الأهم أن المنصب العام لأى مسئول، خاصة فى المحكمة الدستورية العليا، له مواصفات أخلاقية عالية للغاية لا تقبل الشك أو التشكيك.

القسم: 
المصدر: 

انقسام الغرب بين «ترامب» و«ماكرون»

عالمان يحكمان العقل الأنجلوساكسونى الآن، العقل الأمريكى اليمينى، والعقل الأوروبى الوسطى.

وفى يوم واحد، وتحت سقف القاعة الرئيسية للجمعية العامة للأمم المتحدة، ظهر بما لا يدع مجالاً للشك التباين الشديد والهوة الواسعة بين الرؤيتين، كما جاءتا فى خطاب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، والرئيس الفرنسى ماكرون.

«ترامب» قدم نفسه للعالم كنموذج للرئيس اليمينى الشعبوى المؤمن بالرأسمالية المتوحشة إلى أقصى حد، والداعى إلى الوطنية الأمريكية إلى حد الانعزال عن العالم، والرافض صراحة بلا أعذار فكر العولمة الذى ظلت بلاده تدعو إليه منذ أكثر من ربع قرن.

جاء خطاب «ترامب» متسقاً، كما كل ما قال وفصل وصرح به منذ 20 يناير 2016 بعدما أقسم اليمين الدستورية لرئاسة أقوى دولة فى العالم.

«ترامب» له عالمه الافتراضى الذى يصر عليه، ولن يتنازل عنه، وعلى استعداد لفعل كل شىء وأى شىء منطقى أو غير منطقى، عاقل أو مجنون، مقبول أو غير مقبول، حتى يحققه.

يبدو «ترامب» صادماً للبعض، محطماً لكل قواعد اللعبة الدولية، غير عابئ بأى تعهدات أو تواقيع أو تصديقات وضعتها بلاده على أى اتفاقات أو معاهدات دولية أو ثنائية.

ويأتى «ماكرون»، كزعيم شاب لدولة مأزومة اقتصادياً تعانى من تداعيات قارة عجوز تحاول إنقاذ نفسها من انفراط عقدها بعدما قرر الشعب البريطانى الخروج من اتحادها، يأتى «ماكرون» ليدعم العمل الجماعى والتعاون الدولى، وفكر العولمة واحترام الاتفاقات الدولية من الناتو إلى الاتحاد الأوروبى إلى اتفاقية البيئة المعروفة بمعاهدة باريس.

يأتى «ماكرون» ويدعم 12 عاماً من التفاوض مع إيران، ويشدد على ضرورة التعاون معها، وعلى فكرة الدولتين بين فلسطين وإسرائيل.

نحن، باختصار، نعيش فى حالة تصادم «إرادات وإدارات» فى الغرب بين جانبى الأطلنطى.

هنا يبرز السؤال: «هل سيكون فكر ترامب الوطنى الانعزالى الشعبوى حالة استثنائية طارئة ومؤقتة على حاضر ومستقبل الولايات المتحدة والعالم أم أنه بداية عدوى سياسية سوف تنتقل من واشنطن إلى عواصم أوروبية أخرى؟».

وليس غريباً أو مستغرباً أن نرى «ستيف بانون»، صاحب الإطار النظرى لحملة ترامب الرئاسية، يجوب الآن أوروبا كلها من أجل دعم موديل ترامب فى حكم أوروبا.

القسم: 
المصدر: 

خيارات إيرانية ملغومة!

الخلاف المكتوم بين دول الاتحاد الأوروبى وإدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ظهرت ملامحه الواضحة فى اليوم الأول لجلسات الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك.

اتضح ذلك جلياً عقب لقاء السيدة «فيديريكا موجيرينى»، منسقة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبى، مع جواد ظريف وزير خارجية إيران، والتصريح الصادر عن اللقاء الذى جاء فيه، أنه قد تم البحث عن أسلوب للمقايضة التجارية أو وسيلة دفع مالى لا تعتمد على النقد، تقوم إيران عن طريقها ببيع نفطها إلى دول الاتحاد، مقابل الحصول على بضائع أوروبية.

ويأتى هذا الاقتراح كوسيلة للإفلات من بنود وعناصر قرار العقوبات الأمريكية، التى فرضتها الإدارة الأمريكية على إيران مؤخراً وعلى الشركات والهيئات والدول والمؤسسات التى تتعامل معها وتخرق شروط المقاطعة.

وفى مقابلة للسيدة «موجيرينى» مع «كريستيان آمانبور» فى قناة الـ«سى إن إن»، قدمت رؤيتها ورؤية الاتحاد الأوروبى إلى العالم حول مسألة الخلاف مع إيران، حينما تساءلت: «أيهما أفضل الحوار أم الحرب؟ أيهما أكثر واقعية أن نتكلم أو أن نتقاتل؟».

وعادت موجيرينى تقول: «إن الاشتباك مع الغير عبر قنوات التفاوض أفضل مليون مرة من الاشتباك معه فى ساحات القتال».

وتؤمن دول الاتحاد الأوروبى بأن إيران لم تخالف نصوص الاتفاق النووى الموقّع معها، وأن هيئة الطاقة الذرية أكدت فى تقاريرها الفنية والتقنية الدورية التزام طهران بالشروط الملزمة فى هذا الاتفاق، فيما يختص بعدم القيام بأى أنشطة تؤدى إلى تخصيب اليورانيوم.

وتؤمن دول الاتحاد الأوروبى أن قرار دونالد ترامب هو قرار انفعالى عقابى سوف يؤدى إلى تعقيد الموقف مع إيران ويزيد من احتمالات التوتر إقليمياً.

وترى إدارة الرئيس ترامب أنها وضعت إيران الآن بين «المطرقة والسندان»، بمعنى أنها تضغط عليها بالعقوبات التجارية والمالية، مما يفجر الأوضاع الاقتصادية فى الداخل الإيرانى، وتفاوضها بتقليص دورها الخطر الذى تمارسه عبر الحرس الثورى أو حلفائها فى المنطقة.

«ترامب» يضغط من ناحية، ويعرض على إيران التفاوض فى أى وقت وأى مكان دون شروط مسبقة فى ذات الوقت، وكأنه يعرض على طهران إما الموت بالتفاوض أو الموت بالمجاعة الاقتصادية!

هذا كله يضع «روحانى»، الموجود الآن فى نيويورك، تحت ضغط الإجابة ع، سؤال كبير: نفاوض أو نجوع؟ نتفكك بالخلاف الداخلى أو بالأزمة الاقتصادية؟ يا لها من خيارات!

القسم: 
المصدر: 

هذا زمن الحروب التجارية

بصرف النظر عن رؤية البعض أو الأغلبية فى سياسات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلا أن الرجل نجح فى تحقيق قفزة تاريخية فى أسواق المال الأمريكية فى أقل من عامين منذ توليه الحكم فى 20 يناير 2016.

قفز مؤشر وول ستريت بنسبة 130٪ حتى وصل أمس الأول إلى 26 ألفاً ومائتى نقطة، وارتفع مؤشر ناسداك إلى أن تجاوز 7500 نقطة، وذلك بالرغم من بدء وانطلاق إجراءات ترامب بفرض تعرفة عالية للغاية تصل إلى 20٪ على قائمة طويلة من الصادرات الصينية للولايات المتحدة تبلغ قيمتها 200 مليار دولار، وهدد ترامب أنه فى حال قيام الصين بإجراءات مضادة على الواردات الأمريكية فإن واشنطن سوف تقوم بفرض تعرفة جديدة على بضائع صينية بما يتجاوز 250 مليار دولار أخرى.

هذه الأخبار، وهذه الإجراءات أنعشت السوق الأمريكية التى سوف تستفيد من الإقبال على شراء البضائع الأمريكية الصنع بعدما كانت البضاعة الصينية تصيبها بالركود والكساد بسبب الرخص الشديد لأسعارها.

وسوف تؤدى هذه الإجراءات أيضاً لنقل الكثير من كبريات الشركات الأمريكية والعالمية، التى تعتمد على التصنيع رخيص التكلفة فى الصين بهدف التصدير إلى الأسواق الأمريكية، مقاراتها ومصانعها إلى الولايات المتحدة بعدما فقدت الصين ميزتها النسبية وهى قلة التكاليف.

ويبدو أن من قام باحتساب التعرفة المضافة على البضائع الصينية لأمريكا قد درس الملف جيداً، لأن نسبة الكلفة بين البضاعة المصنعة فى الصين عن مثيلاتها فى الولايات المتحدة تبلغ من 20 إلى 30٪.

ويخطئ من يعتقد أن الرئيس دونالد ترامب هو أول من فتح نار الحروب التجارية على الأصدقاء والحلفاء فى العصر الحديث.

إن سياسة فرض الرسوم والحروب التجارية هى ركيزة أساسية فى السياسات التجارية والمالية لاقتصاد الولايات المتحدة، سبق قبل ذلك أن بدأت الولايات المتحدة فى الثلاثينات رسوماً على 20 ألف منتج مستورد من دول أوروبا، بعدما رفعت هذه الدول الرسوم على صادراتها من الدجاج الأمريكى، وعرفت تلك الحرب بحرب الدجاج، وأدى ذلك إلى انخفاض الواردات الأوروبية لأمريكا بنسبة 66٪، وكان أحد الأسباب التى ساهمت فى الركود الاقتصادى الشهير الذى عانت منه الولايات المتحدة.

وحدثت معركة شهيرة بين الحليفتين والجارتين الولايات المتحدة وكندا بسبب تصدير الأخشاب عرفت باسم حرب الأخشاب التى اندلعت فى الثلاثينات، وقام الرئيس جورج دبليو بوش عام 2002 برفع الرسوم على الصلب من 1٪ إلى 30٪.

ويبدو أن هذه الأفكار ليست من «بنات أفكار» دونالد ترامب وحده، فهو يتأثر بشدة بما يؤمن به وزير خزانته ستيف منوشين، الذى كان يعمل خبيراً مالياً فى شركة جولدن مان ساكس المالية العملاقة وكان أحد كبار الشركاء فيها، ويلعب وزير التجارة ويلبر روس دوراً أساسياً فى تشكيل مثل هذه السياسات فى إدارة ترامب، و«روس» هو ملياردير قوى وملىء مالياً عرف باستثماراته فى مصانع الصلب والفحم التى تواجه صعوبات مالية بسبب الصادرات الأجنبية للأسواق الأمريكية «ياللصدف!».

نحن الآن نعيش فى عصر لم تعد به الصواريخ الباليستية أو القنابل النووية هى السلاح الأقوى أو الأكثر تأثيراً ولكن أصبحت فيه «التجارة» وإجراءاتها ورسومها واستخدامها بكل الوسائل من المنع إلى الإغراق هى السلاح الأكثر تأثيراً.

نحن فى زمن الحروب التجارية.

القسم: 
المصدر: 

كل شىء ليس للبيع!

هناك أمران حرَّم الله فى كل الديانات، منذ بدء الخليقة، بيعهما أو المقايضة عليهما هما: الجسد والضمير.

ومنذ بدء الخليقة وهناك 3 أنواع من البشر:

- من يعرض بيع جسده أو ضميره.

- من يسعى لشراء الجسد أو الضمير.

- من يقاوم بيع جسده أو ضميره.

هذا الصراع الأزلى عالجته الدراما مئات المرات، إلا أن أسطورة «بجماليون» اليونانية القديمة هى أساس جوهرى فى الدراما التى بُنيت عليها العشرات من المعالجات التى تتمحور حول هذه الفكرة.

ومنذ أيام شاهدت على مسرح «مينك» فى ضاحية «برودواى» الفنية الشهيرة بمدينة نيويورك، مسرحية «المرأة الجميلة» وهى إعادة مسرحية للفيلم السينمائى الشهير الذى عُرض منذ 25 عاماً، بطولة ريتشارد جير والمبدعة «جوليا روبرتس» التى جسَّدت الدور بعبقرية.

استغرق العرض المسرحى الرائع ساعتين ونصف الساعة يقدم مسألة بيع المرأة لجسدها، وبيع رجل الأعمال لضميره، وأن كلاً منهما (رجل الأعمال والساقطة) يشتركان فى أمر واحد هو مسألة بيع أى شىء لأى إنسان ما دام الثمن مناسباً.

إنها مسألة نقاشية بين هؤلاء الذين يشغلهم «السعر المناسب» وليس المبدأ المناسب.

والفكرة أزلية وقديمة، فهى رؤية لمحاولة رجل قوى يسعى لتحويل امرأة من طبقة دنيا إلى سيدة مجتمع. هذا هو أساس الفكرة الذى يهدف إلى فضح التزييف الاجتماعى فى كل المجتمعات على مدار كل العصور، وقد قدمته السينما المصرية فى عشرات الأعمال، أهمها ما قدمه أحمد مظهر و«شادية»، وفاروق عجرمة وهند رستم.

أما فى فيلم «بريتى وومان» الذى أصبح عرضاً ناجحاً للغاية على مسارح برودواى، فإن المسألة هى المقابلة أو المقاربة بين بيع الساقطة لجسدها ورجل الأعمال لضميره.

وينتهى العمل بأن يتوحد العاشقان، وتتوقف الساقطة عن بيع الجسد، ويتوقف رجل الأعمال عن بيع الضمير من أجل تحقيق هدف سامٍ ونبيل وهو تكوين أسرة شريفة.

والفكرة على قدر بساطتها، ورغم تكرارها فى جميع أشكال الدراما فى كل العصور، وبكل القوالب الفنية وبكل اللغات من العصر اليونانى إلى عصور النهضة، إلى الثلاثينات، إلى «ريكس هاريسون» و«أودرى هيبورن» إلى «ريتشارد جير» و«جوليا روبرتس» إلى مسرحية سيدتى الجميلة لشويكار وفؤاد المهندس.

هى فى النهاية محاولة لإعلاء قيمة الفضيلة والأخلاق والتمسك بما لا يمكن التفريط فيه مهما زادت المغريات، ومهما طغت الماديات بقوة وقسوة على حياة الناس.

أشياء كثيرة للبيع، بل إن معظم الأشياء والخدمات والبضائع خُلقت من أجل البيع، ولكنْ هناك أمور يجب أن تظل محرمة على البيع حتى قيام الساعة.

القسم: 
المصدر: 

قراءة أولى لكتاب «الخوف» كوارث دونالد ترامب (الأخيرة)

باختصار، وصل دونالد ترامب إلى الحكم فجأة وهو لا يحمل فى داخله سوى مشروعه القديم، وهو مشروع رجل الأعمال، المغامر، الشرس، العشوائى، الملاعب للخطر دائماً، المؤمن بأن كل شىء له ثمن، وكل رجل قابل للشراء، وكل امرأة تنتظر عرضاً منه لتمضية الليلة معه.

جاء «ترامب» إلى الحكم وهو يحمل أدوات رجل الأعمال غير الملتزم بالقانون، ليشغل وظيفة الرجل التنفيذى الأول لأكبر دولة فى العالم تتشدق بالتمسك بالقانون على أراضيها وعلى خارطة العالم.

إذا لم يكن ذلك هو التناقض المطلق، والتضارب الأعلى بين «الرغبة» و«القدرة»، وبين المواءمة بين الطبيعة البشرية من ناحية، ومتطلبات المنصب من ناحية أخرى، فما هو تعريف التناقض؟

يتفق كل من ستيف بانون، وبريبوس، وجارى كوهين، ومايك ماتفورت، وريك تيللرسون، وحتى جاريد كوشنر، زوج ابنة ترامب، على أن «الرجل عشوائى، متقلب، مزاجى، خارج عن السيطرة، يفعل ما يريد، وليس ما يجب أن يكون».

إنهم يتعاملون مع رئيس لا يهتم بالتقارير، ولا يأخذ بالبدائل المقترحة من مستشاريه، ولا يلتزم بالنصوص المكتوبة للخطب والتصريحات الرسمية.

إنهم يتعاملون مع رجل يحكم البيت الأبيض من أجل أن يعلن حرباً نووية من خلال تغريدة يطلقها على هاتفه الخاص وهو داخل غرفة حمامه الصباحى.

لكل هذه الصفات يشكل دونالد ترامب عبئاً ومشكلة.

ولكل هذه الأسباب أيضاً فعل أقطاب الحزب الجمهورى كل ما يمكنهم لدعم الرجل وإنجاحه، فهو «المطرقة» الحديدية الوحيدة القادرة على تحطيم تراث من إنجازات الحزب الديمقراطى المنافس: «8 سنوات مع كلينتون، و8 سنوات أخرى مع أوباما»، تحقق فيها كل ما يعارض مصالح اليمين الأمريكى سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

كان لا بد من «لغم بشرى»، أو «بلدوزر» جامح يدمر اتفاقات «النافتا»، وحلف الأطلنطى، والتجارة مع الصين وكوريا الجنوبية واليابان.

كان لا بد من «لغم بشرى» يدمر سياسة العربدة الإيرانية والكورية الجنوبية وتوسع «القاعدة» و«داعش».

كان لا بد من «لغم بشرى» يحد من الصادرات الصينية واليابانية والكورية والأوروبية الرخيصة للأسواق الأمريكية، ويضع قيوداً وغرامات وتعريفات جمركية حمائية للصناعة الأمريكية، وينسف كل الاتفاقات الثنائية التى كانت تتيح لهم ذلك.

كان لا بد من «لغم بشرى» يراجع بقوة الوجود الأمريكى فى أفغانستان والعراق، والدعم السنوى الأمريكى للأمم المتحدة واليونيسكو والأونروا.

كان دونالد ترامب هو الرجل المناسب تماماً لهذه الوظيفة، فهو «الرجل الجامح» القادر على فعل أى شىء دون خوف أو خجل أو تراجع.

لذلك لم يكن صعباً أن يُصدر تشريعات الهجرة، وطلب تعديل قانون «أوباما كير» الصحى وتخفيض الضرائب عن الشركات الكبرى.

كانت أفغانستان، وما زالت، هى نقطة مستعصية على الفهم لدى «ترامب»، وطالما ناقشها مع الجنرالات كيلى، وماكماستر، وماتيس.

كان سؤاله الدائم: «بحق الجحيم، ماذا نفعل فى هذا البلد (يقصد أفغانستان)»؟

يحاول أصدقاء «ترامب» أن يعطوا تفسيراً نظرياً لسياساته العشوائية على أنها سياسة «حافة الهاوية» التى ابتكرها جون فوستر دالاس، وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق، والتى تقوم على التصعيد اللانهائى حتى نقطة ذروة الخطر. وعندها، وعندها فقط، يصبح التفاوض هو الحل.

نجح ذلك مع الجميع، ويبقى أن نرى إذا كان سينجح مع «التاجر الإيرانى» الذى يبرع تماماً فى لعبة الصبر اللانهائى.

يدرك «ترامب» الآن أنه فى دائرة الخطر، بعدما شهد مايك ماتفورت أمام القضاء ضده، ويبدو أنه «عقد اتفاقاً ما مع المدعى العام يتعاون فيه مع جهات التحقيق مقابل تخفيف التهم الموجهة إليه».

ويدرك «ترامب» أن لجنة التحقيق الخاصة التى يديرها «موللر» وصلت إلى حقائق دامغة وخطيرة حول أرصدته الخاصة فى بنك دويتشه الألمانى، وحول حقيقة موقفه الضريبى، وحول علاقته المالية بروسيا، وفضائحه المالية، وتورط ابنه، ثم زوج ابنته، فى مخالفات مالية مع جهات أجنبية.

رغم ذلك يعتمد «ترامب» على خمسة عناصر قوية ليست بالسهلة.

1- النجاح المالى والاقتصادى المذهل الذى حققه فى الفترة القصيرة التى تولى فيها الحكم، بعدما تجاوز مؤشر «وول ستريت» 26 ألف نقطة، وهو رقم تاريخى، بعد سنوات من الهبوط والتأرجح فى المؤشرات.

وتدل المؤشرات أيضاً على ارتفاع معدل التنمية وزيادة فرص العمل لأول مرة منذ أكثر من عشر سنوات.

2- يعتمد ترامب أيضاً على الدعم الكامل وغير المشروط له من «الأيباك» وتيار اليهود الصهاينة فى أمريكا له ولنائبه «بنس»، بعدما كان أول رئيس أمريكى يجرؤ على نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.

3- إقبال التيار الشعبوى والتيار الدينى على دعمه لاستمراره فى سياسة منع المهاجرين ودعم كل ما يؤكد شعاره «أمريكا أولاً».

4- تشدده مع الشركاء الدوليين ونجاحه فى الحصول على تنازلات واضحة منهم.

5- مواجهته الشرسة، فى كافة المحافل، مع إنجازات الحزب الديمقراطى السابقة، وسعيه المستمر لتخريبها وضرب رموزها.

إذن، نحن أمام رئيس يسيطر عليه منطق: «كم ندفع فى هذا الهراء؟ وليس كم ينفعنا هذا الهراء من الناحية السياسية ولمصالحنا العليا».

«الكلفة المالية»، وليس «العائد السياسى»، هى المحرك الأول لسياسات «ترامب».

أنصار «ترامب» الذين غادروه أو غادرهم يؤمنون بأن الرجل أيامه باتت معدودة، وأنه إن لم يُعزل، فإنه لن يُكتب له الفوز فى الدورة الرئاسية المقبلة.

يبدو أن تيللرسون، الصديق القديم للدوحة وأنقرة، قد أوعز لحكام العاصمتين بهذه الرؤية التى جعلتهم يتعاملون مع ترامب مؤخراً بعدم جدية، على أساس أنه -من وجهة نظرهم- رئيس تصريف أعمال لا مستقبل له فى الحكم.

الإجابة الأمينة والموضوعية بخصوص مستقبل ترامب السياسى، بناء على كل ما جاء من مصادر ومعلومات وتحليلات كتاب «بوب وودورد»، أنه يلاعب الخطر بقوة، ولكن لا توجد إجابة نهائية عن هذا السؤال، لأن الصراع بين القوى التى صعّدت ترامب للحكم والتى استفادت مالياً وسياسياً بقوة من فترة حكمه، سوف تضطر للدخول فى صراع مع أجهزة أمنية وقوى سياسية فى النظام متحالفة مع تيارات شعبية من الحزب الديمقراطى لحسم معركة: «ترامب» أو «لا ترامب»!

القسم: 
المصدر: 

قراءة أولى لكتاب «الخوف» كوارث إدارة ترامب (٤)

أزمة ترامب أنه لا يريد مستشارين يشيرون عليه، أو فريقاً رئاسياً يضع له البدائل والحلول، بل هو يريد «موظفين يدينون بالولاء المطلق له».

ولعل حوار ترامب مع السيناتور جراهام حول مسألة الولاء يوضح بالضبط أسلوب ترامب فى الإدارة:

ترامب: يا عزيزى أنا أريد دعمك لى.

جراهام: أنا معك يا فخامة الرئيس.

ترامب: لكن دعمك هذا لى بنسبة 82٪، إنه غير كامل!

جراهام: لا أفهم، ماذا تريد بالضبط؟ أنا دائماً معك.

ترامب: لا، أنا أريد دعمك بنسبة مائة فى المائة! دعم غير منقوص!

جراهام: ليس مفيداً أن يحاط الرئيس برجال يوافقونه دائماً وأبداً على كل شىء، بل من المهم أن يكون له رجال مخلصون يستطيعون أن ينصحوه، ويصححوا له الأمور إن لزم الأمر!

انتهى الحوار واعتبر ترامب أن هذا السيناتور ليس موالياً له.

يرى «بانون، وتيلرسون، ومايك مانافورت» وكثير ممن عملوا مع ترامب أن الرجل لم يفرق حتى الآن بين موظفى البيت الأبيض الذين يعملون لدى الدولة ويخدمون مصالح دافع الضرائب الأمريكى وبين موظفيه فى شركاته الخاصة.

لذلك يتوقع ترامب وما زال أن يدين له مساعدوه فى أى مستوى من مستويات العمل الحكومى بالطاعة المطلقة، والانصياع الكامل، والاستعداد الدائم لفعل أى شىء يخالف القانون لدرء أى خطر أو محو أى خطأ يرتكبه!

هذا المنطق جعل ترامب أكثر رئيس أمريكى فى التاريخ المعاصر يقوم بفصل وتغيير أكبر عدد من المساعدين والموظفين الحكوميين فى أول عامين من رئاسته.

كان على ترامب أن يملأ 4 آلاف منصب جديد فى إدارته الجديدة، وظل بعضها لم يتم ملؤه حتى الآن لأنه ببساطة لم يكن مستعداً كى يقود هذا البلد وهذا الجهاز الديمقراطى الفخم.

ويبدو من فصول الكتاب الخطأ الجوهرى الذى يعانى منه ترامب فى اختيار مساعديه:

إنه توظيف عاطفى، تلقائى غير مدروس، لا يعبر عن رؤية، ولا يهتم بضرورة تجانس الفريق الحكومى.

هذا الأمر أزعج كبير موظفى البيت الأبيض وجارى كوتشنر زوج ابنة الرئيس، وستيف بانون الذى ناله ما ناله من هذه العشوائية فى الاختيار.

كان أبلغ حالة من حالات عدم التجانس فى الفريق الحكومى، هو اختيار كل من ركس تيلرسون والجنرال ماتيس لمنصبى وزيرى الخارجية والدفاع.

كان «ريكس تيلرسون» من رجال الأعمال فى مجال النفط، عمل لمدة 40 عاماً فى شركة «إيكسون موبيل» العملاقة وشغل فيها منصب رئيس مجلس إدارتها لمدة عشر سنوات.

عالم «تيلرسون» هو عالم صفقات وبيع وشراء وعمولات وكيفية إنجاز البيزنس عبر قنوات خلفية، ما أتاح له شبكة علاقات خاصة قائمة على المصالح، إلا أن الرجل لم تكن له الخبرة التقنية للدبلوماسى المحترف.

كانت أقوى علاقات «تيلرسون» الشخصية مع «فلاديمير بوتين» فى مجال النفط والغاز، حتى إنه منحه وسام الصداقة الروسى عام 2012 نظراً لـ«جليل خدماته لروسيا».

وكانت العلاقة الثانية القوية مع دولة قطر والعائلة الحاكمة فيها، حيث بلغ حجم شبكة مصالح إيكسون موبيل و«تيلرسون» شخصياً حداً يتجاوز «المعتاد والمقبول».

وقد تُرجم ذلك فى موقف «تيلرسون» المتعاطف مع الدوحة فى أزمتها مع دول التحالف العربى.

أما الجنرال ماتيس فهو جنرال ينظر له على أنه بطل ميدانى فى كل من العراق وأفغانستان، يجمع بين القدرة القتالية الميدانية والرؤية الاستراتيجية المنهجية.

كان «ماتيس» يؤمن بأن إدارة أوباما هى أكثر من ألحق الضرر بالمكانة الاستراتيجية لقدرة أمريكا العسكرية فى العالم بسبب سياسة «درء الأخطار وترك الفراغ الاستراتيجى كى تملأه روسيا وأعداء الولايات المتحدة وعلى رأسهم روسيا وإيران وحزب الله والطالبان وداعش والقاعدة»، على حد توصيف الجنرال فى وثائقه وتوصياته المكتوبة.

لم تتفق رؤية «ماتيس» مع إدارة أوباما، لذلك تم إعفاء الرجل من خدمته العسكرية 6 أشهر مبكراً عن موعده الرسمى للتقاعد.

كانت نقطة الخلاف والتفجير بين «ماتيس وتيلرسون» هى «إيران».

كان «ماتيس» يرى أن إيران هى الخطر الإقليمى وأن الصين وليس روسيا هى الخطر المقبل وأن واشنطن يجب أن تعود لأبحاثها النووية وتطوير أسلحتها بقوة وسرعة.

من هنا كان «ماتيس» يتفق مع ترامب على ضرورة فك ارتباط الولايات المتحدة من الاتفاق النووى الإيرانى الذى أتاح لطهران فرصة «الانتشار الإقليمى فى المنطقة من العراق إلى سوريا ومن اليمن إلى لبنان، ومن أمريكا اللاتينية إلى أفريقيا السوداء».

أما «تيلرسون» فقد كان يؤمن إيماناً خالصاً أنه من الخطأ أن تخرج الولايات المتحدة من اتفاق دولى شاركت فى كل مراحل صياغته ووقعت عليه ويضاف إلى ذلك أن «تيلرسون» كان يصدق تماماً التقارير الدولية عن أن إيران لم تخرق بنود الاتفاق وأنها ملتزمة به بشكل كامل.

حاول «تيلرسون» عدة مرات تعطيل أو إثناء ترامب عن قراره الخاص بالخروج من الاتفاق النووى إلا أن ترامب كان شديد الإصرار بشكل لا رجوع عنه فى البحث عن أى مخرج لإثبات أن إيران خالفت الاتفاق.

وجاء الصدام بين الرجلين حينما حان وقت التوقيع الأمريكى على تجديد الاتفاق قبل 90 يوماً من تاريخ التجديد كما ينص الاتفاق.

وجاء حوارهما كالآتى:

ترامب: لن أوقع على تجديد هذا الاتفاق السيئ للغاية (وصفه بكلمة غير لائقة).

تيلرسون: ولكن إيران لم تخالف الاتفاق وبنوده!

ترامب: هذا هراء! هذه المسألة مسألة مبدأ لا رجوع عنها، هذا أسوأ اتفاق وقعته الولايات المتحدة فى تاريخها المعاصر.

تيلرسون: ولكن يا فخامة الرئيس..

ترامب: لا تأت لى مرة أخرى بهذا الهراء وتحاول إقناعى بالتجديد.

تيلرسون: سيدى أنت رئيس البلاد، أنت صاحب السلطة الشرعية، قل لى بالضبط ماذا تريد من إيران وأنا سوف أنفذ حرفياً (!!).

ورغم أن الثلاثى «تيلرسون وبريبوس والجنرال ماكمساتر» كانوا يؤمنون بقوة بعدم انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق إلا أن «تيلرسون» خرج على العالم ليردد ليل نهار: لقد خالفت إيران الاتفاق.

بالمقابل كان لـ«ماتيس» خطة مكتوبة منذ عهد أوباما لمواجهة أى نشاط عسكرى إيرانى تبدأ بضرب الزوارق العسكرية الإيرانية الصغيرة فى الخليج، ثم تصل إلى ضرب البوارج الأكبر، وتتصاعد لضرب أهداف عسكرية منتقاة فى إيران، وتصل إلى ضربات منظمة للأهداف النووية الإيرانية.

كانت خطة «ماتيس» تتصاعد إلى حد تصميم خطة للغزو البرى للأراضى الإيرانية بالمشاركة مع كافة الأسلحة الأخرى بحراً وجواً.

فى نهاية الأمر فعل ترامب ما يريد، خرج من الاتفاق النووى، ولكن لم يغزُ إيران عسكرياً!

دفع «تيلرسون» ثمن خلافه مع ترامب واستقال بل أقيل بشكل مهين!

وهكذا أصبحت مسألة فريق الرئيس هى مسألة المسائل التى أضرت بماضٍ وحاضر، ويمكن أن تضر بالرجل فى المستقبل القريب.

غداً نكمل عرض الكتاب..

القسم: 
المصدر: