علي هشام

علي هشام يكتب: شُهداء من كوكب بلوتو

حاولت أن أُقنع نفسي سلفاً بأننا - كـ شعب - سوف نتخلى عن طابع الخنوع الذي بات يتغلغل في جيناتنا التي نورثها للأجيال عندما يصبح لكل واحد ضحية من معارفه جنى عليها الحاكم، حيث تستثار المشاعر ويصحو الضمير وما إلى ذلك، لكن سرعان ما نَبَّهت نفسي بأن أحداً لم يسلم من شرور حُكام بلدنا البهية "المتعددين".. ومع ذلك، لم يقم الشعب حتى الآن بثورة حقيقية تعصف بجميع المفسدين.. تُرى، كم لتراً من الدم يحتاجه هذا الشعب كي يفيق ويثور على الجميع ؟
 
حتماً أنك إذا دخلت في مناقشة مع أحد في هذه الأيام الغبراء، ستسمع منه عن صديق إبن خالته الجندي المجند في الجيش المصري الذي استشهد ضحية تفجير إرهابي في سيناء، طبعاً هو لا يحكي عنه للتدليل عن فشل قادة الدولة المنشغلين في صراعات "البيضة وللا الفرخة" في حماية ذلك الجندي الغلبان الذي لم يلق منهم إلا مُتاجرة بدمائه لنيل مكاسب سياسية رخيصة، وإنما الحكاية ليزعم بأن هؤلاء المجهولون الذين قاموا بالعملية الإرهابية ينتمون لجماعة الإخوان لذلك فهم يستحقون إبادة جماعية كما فعلت السلطة النازية باليهود، وبالطبع لن تسمع تلك الحكاية إلا من مناصر للسلطة الحالية، فهو لا يرى من الشهداء إلا الجنود وضباط الشُرطة، مُعتبراً أن من تقتلهم السُلطة هُم من كوكب بلوتو.
 
أما إذا كان من تناقشه من جماعة الإخوان، فلابد أنك ستجده يحكي لك عن صديقه الذي استشهد بجانبه في رابعة العدوية برصاص الجيش، وحتماً هو الآخر لا يحكي عنه لذكر قادة الجماعة الذين أفسدوا وقتلوا أيضاً عندما اعتلوا سُدَّة الحُكم.. وعندما عُزلوا، صوروا للشباب أنها حرب على الإسلام ودين الله الحق. ولَم يَلق ذلك الشباب من قادته بعد مقتله إلا متاجرة بدمائه أملاً في مكاسب دنيوية بخسة، تجسدت تلك المتاجرة في مشهد جثامين المعتصمين المتراصة إلى جوار بعضها في المشرحة، مغطى كُل منها بصورة كبيرة للمعزول مُرسي.
 
بين الجُندي الذي قُتِل في سيناء على يد إرهابيين، والشاب الذي قَتَلته السُلطة في رابعة العدوية.. ثمة شُهداء مُحوا من ذاكرتنا. كارثة أن تجد شهيداً يهضم حق شهيد. تُرى هل يتذكر أحد الشهيد أحمد بسيوني –على سبيل المثال لا الحصر- الذي قتله حُسني مبارك في 28 يناير 2011 بالرصاص ثم دهسته عربة الأمن المركزي؟ لم يأت حقه بَعد.
 
هل يتذكر أحد شيخنا ومولانا عماد عفت والدكتور علاء عبد الهادي اللذين قُتلا برصاص قوات الجيش في مثل هذا الشهر منذ عامين (2011) في موقعة مجلس الوزراء التي لا يتذكرها أحد إلا بإحراق المجمع العلمي.. ها هو قَد رُمِّم وعاد كما كان، هل زاره أحد ؟ هل عاد إلينا الشيخ عماد وفي يده الدكتور علاء ؟ لم يأت حقهما بَعد.
 
هل يتذكر أحد شاباً اسمه خالد سعيد ؟ الذي قُتِلَ على يد جهاز شرطة منذ ثلاث سنوات لم يتغير عن وقتها ؟ هل يعلم أحد بأن القصاص لم يأت من قتلة الشهيد خالد حتى الآن ؟ هل يتذكر أحد طَيِّب، هتاف "خالد خالد يا سعيد.. ثورة جاية من جديد" ؟
 
اعلموا أنَّ دماء الشُهداء لا تَجِف مَهما مَر الوَقت، وأن الشهادة لا تَسقُط بالتَقادُم.
القسم: 
المصدر: 

علي هشام يكتب: واحدة بالعسل و واحدة جوز هند

تعرفت على "أحمد" أثناء أجازتي القصيرة التي قضيتها مع البحر والسماء في الصيف الفائت، تحدثنا كثيراً وكنت أحياناً ما أرافقه في المرور على الشاطئ وحمامات السباحة التي يفصل بين كل منها والآخر مسافة كبيرة يمشيها على قدميه حاملاً على كتفه ذلك الصندوق الزجاجي الكبير الذي تسكن فيه الفريسكا بأنواعها كل يوم.
 
ولأن "أحمد"، ذلك العشريني ذو الملامح المصرية الصعيدية، مصري أصيل.. فهو يعلم جيداً أن "الرزق يحب الخفية"، لذلك كان دائماً ما يُلقي تحية حارة على كل من يقابله، مصحوبة بلقب يقدره هو "دكتور أو بشمهندس". لصداقتنا، أزلنا الألقاب، هو يقول لي "علوة".. وأنا أُناديه "أبو حميد".
 
تملكني فضول شديد تجاه أسرار مهنته، وهو أفادني كثيراً.. عَلَّمني –مثلاُ- طريقة حمل الصندوق بأقل ألم ممكن على فقرات الرقبة والظهر. عرفت كيفية فتح صندوق الفريسكا على البحر بحيث لا تضرها الرطوبة، يجب أن تولي ظهرك للبحر.. ثم تفتح الصندوق لتأخذ منه ما تُريد وتغلقه سريعاً.. "قبل ما الهواء ياخد باله".
 
كان "أحمد" يبيت مع عمال آخرين في مسكن متواضع بقرية ساحلية مجاورة، يخرج كُل يوم بصندوقه في السابعة صباحاً على باب تلك القرية، إلى أن تأتي سيارة مصنع الفريسكا التي تمر على القُرى لتوزيع بضاعة اليوم على العُمال، يأخذ منها نصيبه، وهُنا –فقط- يسمح له بأن يأكل واحدة أو اثنتين من الفريسكا الموجودة بسيارة المصنع، وبعد أن يملأ صندوقه الزجاجي.. ينتظر الفرج في سيارة نقل مارة على الطريق السريع يستجيب سائقها لإشارته وينقله إلى القرية التي يبحث فيها عن رزقه، حكي لي أنه ذات مرة لم يعثر على ابن حلال يقله، فمشى الثلاث كيلوات على قدميه، وصل متأخراً فوبخه أحد إداريي القرية وكان مكسبه في هذا اليوم هزيلاً حيث أنه كان قد استنفد طاقته ووقته.. فوبخه المسئول عن جمع إيرادات اليوم هو الآخر.
 
له من المَكسَب عشرين بالمائة، والفريسكا الواحدة بجنيهين، ربما يرى البعض أن شقاء هذه المهنة لا يتناسب مع فوائدها المادية، لكنه يقول: "آهي حاجة تستر وخلاص".
 
للأسف.. انتهت أجازتي، وودعت صديقي بعد أن التقطت لنفسي معه صورة تذاكرية على وعد منه بأن نتقابل قريباً في أقرب فرصة، سَجَّلت رقم "أحمد" على هاتفي الخاص، ولم تنقطع صلتنا إلى الآن..
 
لم يخطر على بالي يوماً أن الفريسكا سوف تكسبني صديقاً، فشُكراً لها.
--
 
أوحشني !
اتصلت بصديقي "أحمد" اليوم لأطمئن عليه، بعد أن انتهى موسم الصيف، وهجر المصيفون شاليهاتهم الفخيمة، وخلى المكان للشتاء الذي قد حَل بأمطاره ونَوَّاته وصفير رياحه.
 
أحمد.. الآن يقضي أجازة ليومين مع عائلته في مركز طهطا في سوهاج، سيسافر إلى الإسكندرية بعد ذلك للعمل كـ"عَتَّال" في إحدى شركات المقاولة.. استرجعنا أحادثينا في هذه المكالمة التي استغرقت كثيراً، وعندما تطرقنا للسياسة، أخبرني بأنه لا يعرف ما يجري في البلد ولا يهتم بمعرفته أصلاً، وقبل أن ننهي المكالمة، أوصاني بأن أدعُ له كي ييسر المولى أمور عبده، وأن يتيح له مواصلة آمنة بعد يومين إلى الإسكندرية –حيث العمل الشتوي-..
 
"عشان بيقولوا البلد فيها لَبَش والأمن غير مستتب".
 
القسم: 
المصدر: 

علي هشام يكتب: عشان احنا واحد

يقولون أن تعداد سكان مصر تخطى التسعين مليون نسمة، لكن رقعة اختلافاتنا الأيدولوجية اتسعت لأكثر من هذا العدد، ولا تتعجب.. ففي أم العجائب تجد أُناساً يحملون فكراً أيودولوجياً وعكسه، أو يتبنون مبدأً ونقيضه، كأن تجد فرداً يزعم أنه مدافع عن الحُريات والحقوق، وفي نفس الوقت يبرر باستماتة قتل واعتقال متظاهرين، بغض النظر عن انتمائهم. وعلى الصعيد الآخر.. تجد أُناساً يَدَّعون أنهم أبناء الفكر "الإسلامي" ويرمون آخرين بالكفر لمجرد أنهم مختلفون، بل ويحرضون عليهم ولا يمانعون من اللجوء للعنف، لكن أهم شيء.. ألَّا ينسوا تلك الابتسامة اللزجة التي ترتسم على وجوههم، وأن يُذَكِّروك بأنهم سمحين وأصحاب صدور متسعة لجميع الآراء المختلفة..
 
ويحضرني في هذا الموقف، الشيخ -أو الذي أطلقوا عليه شيخاً- الذي استُضيف على شاشة إحدى القنوات الإسلامية -أو التي أطلقوا عليها إسلامية- وسُئل عن جدوى قتل باسم يوسف، فابتسم وأجاب بوجه بشوش: ليس الآن !
 
لا تنس –عزيزي القارئ- أن تفكر جيداً في هوية من يقف بجانبك في أوتوبيس النقل العام ليزاحمك فيلتصق جسده بجسدك إن كانت المقاعد ممتلئة، فقد يكون ضابطاً مرتدياً الملكي، ربما يقتلك يوماً –عن قصد- إذا تظاهرت. أما إذا كنت موالياً للسلطة، فقد يقتلك –دون قصد- أثر وقوفك في بالكونة بيتك مثلاً أو مرورك في الشارع صدفة، فيضغط الباشا على الزناد قاصداً قتل أحد المعارضين، فتأتيك الرصاصة –غصب عنه والله- لتخترق جسدك معلنة عن وفاتك –ألف بعد الشر-. وحينها تُحَل القضية بتعويض لأسرتك قدره ألفين جنيه وكيسين إندومي. بافتراض أنه شرطي، وبما إنك كده كده ميت.. لا تخش مطلقاً من مزاحمته والاستماتة في توفير مكان مريح لك في النقل العام، بل والدعس على قدمه إن أحببت، هيحصل لك إيه اكتر من الموت يعني ؟
 
أما إن كان مدنياً بحق، فانس ما قلته بخصوص أنه سوف يقتلك بمسدس ميري، حاشا لله، فالأُستاذ ربما يقتلك بمسدس ملكي أو فرد خرطوش محلي الصنع ! أما عن انتمائه فتلك أمور هامشية، قد يكون مدنياً من الواقفين مع الشرطة –هذا المنظر الذي صار مألوفاً بالنسبة لنا منذ زمن-، أو يضربك من صفوف المتظاهرين، وفي هذه الحالة لا نعرف إن كان فعلاً من المتظاهرين أم إنه كائن غريب قد هبط من مكوك فضائي على أرض الحدث.
 
ربما يكون إنساناً ذو قلب ضعيف لا يقوى على المشاركة في الأحداث الدموية، وفي هذه الحالة سوف يتربع على كنبة بيتهم أمام التليفزيون، إما سيصفق لمقتلك إذا كان موالياً للسُلطة وقال الإعلام إنك من "الإرهابيين الوحشين"، أو سيمصمص شفتيه قائلاً:"يا حرام قتلوه الإرهابيين"، إذا قال الإعلام أنك من الأهالي الأبرياء الذي كانوا يتصدون للهجوم الإرهابي الغاشم.
 
اعلم أن القتل ليس ببعيد عن أحد منا، سواء تظاهرت أو لم تتظاهر، واعلم أن أُناساً سوف يسيرون فوق دمائك بأقدامهم، وآخرين سوف يتاجرون بدمائك ثم يبيعونها بعد ذلك بأرخص ثمن، وهناك من سيصفق لمقتلك، وثمة من سيزايد عليك، فالمزايدة صارت تجري في دماء الناس، حتى إنك إن قابلت أحدهم وقلت له: "وحشتني".. سيكون رده: "لا انت أكتر" !!
 
ويكتمل المشهد من الناحية العبثية.. بأن يأتيني وأنا جالس على مكتبي أكتب هذا المقال، صوت منبعث من التليفزيون لأُغنية مشجعة للمنتخب الوطني للتأهل لكأس العالم "عشان احنا واحد.. وهدفنا واحد" !
 
علي هشام
 
القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

علي هشام يكتب: مصر.. ع القهوة

جلست مع (مصر) على أحد مقاهي وسط البلد، وعندما سألتها "تشربي إيه؟"، أجابت "قهوة سادة وخلاص". أقلقتني كلمتها الأخيرة، لكنها ما إن لاحظت ملامح وجهي حتى فَسَّرت الكلمة، قالت إنها كانت تشربها "زيادة" زمان، لكنها باتت تشربها –سادة- لأن كُل شيء "مَسَّخ". طلبت مصر فنجانين بينما اكتفيت أنا بواحد.
 
أثناء انتظارنا المشروب.. قالت لي –مصر- أنها أدمنت القهوة هذه الأيام، فهي تحاول أن تتغلب بها على الاكتئاب الذي صار يجعلها تميل إلى النوم الفجائي بدون مقدمات، كما أخبرتني بأن عُمرها ما كانت تصدر غطيطاً وهي نائمة، الآن باتت تشخر كثيراً.
 
عندما وصلت القهوة، أخذت رشفة من الفنجان مصدرة صوتاً.. وأثناء كلامنا عن الدنيا بشكل عام، أبدت لي –مصر- نفورها من الرسوم الكاريكاتورية التي تملأ الصحف دائماً التي تجسدها في شخصية امرأة تبكي مرتدية عباءة بيضاء وخماراً فوق رأسها بألوان العلم الثلاث "الأحمر والأسود والأبيض" بينما يجلس بجانبها رجل بزي عسكري وآخر شرطي وبجانبهما شيخ وقسيس يكفكفون لها دموعها.. أبدت انزعاجها الشديد من الفكرة التي باتت مكررة ومبتذلة ومهروسة وماسخة زي القهوة السادة اللي بنشربها –كما قالت-. وأتمت كلامها: وبعدين.. إيه السهوكة دي ؟
 
وبالمناسبة.. قالت لي إنها مَلَّت من أغلب من يعيشون على هذه الأرض، وأنها قاطعت محطات التليفيزيون والجرائد.
 
أخذت رشفة أٌخرى من القهوة.. وضعت فنجانها، وقالت بوجه مكفهر: دي الأخبار بقت مقرفة ومكررة بشكل ممل يا أخي.
 
وقالت لي –مصر- إنها منعزلة هذه الأيام، مستمتعة بعزلتها. تقضي وقتها بين القراءة لتوفيق الحكيم وصلاح جاهين، وسماع الشيخ إمام وسيد درويش.. ناس من الزمن النضيف –مصر قالت لي كده-.
 
تنهدَتْ.. ثم سألتني "وانت عامل إيه ؟"، فأطلقت زفيراً وأخبرتها بأن لا داعي لهذا السؤال المحرج في هذه الأيام.
 
خَيَّم الصمت على النقاش لثوان.. فأطلقت مصر آهة باغتتني. ظننتها ستقول شيئاً مهماً، لكنها تابعت: آآآه.. القهوة دي صايصة قوي. ثم ضَحكَتْ بسخرية مريرة.. فضحكتُ أنا بدوري.
 
وعندما سألتها عن مُرشحها الذي ستنتخبه في الانتخابات الرئاسية القادمة، أطلقت –مصر- ضحكة رقيعة جلجلت في القهوة، ثم أسكتتني بإشارة من يدها، متمتة: ضحكتني وانا ماليش نفس، الله يخَيِّبَك.
 
وبمناسبة أنها أخبرتني بأنها تسمع الشيخ إمام في هذه الأيام، سألتها: "يا مصر.. لسة عددنا كتير؟".. فأجابت: "يعني انت سبت الأُغنية كلها ومسكت في دي؟".. فأخبرتها بأنني مش فاهم. فقالت: "أحسن برضه".
 
كما أخبرتني –مصر- برغبتها في الهجرة خارج البلاد، مبررة ذلك بأنها عايزة تسيب لنا كلنا البلد وتمشي. وكانت إجابتي بأن كلح وجهي وأطلقت بسملات وحوقلات متتابعة، واستفهمت: "حتى انت ؟ تهاجري برا مصر وتسيبي لنا البلد ازاي ؟ انت مصر!" فأشاحت بوجهها بعيداً متمتة بنبرة لا تخلو من تهكم: "مش قلتلك مانتاش فاهم أي حاجة.. اسكت بقى واشرب القهوة اللي زي وشك دي".
وعندما سألت مصر عن مانعها من الهجرة، أجابت مبررة: "مشاكل مادية مصيرها تتحل" !
 
يربت "عنبة" –القهوجي- بيده على كتفي، مردداً:
-          أستاذ علي .. أستاذ علي .. انت بتكلم نفسك ؟؟
 
اعتلدت في جلستي.. فَرَكْتُ عَيْنَيَّ،  فلم أجد أحداً يجلس أمامي.
لم أعرف حينها إذا كنت سأُحاسب على فنجان واحد أم ثلاثة.
 
القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: